مقالات

الإسكندرية .. المدينة المتاخمة لمصر – هشام المغربي

دائماً ما يوصم الإسكندرانية بالتعالي والغرورعلى بقية المصريين , بل ويعتبرون أنفسهم في مكان آخر غير باقي مدن مصر!

أذكر أن التقيت مع كاتب وأديب مصري كبير وزوجته كانا في زيارة لي تلبية لدعوة وجهتها لهما لزيارتي في الإسكندرية وعندما تقابلنا إذ بزوجة هذا الأديب وهي سيدة مثقفة ودارسة للتراث المصري تباغتني بسؤال قائلة :

هل لك أن تفيدني لماذا يشعر الاسكندرانية بهذا التعالي والتميزعن بقية مدن مصر؟ وقبل أن أجيب استطردت قائلة :

زوجي نصفه سكندري من جهة الأم وبسبب هذا النصف السكندري لا نعرف كيف نتحدث معه لك أن تسمي ذلك فخر أو تميز أو ربما اعتزاز أو غير ذلك.

كان هذا المأخذ علينا سبباً في البحث عن الأسباب التاريخية التي ربما كانت سبباً في هذا الشعور الذي ينتاب الكثيرين من أبناء مصر من كافة المحافظات من القاهرة إلى أسوان  عندما تأتي سيرة الإسكندرية أو عندما يتصادف أن يلتقوا مع أحدنا في أي مكان على أرض مصر أو ربما خارجها أيضاً, بل يتملك ويتمكن هذا الشعور من أبناء هذه المدينة حتى النخاع حتى يقول علماء النفس أن هذا شعور لا إرادي يتملك البعض ويتحكم في سلوكهم دون أدني قصد منهم, فهل له أسباب تاريخية أو سند تاريخي أدى لذلك كان هذا هو سبباً للبحث والتنقيب فيما ذهبت إليه  .

عندما أسسها الإسكندر الأكبر كان هدفه أكبرمن  تصبح عاصمة لمصر, كان يهدف أن تصبح عاصمة عالمية ومصدر إشعاع حضاري وثقافي للعالم كله , ورغم موته قبل أن يرى هذا اليوم يتحقق إلا أن خلفه من البطالسة قد حققوا له هذا الحلم وبلغت في عهدهم لمكانة لا ينافسها فيها أي عاصمة أخرى في العالم القديم, فهي بوابة مصر على العالم بموقعها الجغرافي الفريد , حتى وصفها الجغرافي (الإدريسي) في مراجعه ( تلك مدينة وكأنها كيان قائم بذاته لا تشبه أي مدينة أخرى في مصر) وأخذت شكل كيان ثقافي وعلمي مستقل.   

المدينة المتاخمة لمصر… كانت هذه العبارة  تصف الإسكندرية في بعض الوثائق وتجري على لسان كل من يسأل عن تلك المدينة الساحرة بداية من العصر البطلمي ثم الروماني والبيزنطي  حتى بداية دخول عمرو بن العاص مصر وسقوط الإسكندرية في يده عام 641 ميلادية.

فكانت طوال العصر البطلمي تتمتع بالحكم الذاتي وعندما تم تقسيم مصر إدارياً إلى خمس ولايات لكل ولاية حاكم أو والي كان للإسكندرية ما يسمى ب( الوالي الأعلى) وهو فوق كل ولاة مصر.

وكانت إبان الحكم البطلمي والروماني  لها (مواطنة خاصة)  وكان على السلطات أن تمنح للمقيم صفة مواطن سكندري خلافاً لبقية مدن مصر, وكانت الإقامة الدائمة بها لا تعطى أو لاتمنح إلا لأسباب منها الدراسة في (الموسيون) مثلاً وهو بمثابة أول جامعة في التاريخ القديم أو أن يكون باحثاً أو عالماً وقد أتي إلى الإسكندرية للبحث والدراسة في مكتبتها العريقة, حيث أصبحت الإسكندرية هي الموطن الأول لصناعة الكتب  بسبب قرار البطالسة بمنع تصدير ورق البردي خارج مصر وهو العنصر الأساسي لصناعة الكتب في هذا العصر, وذلك ما جذب لها رجال القلم والفكر والعلماء من مختلف بلدان العالم, أو غير ذلك من أسباب تراها السلطات في ذلك الوقت لمنح المواطنة السكندرية لطالبي الإقامة.

كما يذكر المؤرخ أميانوس أن خير تزكية يحصل عليها طبيب في العالم أن يقال عنه( أتم دراسته في الموسيون بالإسكندرية)

غير ذلك فكانت تسمى مدينة الرب ربما لاحتضانها للمسيحية في العهد القديم وكان بها مقر أول بطريركية في مصر وبها واحدة من أقدم مدارس اللاهوت المسيحي وكانت تسمى المدن التي كانت  بها مراكز للقداسة بمدن الرب

وسميت أيضاً بمدينة النور وهو لقب لم تنافسها فيه أي عاصمة في العالم  سوى باريس بعد ذلك بسنوات طويلة جداً

ولذلك أسباب منها وجود منارة الإسكندرية إحدى عجائب الدنيا السبع فهي ترشد السفن ليلاً وتضيء البحر للملاحة والصيد

كما أن لتصميمها المعماري سببا آخر لتلك التسمية حيث اكتست مبانيها بأنواع نادرة من الرخام الأبيض اللامع الذي ما أن يسقط  فوقها ضوء القمر في الليالي القمرية حتى تضىء كما لو كانت مشعة  فأطلقوا عليها مدينة النور

سبب آخر للتميز أن اللهجة السكندرية تحمل كلمات إيطالية وفرنسية ويونانية وهي بسبب تلك الجاليات التي عاشت فيها وأثرت في الثقافة السكندرية وامتزجت مع اللهجة السكندرية التي جاءت مع أهل الأندلس القادمين من أسبانيا والفارين إلى الإسكندرية كملجأ آمن لهم وكانوا ينطقون العربية بطريقة خاصة وهي الأقرب إلى الفصحى مثل (فتح الحرف الأول من الفعل الماضي) ونحن الوحيدين في مصر الذين نتمسك حتى اليوم بتلك اللهجة ونفخر بتميزنا بها.

كم الأدباء والكتاب والفنانين من مختلف الدول الذين كتبوا عن الإسكندرية وتغنوا بها لم يسبقها فيه مدينة في العالم من لورانس داريل وكفافيس وفورستر وأندريه مالرو إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس ومحمد جبريل وإدوارد الخراط وغيرهم كثر, مما خلق صورة ذهنية للمواطن السكندري بتفرده وتميزه.

ربما كان هذا تحليلاً تاريخياً لهذا الشعور الذي ينتاب السكندريين وأي كان السبب تاريخي أو اجتماعي أوثقافي ستظل الإسكندرية مصدر إلهام لشعوب كثيرة جداً رغم كبوتها التي تعيشها الآن , فربما تمرض أحياناً ولكنها لن تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إغلاق