مقالاتولنا رؤية

ترامب وفنزويلا… رسائل القوة وإعادة هندسة النفوذ الأميركي في “الفناء الخلفي لأمريكا ” – ماهر عبدالقادر – نيويورك

إعلان ترمب إغلاق المجال الجوي الفنزويلي… الدوافع، الرسائل، واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة

يمثّل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إغلاق المجال الجوي الفنزويلي، وما رافقه من عمليات قتل خارج القانون طاولت عشرات المشتبه فيهم على قوارب انطلقت من السواحل الفنزويلية، لحظة مفصلية في مسار التوتر المتصاعد بين واشنطن وكاراكاس. فالتبريرات التي قدّمها البيت الأبيض—من مكافحة تهريب المخدرات إلى “استهداف شبكات الجريمة المنظمة”—تفتقر إلى الأساس القانوني والواقعي، وتشير إلى تحوّل خطير في طريقة توظيف القوة الأميركية خارج الإطار القانوني الدولي، في عالم تراجع فيه احترام الشرعية الدولية إلى حدّ الحضور الصوري وتوسيع حدود القوة الصلبة في بيئة دولية تتآكل فيها الشرعية ويتراجع فيها دور المؤسسات متعددة الأطراف ,

أزمة فنزويلا… أم أزمة نظام دولي يتفكك؟

ما يجري في الكاريبي يتجاوز تماماً حدود الصراع الأميركي–الفنزويلي. إنه اختبار حيّ لقدرة واشنطن على فرض قواعد اشتباك جديدة في عالم بلا قواعد، ولحدود “القوة المفرطة” في بيئة دولية يتراجع فيها الردع المتبادل.

إذا مرّت سابقة: قتل خارج القانون + حصار + إغلاق مجال جوي + تهديد بالغزو من دون محاسبة دولية، فإن أميركا اللاتينية قد تكون أمام مرحلة جديدة من الصدامات المصطنعة، حيث يُستخدم ملف المخدرات ليس كقضية أمنية، بل كأداة جيوسياسية لإعادة تشكيل الأنظمة ورسم خريطة النفوذ في القارة

تصعيد بلا ضوابط قانونية: حرب مفتوحة تحت شعار مكافحة المخدرات

خلال عام واحد فقط، نفّذت القوات الأميركية أكثر من 90 عملية قتل خارج نطاق القانون ضد أفراد يُشتبه بتورطهم بالتهريب. لكنّ آلية التنفيذ—من دون إنذارات، ومن دون محاولات توقيف، ومن دون أي إجراءات قضائية لاحقة—تكشف أن مكافحة المخدرات ليست سوى الإطار الخطابي الذي تُخفي خلفه واشنطن عملية عسكرية وأمنية واسعة النطاق في البحر الكاريبي، لا تختلف كثيراً عن تكتيكات “القتل المستهدف” التي اعتمدتها في غرينادا” عام 1983 والشرق الأوسط.

فنزويلا تتهم واشنطن بشن “حرب غير معلنة” عليها، و تعالت المخاوف في أميركا اللاتينية من أن تكون هذه العمليات تمهيداً لسيناريو أكثر خطورة.

الانتشار العسكري الأميركي ضخّ قوة غير مسبوق فمنذ أغسطس 2025، نقلت واشنطن إلى الكاريبي قوة بحرية ضخمة تضم

سفن حربية بقيادة الأميرال آلفين هولسي غواصة هجومية نووية SNA قطع برمائية تحمل 4500 عنصر من قوات المارينز 8 هذا الحجم من الانتشار يتجاوز بكثير متطلبات عمليات اعتراض تهريب تقليدية، ويرجّح أن واشنطن تتهيأ لعمليات ضغط أعلى سقفاً، تشمل:

  1. حصاراً بحرياً خانقاً على فنزويلا
  2. عمليات داخل المياه الإقليمية بذريعة “المطاردة الساخنة”
  3. احتمال التوغّل المحدود في العمق الفنزويلي تحت غطاء “حماية الأمن القومي الأميركي”

ومع تصاعد خطاب ترمب الملوّح علناً بـ“غزو محتمل لكاراكاس”، يعود السؤال: هل نحن أمام فصل جديد من سياسة “تغيير الأنظمة” بواجهة جديدة؟

ما دوافع ترمب الحقيقية؟

حسابات داخلية – تعبئة القاعدة اليمينية-1-

ملف “المخدرات والهجرة” من أكثر الملفات فعالية في تعبئة قاعدة ترمب الانتخابية. تقديم فنزويلا كـ“خصم ماركسي” يعيد إنتاج خطاب الحرب الباردة في قالب جديد. احتواء التمدد الصيني في أميركا الجنوبية

الصين تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى الشريك الاقتصادي الأكبر لمعظم دول أميركا اللاتينية. واشنطن، التي تأخرت في مواجهة هذا التحول، تنظر إلى التصعيد مع فنزويلا كمدخل لإعادة هندسة التوازن في “الفناء الخلفي” ولجم التغلغل الصيني في الطاقة والبنى التحتية والموانئ.

إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة

الخلاف الحاد بين ترمب والرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بترو يعكس نقطة تحول بنيوية. انتقادات بترو للحرب على غزة ودعوته الجنود الأميركيين للعصيان أخرجته من خانة “الحليف الأساسي” إلى “الدولة الخارجة عن المسار الأميركي”. قطع المساعدات (740 مليون دولار عام 2023) كان الإشارة الأولى في مسار ضغط قد يمتد إلى عقوبات أو دعم معارضات يمينية.

ومع انتشار الحكومات اليسارية في المكسيك والبرازيل وكولومبيا وتشيلي، تبدو واشنطن وكأنها تعيد تفعيل استراتيجية احتواء شبيهة بسبعينيات القرن الماضي

إعادة رسم المشهد السياسي في أميركا اللاتينية

التوتر مع كولومبيا مثال صارخ. فبعد انقلاب العلاقة بين ترمب والرئيس اليساري غوستافو بترو—الذي انتقد بشدة الحرب على غزة وحرّض الجنود الأميركيين على العصيان ودعا إلى “جيش عالمي لتحرير فلسطين”—تحوّلت بوغوتا من “الحليف الأساسي خارج الناتو” إلى دولة “يجب تصحيح مسارها” وفق الخطاب الأميركي.

قطع المساعدات الأميركية (740 مليون دولار عام 2023) ليس إلا أول الغيث في سياسة ضغط قد تشمل عقوبات أو دعم قوى معارضة.

ومع وجود حكومات يسارية في المكسيك والبرازيل وتشيلي وكولومبيا، تبدو واشنطن وكأنها تُعيد بناء استراتيجية احتواء مشابهة لحقبة السبعينيات، عندما اعتُبر أي تمدّد يساري تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي.

هل ينزلق الوضع إلى غزو كاراكاس؟

رغم أن السيناريو ليس مستحيلاً، إلا أنّ كلفته السياسية والعسكرية مرتفعة. هناك ثلاثة اعتبارات رئيسة:

  1. البيئة الإقليمية تغيّرت: دول أميركا اللاتينية أكثر استقلالية، والبرازيل والمكسيك لن تقبلا بتكرار نموذج “غرينادا”.
  2. الخسائر المحتملة كبيرة: الجيش الفنزويلي يمتلك دفاعات جوية وصاروخية روسية متقدمة نسبياً، ما يجعل أي تدخل مكلفاً.
  3. غياب غطاء دولي: لا مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة يمكن أن يوفّرا شرعية عملية عسكرية.

لكن، رغم ذلك، قد تلجأ واشنطن إلى:

تدخل محدود استهداف مراكز قيادة حصار خانق يهدف إلى إسقاط مادورو من الداخل

نحو كاراكاس أم نحو نظام دولي بلا قواعد؟

ما يجري في الكاريبي اليوم يتجاوز حدود فنزويلا؛ إنه اختبار لمنظومة القانون الدولي نفسها. وإذا نجحت واشنطن في فرض سابقة “القتل خارج نطاق القانون + الحصار + إغلاق المجال الجوي + تهديد بالغزو” بدون أي محاسبة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من الصراعات المصطنعة، حيث تُستخدم قضايا كالتهريب والمخدرات لا كمشكلة أمنية، بل كأداة استراتيجية لتغيير الأنظمة وإعادة صياغة الخريطة السياسية للقارة.

ماهر عبدالقادر – نيويورك

رؤية نيوز

موقع رؤية نيوز موقع إخباري شامل يقدم أهم واحدث الأخبار المصرية والعالمية ويهتم بالجاليات المصرية في الخارج بشكل عام وفي الولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص .. للتواصل: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إغلاق