مقالات
أخر الأخبار

ترامب يربك الاقتصادين الأمريكي والأوروبي في محاولة لمواجهة أزماته الداخلية – ماهر عبد القادر

بقلم: ماهر عبد القادر – نيويورك

ماهر عبد القادر

منذ عودته إلى واجهة القرار السياسي، انتهج دونالد ترامب سياسات اقتصادية وتصريحات صدامية أحدثت ارتباكًا واسعًا في الاقتصادين الأمريكي والأوروبي، ليس بوصف ذلك نتيجة جانبية، بل كأداة ضغط ومناورة لمواجهة أزماته الداخلية السياسية والاقتصادية. فترامب يدير الاقتصاد بعقلية “الصدمة”، معتبرًا أن خلق حالة عدم يقين قد يتيح له إعادة فرض شروط جديدة تخدم مصالحه قصيرة المدى.

شراكة غير متكافئة

حجم التبادلات التجارية والاستثمارية بين أوروبا وأمريكا هو الأكبر عالميًا، لكن هذا الحجم يخفي حقيقة جوهرية:

أوروبا تعتمد على أمريكا أكثر مما تعتمد أمريكا على أوروبا—أمنيًا، طاقيًا، ماليًا، وحتى سياسيًا.

على الصعيد الأمريكي؛ أدت تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية واسعة النطاق، وإعادة فتح ملفات الحرب التجارية، إلى زعزعة ثقة الأسواق والمستثمرين. فالاقتصاد الأمريكي، الذي يعاني أصلًا من تضخم متراكم، وعجز مالي متصاعد $ 37 Trillions ، وتوترات في سوق العمل، لم يعد يحتمل سياسات ارتجالية تزيد كلفة الاستيراد وترفع الأسعار على المستهلك الأمريكي. ومع ذلك، يوظف ترامب هذه السياسات شعبويًا، مصورًا نفسه كمدافع عن “الاقتصاد القومي” في مواجهة الخارج، حتى وإن كان الثمن اضطرابًا داخليًا.

سياسيًا؛ يستخدم ترامب الارتباك الاقتصادي كورقة ضغط داخلية وخارجية. داخليًا، يحاول تحويل الأنظار عن أزماته القانونية والانقسامات العميقة داخل المجتمع الأمريكي، عبر افتعال معارك اقتصادية مع الخارج.

وخارجيًا؛ يسعى إلى فرض نموذج يقوم على الابتزاز الاقتصادي بدل الشراكة، معتبرًا أن إرباك الحلفاء قد يجبرهم على تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية

في المقابل: الصناعات العسكرية الأمريكية تُستنزف، العجز المالي يتفاقم، والانقسام السياسي الداخلي الأمريكي يتعمّق.

لا تبدو سياسات ترامب الاقتصادية موجهة لحل جذري للأزمات، بقدر ما تهدف إلى إدارتها عبر التصعيد وخلق الفوضى المحسوبة. لكن التاريخ الاقتصادي يثبت أن اللعب على حافة الهاوية قد يحقق مكاسب سياسية مؤقتة، لكنه غالبًا ما يخلّف خسائر طويلة الأمد على الاقتصادين الأمريكي والأوروبي وعلى الاستقرار العالمي ككل

أما أوروبيًا؛ فقد وجد الاتحاد الأوروبي نفسه مرة أخرى في موقع المتلقي للصدمة. سياسات ترامب الحمائية، وتهديداته بإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، والضغط على الحلفاء في ملفات الطاقة والدفاع، عمّقت حالة عدم الاستقرار في اقتصادات أوروبية تعاني أصلًا من تباطؤ النمو، وارتفاع كلفة الطاقة، وتداعيات الحرب في أوكرانيا. وقد أدى هذا السلوك إلى زيادة التوتر داخل الأسواق الأوروبية، ودفع الشركات إلى إعادة حساباتها الاستثمارية في بيئة دولية غير مستقرة.

غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطر جسيمة. فإرباك الاقتصاد العالمي لا يمكن السيطرة على تداعياته، وقد يرتد سلبًا على الولايات المتحدة نفسها، ويقوض مكانتها كقائد للنظام الاقتصادي الدولي. كما أن أوروبا، رغم هشاشتها الحالية، بدأت تدرك أن الاعتماد المفرط على سياسات أمريكية متقلبة يشكل خطرًا استراتيجيًا، ما قد يدفعها إلى تسريع مسارات الاستقلال الاقتصادي والمالي.

أوروبا التي استفادت لعقود من “السلام المجاني” الذي وفّرته أمريكا، وجدت نفسها فجأة في مواجهة تهديد أمني حقيقي، لكنها لم تُعِد بناء قدراتها الدفاعية.

بدلًا من ذلك، لجأت إلى الحل الأسهل: تحميل أمريكا كلفة الردع والتسليح.

أوروبا تعاني من أزمات بنيوية عميقة تراكمت خلال العقدين الماضيين، أبرزها:الشيخوخة الديموغرافية وارتفاع كلفة دولة الرفاه.

اعتمدت على المظلة الأمنية الأمريكية لتوجيه مواردها للرفاه الاجتماعي بدل الدفاع.

ضعف النمو والإنتاجية مقارنة بالولايات المتحدة.

الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي بين الشمال الصناعي والجنوب المثقل بالديون.

الاعتماد الطويل على الطاقة الروسية ثم الصدمة بعد حرب أوكرانيا

تبنّت سياسات تجارية حمائية (خصوصاً في الزراعة والصناعة).

فرضت معايير تنظيمية وبيئية أضرت بالشركات الأمريكية.

استفادت من عجز تجاري أمريكي مزمن دون تقديم تنازلات مقابلة.

وبدلاً من الاعتراف بهذه الاختلالات، تلجأ بعض العواصم الأوروبية إلى تحميل واشنطن المسؤولية باعتبارها “الضامن التاريخي” للأمن والاقتصاد الغربي، وهو سلوك يعكس عجزاً عن اتخاذ قرارات سيادية مكلفة داخلياً (رفع الإنفاق الدفاعي، إصلاح سوق العمل، تقليص الدعم).

أوروبا تُصدِّر أزماتها… وأمريكا تدفع الثمن، بينما الصين تحصد المكاسب ; أوروبا لم تحل أزمتها—بل صدّرتها.

لم تعد العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة شراكة متوازنة بقدر ما أصبحت آلية لنقل الأزمات الأوروبية إلى الخزانة الأمريكية، في وقت تستغل فيه الصين هذا الخلل الاستراتيجي لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي بهدوء وفعالية.

أوروبا اشترت الغاز الأمريكي بأسعار أعلى، ففقدت صناعتها التنافسية، ونقلت مصانعها إلى الولايات المتحدة، ما أدى إلى:

تضخم في السوق الأمريكية،

ضغوط على البنية الصناعية،

وتشويه المنافسة العالمية.

منذ حرب أوكرانيا، تحوّلت أوروبا إلى كيان:

عاجز عن حماية نفسه دون المظلة العسكرية الأمريكية،

فاقد لاستقلاله الطاقي،

ومتردد في اتخاذ قرارات اقتصادية سيادية.

حرب أوكرانيا: نموذج نقل العبء  –  الطاقة: ضربة مزدوجة لأوروبا وأمريكا

قطع الغاز الروسي لم يكن قرارًا اقتصاديًا أوروبيًا عقلانيًا، بل قرارًا سياسيًا باهظ الثمن.

أين الصين من كل هذا؟   بينما ينشغل الغرب بإدارة أزماته الداخلية، الصين تراقب وتستثمر:

  1. اقتصاديًا
  • الصين تستفيد من ضعف الصناعة الأوروبية
  • توسّع حصتها في آسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية
  • تقدّم نفسها كشريك اقتصادي “غير أيديولوجي”
  • واشنطن مستنزفة في أوكرانيا وأوروبا
  • تركيز أقل على احتواء الصين في آسيا
  • تأخير في حسم ملفات تايوان وبحر الصين الجنوبي
  1. سياسيًا
  • الصين تروّج لنموذج “تعدد الأقطاب”
  • تقدّم الغرب كقوة منهكة تُدار بالأزمات لا بالرؤية
  • أوروبا: الحلقة الأضعف في مواجهة الصين

الواقع المؤلم أن أوروبا ليست لاعبًا مستقلًا في الصراع الأمريكي–الصيني، بل:

سوقًا مترددًا،

تابعًا أمنيًا،

وعاجزًا عن اتخاذ موقف استراتيجي موحد.

هذا الضعف يدفع أمريكا لتحمّل أعباء إضافية، بينما تستفيد الصين من تآكل القيادة الغربية.

أمريكا أمام خيار حاسم

الاستمرار في تحمل الأعباء الأوروبية يعني:

استنزاف اقتصادي طويل الأمد،

إضعاف القدرة على مواجهة الصين،

وتحويل أوروبا من حليف إلى عبء.

أما الخيار البديل فهو:

فرض شراكة متكافئة،

إجبار أوروبا على تحمل مسؤولياتها الدفاعية والاقتصادية،

وإعادة توجيه الموارد الأمريكية نحو التحدي الحقيقي: الصين.

لماذا يصعب على أوروبا تقبّل “عصر أمريكي جديد”؟

التحول الأمريكي يعكس واقعاً استراتيجياً:

الولايات المتحدة لم تعد ترى أوروبا المسرح الرئيسي لمصالحها (صعود الصين، آسيا-الهادئ).

الرأي العام الأمريكي بات أقل استعداداً لتمويل أمن الآخرين.

النخب الأمريكية تعتبر أن أوروبا “تستهلك الأمن ولا تنتجه”

أوروبا تجد صعوبة في التكيف لأن ذلك يعني:

تحمّل كلفة سياسية واقتصادية داخلية كبيرة.

التخلي عن وهم “القوة المعيارية” دون قوة صلبة.

الاعتراف بأن الاعتماد على واشنطن لم يعد مضموناً.

هل الدفاع المشترك التزام أمريكي تاريخي؟

نعم.

منذ الحرب العالمية الثانية: استفادت أوروبا من المظلة الأمريكية، واستفادت أمريكا بالمقابل من:

قيادة النظام العالمي.

الأسواق الأوروبية.

النفوذ السياسي والعسكري.

العلاقة لم تكن عملاً خيرياً، بل تبادلاً استراتيجياً.

أو برؤية أخرى:-

أوروبا اليوم لا تواجه أزمة واحدة، بل أزمة قرار. وأمريكا لم تعد قادرة على لعب دور “المنقذ الدائم”.

أوروبا تأخرت في بناء استقلالها الاستراتيجي.

الولايات المتحدة تعبت من دور الضامن المجاني.

ترامب يصنع الأزمة بأسلوب صدامي.

  • وفي الفراغ بين الطرفين، الصين تتقدم بلا ضجيج.

العلاقة لم تعد علاقة راعٍ وتابع، بل يجب أن تتحول إلى شراكة متكافئة…وإلى أن تدرك أوروبا ذلك، ستبقى الأزمة قائمة مهما تغيّرت الإدارات في واشنطن.

إما أن يعيد الغرب ترتيب أوراقه على أساس المسؤولية لا التبعية،

السياسة الخارجية الأمريكية تقليدياً تقوم على الاستمرارية، لكن:

التحولات الكبرى (ترامب، ثم ما بعده) تعكس تحولاً مجتمعياً عميقاً داخل أمريكا.

أوروبا أخطأت عندما افترضت أن هذا “العقد غير المكتوب” أبدي وغير قابل للمراجعة.

  • لم يعد ما يفعله دونالد ترامب مجرّد ارتباك في السياسات الاقتصادية، بل تحوّل إلى نهج تخريبي متعمّد يضرب الاقتصادين الأمريكي والأوروبي في الصميم. فالرجل، المحاصر بأزمات داخلية سياسية واقتصادية وأخلاقية، اختار تصدير أزماته إلى العالم، مستخدمًا الاقتصاد كساحة صراع، والأسواق الدولية كرهائن لمغامراته الشعبوية.
  • ترامب لا يبحث عن استقرار اقتصادي ولا عن شراكات متوازنة، بل عن فوضى محسوبة يعتقد أنها تمنحه هامشًا للهروب إلى الأمام. حروبه التجارية، وابتزازه لحلفاء تاريخيين، وتقويضه لقواعد النظام الاقتصادي الدولي، ليست أخطاء عشوائية، بل أدوات ضغط سياسي تهدف إلى شدّ الداخل الأمريكي عبر خلق عدو خارجي دائم، حتى لو كان هذا العدو هو أوروبا نفسها

أو سيكتشف متأخرًا أن القرن الحادي والعشرين لم يعد يُدار من بروكسل ولا واشنطن—بل من بكين.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إغلاق