بقلم/ هشام المغربي
قرأت مقال (صناع البيوت) للدكتورة هنا أبو الغار أستاذة طب الأطفال بكلية الطب جامعة القاهرة ابنة عالم أمراض النساء الأستاذ الدكتور محمد أبو الغار، والحقيقة بُهرت بما كتبته هذه الابنة البارة عن والدتها السويدية (د.كريستينا أرفيدسون) التي جاءت إلى مصر لتعمل لمدة عام واحد فقط فمكثت ستين عاماً ولازالت تعطي حتى اليوم.
أعجبني تعبيرها (صناع البيوت) وتقصد الأمهات والآباء من صناع البيوت الذين يشيعون البركة والحب والدفء في أرجاء البيت، تذكرت أمي رحمها الله التي لم تكن فقط صانعة للبيت ولكن سأقول عنها أنها كانت (صانعة للبهجة) بكل ماتعنيه هذه الكلمة من سعادة تبثها في أرجاء المكان بلا حدود، وحركة ديناميكية لاتهدأ، ودفء وطمئنينة تبعثها في كل من حولها، كانت تملىء البيت بهجة وحياة كانت سعادتها الحقيقية في العطاء.
تذكرت كيف كانت تحرص على أدق التفاصيل في المناسبات والأعياد والمواسم، أذكر في أحد الأعياد وكنا قبل اعتماد تقويم الحسابات الفلكية نعتمد بنسبة كاملة على الرؤية فقط، التي غالباً ما كانت تفاجئنا بحلول العيد وختام شهر رمضان الكريم على غير المتوقع.
كانت تسهر طوال الليل لتنهي اكتمال ألبسة النوم (بيجامات العيد) لشقيقتيّ (الأثنتين) بل ومعهما بنات خالي المقيم في الشقة المقابلة لنا في منزلنا الذي بناه جدي رحمه الله كبيت للعائلة ومنح كل ابن من أبنائه شقة خاصة به.
عهد خالي إلى أمي مسؤولية رعاية أبنائه ومتابعة شؤونهم بعد وفاة زوجته – التى رفض أن يتزوج بعدها حتى وفاته – حتى لا يأتي بزوجة أب لهم.
تحمّلت أمي فوق طاقتها بنفس راضية دون كلل أو ملل وابتسامتها دائماً على وجهها لا تفارقها، كانت سعادتها الحقيقية في إرضاء الآخرين، سعادتها في كلمة إطراء صادقة يتفوه بها من يحيطون بها، تشقى لتُسعِد من حولها .
أذكر في هذا العيد أن ظلت ساهرة طوال الليل حتى صلاة العيد تجهز ملابس الصغار للعيد وعندما قمت لصلاة العيد وجدتها لم تعرف للنوم طريقاً في هذه الليلة!
وياليتها خلدت للنوم بعد ذلك إلا أنها ذهبت إلى المطبخ لإعداد إفطار العيد من الكعك والبسكوت والغريبة التي قد جهزته قبيل انتهاء رمضان بأيام قليلة!
حرص أمي على طقوس المناسبات المختلفة من أعياد ومواسم لا يجاريها فيه أحد وظلت هكذا حتى وفاتها رحمها الله.
كانت محل ثقة كل صديقاتها فهي مخزن أسرارهن ومستودع الأمان لهن، كانت تلبي طلبات صديقاتها إذا ماطلبوا مشورتها في أمر يخصهن فيجدونها تلبي ما طلبوا بل أكثر مماتوقعوا مهما كلفها الأمر .
كيف كان لها هذه القدرة اللامحدودة؟ كيف أتت بهذه الطاقة الفولاذية على كل ذلك وأكثر؟
كانت أمي (المرأة الفولاذية) إذا صح التعبير عنها هكذا… فقدرتها على صنع البهجة ليس له مثيل… ربما يتصور القاريء أنني أبالغ لأنها أمي…. ولكن الحقيقة أن هذا كان رأي كل من عَرفها وتعامل معها ولو ليوم واحد، منحها الله هذه القدرة لإسعاد الآخرين…
كانت تؤمن أن السعادة قرار.. فاتخذت قرارها أن تَسعِد كل من حولها أما هي فقمة سعادتها ورضاها تراها في العيون الشاخصة إليها والآذان المنصتة لنصائحها، والقلوب التي تخفق بحبها والدفء الذي تستشعره يَسري في أوصالهم.
بعد وفاة أمي افتقدتُ طعم الحياة، أصبحت الدنيا مثل صورة باهته بلا ألوان زاهية، أصبحت الأيام كلها مثل بعضها البعض… افتقدت البركة في الحياة… بركة الرزق …وبركة الدعاء… وبركة السعادة …لم تعد الضحكات من القلب …لم تعد الدنيا هي الدنيا.
لم أجد أصدق من كلمات الشاعر الكبير محمود درويش التي قال فيها :
“أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسةِ أمي
وتكبر فيّ الطفولةُ يوماً على صدر يومِ
وأعشق عمري لأني إذا ما مِتُ أخجل من دمع أمي”.
وختاماً كانت أمي حقاً صانعة البهجة.
