أخبار من أمريكاتحليلات سياسيةعاجل
تحليل سياسي: هدنة غزة خطوة ضرورية… لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا

ترجمة وإعداد: رؤية نيوز | أمجد مكي
عن تحليل صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (Council on Foreign Relations – CFR)
مقدمة
يرى تحليل صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) أن التوصل إلى هدنة في قطاع غزة يُعد إنجازًا سياسيًا وإنسانيًا مهمًا في توقيت بالغ الحساسية، لكنه في الوقت نفسه لا يرقى إلى مستوى الحل المستدام للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ما لم يُستكمل بإطار سياسي شامل يعالج جذور الأزمة، لا أعراضها فقط.
ويؤكد التحليل أن الهدنة الحالية تمثل فرصة نادرة لوقف نزيف الدم وفتح ممرات إنسانية طال انتظارها، إلا أن تحويلها إلى سلام دائم يظل مشروطًا بتجاوز ملفات شديدة التعقيد، لا تزال مؤجلة أو محل خلاف حاد بين الأطراف.
أولًا: لماذا تُعد الهدنة إنجازًا حقيقيًا؟
يُقرّ التحليل الأمريكي بأن الهدنة نجحت، على الأقل مرحليًا، في كسر منطق الحرب المفتوحة، عبر التركيز على ملفات إنسانية وأمنية ذات أولوية قصوى، في مقدمتها:
تبادل الرهائن والأسرى بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.
توسيع نطاق دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
خفض حدة العمليات العسكرية، بما يتيح للمدنيين التقاط أنفاسهم.
ويشير التحليل إلى أن هذه الخطوات وفّرت مكاسب ملموسة وسريعة للطرفين، ما عزّز فرص صمود الهدنة في مرحلتها الأولى، خصوصًا في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة داخل إسرائيل، والكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة.
ثانيًا: لماذا لا تكفي الهدنة وحدها؟
رغم الإشادة بأهمية التهدئة، يحذّر مجلس العلاقات الخارجية من الخلط بين وقف إطلاق النار وبين السلام، معتبرًا أن الهدنة، بطبيعتها، أداة إدارة أزمة لا حلًا جذريًا.
ويحدّد التحليل ثلاث قضايا رئيسية تهدد بانهيار أي مسار طويل الأمد:
- سلاح حماس ومعضلة “النزع أو الاحتواء”
يرى التحليل أن مسألة سلاح حماس تمثل العقدة الأخطر في أي مرحلة تالية.
فبينما تصر إسرائيل على نزع السلاح كشرط أساسي لمنع تكرار الهجمات، تعتبر حماس أن السلاح عنصر وجودي في معادلتها السياسية والعسكرية.
ويشير التحليل إلى أن أي محاولة لتجاوز هذه المعضلة ستتطلب ضمانات دولية قوية أو صيغًا وسطية معقّدة (مثل التجميد أو الرقابة)، وهي خيارات لم تتبلور بعد.
- القوة الدولية الغائبة
يناقش التحليل فكرة نشر قوة دولية أو متعددة الجنسيات لتثبيت الاستقرار في غزة، لكنه يصفها بأنها فكرة نظرية أكثر منها خطة قابلة للتنفيذ، في ظل:
غياب دول مستعدة لتحمّل كلفة الانتشار العسكري.
عدم وضوح قواعد الاشتباك والعلاقة مع الجيش الإسرائيلي.
وبالتالي، تبقى “الضمانات الدولية” مطلبًا متفقًا عليه سياسيًا، لكنه غير مضمون عمليًا.
- سؤال الحكم: من يدير غزة بعد الحرب؟
يؤكد التحليل أن مستقبل الحكم في غزة لا يزال غامضًا ومفتوحًا على سيناريوهات متضاربة، في ظل:
غياب صيغة فلسطينية موحّدة ومقبولة.
ضعف المؤسسات والشرعية السياسية.
ويعتبر مجلس العلاقات الخارجية أن هذا الفراغ السياسي قد يكون أخطر من التحديات الأمنية نفسها إذا لم يُعالج ضمن رؤية واضحة.

ثالثًا: البعد الإنساني… بين التعاطف والواقع
يشير التحليل إلى أن الهدنة سمحت بتوسيع دخول المساعدات وعودة جزئية للنازحين، لكنه يلفت إلى حقيقة قاسية:
الدمار الواسع في غزة يجعل العودة “نظرية” لكثير من العائلات التي لم يعد لها مأوى فعلي.
ويرى التحليل أن المساعدات الإنسانية، رغم ضرورتها القصوى، لا يمكن أن تكون بديلًا عن حل سياسي، محذرًا من أن استمرار غياب الأمن والإدارة سيحوّل الإغاثة إلى مسكن مؤقت لأزمة مزمنة.
رابعًا: لماذا وافقت الأطراف الآن؟
يفسر التحليل لحظة التوافق الحالية بأنها نتاج تلاقي ضغوط متعددة:
ضغط داخلي إسرائيلي لإنهاء ملف الرهائن.
ضغط دولي وإقليمي لمنع اتساع الحرب وتداعياتها الإقليمية.
إرهاق عسكري وسياسي متبادل جعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة التهدئة.
وبحسب القراءة الأمريكية، فإن الهدنة لم تكن ثمرة “اختراق سياسي كبير”، بل حلًا اضطراريًا فرضته موازين الكلفة والضغط.
خامسًا: هل تفتح الهدنة باب السلام؟
يتبنى التحليل موقفًا حذرًا، مشيرًا إلى أن فرص السلام الشامل ما تزال ضعيفة في المدى القريب، بسبب:
انعدام الثقة المتبادل بعد حرب مدمّرة.
تعقيدات السياسة الداخلية لدى الطرفين.
غياب إطار دولي موحّد وقادر على فرض التزامات طويلة الأمد.
ومع ذلك، لا يغلق التحليل الباب تمامًا، معتبرًا أن الهدنة قد تشكّل نافذة سياسية محدودة لإعادة ترتيب الأولويات وبناء مسار تدريجي، إذا جرى استثمارها سياسيًا لا الاكتفاء بإدارتها أمنيًا.
خلاصة تحليلية
يقدّم مجلس العلاقات الخارجية قراءة متوازنة مفادها أن:
- الهدنة ضرورية لتخفيف المعاناة الإنسانية واحتواء التصعيد، لكنها غير كافية لصناعة سلام دائم دون معالجة قضايا السلاح، والحكم، والضمانات الدولية، وإعادة الإعمار.
- وبين التأييد والنقد، يخلص التحليل إلى معادلة واضحة: وقف النار يمكن أن ينجح كتهدئة… لكنه لا ينجح كسلام إلا إذا أُتبع بسياسة جديدة وشاملة.
ملاحظة تحريرية – رؤية نيوز
مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) يُعد من أبرز مراكز الفكر في الولايات المتحدة، وتستند تحليلاته إلى خبرات دبلوماسية وأمنية رفيعة المستوى، وغالبًا ما تُستخدم كمراجع غير رسمية لصنّاع القرار في واشنطن.
