بقلم: د. حسام عبد المقصود/ كاتب وباحث في الإدارة وتطوير المؤسسات
لا يحق لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تجعل حياة البشر رهينة لتجربة لا يعرفون عنها شيئًا، أو لخطر لا تصلهم معلوماته إلا بعد فوات الأوان.
هذا هو السؤال الذي تعيده إلى الواجهة الأخبار القادمة من روسيا: من يحمي الإنسان العادي عندما تُحاط الأبحاث الخطرة بالغموض، وُتُترك الشعوب بين التطمينات الرسمية والخوف من المجهول؟
حتى ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، يتعلق الخبر بوفاة عاملة في معهد لأبحاث الطاعون بمنطقة إيركوتسك الروسية، بعد التهاب رئوي مجهول السبب. نفت السلطات الروسية العثور على دليل يربط الوفاة بمسببات الأمراض التي كانت تعمل عليها، بينما طلبت منظمة الصحة العالمية معلومات إضافية. هناك اشتباه غير مؤكد بالطاعون؛ ولم يثبت تسرب مختبري أو وجود جائحة .
لكن غياب الدليل القاطع لا يعفي المسؤولين من واجب التوضيح. عندما تكون حياة الناس موضع السؤال ،لا تكفي عبارة «الوضع تحت السيطرة». نحتاج إلى معلومات يمكن مراجعتها، ونتائج فحوص واضحة ،وتحقيق علمي مستقل عند الحاجة. الطمأنينة التي تستند إلى المعرفة تحمي المجتمع؛ أما الطمأنينة التي تطلب منه الصمت فتضعف ثقته حين يكون التعاون أكثر ما نحتاج إليه.
قبل نحو ستة أعوام، دخل العالم اختبار كورونا.
تجاوزت الوفيات المؤكدة المبلغ عنها لمنظمة الصحة العالمية سبعة ملايين بحلول يونيو ٢٠٢٦. خلف كل رقم إنسان، وأسرة فقدت أحد أحبائها، وأطفال تغيرت حياتهم. وما زلنا نتذكر المستشفيات المزدحمة ،والخوف من العدوى، ونقص المستلزمات، والوداع الذي حُرمت منه عائلات كثيرة.
ومع ذلك، فإن الأمانة العلمية تقتضي ألا نقول إن تسرب كورونا من مختبر أصبح حقيقة مثبتة. تقرير المجموعة الاستشارية العلمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية، الصادر في يونيو ٢٠٢٥، رجّح الانتقال من الحيوان إلى الإنسان وفق الأدلة المتاحة، مع بقاء منشأ الفيروس غير محسوم، وعدم إمكان إثبات فرضية الحادث المختبري أو استبعادها بسبب نقص المعلومات. ومن هنا تأتي المقارنة مع روسيا: في ضرورة كشف الحقائق مبكرًا، لا في افتراض أن سبب الحادثتين واحد .
أنا لا أرى في هذه الأسئلة ترفًا سياسياً.
من حق البشرية أن تعرف كيف تُدار الأبحاث على مسببات الأمراض الخطرة، ومن يراجع سلامتها، ومن يتحمل المسؤولية إذا وقع خلل. الأبحاث التي تطور التشخيص والعلاج واللقاحات ضرورية، لكن ضرورتها لا تمنح أي جهة حصانة من الرقابة. وكلما اتسعت القدرة العلمية، وجب أن تتسع معها المسؤولية الأخلاقية.
أما توظيف العلم لصناعة وسائل قتل بيولوجية، فهو تجاوز لا يجوز التسامح معه. اتفاقية الأسلحة البيولوجية تحظر تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها واستخدامها. ولا يوجد في المعلومات المتاحة ما يثبت أن الحادث الروسي مرتبط بسلاح بيولوجي. ومع ذلك يبقى السؤال مشروعً ا: كيف نضمن ألا تُستخدم المعرفة التي يفترض أن تحمي الإنسان في إيذائه؟
أوجه هذا السؤال إلى جميع القوى الكبرى، من الولايات المتحدة والصين إلى روسيا وغيرها: ألا تكفي البشرية مخاطر الأسلحة القائمة؟ هل تحتاج إلى وسائل قتل تستطيع أن تصل إلى طفل في مدرسته، أو مريض في مستشفاه، أو عامل يعود إلى بيته؟ وحتى في الحرب، تبقى حماية المدنيين واجبًا. والعدوى التي قد تتجاوز الحدود لا تمنح أحدًا ضمانًا بأنها ستتوقف عند خصمه.
سواء آمن الإنسان بالله أو لم يؤمن، فإن كرامة الحياة البشرية ليست مجالًا للمساومة. لا يجوز أن يصبح الأبرياء كلفة جانبية في حسابات النفوذ. والصغار في عنوان هذا المقال هم من لا يملكون القرار، ولا يملكون الوصول إلى المعلومات، وغالبًا لا يملكون المال الذي يحميهم حين تنهار الخدمات أو ترتفع أسعار العلاج.
لهذا أطالب الحكومات بأن تجعل الأمن الدوائي جزءاً من أمنها القومي الفعلي.
نحتاج إلى مخزون استراتيجي مدروس من معدات الوقاية والمستلزمات التشخيصية والأدوية المناسبة ،مع متابعة الصلاحية وتدوير المخزون، وتنويع مصادر الإمداد، ودعم التصنيع المحلي. ونحتاج إلى فرق مدربة، وترصد وبائي قادر على الإنذار المبكر، وخطط استجابة يجري اختبارها قبل الأزمة، لا ارتجالها أثناءها.
وأطالب بأن تصل الحماية إلى الفقراء وكبار السن وذوي الإعاقة والعاملين في الرعاية الصحية. فالخطة التي تؤمنّ العلاج لمن يستطيع الدفع، وتترك غيره ينتظر، لا تحقق الأمن الصحي. لقد علمتنا كورونا أن استعداد المستشفى وحده لا يكفي إذا تعطلت سلسلة الدواء، أو عجز المواطن عن الحصول على الرعاية.
وللناس أقول: اليقظة مطلوبة، والذعر لا يساعد.
تابعوا تعليمات الجهات الصحية الموثوقة، والتزموا بنظافة اليدين والتهوية وآداب السعال، وبالتدابير الإضافية عندما توصي بها السلطات وفق الخطر الفعلي. ولا تتناولوا مضادات حيوية وقائيًا من تلقاء أنفسكم. والطاعون مرض بكتيري، وليس فيروسًا، ويمكن علاجه بالمضادات الحيوية إذا بدأ العلاج سريعًا؛ وتختلف الوقاية باختلاف المرض وطريقة انتقاله .
لا أملك دليلًا يقول إن جائحة جديدة ستخرج من روسيا، ولا أزعم أن موعد الجائحة القادمة معلوم. لكنني أرفض أن يتحول عدم اليقين إلى مبرر لعدم الاستعداد. حتى الخطر منخفض الاحتمال يستحق تقييمًا جادًا عندما تكون عواقبه كبيرة؛ وهذا لا يعني اختراع نسبة للخطر أو إعلان طوارئ بلا أساس.
الوقاية خير من العلاج، والاستعداد مسؤولية لا يجوز تأجيلها.
وإذا خرج العالم من تجربة كورونا دون رقابة أقوى، ومعلومات أسرع، وعدالة أكبر في الوصول إلى الدواء ،فسنكون قد أهدرنا درسًا دفع ثمنه الملايين.
لعب الكبار وموت الصغار ليس قدرًا يجب أن نقبله. قوة الدول تُقاس أيضًا بقدرتها على حماية الحياة، وبشجاعتها في إعلان الحقيقة، وباستعدادها للمساءلة. ومن يملك القدرة على إجراء أبحاث قد تمس سلامة العالم، يجب أن يتحمل مسؤولية سلامة العالم.