بقلم:هشام المغربي
دائما ما كنت أتصور أن الحنجورية حديثة العهد بالتاريخ الحديث وأن عرّابيها هم المناضلون الجدد وليست لها جذور قديمة .
دعوني أولاً أُعَرِف معنى الحنجورية الذي انتشر وذاع صيته في العقدين أو الثلاثة عقود السابقة، الحنجورية هي مصطلح يشير في سياقه إلى أسلوب خطابي يعتمد على الصوت العالي أكثر مما يعتمد على إعمال العقل والمنطق والعلم والتفكير المتعقل للأمور، يعتمد الحنجوري على حنجرته في إيصال فكرة ما، أو للدفاع عن وجهة نظره في أمر ما، أو في التأثير فيمن هم حوله،تأثيراً إيجابياً يجعلهم يتأثرون بما يقول، ويؤمنون به، بل والأكثر أن يأمنوا به أكثر من إيمانهم بالفكرة التي يطرحها، وهي بلا شك قدرة هائلة أو ربما موهبة فائقة أن تؤثر في الناس بصوتك دون أدنى إعمال للعقل، وتطور الأمر إلى أن صار النضال بالحناجر هو سمة من سمات القوة ومن هؤلاء من لايملك سوى حنجرته للدفاع عن نفسه أو عن مؤسسته أو منشأته أو مدينته أو بلدته وهكذا..
كان جمال عبد الناصر هو عرّاب هذا النضال إذا صح تسميته بنضال،حباه الله كاريزما هائلة ومقدرة صوتية كبيرة على التأثير في الآخرين فكانا هذين السلاحين هما كل ما يملك الرجل لقيادة الأمة فإذا وضعنا معهما قدرته على استقطاب المهمشين والفقراء والضعفاء من الشعب بدغدغة مشاعرهم وتجيشهم ضد كل من يملك المال أو الثروة أو الجاه ظهر لنا جليًّاً لم كانت ولاتزال شعبيته جارفة ليس في مصر فقط بل في منطقته العربية كلها وفي بعض الدول الأفريقية أيضاً.
وقف يهاجم ويهجوا كل القوى العظمى في العالم شرقاً وغرباً دون أي سند من قوة اللهم سوى قوة حنجرته فهؤلاء الذين يهاجمهم إذا أردوا أن ينسفوه لفعلوا ولكنه غير مدرك لذلك فالصوت العالي لديه سلاحه الفتاك الذي يظن أنه سيحميه!
فهل لهذه الشعبية الطاغية لها ما يبررها!
دعونا نحلل بالمنطق والعقل ما حدث في مصر على سبيل المثال…..
دفع بنا إلى ما لم نكن نأمل أن نصل يوما دون أي جريرة ارتكبها الشعب بدأت بحرب السويس وتأميم القناة واستعدى ثلاث دول ضد مصر كادت تلك الدول أن تفتك به وتعيد احتلال مصر لولا أن أنقذه أيزنهاور من الهلاك، وملخص ماحدث في تلك الحرب أن قام أيزنهاور بالضغط السياسي والاقتصادي الهائل واستخدم نفوذه في الأمم المتحدة وهدد بفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل، وقام برفض تقديم امدادات بترولية لبريطانيا بعد تعطل الملاحة في قناة السويس مما أثر على قيمة الجنية الأسترليني ورفض دعم العملة البريطانية مما عرض الجنية الاسترليني للانهيار بعد أزمة البورصة ،كما رفضت إدارة أيزنهاور تقديم إمدادات بترولية لفرنسا لإجبارها على الإنسحاب الفوري ، ولقد قام إيزنهاور بذلك الموقف مدفوعاً برغبته في عدم انهيار النظام المصري الذي ساند انقلابه العسكري ضد الملك واعتبر عبد الناصر حليفاً قوياً له ورجلا من رجاله في المنطقة هذا من جهة وللحد من النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة من جهة أخرى، وليثبت لعبد الناصر وللعالم بداية سطوع قوة عظمى جديدة وأن زمن المملكة البريطانية قد ولى ، ثم أجبر عبد الناصر على دفع تعويضات هائلة لكل المتضررين من تأميم القناة ووافق عبد الناصر صاغراً ..
وبنظرة عاقلة لما حدث كانت ستعود ملكية القناة كاملة لمصر بعد 12 عاماً ونصف تقريباً من تاريخ التأميم ،حيث سينتهي امتياز الشركة العالمية لقناة السويس البحرية في 17 نوفمبر 1968 وذلك بعدد مرور 99 عاماً منذ افتتاح القناة للملاحة في 17 نوفمبر 1869 .
وكان قد وفر على مصر ملايين الدولارات التي دفعتها كغرامات وتعويضات لكل المتضررين من التأميم والتي بلغت أكثر من 23 مليون جنية (بأسعار تلك الفترة والتي كانت قيمة الجنية المصري تعادل ثلاثة أضعاف قيمة الدولار) كما ترك للشركة ملايين أخرى من رسوم المرور تبلغ قيمتها أكثر من خمسة ملايين جنية حصلتها الشركة في لندن وباريس كجزء من التسوية وترك ممتلكات شركة القناة خارج مصر دون حساب قيمتها في تلك التسوية أيضاً فضلاَ عن الأضرار التي لحقت ببعض مدن القناة.
والغريب أن خرج عبد الناصر يمارس هوايته الحنجورية ويصرخ ويهلل في كل اتجاه أنه قد ربح الحرب وأجبر المعتدين على الانسحاب !!
ثم حرب اليمن.. حرب لا ناقة لنا بها ولا جمل خسرنا في الحرب التي امتدت لسنوات خيرة أبناء الأمة وخسرت مصر أرصدة الذهب في بنكها المركزي،وكتب أنيس منصور عن هذه الحرب مايلي:
(أرسلنا عبد الناصر إلى اليمن نجيب محفوظ ويوسف السباعي والشاعر صالح جودت والشاعر محمود حسن إسماعيل وأنا جلسنا نتناقش ونحاول أن نفهم لماذا نحن هنا؟ وما الهدف؟ وما النتيجة من هذه الحرب الدموية بين القوات المصرية والقوات اليمنية ولم نفهم منها شيئاً؟ لقد أخطأنا عندما جئنا إلى هذه البلاد التي لاناقة لنا فيها ولا جمل).
ثم دخل في حرب الخامس من يونيو من عام1967 التي انتهت بهزيمة منكرة لم تحدث في تاريخنا الحديث كله أضاع فيها عبد الناصر كل ما نملك من مال وثروات وأرض لحرب لم نكن مضطرين لها ولكنها غطرسة الصوت العالي والحنجورية المفرطة بلا وعي وبلا هدف يذكر سوى ارضاء ذاته المنتفخة التي أودت بحياته!
وفي هذه الحرب أطلق الشعب صفة العراب على المذيع أحمد سعيد (عراب النكسة) ظل يذيع الأكاذيب من إذاعة صوت العرب يؤلف قصص وهمية عن انتصارات خيالية من خياله ليس لها أي أساس من الحقيقة عن إسقاط طائرات العدو بالمئات وعن انتصار الجيش المصري وقرب دخوله إلى تل أبيب وغير ذلك وفي الحقيقة كانت إسرائيل بعد أن احتلت خمس دول عربية واستولت على سيناء بعد الانسحاب البائس المذل دون أي تخطيط أو تنسيق مع القيادة العامة قد أصبحت على بعد 97 كيلومتر فقط من القاهرة!
وبعد أن فجع الشعب بحقيقة ما حدث أصبح الشعب إذا أراد أن يتيقن من خبر ما أن يقول (بجد ولا أحمد سعيد)
وتطورت الحنجورية وأصبحت ليست صوت الحاكم وشخصيته فقط بل طالت جهازا إعلامياً جباراً من صحف مكتوبة أو مسموعة أو مرئية تهتف بما يملي عليها من الأنظمة ليل نهار لتصل بالشعوب إلى مصير مجهول أو إلى غياهب سحيقة من التخلف والاندثار .
ما دفعني لكتابة ذلك هو ما قرأته في كتاب عمر طوسون أمير الإسكندرية من سلسة مونوجراف مركز دراسات الإسكندرية وحضارة البحر المتوسط.
وأخص تحديداً ما حدث قبل ضرب الإسكندرية من قبل الأسطول الإنجليزي في 11 يوليو من عام 1882 وكتب الأمير عمر طوسون هل كان بإمكان حصون الإسكندرية الصمود أمام الأسطول البريطاني في ذلك الوقت؟ أو هل كان باستطاعة رجال الدولة في مصر تجنيب البلاد تلك الكارثة باتباع سياسة مغايرة لمعالجة الموقف؟
دعونا نقرأ ما حدث ….عقد الخديوي توفيق اجتماعاً مع ثلاثة وعشرين رجلاً من رجال الدولة والوزراء بمن فيهم أحمد عرابي باشا وزير الحربية والأسطول آنذاك ، كانت الجلسة ساخنة واحتدم النقاش حول إمكانية صمود حصون الإسكندرية أمام القصف البريطاني ورجح البعض أن الحصون لا تستطيع الصمود أمام تفوق المدفعية البريطانية، وكان محمد المرعشلي باشا المدير السابق للحصون من أصحاب ذلك الرأي بينما أكد محمود فهمي باشا مدير التحصينات أن الحصون في حالة ممتازة وأن بإمكانها الصمود للقصف لمدة ثلاثة أشهر كاملة !
وعلق المرعشلي باشا بأن تلك الإجابة تدل على أنه إما جاهل بما يقول أو يتعمد استفزاز الحاضرين وهنا سأل الخديوي المرعشلي باشا عن حالة الحصون أجاب بأنها لن تصمد أكثر من أربعة وعشرين ساعة تحت القصف العنيف بل ربما خمسة ساعات كافية لتدميرها!
وهنا هاج عرابي ووجه له انتقادات حادة وأجج المشاعر ضد البريطانيين واتخذ من الحنجورية سلاحاً للدفاع عن موقفه دون أي سند من الحقيقة أو تقييم علمي للقدرات الحقيقية للحصون، وإذا قمنا بمقارنة موقف عرابي بما فعله الأمير عمر طوسن بعد ذلك سنعرف الفرق بين الحنجورية والتفكير العلمي حيث قام الأمير بتوثيق تاريخ حصون الإسكندرية منذ الفتح العربي ،حيث حصر أعدادها ومواقعها وأنواع المدافع والذخيرة التي استخدمتها بغرض مقارنتها بالمدافع والبنادق التي كانت على متن السفن الحربية المتمركزة في الميناء، حيث كانت الحصون عتيقة الطراز ولا توفر الحماية اللازمة للإسكندرية، ثم حلل الأمير بعد ذلك خطابات السير (بوشامب سيمور) أميرال الأسطول البريطاني وشهادة العديد من الأجانب والمصريين وخلص إلى أن الجنود المصريين قد دافعوا عن وطنهم ببسالة ولكنهم هُزموا أمام تفوق عتاد الإنجليز ولكنه ألقى باللوم على القادة المصريين لعدم التعامل مع الموقف بشكل مختلف، وكتب في مذكراته عن موقف المرعشلي باشا ( نحن نرى رأيه هكذا…. رأي رجل عاقل جداً فضلاً عن كونه أخصائي ملم بمهنته تمام الإلمام ولكن مما يؤسف له أشد الأسف أن الآراء الحصيفة التي يمثلها رأي هذا الخبير تهمل ولا يعمل بها في وسط ساد فيه الحماس ) ولم يكن مصطلح الحنجورية قد عرف في ذلك الوقت وإلا كان استخدمه بدلاً من كلمة الحماس.
والمضحك أو ربما المبكي أن بعض صحف ذلك الزمن قد قامت بنفس الدور الذي قام به إعلام عبد الناصر وأحمد سعيد بعد هزيمة 1967 المدوية من كذب وتضليل للرأي العام على غير الحقيقة فكتبت جريدة الطائف يوم 12 من يوليو عام 1882 :
أطلق الإنكليز النار على حصون الإسكندرية فرددنا عليهم كالآتي:
في الساعة 2 عربية (الساعة 9 إفرنجية ) غرقت مدرعة أمام حصن الأطة
في الساعة 6 عربية غرقت سفينتان بين قلعة قايتباي وحصن العجمي
في الساعة 7:30 (الساعة 2:30 إفرنجية مساء ) غرقت سفينة حربية من الخشب عليها ثمانية مدافع
في الساعة 10 عربية ( الساعة 5 إفرنجية ) أصيبت المدرعة الكبيرة بقذيفة من قلعة قايتباي أتلفت بطاريتها فرفعت العلم الأبيض إشارة إلى الكف عن إطلاق المدافع عليها فامتنع الضرب من الجانبين بعد أن استمر عشر ساعات متوالية، وتخربت بعض جدران الحصون ولكنها أُصلحت ليلاً .
ثم انهت تقريرها الصحفي الكاذب بالآتي :
(ما من جندي في العالم كان يستطيع أن يقف بثبات في مركزه رابط الجأش أمام نار محتدمة كما وقف المصريون أمام نيران 28 سفينة حربية مدة عشر ساعات )
وربما هذا السطر الأخير هو أصدق ما في التقرير وعلق الأمير عمر طوسون عن ذلك التقرير قائلاً:
(هذه أمثلة من الأخبار التي كانت تذيعها هذه الجريدة وهي كلها مفتراة ويا للأسف ليس فيها ذرة من الصحة اللهم إلا الفقرة الأخيرة ) ويقصد ما كتبته عن بسالة الجندي المصري.
وكانت النتيجة هي حرب اليوم الواحد في 11 يوليو 1882 والتي ُدمرت فيه معظم أحياء الإسكندرية وفقدنا سبعمائة مصري في يوم واحد مقابل ستة بريطانيين وانتهى الأمر بالاحتلال البريطاني لمصر
وإذا سلمنا بالقول أن نية الإنجليز في كل الأحوال كانت احتلال مصر فعلى الأقل كنا جنبنا الإسكندرية هذا الدمار والخراب التي شهدته في هذا اليوم من عام 1882
وبعد ذلك احتل الإنجليز مصر وتم نُفي عرابي وخرج من مصر مهزوماً أما عبد الناصر فخرج الشعب يهتف له لاتتنحى وظل في السلطة رغم قسوة الهزيمة التي شهدتها مصر في عهده وترك الدنيا ورحل بعد ذلك بثلاثة أعوام ، تركها محتلة،مفلسة،بائسة، بعد أن كانت رائدة منطقتها العربية والأفريقية.
وخلاصة القول أن الحنجورية والإعلام المضلل الذي يفتقد الصدق والموضوعية فيما ينقل للرأي العام له تاريخ وليس حديث العهد كما كنت أظن.
