بقلم :هشام المغربي
طرق باسل باب غرفة مكتب والده واستأذن في الدخول إليه ليسأله عن أمرٍ هام شغل باله كثيراً.
- تفضل يا باسل ….خيراً ماذا لديك؟
باسل: هل لي أن أتحدث إليك لبضع دقائق؟
- طبعاً بالتأكيد
باسل: منذ وفاة جدي رحمه الله وأنا أفكر كيف يموت الإنسان ولماذا؟
- لكل منا (أجل) أي عمر سوف يعيشه وعندما تحين لحظة مغادرته الحياة يرسل الله له ملك الموت ليقبض روحه، ويصبح جسداً بلا روح وعندها يبدأ الأهل في دفن الجسد بعد أن تصعد الروح إلى السماء.
باسل: وهل ملك الموت لا يأتي إلا للأجداد فقط أقصد الكبار بالعمر؟
- بالطبع لا ليس صحيحاً… فملك الموت يأتي بأمر الله لأي عمر ولأي شخص وليس بالضرورة أن يكون كبيراً في العمر ليس للموت عمر.
باسل: معنى ذلك أن من في مثل عمري ممكن أن يأتي لهم ملك الموت أيضاً؟
الأب ضاحكًا: ممكن طبعاً …. نسأل الله أن يعطيك العمر والصحة الجيدة لتعيش قدر ما عاش جدك رحمه الله، واستطرد قائلاً:
على كل الأحوال في الغالب يأتي ملك الموت لكبار السن والمرضى بأمراض خطيرة أو من تحدث لهم حادثة أو غير ذلك من أمور طارئة، وهذا لايمنع أن يأتي ملك الموت للصغار وبلا أي سبب فهو أمر من الله سبحانه وتعالى، ولا يعرف أحداً سبباً لاختيار هذا أو ذاك لا يعلم ذلك سوى الله وحده، لكل منا رحلة يمضيها في تلك الحياة فهناك من قدر الله أن تكون رحتله قصيرة وهناك من قد تطول به تلك الرحلة ولكننا جميعاً في النهاية سنرحل بعد أن نكمل رحلتنا.
باسل: هل لي أن أعرف أين ذهب ملك الموت بروح جدي بعد أن أخذها؟
- وهذه أيضاً من الأمور التي علمها عند الله ليس لمخلوق أن يعلم عنها شيء.
شكر باسل والده على تلك المعلومات وذهب إلى غرفته، واستلق على فراشه لينام وغط في نوم عميق…
رأى في نومه أن ملك الموت قد أتى إليه ليقبض روحه كما فعل بجده!
قفز من فراشه يركض نحو غرفة والده وأفاق وهو بين أحضانه يلهث من الفزع، ثم تلفت حوله قائلاً بسعادة:
لقد نجوت هربت منه!
- هربت من مَن؟
باسل: من ملك الموت.
ضحك الأب كثيراً وقال له:
هذه أضغاث أحلام … ما حدث أن ما تحدثنا فيه قبل ذهابك للنوم قد شغل تفكيرك ونمت وأنت تفكر فيه، هذه أحلام يا حبيبي لا يمكن أن تحدث في الواقع فلا أحد يمكن أن يهرب من ملك الموت, ربت الأب على رأسه قائلاً:
أريدك أن تهدأ الآن وتذهب إلى فراشك ولا تفكر في هذه الأمور… لقد حدثتك عنها لتعرف معنى الحياة والموت.
في الصباح ذهب باسل إلى مدرسته وقص ما حدث له على زميله وصديقه الصدوق نادر الذي بادره بالقول حسناً فعلت يا باسل….أنت هربت من ملك الموت!
أنا مثلك لا أريد أن أرحل عن الدنيا الآن، ولذا دعني أفكر في إقناع ملك الموت إذا جاء لأحد منا ولم نستطع الهروب، أن نطلب منه أن يتركنا حتى نكبر ونصبح في عمر جدك أو جدي رحمهما الله.
نعم سأفعل ذلك مثلك يا نادر سأقنعه أن يمهلني حتى أصبح في عمر جدي، حيث أخبرني والدي أن الهروب من ملك الموت مستحيل كما قال لي والدي (لا أحد يمكن أن يهرب من ملك الموت).
وربما أقنعت أبي أيضاً أن يطلب منه إذا جاء إليه أن يتركه ليصبح في عمر جدي!
لا أريد أن أفقد أبي الآن فلا أستطيع العيش بدونه.
اطمئن يا نادر لأن أبي قال لي أنه في أغلب الأحيان لا يأتي إلا لكبار العمر والمرضى وأصحاب الحوادث الخطيرة!
نادر: وكيف لنا أن نتجنب الحوادث يا باسل هذه حقاً ليست في أيدينا، فالحادثة تحدث في لمح البصر دون أن نشعر.
باسل: ربما إذا أقنعنا ملك الموت بتركنا حتى نكبر فلن نموت رغم الحادثة إذا حدثت لاقدر الله لأنه هو من يستطع ذلك …
نادر: اتفقنا يا باسل سأفعل مثلك وأنت كذلك إذا جاء إليك قبلي عليك أن تقنعه أن يمهلنا حتى نكبر.
عاد باسل إلى البيت وجلس يفكر فيما اقترحه عليه نادر …. نعم هكذا سأفعل فلا أحد يمكن أن يهرب من ملك الموت ليس أمامي سوى إقناعه أن يمهلني حتى أكبر.
وفي المساء عندما خلد باسل إلى النوم، حلم أيضاً بملك الموت!
وما أن شاهده حتى بادره بقوله أرجوك أن تتركني حتى أكبر حيث لدي الكثير من الأحلام والأمنيات لم أحققها بعد، أرجوك أمهلني أحقق أحلامي لقد وعدني والدي أن يشتري لي دراجة كهربائية جديدة إذا نجحت هذا العام وحصلت على درجات عالية، كما وعدني أن أقتني هاتفاً جوالاً جديداً مثل هاتف نادر صديقي، وعندما أتخرج من الجامعة أتمنى أن أصبح طبيباً مثل والدي لأعالج المرضى وأساعدهم على الشفاء، هنا قاطعه ملك الموت:
أنا لا أملك أن أقبل أو أرفض طلبك، أنا فقط أنفذ ما أمرني به الله
شعر باسل باليأس والخيبة حتى قال له ملك الموت ولكني سأدعوا ربي أن يمهلك حيث لا أملك سوى الدعاء وأعلم أن الله قد يستجيب لدعاء الصالحين والملائكة… إذا قبل دعائي لك فلن أعود لك ثانية حتى تكبر وتحقق أحلامك، أما إذا عدت إليك اليوم ثانية، فاعلم أن الله لم يقبل دعائي وذلك لحكمة يراها سبحانه ولا أحد غيره يعلمها.
ابتهج باسل صائحاً: أثق أن الله سيقبل دعائك أرجوك أدعي كثيرا حتى يقبل الله دعائك.
انصرف ملك الموت من أمام باسل وكأنه دخان في الهواء لا يعرف أين ذهب.
أحكم باسل الغطاء فوقه وانكمش في فراشه ينتظر …مرت ساعات الليل على باسل وكأنها الدهر…. سمع صوت المنبه بجواره يسمعه القطعة الموسيقية التي يحبها إيذانا بوجوب قيامه ليلحق بمدرسته، هب واقفاً سعيدأ وأخذ يردد لم يأت…لم يأت…. لم يأت .. إذن قبل الله دعائه
ارتدى ملابسه بسرعة فائقة ودبت فيه طاقة كبيرة من النشاط والأمل وقرر أن يواصل تفوقه في مدرسته وأن يحقق أحلامه التي طالما حلم بها.
تمت
