بقلم/ هشام المغربي

التجربة الصينية هي تجربة استثنائية بكل المقاييس ولا يمكن أن يقاس عليها أي تجارب أخرى وأي محاولة للاقتراب من تلك التجربة أو محاولة محاكاتها لن تُستوعب ولن تَحتمل الشعوب ما مرت به الصين منذ آلاف السنين حتى وصلت لما عليه الآن.

ينحدر الصينيون من شعب الهان وهم أكبر جماعة عرقية في العالم وتشكل هذه الجماعة ما يقرب من 92% من الشعب الصيني وهم يعرفون أنفسهم بأنهم سلالة التنين ولغتهم هي الماندرين التي يتحدثها 800 مليون صيني على الأقل.

لو بدأنا مع عرش زيا ثم من بعده عرش شانج ( 1600- 1050 ) قبل الميلاد الذي شهد بناء أول سور يحمي العاصمة خوفاً من غزو الأغراب

*(وهذا الخوف استمر حتى اليوم مع اختلاف لغة العصر وأساليب الهجوم)

ثم عرش هان ( 206 ق.م إلى 220 ق.م ) الذي يعد العصر الذهبي للصين حيث ساد السلام والرخاء وأصبحت الصين قوة عظمى ونشأت علاقة خاصة مع روما القديمة ونشأت بينهما علاقات تجارية عبر طريق الحرير القديم.

سنجد أن لهذا الشعب طبيعة خاصة جداً فسنجد مثلاً من الطقوس الجنائزية لديهم أن يدفن إلى جوار الإمبراطور عدد من البشر لا يقل عن 50 شخصاً من الطبقات الدنيا أو من أسرى الحروب هذا طقس لا يتخيله عاقل على وجه الأرض يقبلونه بلا غضاضة!

بعد عهد ( هان ) تفككت الإمبراطورية الصينية لعصور طويلة جداً وبدأ العد التنازلي للصين

انتشر الأفيون في البلاد وبدأت حرب الأفيون الأولى ( 1839- 1842 ) ثم حرب الأفيون الثانية (1856- 1860 ) والذي جلبته السفن الإنجليزية من الهند إلى المواني الصينية وقامت حرب بين الصين وبريطانيا المدعومة من الفرنسيين والأمريكان انتهت بهزيمة ساحقة للصين انتهت بتقنين تجارة الأفيون حتى تمت الثورة على هذه التجارة لاحقاً بفضل ماو تسي تونج.

حتى تأسست جمهورية الصين الشعبية عام 1949 بعد انتصار الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونج على الحزب القومي المعروف باسم حزب (الكومينتانج) حيث لم يتحقق هذا الانتصار بسهولة كما يتصور البعض كانت حرباً ضروساً خاضها الشعب الصيني ليصل في النهاية إلى أن رؤية ماو هي الرؤية الأكثر وضوحاً.

ورغم ذلك كما سنرى في هذا المقال الموجز لم تكن تجربة (ماو) هي التجربة المثلى حتى للصينيين أنفسهم وانقلبوا عليها وثاروا ضده.

عندما تولى (ماو) كانت الظروف في غاية الصعوبة كانت تجارة الأفيون لاتزال قائمة و نسبة الأمية تصل إلى 80% من الشعب مع عجز في الأطباء والمهندسين والمدرسين وانهيار للصناعة وانتشار الفساد وكان على (ماو) وحزبه أن يبدأ بقائمة طويلة من الإصلاحات أهمها حملات قمع واسعة ضد تجار ومهربي الأفيون وإعدام كل من يثبت تورطه في ذلك وإجبار المدمنين على العلاج وفرض العلاج القسري عليهم في معسكرات خاصة.

إلغاء الملكية الخاصة للأراضي الزراعية وقام بمصادرة قسرية لكافة الأراضي الزراعية وتعد هي أكبر مصادرة في التاريخ أدت إلى قتل مليون إقطاعي!

ثم أعلن سياسات تقشف صارمة من بينها ولعل أعجبها أن يكون عمر السروال ( البنطلون ) 9 سنوات ( 3 سنوات جديد و3 سنوات قديم و3 سنوات مرتق أي مرقع ) !

كما منع تعدد الزوجات وأصبح للزوجة حق طلب الطلاق وقام بتعديل تعاليم كونفوشيوس بما يتناسب مع توجهه الجديد.

جيّش الشباب للقضاء على المعوقات (العادات-التقاليد-الثقافة القديمة-الفكر العتيق), وقامت تجمعات جماهيرية ضد ما سمي بالسموم الأربعة (البعوض-الذباب-الفئران-العصافير) وقام بعمل تحفيز جماهيري كبير وقدم جوائز لمن يقتل أكبر عدد من الذباب و الفئران.

كما وجه بمطاردة العصافير وبالذات المسماة بعصافير (الدوري) لأنها تأكل الحبوب من الحقول وقامت مسيرات جماعية لقرع الطبول والأواني لطرد العصافير من الأشجار حتى تموت من الإرهاق وأدى ذلك لنتائج كارثية فتناقص عدد العصافير أدى إلى انفجار أعداد الجراد التي كانت العصافير تتغذى عليها !

وأعلن عن مشروعه المسمى بالقفزة الكبرى ( 1958- 1959 ) لتحويل الصين من بلد زراعي إلى بلد صناعي وفي سبيل ذلك طلب من الفلاحين أن يصنعوا فؤوسهم وما يحتاجونه من آلات زراعية بأنفسهم وكون مليشيات التعاونيات وقوامها 220 مليون فلاح ولكن باءت قفزته الكبرى هذه بفشل كبير حيث انشغل العدد الأكبر من الفلاحين بصناعة الفؤوس والآلات الزراعية وتركوا فلاحة الأرض فحدثت مجاعة غير مسبوقة راح ضحيتها ما يقرب من 45 مليون نسمة (1958- 1962 ).

*ولهذا أعزي نهمهم الشديد لأكل الديدان والحشرات وبعض الحيوانات مثل الكلاب حتى يومنا هذا فربما بدأ من فترة المجاعة التي شهدتها البلاد.

مما سبب موجة غضب عارمة ضده فاستقال من رئاسة الحزب وكون مليشيات من طلبة المدارس أسماهم الجيش الأحمر وعهد إليهم بمهاجمة كل من يعارض فكره وبصفة خاصة الأكاديمين والمثقفين.

ومضى شباب الجيش الأحمر في مهاجمة الكتاب والمثقفين والأكاديمين حتى وفاة (ماو) و بدأت رياح التغيير تهب على الصين بعد وفاتة وسمحت الصين بقدر من الحريات الشخصية في الملابس وسماع الموسيقى وأعادت إحياء برنامج التحديث في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا .

أقامت محاكمات لسياسات (ماو) وأدانت مشروعه ( القفزة الكبرى ) وعوقبت زوجة ماو وعصابة الأربعة ( زوجته وثلاثة آخرين ) وحكم على زوجته بالسجن مدى الحياة وماتت بالسرطان في السجن وأعدم الثلاثة الآخرون.

تركت سلبيات حكم (ماو) الذي تمثل في القفزة الكبرى والثورة الثقافية وعصابة الأربعة على الصينيين هاجساً فوضعوا نصب أعينهم أن الإصلاح الاقتصادي يسبق التطور السياسي.

ألغت الصين عام 1983 نظام التعاونيات الزراعية فتضاعفت إنتاجية القطن ثلاث أضعاف وأصبحت الصين أكبر منتج للنسيج في العالم.

شجعت الصناعة والبحث العلمي وأعطت لهما كل الدعم ومنحت التراخيص والتمويل لكل من يبدي رغبة في التصنيع ومنحت التسهيلات لذلك حتى إذا رغب أي مواطن أن يقيم مصنع أو ورشة في منزله!

وأذكر في زيارتي للصين عام 1994 في مدينة جوانزو أن تقابلت مع بعض المصنعين وكانت مصانعهم من بيوتهم فعلاً وحققت الصين طفرة في التصدير لم يسبقها فيها دولة أخرى إذا بلغت صادراتها من السلع والخدمات في عام 2024 ( 3.47 تريليون دولار ) وإذا عرفنا أن صادراتها من السلع والخدمات في عام 2000 كانت( 253 مليار دولار فقط ) يمكن لنا أن نتخيل معدل نمو هذا التنين الصيني العملاق.

التجربة الصينية ليست للمحاكاة فهذا التنين غير قابل للتناسخ كما بدأت مقالي ولكنها تجربة جديرة بالتأمل والدراسة والبحث في أساليب النجاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Exit mobile version