بقلم: السفيرة نميرة نجم
لابد أن ابدأ من الرجل قبل الموقع، ومن الإنسان قبل اللقب، فقد عرفناه صديقا تتسع له الروح مهما ضاقت الايام، ودبلوماسيا لا يشبه الا نفسه، ولقد كان ولا يزال نموذجا للتفاني، رجلا يصغي للعمل بقلبه قبل عقله، ويلتزم بواجبه بضمير لا يتبدل، ويجعل من العطاء عادة لا مهمة.
لقد تزاملنا في العمل على مدى عمر طويل، في محطات متعددة، ومن نيويورك إلى أديس أبابا، ثم إلى نيويورك مجددا، وبين المدينتين امتدت حبال صداقة لا تقطعها المسافات ولا تغيّرها الايام، حيث كان لقاؤنا إما صدفة عابرة في مطارات العالم أو بحضور صديقتنا العزيزة قرينته راندا حسن، كحادث معتاد ومعلم وتكرار تلقائي مصري أصيل، كلما زرت المدينة الصاخبة التي لا تتوقف ولا تمنحك فرصة لالتقاط الانفاس، مانهاتن.

ومن الصعب في حياة العمل العام أن تصف اللحظة التي تجمع بين معنى الوداع ومعنى الامتداد في آن واحد، واليوم أشعر أنني لا أكتب كلمات عابرة، بل استعيد عمرا طويلا عشته مع أخي وصديقي العزيز السفير أسامة عبد الخالق، وهو يختتم مسيرته الدبلوماسية التي امتدت اكثر من 35 عاما، من العمل الدؤوب والمتواصل، والتفاني والاندماج الكامل في خدمة مصر.
هذه ليست مجرد أرقام في سجل وزارة الخارجية، بل فصل طويل من فصول الدولة في لحظة تقدير، ولحظة وفاء، ولحظة اعتراف مستحق بقيمة رجل اعطى فأحسن، واخلاص فأجمل، وعمل فترك اثرا يبقى. فلقد كان اداؤه صفحة ناصعة في كتاب المدرسة الدبلوماسية المصرية، واحد الاسماء التي لا تغيب لانها لم تكن يوما عابرة.

ولا أرى من الانصاف إلا أن نقول أن قدراته المتجددة، وخبراته العميقة، وطاقته المتدفقة كلها كنوز ينبغي أن يظل الوطن مستثمرا فيها. فلقد كان من الدبلوماسيين الذين منحوا الممارسة السياسية مزيجا من التمكن الرفيع، والهدوء الرصين، والحسم حين يقتضي الموقف، وعقلانية الاداء التي تعكس فهما معمقا لفن الممكن، لا باعتباره مساحة تنازل، بل باعتباره مجالا تصنع فيه النتائج القابلة للتحقيق، وافقا واداة للانجاز، لا حد للقيود ولا ذريعة للتراجع.
لقد كان مهندسا سياسيا بكل ما تحمله الكلمة من معان، بنا بناء للحلول، مطورا للمقاربات، صانعا للجسور، وهو ابن كلية الهندسة وزميل دراسة لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.

ولذلك فقد صاغ بأسلوبه الفريد نمط خاص يمكن ان نطلق عليه “الهندسة الدبلوماسية”، فهو يتحرك في الملفات كما يتحرك مهندس بين خرائطه، يقرأ التفاصيل ليضع منهجا في الترتيب قبل القرار، والتعمق قبل الموقف، والتنسيق قبل الحركة، مع دراسة دقيقة للثوابت والمتغيرات ليستخرج من تعقيدها طريقا واضحا قبل بناء وصياغة المواقف والتحرك في ساحاتها.
ولعل أبرز صفاته واخلاقه هي صدقه وتواضعه وأدبه الشديد، فهو لم يكن سفيرا فقط، بل قائد ومعلم وأب وأخ كبير لكتيبة الزملاء في بعثة مصر بالأمم المتحدة.
وفي اصعب اللحظات، حين كانت القضية الفلسطينية تشتبك بالسياسة الدولية على مستويات متعددة، وتختبر مواقف الدول وصلابتها وانحيازاتها، وتصاعدت الضغوط على مصر، وقف السفير أسامة عبد الخالق في الامم المتحدة بصوت هادئ وثابت، فكانت كلماته عن القضية الفلسطينية صادقة وواضحة وعميقة، تكشف الحقائق وتؤكد حقوق الشعب الفلسطيني وتتمسك بحقه في تقرير مصيره طبقًا لقرارات الشرعية الدولية، لتعكس رؤية وطنية راسخة، نابعة من ادراك عميق للواقع السياسي، وتجسد مصر كما تراها نفسها، لا كما يريد الآخرون ان يسمعوها، مع فهم يقيني ان تغير موازين القوى العالمية لا يمحو ولايغير من وجدان مصر، ولا يزعزع حقها الثابت في الدفاع عن مبادئها وقضايا وطنها العربي الكبير.

والمسيرة لا تتوقف بانتهاء مهمة، والمواقع تزداد ثقلًا حين يتولاها من يعرف بثقة طريق ثوابت وطنه ومواقفه وانحيازاته. لذلك، المشهد اليوم ليس مشهد وداع بقدر ما هو حلقة متصلة من العمل والعقل والخبرة؛ فلدينا الآن رجل انهى فصلا كاملا من الاداء الهادئ العميق، ورجل آخر يبدأ من حيث انتهى الاول، في دولة لا تبني حضورها بالافراد فقط، بل بمنظومة يعرفون ويدركون معنى تمثيل مصر. بينما يطوى السفير اسامة فصله من حياته المهنية، يتهيأ موقعه لاستقبال اخ وصديق عزيز وزميل دفعة اخر… السفير ايهاب عوض، الذي يدخل المنصب بخبرة ممتدة وراسخة داخل منظمة الامم المتحدة، فهو من عاش دهاليز المنظمة، وعرف توازناتها، وامتلك القدرة على التحرك داخلها بثقة العارف لا بارتباك القادم الجديد، فهو يملك خبرة من عاش التجربة لا من قرأ عنها.
والسياسيون الذين يصنعون حضورًا حقيقيًا يستمرون في الذاكرة المهنية للدولة، وفي الوعي السياسي لجيل كامل رأى في ادائهم صورة من صور مصر في زمن صعب. ولذلك هناك دبلوماسيون لا ينتهون حين تتغير صفاتهم الرسمية، بل يبدأ تأثيرهم الحقيقي حين يصبح ارثهم هو الذي يتكلم، لا يغادرون، لانهم اصبحوا جزءا من الذاكرة وجزءا من حكاية وطن. وهذا هو اسامة عبد الخالق، كما عرفناه، وكما سيظل.
لا نودعه صديقا وزميلا فحسب، بل نحتفي برصيد طويل من العمل، وبجسر من اللحظات التي شكلت جزءا من حياتنا، ورفيق سيظل مرتبطا في ذاكرتنا بالمكان والزمان وروح مصر التي نحملها كدبلوماسيين دائما في قلوبنا أينما كنا وأينما ذهبنا وأينما سنكون.
