بقلم: ماهر عبدالقادر – نيويورك

ماهر عبد القادر

اختيار فلوريدا لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً. فهو يعكس حقيقة واضحة، بنيامين نتنياهو لم يأتِ للتعامل مع مؤسسات الدولة الأمريكية، بل مع شخص دونالد ترامب وقاعدته السياسية.

لم تكن زيارة بنيامين نتنياهو إلى فلوريدا ولقاؤه اليوم بكل من دونالد ترامب وماركو روبيو زيارة عادية، ولا اجتماعاً يهدف إلى إنهاء الحرب أو تحقيق الاستقرار.

كانت زيارة سياسية بامتياز، هدفها الأساسي تأمين الغطاء الأمريكي والاستمرار في الإفلات من أي التزام سياسي أو قانوني، نتنياهو وصل إلى الولايات المتحدة وهو في أضعف موقع دولي يمر به منذ عقود، مطارد قضائياً على مستوى المحكمة الجنائية الدولية، معزول سياسياً، ومتهم بقيادة حرب ألحقت دماراً غير مسبوق بغزة وأودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين.

ومع ذلك، وجد في فلوريدا – لا في واشنطن الرسمية – مساحة آمنة لإعادة تثبيت تحالفه مع أكثر التيارات الأمريكية استعداداً لتجاهل القانون الدولي.

في كواليس اللقاء، برزت محاولة واضحة من بعض مستشاري ترامب لدفعه نحو ممارسة ضغط فعلي على نتنياهو، خصوصاً في ما يتعلق بوقف الحرب في غزة، والانتقال إلى مرحلة سياسية ثانية، تخفف الكلفة الإنسانية والسياسية المتصاعدة على الولايات المتحدة. إلا أن هذه المحاولة انتهت بالفشل قبل أن تتحول إلى سياسة.

لم تأتِ الزيارة في سياق دبلوماسي تقليدي، بل في لحظة شديدة الحساسية يتقاطع فيها مسار العدالة الدولية مع حرب الإبادة المستمرة على الشعب الفلسطيني، ومع تحولات داخلية عميقة في السياسة الأمريكية. فنتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يتحرك اليوم باعتباره زعيمًا مأزوماً يسعى لتأمين مظلة سياسية أمريكية تُبقي مشروعه قائماً وتؤجل لحظة المحاسبة.

لماذا فلوريدا وليس البيت الأبيض؟

اختيار فلوريدا، وليس البيت الأبيض، يعكس إدراك نتنياهو لتغير المزاج داخل مؤسسات الدولة الأمريكية. فترامب، رغم عودته إلى الرئاسة، يواجه تراجعاً ملحوظاً في شعبيته مع نهاية 2025، وفق استطلاعات غالوب، ويوغوف–إيكونوميست، وريل كلير بولينغ، حيث لا تتجاوز نسبة تأييده 36–43%، مع انهيار الدعم بين المستقلين والديمقراطيين. في هذا السياق، تصبح فلوريدا مساحة سياسية آمنة لنتنياهو.

اللقاء لا يهدف إلى إدارة أزمة، بل إلى تثبيت تحالف أيديولوجي يقوم على تعطيل أي مسار سياسي أو قانوني قد يحدّ من الحرب. أما ترامب نفسه، فيواجه مع نهاية عام 2025 تراجعاً واضحاً في شعبيته، خاصة بين المستقلين، وتزايداً في التعب الشعبي من الحروب الخارجية والدعم غير المشروط لإسرائيل. في هذا السياق، يصبح نتنياهو بالنسبة لترامب ورقة سياسية داخلية، لا عبئاً يجب ضبطه.

خطة ترامب لغزة… ورفض نتنياهو الضمني

ترامب طرح في الأشهر الماضية تصوراً مرحلياً لغزة، يقوم على، تهدئة ووقف إطلاق نار، الانتقال إلى مرحلة ثانية تتضمن ترتيبات طويلة الأمد، إنهاء الحرب بصيغة تحفظ المصالح الأمريكية والإسرائيلية

لكن خلاصة لقاء فلوريدا اليوم كانت واضحة:

نتنياهو لم يلتزم، وترامب لم يُلزم،  فمن دون بيانات رسمية حاسمة أو تعهدات مكتوبة، تشير المؤشرات السياسية إلى أن:

نتنياهو لم يقبل بالانتقال إلى المرحلة الثانية

لم يوافق على وقف دائم لإطلاق النار

لم يقدّم أي التزام سياسي بشأن مستقبل غزة

تجاهل كلياً ملف المساءلة الدولية

بعبارة أبسط أو بعبارة أدق نتنياهو أخذ الدعم، وترك الخطة معلّقة.

لم يكن لقاء بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب في فلوريدا اجتماعاً دبلوماسياً تقليدياً، بل مواجهة سياسية غير متكافئة بين رئيس وزراء إسرائيلي مأزوم يسعى إلى تحصين نفسه من المساءلة الدولية، ورئيس أمريكي يفتقر – أو يتجنب – استخدام أدوات الضغط التي يملكها.

في كواليس اللقاء، برزت محاولة واضحة من بعض مستشاري ترامب لدفعه نحو ممارسة ضغط فعلي على نتنياهو، خصوصاً في ما يتعلق بوقف الحرب في غزة، والانتقال إلى مرحلة سياسية ثانية، تخفف الكلفة الإنسانية والسياسية المتصاعدة على الولايات المتحدة. إلا أن هذه المحاولة انتهت بالفشل قبل أن تتحول إلى سياسة.

ما الذي دار فعلياً في لقاء فلوريدا؟

من خلال الخطاب الإعلامي وما تسرّب من مواقف غير مباشرة، يمكن تلخيص جوهر اللقاء في النقاط التالية:

ترامب جدّد دعمه السياسي لإسرائيل دون شروط

نتنياهو شدّد على استمرار “العمليات الأمنية” دون سقف زمني

لا جدول زمني، لا آلية تنفيذ، ولا ضمانات للمرحلة الثانية

تجاهل متعمد لمذكرة الجنائية الدولية بدل مواجهتها قانونياً ،لم يكن اللقاء مفاوضات، بل إدارة أزمة نتنياهو السياسية.

لماذا عجز ترامب عن الضغط؟

عجز ترامب عن فرض خطته ليس تقنياً، بل سياسي مقصود، ويعود إلى:

  1. حسابات انتخابية داخلية، أي ضغط على نتنياهو قد يكلّف ترامب جزءاً من قاعدته اليمينية والإنجيلية.
  2. غياب الإرادة لا غياب الأدوات، ترامب يملك أوراق ضغط حقيقية: المساعدات، الغطاء الدبلوماسي، مجلس الأمن – لكنه اختار عدم استخدامها.
  3. اختلال ميزان الحاجة، نتنياهو يدرك أن ترامب يحتاجه سياسياً أكثر مما يحتاج هو ترامب دبلوماسياً.
  4. مشروع «شروق الشمس» الذي طُرح كإطار للترتيبات الإقليمية بعد الحرب، يقوم على دمج غزة في منظومة اقتصادية–أمنية إقليمية، مع تحييد الفاعل المقاوم. غير أن هذا المشروع يعاني من المأزق ذاته الذي واجه كل المشاريع السابقة: تجاهل جوهر الصراع.

الأرجح أن المشروع لن ينجح بصيغته المعلنة، لكنه لن يُدفن. ستُعاد صياغته تحت مسميات جديدة: «إعادة الإعمار مقابل التهدئة»، «إدارة مدنية دولية»، أو «وصاية أمنية متعددة الأطراف». غير أن جوهره سيبقى واحدًا: تقليص البعد الوطني الفلسطيني وتحويل القضية إلى ملف إنساني–اقتصادي.

غزة والضفة: سياسة واحدة لا أزمتان منفصلتان

بينما يتحدث ترامب عن “الاستقرار”، يواصل نتنياهو توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وتصعيد العمليات العسكرية والاعتقالات الجماعية وفرض العقاب الجماعي والتهجير القسري

ما يجري ليس ردود فعل أمنية، بل سياسة دولة تهدف إلى منع أي حل سياسي مستقبلي، بدعم أمريكي صامت.

الكلفة على الولايات المتحدة

بالنسبة للرأي العام الأمريكي، لم يعد السؤال: هل إسرائيل حليف؟، بل: هل الولايات المتحدة شريك في الإفلات من العقاب؟

فشل ترامب في إلزام نتنياهو بخطته يرسل رسالة خطيرة: القانون الدولي قابل للتجاهل ، العدالة انتقائية ،الحديث عن حقوق الإنسان بلا قيمة عملية

حرب الإبادة المستمرة: الكيان الصهيوني يقتل… والغرب يعجز أو يتواطأ، الإبادة كسياسة دولة… لا كأخطاء حرب.

في غزة، استُخدمت كل أدوات الإبادة، القتل الجماعي للمدنيين، التدمير المنهجي للبنية الصحية والتعليمية، التجويع ومنع الإغاثة، التهجير القسري و الاستهداف المنهجي للأطفال والنساء.

وفي الضفة الغربية، تُستكمل الجريمة بأدوات أخرى، إرهاب المستوطنين المنظم، الإعدامات الميدانية، الاعتقالات الجماعية، هدم المنازل، و تفكيك الجغرافيا الفلسطينية عبر الاستيطان. هذا نمط واحد متكامل، يحقق أركان جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ما يجري في فلسطين وفي قطاع غزة والضفة الغربية معاً، لم يعد قابلاً للتوصيف كـ«نزاع» أو «تصعيد أمني» أو «ردود فعل». نحن أمام حرب إبادة مكتملة الأركان يمارسها الكيان الصهيوني ضد شعب أعزل، في ظل عجز غربي فاضح — بل تواطؤ سياسي وقانوني وأخلاقي — عن وقف هذا الإرهاب المنظم.، الخطاب الغربي يتحدث عن «القلق» و«الدعوة إلى التهدئة»، بينما الواقع يقول إن:

فالسلاح يتدفق، والغطاء الدبلوماسي مستمر والفيتو جاهز و المحاسبة ممنوعة

الولايات المتحدة وأوروبا لا تفتقران إلى الأدوات

وقف الدعم العسكري

فرض عقوبات

تفعيل آليات المحاسبة الدولية

الامتناع عن استخدام الفيتو

لكنها تختار عدم استخدامها. وهذا ما يحوّل العجز إلى مسؤولية مباشرة، ورغم إدراك العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، لطبيعة ما يجري، لا تزال السياسات الغربية تُدار بمنطق إدارة الجريمة لا إيقافها.

إرهاب المستوطنين… الوجه المكشوف للإبادة البطيئة

ما يُسمّى «عنف المستوطنين» ليس انفلاتاً فردياً، بل ذراعاً ميدانية لسياسة الدولة الصهيونية.، يُمارس هذا الإرهاب: بحماية الجيش، بتقاعس متعمد من الشرطة، وبتشريعات حكومية تمنحه الشرعية لاحقاً

بالتوازي مع حرب غزة، تتصاعد في الضفة الغربية سياسة ممنهجة لتفكيك الجغرافيا الفلسطينية:

انتشار المستوطنات والطرق الالتفافية حوّل الضفة إلى جزر معزولة.

السيطرة على المرتفعات والمياه والممرات الحيوية تمنع قيام دولة قابلة للحياة.

شرعنة البؤر الاستيطانية وفق نموذج “العشوائي ثم القانوني” تسرّع الضم الفعلي دون إعلان رسمي.

لم يعد الاستيطان خرقاً عارضاً للقانون الدولي، بل سياسة دولة مُعلنة تهدف إلى إنهاء أي أفق لحل سياسي.

 التصعيد في الضفة الغربية كجزء من استراتيجية الدولة

التصعيد العسكري في الضفة—من قتل متعمد للمدنيين، واعتقالات جماعية، وعقاب جماعي، وهدم منازل، وتهجير قسري—ليس رد فعل أمني ظرفي، بل نمط متكامل من الأفعال المحظورة دولياً.

هذه الممارسات:

تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة (المادتان 27 و33).

ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما.

ومع توافر القصد والسياق، تدخل في إطار جريمة الإبادة الجماعية كما عرّفتها اتفاقية 1948.

توقيت هذا التصعيد، عشية زيارة نتنياهو إلى فلوريدا، يعكس أن العنف أداة تفاوض سياسية لا إجراء أمني.

ورغم مطالبة بعض مستشاري ترامب اليوم بالضغط لتخفيف هذا الإرهاب، يبقى السؤال:، لماذا لم يُفرض أي ثمن على الكيان الصهيوني؟

الجواب واضح: لأن الغرب لا يرى في حياة الفلسطينيين قيمة سياسية.

غزة والمرحلة الثانية… الغرب يعرف ونتنياهو يرفض

يعلم الغرب أن استمرار الحرب في غزة يفضح ازدواجية المعايير، يضعف النظام الدولي يعمّق عزلته الأخلاقية

ومع ذلك، فشل — أو رفض — في إجبار نتنياهو على وقف الإبادة والانتقال إلى مرحلة سياسية، وتخفيف الكارثة الإنسانية. العجز هنا ليس دبلوماسياً، بل إرادة سياسية منحازة.

لبنان وسوريا… توسيع النار لحماية الجريمة

التصعيد ضد لبنان وسوريا ليس منفصلاً عن حرب غزة، بل امتداد لها، تصدير الأزمة، إشعال الجبهات، فرض واقع إقليمي بالقوة والغرب، مجدداً، يكتفي بالتحذير اللفظي، بينما يسمح للكيان الصهيوني بتوسيع عدوانه دون رادع.

اختبار النظام الدولي

ما يجري اليوم ليس اختباراً لإسرائيل وحدها، بل اختبار لمصداقية القانون الدولي واختبار لخطاب حقوق الإنسان الغربي واختبار لمعنى «منع الإبادة الجماعية»، وحتى اللحظة، النتيجة مخزية.

الكيان الصهيوني لا يواصل حرب الإبادة لأنه قوي فقط، ،بل لأن الغرب يسمح له بذلك. وما لم تتحول الدعوات الغربية من بيانات إلى أفعال، فإنها ستُسجَّل في التاريخ لا كفشل سياسي فحسب، بل كشراكة في الجريمة.

ففي زمن الإبادة، ،الصمت ليس حياداً…والعجز ليس بريئاً…وعدم المحاسبة هو الجريمة الأكبر..

أما الشارع الأمريكي، فهو أمام لحظة حاسمة: إما قبول أن تُستخدم السياسة الأمريكية لحماية الجرائم، أو المطالبة بدور حقيقي يُنهي الحرب ويعيد الاعتبار للقانون. لأن التاريخ، في النهاية، لن يسأل عمّا قيل في فلوريدا،

بل عمّا سُمِح له أن يستمر.  بكلمات أخرى، لم تتغير النظرة العدائية، بل تغيرت أدوات إدارتها.

الجنائية الدولية وكسر وهم الحصانة

مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو شكّلت زلزالاً سياسياً وقانونياً. فهي لا تستهدف شخصه فحسب، بل تضرب جوهر السردية الإسرائيلية التي طالما احتمت بالدعم الغربي.

نتنياهو يدرك أن:

وقف الحرب يفتح الباب لتفعيل آليات المساءلة.

أي انتقال إلى “المرحلة الثانية” من خطة غزة يعني الاعتراف الضمني بانتهاء الذرائع الأمنية.

استمرار الحرب هو خط الدفاع الأخير عن بقائه السياسي.

لذلك، تتحول زيارته إلى الولايات المتحدة، وخصوصاً إلى محيط ترامب، إلى محاولة لتقويض العدالة الدولية عبر السياسة.

من هنا، يتحول نتنياهو إلى عامل تعطيل حتى للمصالح الأمريكية نفسها، عبر ربط الاستقرار الإقليمي باستمرار العدوان.

 الصمت الدولي واختبار النظام القانوني

صمت الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية لا يمثل فشلاً أخلاقياً فحسب، بل إخلالاً بالتزام قانوني دولي بضمان احتر

ام القانون الإنساني. الاكتفاء ببيانات “القلق” في مواجهة أفعال ترقى إلى الإبادة الجماعية يساهم عملياً في تعزيز الإفلات من العقاب.

أما المواقف العربية والإسلامية، فلا تزال في معظمها أسيرة الشجب اللفظي، دون تفعيل أدوات المساءلة القانونية الدولية.

نتنياهو في فلوريدا لا يسعى إلى سلام، بل إلى تحصين مشروعه عبر التحالف مع أكثر التيارات الأمريكية تطرفاً. لكنه، في سعيه لتعطيل العدالة وإدامة الحرب، يحوّل نفسه من “حليف استراتيجي” إلى عبء سياسي وأخلاقي وجيوسياسي.

ما نواجهه اليوم ليس أزمة عابرة، بل اختباراً حقيقياً للنظام الدولي:

إما أن تُطبّق قواعد القانون الدولي دون انتقائية، أو تتحول مفاهيم حماية المدنيين ومنع الإبادة الجماعية إلى شعارات فارغة بلا أي قيمة ردعية.

ما السيناريوهات الأميركية المطروحة لمستقبل القضية الفلسطينية؟

تتداول واشنطن اليوم أربعة سيناريوهات رئيسية، جميعها تعاني من هشاشة بنيوية:

  1. إدارة انتقالية لغزة بإشراف دولي–إقليمي، دون سيادة حقيقية.
  2. إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية أمنيًا دون منحها أفقًا سياسيًا.
  3. فصل المسارات: غزة كملف إنساني، والضفة كمسألة أمنية.
  4. تجميد الصراع بدل حله، بانتظار متغيرات إقليمية أو داخلية فلسطينية.

لا يوجد في أي من هذه السيناريوهات اعتراف فعلي بالحقوق الفلسطينية أو معالجة لجذور الصراع، ما يجعلها حلولًا مؤقتة وقابلة للانفجار.

زيارة نتنياهو إلى ترامب تعكس أزمة مشروع لا قوة تحالف. فواشنطن وتل أبيب تحاولان إدارة نتائج الفشل، لا صناعة نصر. وغزة رغم الدمار فرضت نفسها كعامل سياسي لا يمكن تجاوزه. أما أي ترتيبات مستقبلية لا تنطلق من الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، فستبقى مجرد محاولات تأجيل لانفجار أكبر.

شكّل اللقاء الذي جمع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في فلوريدا تبديدًا كاملًا لكل الرهانات على تهدئة أو تحوّل سياسي في الموقف الأميركي–الإسرائيلي.

فخلال المؤتمر الصحفي، أعاد ترامب إنتاج الخطاب الأكثر فجاجة تجاه القضية الفلسطينية، ملوّحًا بما سماه «الجحيم» إذا لم تُسلّم المقاومة الفلسطينية سلاحها، في تهديد لا يخرج فقط عن منطق القانون الدولي، بل يعبّر عن ذهنية استعمارية ترى في المقاومة جريمة، وفي الضحية عبئًا يجب التخلص منه.

الأخطر من ذلك، كان تلميح ترامب الصريح إلى ترحيل سكان غزة، في إحياء مباشر لمشاريع التهجير القسري، وكأن الإبادة الجماعية الجارية لم تكن كافية، وكأن الوجود الفلسطيني نفسه بات موضع تفاوض أو محو. هذا الخطاب لم يكن زلة لسان، بل انسجامًا كاملًا مع الرؤية الإسرائيلية التي ترى في غزة مشكلة ديموغرافية وأمنية يجب اقتلاعها لا حلها.

نتنياهو غادر فلوريدا مطمئناً سياسياً، لكنه أكثر انفلاتاً.

ترامب غادر اللقاء محافظاً على التحالف، لكنه خسر القدرة على القيادة.

وغزة… ما زالت تدفع الثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Exit mobile version