خاص: رؤية نيوز

من بين الواجبات الدستورية العديدة للرئيس الأمريكي إلقاء خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس، حيث تنص المادة الثانية، القسم الثالث، على أن هذا الخطاب يُلقى “من حين لآخر”، ولكنه أصبح حدثًا سنويًا.

ألقى الرئيس دونالد ترامب خطابه السنوي أمام جلسة مشتركة للكونغرس مساء الثلاثاء 24 فبراير الجاري، في خطاب طويل جدًا استمر حوالي ساعة و48 دقيقة، حيث وُصف بأنه الأطول في التاريخ الحديث لخطابات حالة الاتحاد.

وافتتح الفعالية بالتركيز على البرنامج الاقتصادي لإدارته، وخاصة معدلات التضخم وأسعار المستهلك.

في بداية الخطاب بنى ترامب رواية “التحوّل التاريخي” خلال عام واحد؛ والذي تمثّل في انخفاض التضخم، انخفاض البنزين والرهون، ارتفاع سوق الأسهم، وزيادة الوظائف، مُتطرقًا إلى ذلك مع لغة احتفالية متكررة عن “العصر الذهبي”.

ليظهر هدفه السياسي هنا في تثبيت إطار ذهني واحد للمشاهد: “كانت أزمة… وأصبحت نهضة بسبب عودتي”.

لكن ظهرت نقطة ضعف هنا وهو أن جزءًا كبيرًا من الأمريكيين أصلًا يشكّ أن ترامب “يُحسّن الكلام عن الأسعار والتضخم أكثر مما هو واقع” قبل الخطاب، بحسب قياسات الرأي العام.

وهنا تظهر فجوة: “لغة النصر” التي قد تُفرح المؤيدين، لكنها قد تُستفز المتألمين من كلفة المعيشة.

الهجرة والأمن الداخلي: من “إنجاز” إلى “هوية سياسية”

قدّم ترامب ملف الحدود كقصة نجاح مطلقة تقريبًا (تشديد، انخفاض فنتانيل، ترحيلات… إلخ).

ثم ربطه بـ”حماية الأمريكيين أولًا” وطلب “اختبار وقوف/جلوس” داخل القاعة ليفضح الانقسام أمام الكاميرات، وهذه كانت لحظة تحويل الخطاب من “حالة دولة” إلى “حالة معسكرين”.

تشريعات وقضايا ثقافية: رزم جاهزة لقاعدة الجمهوريين

بحسب نص الخطاب، روّج ترامب لأفكار من نوع: تشديدات على “مدن الملاذ”، هوية الناخب (Voter ID)، وقضايا مرتبطة بالأطفال والتحول الجندري… إلخ.

أما سياسيًا فهذه ليست فقط سياسات—بل “إشارات تعريف” للمعسكر المحافظ.

“الاستعراض الرمزي”: أبطال وضيوف وميداليات

اعتمد ترامب كثيرًا في خطابه على قصص أفراد وتكريمات ولقطات عاطفية (أبطال، عسكريون، فريق هوكي… إلخ) لتعزيز الإحساس بالوحدة/الهيبة، تلك القصص التي تتمثل وظيفتها في خلق “تلفزيون رئاسي” يُنافس الأخبار بالصور لا بالأرقام.

السياسة الخارجية: “الحسم والقوة”

في نص الخطاب المنشور نُسب إلى ترامب حديث عن نجاحات كبيرة على مستوى صراعات خارجية، مع خطاب قوة وردع.

لكن هذا المحور تحديدًا تعانيه “فجوة شرح” لدى الجمهور، فالأغلبية تقول إن الإدارة لم تشرح موقفها/سياساتها تجاه إيران بشكل واضح (وفق استطلاع CBS).

بنية الخطاب وأسلوبه: كيف اشتغل ترامب خطابياً؟

“خطابان في خطاب واحد”

التقط تحليل واشنطن بوست نقطة مهمة؛ فقد ترامب بدأ بنبرة إيجابية احتفالية (اقتصاد/250 سنة/رموز)، ثم بعد نحو ساعة انقلب إلى “نبرة اختبار الولاء والاستقطاب” عبر مشاهد الوقوف والردّ على الديمقراطيين أمام الجمهور.

استراتيجية “التلفزيون أولاً”

صُمّم الخطاب ليُشاهد كبرنامج سياسي طويل، فشملت أجزائه قمم عاطفية (أبطال/تكريم)، “لقطات صدام” تُصنع خصيصًا للترند، مقاطع قابلة للاجتزاء (soundbites) على السوشيال.

وهذا يُفيد ترامب إعلاميًا حتى لو لم يُقنع خصومه.

هل أقنع ترامب الرأي العام فعلًا؟

وهنا يجب التفرقة بين “رضا المشاهدين” و “إقناع الأمة”.

أ) داخل جمهور المشاهدين: نعم… إلى حدّ كبير

فكشف استطلاع CNN/SSRS إن قرابة ثلثين من مشاهدي الخطاب كان رد فعلهم “إيجابيًا” على الأقل، و38% “إيجابي جدًا”، لكنه أوضح أيضًا أن العينة كانت ثقيلة جمهوريًا (أي ليست مرآة دقيقة لكل أمريكا).

الترجمة السياسية: الخطاب “اشتغل” مع من قرر أصلًا أن يشاهده (وغالبًا مؤيدون أو فضوليون من نفس الفقاعة).

ب) على مستوى “المترددين/المتألمين اقتصاديًا”: الإقناع أصعب

قبل الخطاب، أظهرت بيانات CBS أن الناس تريد سماع حلول للمعيشة أكثر من أي شيء، وأن كثيرين يرون ترامب “يجمّل” ملف الأسعار والتضخم.

فحتى لو كانت الرسالة قوية، فهي تصطدم بمشاعر يومية في السوبرماركت والإيجار.

خلاصة دقيقة:

نجح ترامب في التعبئة (Mobilization) أكثر من تغيير القناعات (Persuasion).

وهي رسالته “تؤكّد” ما يصدقه أنصاره، لكنها لا تُطمئن بالضرورة من يريد أرقامًا قابلة للتصديق أو خطة معيشة واضحة.

ردود فعل الصحافة: اليسار vs اليمين

  • يرى أصحاب اليمين/المحافظون أن ترامب “قائد إنجازات في مواجهة الديمقراطيين”

فركزت شبكة فوكس على “اللحظات التي لا تُنسى” واعتبرت الخطاب “قياسيًا” ومشحونًا بالاقتصاد والحدود والرمزية الوطنية.

فكان إطارهم المفضل: “الرئيس يعلن عودة أمريكا بينما يُعطلها ويقاطعها الديمقراطيون”.

  • أما اليسار/الليبراليون فيرون في الخطاب“استعراض طويل ومبالغات وتقسيم”

قدّمت الغارديان تفنيدًا لعدة ادعاءات اقتصادية/طاقة/هجرة، واعتبرت أن جزءًا من الأرقام مبالغ فيه أو غير دقيق.

أما فانيتي فير فركّزت على أن الخطاب يُغطي ادعاءات “ازدهار تاريخي” بطبقة وطنية عاطفية، مع انتقادات لأسلوب العرض وطول الخطاب.

بينما لخصت بوينتر مزاج الإعلام في عبارة واحدة: “خطاب مألوف… لحم أحمر للحلفاء… قليل لإقناع المشككين.”

المحصلة الإعلامية:

  • قرأ اليمين الخطاب كـ”خطاب إنجازات ومعركة”.
  • بينما قرأه اليسار كـ”برنامج تلفزيوني طويل يكرّس الاستقطاب ويبالغ في الصورة الوردية”.

التلاسن بين ترامب وإلهان عمر: ماذا يعني سياسيًا؟

فبحسب تقرير CBS Minnesota، حصلت تبادلات حادة داخل القاعة؛ فقد أطلق ترامب تعميمات وهجومًا مرتبطًا بولاية مينيسوتا وبالمهاجرين، خاصة الصوماليين، وهو ما دفع عمر للصراخ: “هذا كذب… أنت كاذب”، ولاحقًا “أنت تقتل أمريكيين” وفق التقرير.

ليستثمر ترامب لحظة “الوقوف/الجلوس” ووبّخ من لم يقف بكلام مباشر.

الرأي التحليلي المُحايد

من زاوية إدارة المسرح السياسي: ربح ترامب لقطة تخدم سردية “الديمقراطيون لا يقفون لرسالة حماية الأمريكيين”، وهي لقطة فعّالة جدًا انتخابيًا على يمين الوسط.

من زاوية الرأي العام الأوسع: قد يؤكد المشهد للمترددين أن واشنطن “ساحة صراخ”، ويعزز الانطباع بأن الخطاب تحوّل من “حالة أمة” إلى “حالة خصومة”.

نقطة إضافية مهمة: تحولت حادثة اعتقال ضيفة مرتبطة بإلهان عمر بسبب “الوقوف احتجاجًا” لقصة سياسية/حقوقية موازية للخطاب.

هجوم ترامب على الديمقراطيين: قوة سياسية أم مخاطرة؟

يُشكّل الهجوم القاسي على الديمقراطيين جزء من “مدرسة ترامب” المعروفة؛ والتي تتمثل في تحويل الخطاب إلى “محاكمة للمعارضة” لا “عرض سياسات فقط”.

عادة ما تكون هذه الخُطة مُفيدة عندما تريد تعبئة القاعدة، وفرض للأجندة الإعلامية، وإظهار الخصم “متجهمًا/رافضًا”.

ولكنها ترتد عندما يكون البلد قلقًا من الأسعار/السكن… فيرى الناس أن “القتال” طغى على “الحلول”. واستطلاع CBS يقول صراحة إن كثيرين يريدون اقتصادًا وتكلفة معيشة، وأقل يريدون “سياسة حزبية”.

الخلاصة الأخيرة

كان الخطاب مصممًا للكاميرا أكثر من الكونغرس: إنجازات ورموز وصدامات محسوبة.

كما نجح في تثبيت رواية “عام التحول” داخل جمهوره (وهو ما ظهر في استطلاع مشاهدي الخطاب).

لكنه على الأرجح لم “يكسب المترددين” بنفس القدر بسبب فجوة المعيشة/الأسعار والتشكيك في تزيين الصورة الاقتصادية.

أما مشهد التلاسن مع إلهان عمر فقد خدم ترامب في تعبئة أنصاره، لكنه زاد صورة الاستقطاب عند قطاعات أخرى.

وبالطبع انقسمت الصحافة طبقًا للاستقطاب نفسه: فاحتفى اليمين ، بينما فكك اليسار الأرقام وانتقد “العرض”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Exit mobile version