بقلم: هشام المغربي

لم تكن رحلة (روكي) إلى الجبل رحلة سهلة ولم يكن قراره بأن يترك أهله وأصدقاءه سهلاً كونه ذاهباً إلى حياة جديدة لم يعتدها، وهي بالنسبة له المجهول …ورغم ذلك قرر أن يخوض التجربة رغم صعوبتها تُرى هل سينجح في تلك التجربة؟ هذا ماسوف تعرفه في هذا الجزء من حياة (روكي) البطريق الصغير.

كانت رحلته في فصل الصيف الأنتاركتيكي (نوفمبر – فبراير )حيث الأمطار الثلجية تتساقط عليه بغزارة شديدة ورغم اعتياده على تلك الأمطار المتساقطة بلا انقطاع إلا أن درجة الحرارة التي تصل إلى حوالي عشرين درجة تحت الصفر في الصيف لم يعتدها روكي في الساحل حيث يعيش، ولم يعرف الأجواء الجبلية قبل ذلك، بالتأكيد يعرف أن شمس الصيف لا تغيب على مدار اليوم فليس هناك ليل على الإطلاق خلال هذه الشهور، في هذه المرة شعر برهبة وحزن شديدين فهي المرة الأولى التي لايجد أحد والديه بجواره، فلم يكن يعرف أن البعد عنهما وعن المستعمرة كلها ستكون بهذه القسوة التي يشعر بها الآن!

قاوم روكي هذه المشاعر واستمر في السير حتى غلبه التعب فنام على بطنه فوق كتلة ثلجية كبيرة وراح في نوم عميق… حتى استيقظ على صوت أحد الحيوانات القريبة ولكنه لم يتبين من صاحب هذا الصوت ؟

أنصت جيداً لمصدر الصوت فكان صوت أحد الدببة القطبية يسير وحيداً، فكأنما كان يبحث عن شىء أو يرسل تلك الأصوات ليُسمع أحداً صوته…

كان بعد أن يصدر هذا الصوت يتلفت حوله في دائرة كاملة ليتأكد أن أحداً سمعه؟

قام روكي في اتجاه الدب بترقب شديد وعندما اقترب منه بادره بالسؤال :

واضح أنك تبحث عن شىء؟ هل لي أن أساعدك؟

رد الدب بيأس : لا أعتقد أن بإمكانك مساعدتي…

روكي: كيف أتيت إلى هنا ؟ أعرف أنكم معشر (الدببة) تعيشون في الشمال على بعد آلاف الأميال من هنا أليس كذلك؟

الدب: نعم أنها قصة طويلة … ولكني سأحكيها لك  حيث أشعر بطيبة قلبك وصدق مشاعرك…

لقد تمكنت من الهرب من أحد الصيادين الذي نجح في اصطيادي ووضعني في طائرة كبيرة مع حيوانات أخرى وطارت بنا  الطائرة لمسافات طويلة جداً ومرت ساعات  كثيرة وأنا حبيس تلك الطائرة، حتي يأست تماماً من النجاة، كما فعلوا قبلها بزوجتي، التي خطفوها وأصبحت وحيداً بدونها!

بعد رحلة سفر طويلة للغاية توقفت بنا فجأة الطائرة لا أعرف سبب هذا التوقف العارض ونقلوا كل الحيوانات التي معنا إلى حافلة كبيرة كانت في انتظارنا

انتهزت فرصة توقف الطائرة وتمكنت من الهرب أثناء الانتقال من الطائرة إلى الحافلة بعد مطاردة طويلة بيني وبين الصياد اللعين، ولكن انتهت تلك المطاردة بنجاحي والحمد لله، أما عن زوجتي فلا أعرف أين ذهبوا بها، ولا أعرف إذا نجحت هي في الهرب كما فعلت؟ أم وقعت في الأسر؟

اختبأت في أحد الكهوف الثلجية عدة أيم حتى تأكدتُ أن قافلة الصيادين قد يأست من العثور عليّ وخرجت لأجد نفسي هنا… في البداية لم أكن أعرف أين أنا فالمكان لم اعتده من قبل وبعد فترة شاهدت بعض البطاريق تتجول على الساحل ففهمت أنني الآن في القطب الجنوبي (أنتاركتيكي ) وهو يبعد آلاف الأميال عن بيتي في الشمال!

روكي: يالها من قصة مؤلمة حقاً … ولهذا كنت تصدر صوتاً لعلها تسمعك؟

الدب: بالضبط هذا ما قصدته… رغم أن محاولتي ربما لا يصادفها النجاح ولكني أحاول ربما نجحت وسأظل أحاول ولن أيأس من العثور عليها مادمت حياً.

روكي: رائع أقدر هذا الحماس ما دام الدافع للمحاولة موجود …

أما أنا فقد تركت الساحل الذي يفصلنا عنه الآن كيلومترات بسيطة منذ يوم تقريباً وجئت إلى هنا هرباً من هؤلاء الصيادين الذين تكلمت عنهم لقد حكى لي أبي عن هؤلاء وكيف يصطادون البطاريق ليضعوهم في أقفاص حديدية في مدنهم البعيدة، ولذا قررت الفرار إلى الجبل… أن أظل طليقاً ولو وحيداً أفضل كثيراً من السجن في تلك الأقفاص اللعينة.

الدب: وهل ستظل هارباً طوال حياتك؟

روكي: الحقيقة لا أعرف …عندما قررت الهرب لم أفكر كثيراً في ذلك كل ما أردته أن أبعد عن هؤلاء الأشرار.

الدب: وكيف ستدبرغذاءك هنا في الجبل حيث لا توجد أسماك وأنا أعرف أن الأسماك  هي طعامك الأساسي أليس كذلك؟

روكي: نعم فكرت في ذلك ربما استطعت على فترات متباعدة أن أنزل إلى الساحل وأقتنص بعض أسماك السردين الذي أحبه لتـكون وجبة شهية لي، أصمد بعدها عدة أيام أو ربما شهور لأعيد المحاولة من جديد وهكذا ..

وماذا عنك؟ كيف ستدبر طعامك؟

الدب مبتسماً: لا تقلق عليّ …. نحن طعامنا أسهل من البطاريق انظر إلى بقايا هذه القوارض والحيوانات  الكبيرة النافقة الجبل يخبىء لنا طعاماً أكثر مما تتصور، أما في الصيف نأكل الحشرات وبعض النباتات الجبلية التي نجدها مزهرة في الجبال وفي الشتاء ندخل في سبات شبه كامل ولا نأكل تقريباً فلدينا مخزوناً كبيراً صنعناه طوال أشهر الربيع والصيف والخريف.

روكي : رائع إذن لن تهلك بدون طعام هنا في الجبل … سعيد أن أسمع ذلك.

الدب: يبدو لي أنك صغير السن وبالتالي قليل الخبرة بالحياة أليس كذلك؟

روكي بخجل : اعتقد ذلك … ولذا أحاول أن اكتسب خبرات من الأصدقاء والتجارب والسفر والترحال

قاطعه الدب قائلاً: إذا أردت نصيحتي أرى أنك يجب أن تعود إلى مستعمرتك وأهلك فلن تصمد كثيراً هنا في الجبل أما عن الصيادين فستجدهم أينما ذهبت لاتظن أنك هنا بمعزل عنهم … إذا تواجدوا وشاهدوك فحتما سينقضوا عليك وأنت وحيد بلا حول ولا قوة….

أما في مستعمرتك وبين أهلك فمن الصعب عليهم أن ينفردوا بك وربما تمكنت من الهرب منهم بالغطس في الماء .

روكي: الحقيقة أنا فكرت في ذلك قبل أن أجدك ولكني أعشق المغامرة وعلى كل الأحوال دعني أفكر في الأمر…

وعلى كل الأحوال أنا سعيد أن اكتسبت صداقتك وإذا لم تجد زوجتك فحتماً سنلتقي ثانية، ربما هنا في الجبل مرة أخرى لقد عرفت الطريق الآن.

الدب: هذا رائع… سأتركك الآن لأواصل البحث عن زوجتي ….

وتركه وحيداً وأصدر صوتاً عالياً وسار في اتجاه آخر.

وقف روكي حائراً لا يعرف ماذا يفعل بينما جلس يفكر فيما يجب عليه فعله شاهد في السماء مروحية تحلق على ارتفاع منخفض تذكر ما قاله الدب ربما تبحث تلك الطائرة عن حيوانات شاردة؟

أسرع الخطى قدر استطاعته وكلما اقتربت من الارض كانت ضربات قلبه تتسارع و كاد صوت أزيز محرك الطائرة  يصيبه بالإغماء من الخوف … حاول الهرب ولكنه انزلق فوق الثلج وكاد ينكشف أمره ظل لفترة ساكناً حتى تمكن من الاختفاء خلف أحد التلال الثلجية الكبيرة .

وفجأة …حدث ما لم يكن يتوقعه أبداً!

فقد انهار التل الثلجي الكبير الذي يختبأ خلفه وكاد أن يختفي روكي  تحت الثلوج وبعد جهد كبير ومقاومة هائلة  نجح في الخروج من بين الكتل الثلجية الكبيرة التي خلفها الانهيار الكبير!

وانتظر حتى اختفت المروحية من السماء ، عاود السير مجدداً وهو يترقب بكل حذر فلايعرف من أين ستأتيه المفاجآت، وجد أمامه كهفاً ثلجياً كبيراً ، فكر في الاختباء في هذا الكهف ليوم أو يومين حتى ينال قسطاً وفيراً من الراحة بعد هذا الكم من السير وهذا القدر من الفزع والخوف .

عندما دخل الكهف وجد بطريقاً عجوزاً واهناً يجلس وحيداً ولايكاد يسمع له صوت !

روكي: آسف إذا أزعجتك … كيف يمكنني مساعدتك؟

البطريق العجوز: أنا سعيد أن وجدت أحداً من مستعمرتي أخيراً … ما الذي جاء بك إلى هنا؟

روكي: جئت هرباً من الصيادين الذين وجدتهم على الساحل

العجوز مبتسماً: تماماً كما فعلت منذ أن كنت في مثل عمرك … ظللتُ طوال حياتي مطارداً هارباً حتى أصبحت عاجزاً عن السير بشكل طبيعي.

روكي: ماذا حدث لك ؟

البطريق العجوز: في أحد أيام الخريف وكنت أتجول وحيداً في الجبال وجدت أمامي أحد الحيوانات الجبلية المفترسة!

حيوان اعتقد هو من أشرس حيوانات الجبل شاهدته لأول مرة في حياتي ولا أعرف له أسماً…

بمجرد أن شاهدته ارتعبت وشعر هو  بهذا الخوف  الذي انتابني … فتعقبني  وحاول الفتك بيّ … وبالفعل التهم جزءًا من قدمي اليمنى وهربت منه وأصبحت عاجزاً عن الحركة كما ترى الآن…

روكي بحزن شديد: يالها من مآساة … آسف إذا كنت قد ذكرتك بهذا الحادث.

البطريق العجوز: أنا لم أنس يوماً ما حدث لي  لتذكرني به  يا بني. … لا أنصحك أبداً أن تكرر ما حدث لي … أنصحك بالعودة إلى مستعمرتك ، وأنت بين أهلك وأصدقائك لن يمسسك أذى…. هذا ما تعلمته من هذه المأساة .

روكي: بعد ما سمعته منك ومن صديقي الدب الذي صادفته هنا في الجبل وكيف نجوت من موت محقق بانهيار الكتل الثلجية فوقي ،  يبدو أنني أخطأت في الهرب من المستعمرة،  وعلى كل الأحوال هي فرصة أن ساقتني الظروف لأقابلك علني أقدم لك ما استطعت من العون…

البطريق العجوز: لا أعتقد أن هناك ما يمكن أن تقدمه لي الآن…

روكي مقاطعاً : سوف أحضر لك ما استطعت حمله من الأسماك لتأكل على الأقل…

البطريق العجوز بابتسامة خافتة : شكراً لك لمشاعرك الطيبة … ولكني فقدت أي رغبة في الطعام  بل فقدت قدرتي على البلع أيضاً!

روكي حزيناً: إذن ما الذي يمكن  لي أن أفعله من أجلك؟

البطريق العجوز : لا شىء … كل ما أريده أن تزورني كلما سمحت ظروفك بذلك … ثم أكمل حديثه :

لا تعرف قدر سعادتي اليوم بمقابلتك …لقد بعثت فيّ الحياة  من جديد بعد أن فقدت الأمل.

روكي بثقة: اعدك أن أفعل كلما سمحت ظروفي بذلك.

تركه روكي وخرج من الكهف في إتجاه الساحل  مسرعاً …

أخذ روكي يراجع تجربته منذ أن هرب إلى الجبل إلى الآن وكيف نجح في النجاة من الانهيار الثلجي المباغت وكيف كُتبت له النجاة ، وهل كان مخطئاً في قراره بالهروب إلى الجبل أم كانت تجربة تعلم منها شيئاً ..

وظلت قصة  الدب الذي يبحث عن زوجته لم تغادر ذهنه قط ، وكيف نجح في الهرب من الصيادين بمصادفة مذهلة لاتتكرر  …أما مشهد البطريق العجوز ومأساته تلك، فكانت أيضاً في مخيلته طوال رحلة عودته إلى الساحل …

 

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Exit mobile version