تحليلات سياسية

السفير ماجد عبد الفتاح… مدرسة تحمل اسمه في الدبلوماسية والإنسانية

بقلم: أمجد مكي

هناك شخصيات تمر في حياتنا العملية مرورًا عابرًا، وهناك شخصيات أخرى تترك في الذاكرة أثرًا لا يمحى، لأنها لا تكتفي بأن تؤدي دورها الرسمي، بل تصنع حولها مدرسة كاملة من الخبرة والالتزام والإنسانية. ومن بين هذه الشخصيات الرفيعة يأتي اسم سعادة السفير ماجد عبد الفتاح عبد العزيز، المراقب الدائم لجامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، الذي يغادر منصبه بعد سنوات طويلة من العطاء الدبلوماسي الرفيع، والخبرة السياسية العميقة، والحضور العربي والدولي المؤثر.

الحديث عن السفير ماجد عبد الفتاح ليس حديثًا عن مسؤول شغل منصبًا مهمًا فحسب، بل هو حديث عن قامة دبلوماسية نادرة، جمعت بين الخبرة، والحنكة، والقدرة على قراءة المشهد الدولي، وبين الهدوء، والاتزان، والإنسانية، والحرص الدائم على من يعملون معه. فهو من هؤلاء السفراء الذين لا تستطيع أن تختصر سيرتهم في منصب واحد، ولا في مرحلة واحدة، لأن كل محطة من محطات مسيرته كانت بذاتها تجربة كبيرة، وكل موقع شغله أضاف إلى رصيده وإلى العمل الدبلوماسي العربي والمصري والدولي قيمة حقيقية..

قبل أن يتولى سعادة السفير ماجد عبد الفتاح رئاسة بعثة جامعة الدول العربية في نيويورك، كان حاضرًا في قلب العمل الدولي والدبلوماسي من مواقع متعددة ورفيعة. فقد عمل مستشارًا خاصًا للسكرتير العام للأمم المتحدة لشؤون أفريقيا، وهو منصب رفيع يعكس حجم الثقة الدولية في خبرته وقدرته على التعامل مع واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وأهمية في النظام الدولي.

وقبل ذلك، شغل منصب المندوب الدائم لبعثة جمهورية مصر العربية لدى الأمم المتحدة، ممثلًا لدولة بحجم مصر في واحدة من أهم ساحات الدبلوماسية العالمية. كما تولى في مرحلة مهمة من مسيرته منصب المستشار الدبلوماسي لرئيس جمهورية مصر العربية، والمتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، إلى جانب عمله في ملفات المعلومات والمتابعة داخل مؤسسة الرئاسة، وهي محطة تعكس قربه من دوائر صناعة القرار، وثقة الدولة المصرية في خبرته وقدرته على التعامل مع أكثر الملفات حساسية ودقة. وقد جعلت هذه المحطات مجتمعة منه واحدًا من أكثر الدبلوماسيين العرب خبرة ومعرفة بدهاليز الأمم المتحدة، وآليات العمل المتعدد الأطراف، وطبيعة التوازنات الدولية.

وخلال سنوات عمله على رأس بعثة جامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، لم يكن حضور السفير ماجد عبد الفتاح حضورًا بروتوكوليًا أوتمثيليًا فحسب، بل كان حضورًا فاعلًا أسهم في ترسيخ مكانة الجامعة العربية داخل أروقة الأمم المتحدة، وفي إبقاء القضايا العربية حاضرة بقوة على جدول الأعمال الدولي. فقد حمل صوت الجامعة العربية في لحظات شديدة الحساسية، ودافع عن المواقف العربية في ملفات معقدة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والأوضاع في غزة، والتطورات في سوريا وليبيا واليمن والسودان ولبنان، وغيرها من الأزمات التي ظلت تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدبلوماسية العربية على الحضور والتأثير.

ومن أبرز ما أضافه للبعثة أنه منحها ثقلًا سياسيًا وخبرة تفاوضية متراكمة داخل البيئة الأممية، بحكم معرفته العميقة بآليات الأمم المتحدة، وبطبيعة عمل مجلس الأمن والجمعية العامة واللجان المتخصصة.

كان يدرك كيف تُصاغ المواقف، وكيف تُدار الاتصالات، وكيف يمكن للكلمة العربية أن تصل إلى مكانها الصحيح في التوقيت الصحيح. كما حافظ على حضور الجامعة العربية في ملفات التعاون مع الأمم المتحدة، وفي القضايا المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين، وإصلاح النظام متعدد الأطراف، ودعم الحلول السياسية للأزمات، والدفاع عن مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الاستقرار في الشرق الأوسط.

ولم تكن إضافته للبعثة في الملفات السياسية وحدها، بل في طريقة إدارة العمل نفسه. فقد رسخ داخل البعثة ثقافة الانضباط، والدقة، والمتابعة، واحترام التسلسل المؤسسي، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كان يؤمن بأن قوة المؤسسة لا تظهر فقط في البيانات والاجتماعات، بل في النظام الداخلي، وفي وضوح الأدوار، وفي قدرة كل فرد على أداء مسؤوليته بجدية واحترام. ولذلك، فإن أثره في بعثة جامعة الدول العربية بنيويورك لم يكن أثر سفير قاد مرحلة فقط، بل أثر قائد ترك وراءه طريقة عمل، وروحًا مهنية، ومدرسة في الالتزام والمسؤولية

لكن قيمة السفير ماجد عبد الفتاح لا تقف عند حدود المناصب، مهما علت، ولا عند الألقاب، مهما كبرت. فقيمته الحقيقية تكمن في أنه كان، وما زال، مدرسة دبلوماسية متكاملة. مدرسة في الانضباط، وفي فهم الملفات، وفي احترام العمل، وفي تقدير المسؤولية، وفي كيفية التعامل مع المواقف الصعبة بهدوء وثبات. من يعمل معه يدرك سريعًا أنه أمام شخصية تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تدير الأمور، وتعرف قبل كل شيء قيمة الكلمة، وقيمة الموقف، وقيمة المؤسسة التي يمثلها..

لقد تعلمنا منه الكثير. تعلمنا أن العمل الدبلوماسي ليس مجرد مراسلات واجتماعات وبروتوكولات، بل هو التزام يومي، ودقة في التفاصيل، واحترام للوقت، ووعي بحساسية الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة.

وتعلمنا منه أن قوة الدبلوماسي لا تكون فقط في قدرته على الحديث، بل في قدرته على الاستماع، وعلى تقدير اللحظة المناسبة، وعلى فهم ما وراء الكلمات..

وعلى المستوى الإنساني، كان السفير ماجد عبد الفتاح نموذجًا يصعب أن يتكرر بسهولة. فخلف الحضور الرسمي الرصين، كانت هناك شخصية إنسانية حريصة على كل من يعمل معها. كان يهتم بالناس، يقدر ظروفهم، ويعرف قيمة الجهد الذي يبذله كل فرد داخل المنظومة. لم يكن ينظر إلى العاملين معه باعتبارهم مجرد أسماء في هيكل إداري، بل كان يرى في كل شخص دورًا، ومسؤولية، وقيمة. وهذه الصفة الإنسانية تحديدًا هي ما تجعل أثره باقيًا في القلوب قبل المكاتب..

لقد كان حريصًا دائمًا على أن يضيف لكل من حوله شيئًا من خبرته ومن طريقته في العمل. لم يكن بخيلًا بعلمه أبدا، ولا بتوجيهه، ولا بملاحظاته. كان يعلّمنا، أحيانًا بالكلمة، وأحيانًا بالموقف، وأحيانًا بمجرد طريقته في إدارة الأمور.

وعلى المستوى الشخصي، أجد نفسي مدينًا له بالكثير. فقد كان لسعادة السفير، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، فضل كبير في تعييني في بعثة جامعة الدول العربية في نيويورك، وهي مسؤولية أعتز بها وأحمل لها كل التقدير. ومهما حاولت أن أشكره، فلن أوفيه حقه. فهناك أشخاص يقدمون لك فرصة عمل، وهناك أشخاص يفتحون أمامك بابًا لحياة مهنية مختلفة، ويمنحونك ثقة تدفعك إلى أن تكون أفضل، وأكثر التزامًا، وأكثر وعيًا بقيمة المكان الذي تعمل فيه. والسفير ماجد عبد الفتاح كان من هذا النوع النادر من القادة.

إن مغادرة السفير ماجد عبد الفتاح لمنصبه لا تعني نهاية الأثر الذي تركه. فالمناصب قد تتغير، والمواقع قد تتبدل، لكن المدارس الحقيقية تبقى. وما تركه من خبرة، ونظام، وانضباط، وروح مسؤولية، سيظل حاضرًا في كل من عمل معه وتعلم منه. سيظل اسمه مرتبطًا بمرحلة مهمة من عمل بعثة جامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة، وبحضور عربي رصين في نيويورك، وبنهج دبلوماسي يجمع بين قوة الموقف وهدوء الأداء..

إن من الصعب أن تجد سفيرًا يجمع كل هذه المواصفات في شخصية واحدة: خبرة ممتدة، وحنكة سياسية، ومعرفة عميقة بالأمم المتحدة، وحضور عربي ودولي، وإنسانية في التعامل، وحرص على المؤسسة، واهتمام حقيقي بمن يعملون معه. ولذلك، فإن الحديث عنه ليس مجاملة، بل شهادة حق في حق رجل يستحق كل هذا التقدير والاحترام.

شكرًا سعادة السفير ماجد عبد الفتاح على كل ما قدمته. شكرًا على ما علمتنا إياه، وعلى ما أضفته إلينا، وعلى ما تركته فينا من أثر طيب. شكرًا على قيادتك، وعلى إنسانيتك، وعلى حرصك، وعلى ثقتك. ومهما قيل من كلمات، ستظل أقل من حقك ومكانتك الكبيرة.

أتمنى لسعادتكم كل التوفيق والنجاح في المرحلة القادمة من حياتكم، وأن يظل عطاؤكم وخبرتكم مصدر إلهام لكل من عرفكم وعمل معكم وتعلم منكم. فبعض الناس يغادرون مناصبهم، لكنهم لا يغادرون الذاكرة. والسفير ماجد عبد الفتاح واحد من هؤلاء الذين يتركون أثرًا لا يزول..

 

 

رؤية نيوز

موقع رؤية نيوز موقع إخباري شامل يقدم أهم واحدث الأخبار المصرية والعالمية ويهتم بالجاليات المصرية في الخارج بشكل عام وفي الولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص .. للتواصل: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إغلاق