أمجد مكي – رؤية نيوز – نيويورك
توفي السيناتور الجمهوري البارز ليندسي جراهام، ممثل ولاية ساوث كارولاينا في مجلس الشيوخ الأمريكي، مساء السبت 11 يوليو 2026، عن عمر ناهز 71 عاما، بعد وعكة صحية مفاجئة وقصيرة.
وأفادت النتائج الطبية الأولية بأن الوفاة نتجت عن تمزق أو تسلخ في الشريان الأورطي مرتبط بتصلب الشرايين، بينما لا يزال الإعلان الطبي النهائي في انتظار استكمال بعض الفحوص. وجاءت وفاة جراهام بعد ساعات قليلة من عودته من زيارة إلى أوكرانيا، كان قد بحث خلالها دفع حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية ضد روسيا.
من قاعة البلياردو إلى مجلس الشيوخ
ولد ليندسي جراهام عام 1955 في بلدة سنتر بولاية ساوث كارولاينا، ونشأ في ظروف عائلية متواضعة، حيث كان والداه يمتلكان مطعما صغيرا وحانة وقاعة للبلياردو، وكانت الأسرة تقيم في غرفة واحدة خلف المكان.
فقد جراهام والدته ثم والده وهو في مرحلة الشباب، ليتولى مسؤولية رعاية شقيقته الصغرى دارلين، مستفيدا من إعانات الضمان الاجتماعي التي تحدث لاحقا عن أهميتها في حماية الأسر الأمريكية محدودة الدخل. وظل جراهام طوال حياته أعزب ولم ينجب أطفالا.
درس علم النفس ثم حصل على شهادة في القانون من جامعة ساوث كارولاينا، والتحق بعد ذلك بالقوات الجوية الأمريكية محاميا عسكريا ضمن هيئة القضاء العسكري.
واصل جراهام خدمته في الاحتياط والحرس الوطني لسنوات طويلة، وشارك في مهمات مرتبطة بالحروب الأمريكية في الخليج والعراق وأفغانستان، قبل أن يتقاعد عام 2015 برتبة عقيد. كما حصل على وسام النجمة البرونزية تقديرا لخدمته العسكرية.
مسيرة سياسية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود
بدأ جراهام مسيرته الانتخابية عضوا في مجلس نواب ولاية ساوث كارولاينا عام 1992، ثم انتخب عضوا في مجلس النواب الأمريكي عام 1994.
برز اسمه على المستوى الوطني خلال إجراءات مساءلة الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، حيث كان أحد أعضاء مجلس النواب الذين تولوا عرض قضية العزل أمام مجلس الشيوخ.
وفي عام 2002، فاز بالمقعد الذي كان يشغله السيناتور المخضرم ستروم ثورموند، ودخل مجلس الشيوخ في يناير 2003، ليقضي فيه أكثر من 23 عاما ويفوز بأربع دورات متتالية. وكان يسعى قبل وفاته إلى الفوز بولاية خامسة مدتها ست سنوات.
وعند وفاته، كان جراهام رئيسا للجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، وعضوا بارزا في لجنتي القضاء والمخصصات المالية، وهي من أكثر لجان المجلس تأثيرا في التشريعات والإنفاق الحكومي وتعيين كبار المسؤولين والقضاة.
صقر السياسة الخارجية الأمريكية
عرف ليندسي جراهام بأنه أحد أكثر أعضاء الكونجرس تأييدا لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية في الخارج، ومن أبرز المدافعين عن زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز التحالفات العسكرية التقليدية للولايات المتحدة.
شكل مع السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين والسيناتور الديمقراطي المستقل جو ليبرمان مجموعة غير رسمية عرفت باسم الأصدقاء الثلاثة، وكانوا يقومون بزيارات متكررة لمناطق الصراع ويدافعون عن دور أمريكي قوي في الشرق الأوسط والعالم.
أيد جراهام الحرب في العراق والعمليات العسكرية في أفغانستان، وتمسك بالدفاع عن حلف شمال الأطلسي، كما كان من أقوى الداعمين لأوكرانيا في مواجهتها مع روسيا، وزار كييف عدة مرات منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية.
كما عرف بدعمه المطلق لإسرائيل، وتأييده توسيع اتفاقيات التطبيع بينها وبين الدول العربية، خصوصا السعودية، مع اتخاذه موقفا شديد التشدد تجاه إيران وبرنامجها النووي والصاروخي.
وفي إحدى أكثر تصريحاته إثارة للجدل، دعا إلى استخدام قوات برية للسيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، وهي مركز رئيسي لتصدير النفط، وقال تعليقا على صعوبة العملية: «لقد نفذنا إيو جيما، ويمكننا تنفيذ ذلك».
من مهاجمة ترامب إلى التحالف الوثيق معه
كانت علاقة جراهام بالرئيس دونالد ترامب من أكثر جوانب حياته السياسية إثارة للجدل.
خلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية عام 2016، كان جراهام من أشد منتقدي ترامب، ووصف خطابه بأنه يقوم على التحريض العنصري وكراهية الأجانب والتعصب الديني، كما حذر الجمهوريين من أن ترشيحه قد يدمر الحزب.
ودخل الرجلان في مواجهة علنية، حتى إن ترامب أعلن رقم الهاتف الشخصي لجراهام أمام أنصاره خلال تجمع انتخابي، ما اضطر السيناتور إلى تغيير رقمه.
لكن بعد فوز ترامب بالرئاسة، وخصوصا عقب وفاة صديقه المقرب جون ماكين عام 2018، تغير موقف جراهام تدريجيا، ليصبح واحدا من أقرب حلفاء ترامب في مجلس الشيوخ ومستشارا غير رسمي له في ملفات السياسة الخارجية والقضاء.
ورغم إعلانه عقب اقتحام مبنى الكابيتول في يناير 2021 أن علاقته السياسية بترامب انتهت، عاد لاحقا ليؤكد أن الحزب الجمهوري لا يستطيع التقدم أو النمو من دون ترامب. وأصبح هذا التحول رمزا للتغييرات التي شهدها الحزب الجمهوري تحت قيادة الرئيس.
مواقف وتصريحات قسمت الأمريكيين
لم يكن جراهام شخصية سياسية تقليدية، فقد جمع بين القدرة على العمل مع الديمقراطيين في بعض الملفات وبين استخدام لغة حزبية شديدة الحدة في ملفات أخرى.
شارك في محاولات مشتركة بين الحزبين لإصلاح قوانين الهجرة، وعمل مع سيناتورات ديمقراطيين في تشريعات تتعلق بالأمن القومي والعقوبات الدولية.
وفي المقابل، أثار انتقادات واسعة بسبب دفاعه الحاد عن مرشح المحكمة العليا بريت كافانو خلال جلسات تثبيته عام 2018، حيث اتهم الديمقراطيين بتنظيم حملة سياسية لتدمير المرشح وإفساد إجراءات التعيين.
كما تعرض لانتقادات بسبب انتقاله السريع من رفض ترامب إلى الدفاع عنه، ورأى خصومه أن هذا التحول يعكس مرونة سياسية مفرطة، بينما قال مؤيدوه إنه اختار العمل من داخل مركز القوة حتى يستطيع التأثير في قرارات البيت الأبيض.
كيف تؤثر وفاته على انتخابات نوفمبر؟
كانت وفاة جراهام ذات تأثير مباشر على انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر 2026، لأنه كان قد فاز بالفعل بالانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في ساوث كارولاينا يوم 9 يونيو، وكان يستعد لمواجهة المرشحة الديمقراطية وطبيبة الأطفال آني أندروز.
وبموجب قانون ساوث كارولاينا، يستطيع الحاكم الجمهوري هنري ماكماستر تعيين سيناتور مؤقت يشغل المقعد حتى 3 يناير 2027، موعد انتهاء ولاية جراهام الحالية.
أما اختيار المرشح الجمهوري الذي سيخوض انتخابات نوفمبر للفوز بولاية جديدة كاملة، فسيتم من خلال انتخابات تمهيدية خاصة في 11 أغسطس، مع إجراء جولة إعادة في 25 أغسطس إذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية.
ويواجه الفائز بالترشيح الجمهوري المرشحة الديمقراطية آني أندروز في الانتخابات العامة يوم 3 نوفمبر. ومن بين الأسماء الجمهورية المتداولة النائبة نانسي ميس، والنائب راسل فراي، ونائبة حاكم الولاية باميلا إيفيت، إلى جانب شخصيات جمهورية أخرى في ساوث كارولاينا.
ورغم أن ساوث كارولاينا تعد تاريخيا من الولايات المحافظة التي تميل إلى الحزب الجمهوري، فإن غياب شخصية بحجم جراهام وتحول المنافسة إلى انتخابات تمهيدية سريعة ومفتوحة قد يمنح الديمقراطيين فرصة لجعل السباق أكثر تنافسية مما كان متوقعا.
تأثير فوري داخل مجلس الشيوخ
سياسيا، قلصت وفاة جراهام هامش تحرك الجمهوريين داخل مجلس الشيوخ، وتركت فراغا في رئاسة لجنة الموازنة وفي لجان القضاء والمخصصات المالية.
كما يفقد ترامب أحد أهم الوسطاء بين البيت الأبيض وأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، في وقت يواجه فيه المجلس ملفات حساسة تشمل الموازنة والإنفاق الدفاعي وتعيينات كبار مسؤولي الإدارة والعقوبات على روسيا.
وكان جراهام قد توصل قبل وفاته مباشرة إلى تفاهم لدفع مشروع عقوبات جديد ضد موسكو، وهو ما يجعل مستقبل المشروع وقدرة الجمهوريين على تمريره أحد أول الاختبارات السياسية بعد رحيله.
إرث سياسي مثير للانقسام
يرحل ليندسي جراهام تاركا وراءه إرثا سياسيا معقدا: محام عسكري أصبح واحدا من أقوى الأصوات في الكونجرس، وسياسي جمهوري استطاع بناء علاقات شخصية مع الديمقراطيين، وصقر في السياسة الخارجية لم يتردد في الدعوة إلى استخدام القوة.
لكن إرثه سيظل مرتبطا كذلك بتحوله الكبير تجاه دونالد ترامب، وبمواقفه المتشددة من إيران، ودعمه الواسع لإسرائيل وأوكرانيا، وتصريحاته الحادة التي جعلته في الوقت نفسه شخصية مؤثرة ومثيرة للانقسام داخل الولايات المتحدة وخارجها.