إعداد: رؤية نيوز – نيويورك

لم تكن العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام مجرد علاقة تقليدية بين مسؤول إسرائيلي وعضو بارز في الكونغرس، بل كانت، وفق تسجيلات ظهرت أخيرا، شراكة سياسية تجاوزت التصريحات العلنية إلى تنسيق التحركات داخل مجلس الشيوخ، والضغط على المحكمة الجنائية الدولية، والتأثير في قرارات البيت الأبيض المتعلقة بإيران ولبنان.

وتكتسب التسجيلات أهميتها من توقيت ظهورها، بعد وفاة غراهام في 11 يوليو 2026، وبعد قرار الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية عزل المدعي العام كريم خان، وقبل نحو ثلاثة أشهر من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر المقبل.

كما تظهر التسجيلات في وقت يواجه فيه الرئيس دونالد ترامب تراجعا في التأييد الشعبي، واستياء متزايدا من الحرب مع إيران، وانقساما داخل المجتمع الأمريكي بشأن الدعم غير المشروط لإسرائيل.

التسجيل ليس مكالمة مسربة مجهولة

ما ظهر أخيرا ليس تسجيلا مجهول المصدر أو مقطعا جرى التقاطه بصورة سرية، بل جزء من مئات الساعات التي صورها المخرج البريطاني أليكس هولدر، الذي رافق غراهام لأكثر من أربعة أعوام لإنتاج فيلم وثائقي يحمل عنوانا مؤقتا هو «لعبة ليندسي».

وحصل فريق التصوير على إذن واسع لتسجيل اجتماعات غراهام ورحلاته ومكالماته مع قادة دول ومسؤولين أمريكيين، من بينهم نتنياهو وترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

نحن إذن أمام مادة وثائقية سجلت بموافقة غراهام، لكنها لم تكن مخصصة للبث الفوري، وهو ما يفسر الطبيعة الصريحة وغير الرسمية للحوار.

ماذا قال نتنياهو لغراهام بشأن كريم خان؟

يعود التسجيل الأبرز إلى أكتوبر 2024، قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بينما كانت المحكمة الجنائية الدولية تدرس طلب إصدار مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.

وبحسب ما كشفته التسجيلات، تحدث نتنياهو مع غراهام عن اتهامات سوء السلوك الجنسي التي كانت قد ظهرت ضد كريم خان، ورأى أن هذه الاتهامات تضع «سحابة» أو «وصمة» فوق المدعي العام، وأنه ينبغي التحقيق فيها قبل السماح للمحكمة بالمضي في إصدار مذكرات الاعتقال.

لم يكن الهدف المعلن في المكالمة إثبات براءة نتنياهو من الاتهامات المتعلقة بالحرب في غزة، بل تعطيل أو تأجيل الإجراء القضائي من خلال ضرب مصداقية الرجل الذي تقدم بطلب مذكرات الاعتقال.

وطلب نتنياهو من غراهام حشد أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإرسال رسالة إلى الجهة المشرفة على المحكمة، بحيث لا يبدو التحرك دفاعا جمهوريا أو إسرائيليا منفردا، وإنما اعتراضا أمريكيا واسعا على أداء المدعي العام.

غراهام يجند ديمقراطيين

تكشف المكالمة أن غراهام أبلغ نتنياهو بأنه نجح في الحصول على دعم السيناتورين الديمقراطيين ريتشارد بلومنتال وبن كاردين، وأشار إلى أنه تمكن من ضمهما إلى التحرك.

ولم يتوقف الأمر عند جمع التوقيعات، فقد نصح غراهام نتنياهو بأن يتصل شخصيا بالسيناتورين ويشكرهما، وأن يبدي أمامهما اهتماما بملف تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، بما يشجعهما على مواصلة دعمهما السياسي لإسرائيل داخل مجلس الشيوخ.

وفي الأول من نوفمبر 2024، صدرت بالفعل رسالة مشتركة وقعها غراهام وبلومنتال وكاردين، إلى جانب الجمهوريين جون ثون وجوني إرنست والديمقراطي جون فيترمان.

وطالبت الرسالة جمعية الدول الأطراف في المحكمة بالتحقيق في اتهامات سوء السلوك ضد خان، وذهبت إلى حد المطالبة بالنظر في عزله، كما دعت إلى عدم اتخاذ إجراءات ضد نتنياهو وغالانت قبل انتهاء التحقيق معه.

وهنا تكمن إحدى أخطر دلالات التسجيل: الرسالة التي قدمت للرأي العام باعتبارها موقفا قانونيا مستقلا من أعضاء في مجلس الشيوخ، كانت قد سبقتها مناقشات خاصة بين رئيس حكومة أجنبية وسيناتور أمريكي حول كيفية إعدادها، ومن ينبغي ضمه إليها، وكيف يمكن الحفاظ على دعم المشاركين الديمقراطيين.

هل تسببا بالفعل في إقالة خان؟

من الضروري التمييز بين ثلاثة أمور رئيسية.

أولا، تثبت التسجيلات وجود محاولة سياسية لاستغلال الاتهامات الموجهة إلى خان من أجل تعطيل مذكرات الاعتقال وإضعاف المحكمة.

ثانيا، لا تثبت المواد المنشورة حتى الآن أن نتنياهو أو غراهام اختلقا الاتهامات الجنسية أو وجها صاحبة الشكوى إلى تقديمها.

ثالثا، لا يوجد دليل معلن حتى الآن يثبت أن قرار عزل خان في يوليو 2026 صدر نتيجة مباشرة للمكالمة أو رسالة أعضاء مجلس الشيوخ.

فقد خضع خان لتحقيق رسمي طويل، ثم قررت الدول الأعضاء في المحكمة عزله، بعد أن خلصت الجهات الرقابية إلى ارتكابه سوء سلوك خطيرا وإخلالا بواجباته. ونفى خان الاتهامات واعترض على الإجراءات والنتائج.

لكن التسجيلات تفتح سؤالا مختلفا: هل جرى استخدام قضية حقيقية تتعلق بسلوك خان، ليس فقط لمحاسبته شخصيا، وإنما لضرب التحقيقات التي أجراها والضغط على المحكمة لمنعها من ملاحقة مسؤولين إسرائيليين؟

سيظل هذا السؤال قائما، خصوصا أن مذكرة اعتقال نتنياهو التي صدرت في نوفمبر 2024 لا تلغى تلقائيا بعزل خان، لأنها صدرت عن قضاة المحكمة وليست قرارا شخصيا من المدعي العام وحده.

العلاقة بين نتنياهو وغراهام

كان غراهام من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ دفاعا عن إسرائيل، ومن أشد المؤيدين لنتنياهو داخل الحزب الجمهوري. ولم يكن يؤدي دور المؤيد الإعلامي فقط، بل تحول إلى قناة اتصال بين نتنياهو والكونغرس والبيت الأبيض وبعض العواصم العربية.

ودافع غراهام عن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، واعتبر أن السماح لها بملاحقة قادة إسرائيل قد يفتح الباب لاحقا أمام ملاحقة عسكريين ومسؤولين أمريكيين.

كما عمل على ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي، وسعى إلى بناء تأييد من الحزبين لأي اتفاق يجمع واشنطن والرياض وتل أبيب. وكان يرى أن التحالف بين ترامب ونتنياهو يمثل أساسا لمشروع إقليمي أوسع في مواجهة إيران.

وبعد وفاته، وصف نتنياهو غراهام بأنه واحد من أعظم أصدقاء إسرائيل، وسافر إلى واشنطن للمشاركة في جنازته، في تعبير عن المكانة الاستثنائية التي كان يشغلها السيناتور الراحل في حسابات الحكومة الإسرائيلية.

الخطة الأخرى.. إقناع ترامب بضرب لبنان

لا تقتصر التسجيلات على ملف المحكمة الجنائية الدولية.

ففي مكالمة أخرى جرت في 4 مارس 2026، عرض غراهام على نتنياهو السفر إلى فلوريدا لمقابلة ترامب وإقناعه بإدخال الولايات المتحدة بصورة مباشرة في الهجوم الإسرائيلي على حزب الله في لبنان.

والمثير في هذه المكالمة أن نتنياهو نفسه بدا أكثر حذرا من غراهام. فقد نصح السيناتور بعدم استعجال توسيع الحرب، موضحا أن التركيز في تلك المرحلة ينبغي أن يبقى على إيران، وأن فتح مواجهة كاملة مع حزب الله قد يدفعه إلى استخدام جميع قدراته ضد إسرائيل.

وافق غراهام على نصيحة نتنياهو، لكنه لم يتخل عن الفكرة نهائيا، بل اعتبر أنه يمكن العودة إليها في وقت لاحق.

وتكشف لقطات أخرى أن غراهام كان يعمل على دفع الحرب مع إيران في اتجاه تغيير النظام، وإسقاط مدن إيرانية، وتشجيع بعض الدول العربية على الانخراط بصورة أكثر وضوحا في المشروع.

كما كان يعتقد أن استمرار الضغط العسكري سيخلق زخما سياسيا وعسكريا يصعب التراجع عنه.

وبذلك تظهر صورة غراهام باعتباره لم يكن مجرد مؤيد لسياسة نتنياهو، وإنما كان في بعض الأحيان أكثر اندفاعا منه نحو توسيع العمليات العسكرية وإشراك القوات الأمريكية مباشرة.

هل تحرج التسجيلات البيت الأبيض؟

تسجيل المحكمة الجنائية لا يثبت، في صورته المنشورة، أن ترامب شارك في خطة استخدام اتهامات خان، أو أنه كان على علم بتفاصيل التنسيق بين نتنياهو وغراهام.

لكن المشكلة السياسية للبيت الأبيض تأتي من التسجيلات الأخرى التي تظهر أن غراهام كان يستخدم قربه من ترامب لمحاولة تمرير الأفكار الإسرائيلية، أو أفكاره الشخصية بشأن إيران ولبنان.

وسيستخدم الديمقراطيون هذه المواد للقول إن قرارات الحرب لم تكن تصنع دائما داخل المؤسسات الرسمية ومجلس الأمن القومي، وإنما من خلال شبكة علاقات شخصية ضمت نتنياهو وغراهام وترامب.

وفي المقابل، سيحاول البيت الأبيض تحويل القضية إلى هجوم على المحكمة الجنائية، والتأكيد أن الولايات المتحدة ليست عضوا فيها، وأن الضغط على خان كان دفاعا عن سيادة الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، وليس تدخلا في مؤسسة قضائية مستقلة.

ومن المرجح ألا تتبرأ إدارة ترامب من جوهر المواجهة مع المحكمة، حتى لو سعت إلى الابتعاد عن تفاصيل التسجيل والتنسيق غير الرسمي بين نتنياهو وغراهام.

التأثير على الحزب الجمهوري

لن تسبب التسجيلات انقساما متساويا داخل جميع قطاعات الحزب الجمهوري.

فالقاعدة الإنجيلية وكبار السن والجناح التقليدي المؤيد لإسرائيل قد يعتبرون ما فعله غراهام دفاعا مشروعا عن حليف يتعرض لملاحقة من محكمة لا تعترف الولايات المتحدة باختصاصها.

أما الجمهوريون الأصغر سنا، وجناح «أمريكا أولا»، والتيار المعارض للحروب الخارجية، فقد يرون في التسجيلات دليلا على أن مسؤولين أمريكيين كانوا يعملون لخدمة أولويات نتنياهو، ويدفعون ترامب إلى حروب لا يريدها قطاع كبير من الناخبين.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تزايد النظرة السلبية تجاه إسرائيل بين الجمهوريين الأصغر سنا، بالتوازي مع انقسام متزايد حول نتنياهو وسياساته.

ومن هنا، لن تكون المشكلة الرئيسية هي المحكمة الجنائية وحدها، وإنما اجتماع ثلاث صور في ذهن الناخب: سياسيون يعملون سرا مع زعيم أجنبي، وحرب ممتدة مع إيران، وتكاليف اقتصادية وعسكرية تتحملها الولايات المتحدة.

انتخابات نوفمبر.. هل تسقط التسجيلات الجمهوريين؟

التسجيلات وحدها لن تحسم انتخابات التجديد النصفي، لأن الناخب الأمريكي يصوت عادة على الاقتصاد والأسعار والهجرة والرعاية الصحية أكثر مما يصوت على أزمة قانونية دولية.

لكن القضية يمكن أن تصبح مؤثرة إذا اندمجت مع الاستياء من الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار الوقود، وسقوط جنود أمريكيين، والشعور بأن ترامب ابتعد عن وعوده بتجنب الحروب الطويلة.

وتجعل معدلات تأييد ترامب وتراجع الثقة في إدارته لملف إيران التسجيلات مادة انتخابية جاهزة للديمقراطيين، خصوصا في دوائر الضواحي والمقاعد المتأرجحة.

ويمكن تقديم القضية للناخبين باعتبارها مثالا على فقدان الرقابة البرلمانية، وخضوع السياسة الخارجية لعلاقات شخصية ومصالح خارجية، بدلا من خضوعها للمؤسسات الدستورية والأمنية الأمريكية.

لكن الديمقراطيين يواجهون بدورهم مشكلة، لأن الرسالة ضد خان لم تكن جمهورية فقط، بل وقعها عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي.

ولذلك لن يكون من السهل تحويل القضية إلى اتهام حزبي خالص، من دون مطالبة الأعضاء الديمقراطيين المشاركين في الرسالة بتفسير ما كانوا يعرفونه عن تنسيق غراهام مع نتنياهو.

من الأكثر تضررا؟

التأثير الأكبر على المدى القريب قد لا يقع على نتنياهو، الذي يستطيع تقديم التسجيل إلى جمهوره باعتباره دليلا على نجاحه في حماية إسرائيل من المحكمة، ولا على غراهام الذي رحل ولم يعد يواجه مساءلة انتخابية.

الضرر الحقيقي قد يصيب الجمهوريين المرشحين في الدوائر المتأرجحة، إذا اضطروا إلى الاختيار بين الدفاع الكامل عن نتنياهو، وبين مسايرة ناخبين جمهوريين ومستقلين أصبحوا أكثر رفضا للحروب الخارجية.

كما قد يتضرر ترامب إذا ظهرت تسجيلات إضافية تثبت أن غراهام كان يستطيع دفعه إلى قرارات عسكرية، أو أنه كان يتحدث باسمه من دون تكليف رسمي.

أما إذا بقيت القضية محصورة في نقاش إجرائي عن المحكمة الجنائية وسلوك خان، فقد تنجح القيادة الجمهورية في احتوائها، وتقديمها باعتبارها مواجهة مع مؤسسة دولية معادية لإسرائيل.

ما الذي يجب مراقبته خلال الأسابيع المقبلة؟

القضية لم تنته، لأن الفيلم الوثائقي الكامل لم يعرض بعد، وما نشر لا يمثل إلا جزءا محدودا من مئات الساعات المسجلة.

وسيكون مهما معرفة ما إذا كانت المواد المقبلة تتضمن محادثات أكثر وضوحا مع ترامب، أو تفاصيل عن تنسيق غراهام مع أعضاء مجلس الشيوخ، أو وعودا سياسية مرتبطة بالتطبيع السعودي الإسرائيلي، أو ضغوطا إضافية على المحكمة والدول الأعضاء فيها.

كما سيحدد موقف أعضاء مجلس الشيوخ الذين وقعوا رسالة نوفمبر 2024 حجم الأزمة.

فإذا أكدوا أنهم لم يعرفوا بتنسيق نتنياهو وغراهام، فسيفتح ذلك سؤالا حول المعلومات التي استخدمها غراهام لإقناعهم. أما إذا أقروا بأنهم كانوا على علم، فستتحول القضية إلى نقاش أوسع بشأن تدخل حكومة أجنبية في تحركات الكونغرس الأمريكي.

التقدير النهائي

تكشف التسجيلات أن علاقة نتنياهو وغراهام كانت أقرب إلى غرفة عمليات سياسية غير رسمية منها إلى علاقة دبلوماسية عادية.

استخدم نتنياهو غراهام لبناء جبهة من الحزبين ضد المحكمة الجنائية، بينما استخدم غراهام علاقته بنتنياهو وموقعه القريب من ترامب لدفع مشروع أوسع يقوم على مواجهة إيران، ومحاصرة حزب الله، وتوسيع التحالف الإسرائيلي مع الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية.

لكن الوقائع المنشورة حتى الآن لا تكفي للقول إنهما لفقا الاتهامات ضد كريم خان أو ضمنا عزله. الثابت هو أنهما حاولا توظيف تلك الاتهامات سياسيا لتعطيل ملاحقة نتنياهو وتقويض مصداقية المحكمة.

أما انتخابيا، فلن تسقط التسجيلات الجمهوريين بمفردها، لكنها تضيف مادة شديدة الخطورة إلى رواية تتشكل بالفعل أمام الناخب الأمريكي: رئيس منخفض الشعبية، وحرب خارجية غير محبوبة، وأسعار مرتفعة، وحليف إسرائيلي يمتلك قدرة كبيرة على التأثير داخل واشنطن.

وكلما ارتبطت التسجيلات بتكاليف الحرب وبقرارات ترامب، زادت احتمالات تحولها من فضيحة دبلوماسية محدودة إلى عامل مؤثر في معركة السيطرة على الكونغرس في نوفمبر 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Exit mobile version