رؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان، في مكة المكرمة يوم الجمعة 7 أغسطس 2026، على “اتفاق مكة للدفاع المشترك” مجرد إضافة جديدة إلى شبكة الاتفاقيات العسكرية في المنطقة، بل يمكن النظر إليه باعتباره واحدة من أهم محاولات إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط وجنوب آسيا منذ سنوات.
فالصفقة تجمع ثلاث قوى تمتلك عناصر قوة مختلفة ومتكاملة: السعودية بثقلها المالي والنفطي وموقعها في قلب الخليج والعالمين العربي والإسلامي، وتركيا بجيشها الضخم وعضويتها في حلف شمال الأطلسي وصناعتها الدفاعية المتنامية، وباكستان بجيشها الكبير وقدرتها النووية وخبرتها العسكرية الطويلة.
والأهم أن الاتفاق جاء في لحظة تشهد فيها المنطقة حربا واسعة مع إيران، وهجمات على دول الخليج وممرات الطاقة، وتصاعدا غير مسبوق في التساؤلات حول مدى قدرة الولايات المتحدة أو استعدادها للاستمرار باعتبارها الضامن الأمني الوحيد للدول الحليفة في المنطقة.
ماذا وقع القادة الثلاثة؟
وقع الاتفاق في مكة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
وأخطر ما ورد في الصيغة المعلنة هو أن:
“أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث يعتبر هجوما على الدول الثلاث جميعا.”
كما ينص الاتفاق على توسيع التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك. إلا أن البيانات الرسمية لم تكشف حتى الآن عن آليات التنفيذ، ولم تحدد بصورة علنية ما إذا كان الاعتداء على إحدى الدول يلزم الدولتين الأخريين بالدخول تلقائيا في الحرب أو يترك لكل دولة حرية تحديد شكل المساعدة التي تقدمها.
وهنا تحديدا تكمن مساحة “الغموض الاستراتيجي” في الاتفاق.
فهو شديد القوة من ناحية الرسالة السياسية والردعية، لكنه يترك للقادة الثلاثة مساحة مناورة واسعة في حال وقوع مواجهة حقيقية.
لماذا الآن؟
التوقيت ليس مصادفة.
السعودية تعرضت خلال الأزمة الأخيرة لهجمات وتهديدات إيرانية ومن جماعات مرتبطة بطهران، كما تتعرض المملكة لضغط متزايد من الحوثيين في اليمن. وذكرت رويترز عشية توقيع الاتفاق أن الرياض كانت تتوقع هجمات من محورين، من جماعات عراقية مرتبطة بإيران في الشمال والحوثيين في الجنوب، مع احتمال استهداف منشآت مدنية واقتصادية وموانئ ومطارات ومنشآت طاقة.
وكانت السعودية وباكستان قد سبقتا هذا الاتفاق بتوقيع اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك في سبتمبر 2025، ثم انتقل التعاون من الورق إلى الميدان؛ إذ نشرت باكستان خلال الأزمة قوات وطائرات مقاتلة وطائرات مسيرة ومنظومات دفاع جوي في السعودية. وتقدر رويترز عدد القوات الباكستانية التي تم نشرها في المملكة بنحو ثمانية آلاف جندي.
أما دخول تركيا رسميا في المعادلة فيغير حجمها بالكامل.
تركيا ليست مجرد قوة إقليمية، وإنما عضو في الناتو وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، إضافة إلى صناعة متقدمة للطائرات المسيرة والصواريخ والسفن والمركبات المدرعة، وبرنامج المقاتلة KAAN.
وبذلك أصبح الاتفاق يجمع بصورة مبسطة بين:
المال والطاقة السعودية + القوة البشرية والنووية الباكستانية + التكنولوجيا والصناعة والعمق الجيوسياسي التركي.
وهذا تحديدا ما يجعل الاتفاق أكثر أهمية من أي تحالف ثنائي تقليدي.
اولا: التأثير على السعودية
الرابح المباشر هو السعودية.
الرياض تبني من خلال الاتفاق “طبقات أمن” متعددة بدلا من الاعتماد الكامل على واشنطن.
فالولايات المتحدة ستظل الشريك العسكري الأكثر تقدما للمملكة، لكن السعودية ترسل رسالة واضحة مفادها أن أمنها القومي لن يبقى رهنا بقرار أمريكي منفرد.
صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية التقطت هذه النقطة بوضوح في تغطيتها للاتفاق اليوم، وكتبت أن القادة الثلاثة يؤسسون لعلاقات عسكرية أوثق بين ثلاثة حلفاء للولايات المتحدة يبحثون عن وسائل جديدة لتعزيز أمنهم، في ظل الشكوك المتزايدة بشأن المظلة الأمنية الأمريكية. وكتب التقرير الصحفي الأمريكي Jared Malsin.
بالنسبة للرياض، يخلق الاتفاق كذلك قدرة تفاوضية أكبر مع واشنطن.
كلما أثبتت السعودية أن لديها بدائل عسكرية وتكنولوجية من تركيا وباكستان وربما لاحقا دول أخرى، أصبح موقفها أقوى في التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن الأسلحة المتقدمة ونقل التكنولوجيا والتعاون النووي والعلاقات مع إسرائيل.
ثانيا: التأثير على تركيا
تركيا تحقق مكسبا استراتيجيا ضخما.
فالاتفاق يسمح لأنقرة بالتحول من قوة شرق متوسطية وعضو قوي في الناتو إلى لاعب مركزي في منظومة أمن الخليج والعالم الإسلامي.
كما يفتح الطريق أمام عقود ضخمة للصناعات الدفاعية التركية، خصوصا الطائرات المسيرة والصواريخ وأنظمة الحرب الإلكترونية والطائرات والسفن.
وفي الوقت نفسه، فإن انضمام تركيا إلى الاتفاق يمنح الرئيس اردوغان ورقة إضافية في التعامل مع واشنطن.
فالرئيس دونالد ترامب كان قد أعلن في يوليو أنه يدرس السماح لتركيا مجددا بالحصول على مقاتلات F-35، وقال إن تركيا كانت “أكثر ولاء” من بعض الحلفاء الآخرين، إلا أن الكونغرس الأمريكي لا يزال يضع عقبات قوية أمام هذا المسار.
وهنا قد يصبح اتفاق مكة عاملا إضافيا في الجدل داخل واشنطن: هل يجب تقريب تركيا أكثر من الولايات المتحدة لمنع ابتعادها استراتيجيا، أم أن زيادة استقلالية اردوغان وتحالفاته الإقليمية تجعل تسليم أنقرة التكنولوجيا الأمريكية الأكثر حساسية أكثر خطورة؟

ثالثا: التأثير على باكستان
باكستان تحقق ربما أكبر مكسب سياسي بالنسبة إلى حجم اقتصادها.
إسلام آباد تنتقل تدريجيا من كونها قوة تتركز حساباتها أساسا في جنوب آسيا إلى قوة عسكرية ذات دور مباشر في أمن الخليج والشرق الأوسط.
وجودها داخل منظومة تضم السعودية وتركيا يمنحها ثقلا تفاوضيا أكبر أمام واشنطن وبكين ونيودلهي وطهران.
لكن العنصر الأكثر حساسية سيظل السلاح النووي.
حتى الآن لا يوجد إعلان موثوق بأن الاتفاق وضع السعودية أو تركيا تحت “المظلة النووية الباكستانية”. بل إن التصريحات الرسمية تحاول الابتعاد عن هذا التفسير، والسعودية أكدت أن الاتفاق ليس مرتبطا بطموحات نووية أو بسباق تسلح.
لكن في عالم الردع، أحيانا يكون عدم الإجابة أهم من الإجابة.
فمجرد وجود دولة نووية داخل اتفاق ينص على أن الهجوم على طرف هو هجوم على الجميع يخلق لدى الخصوم سؤالا لا يمكن تجاهله:
إلى أي مدى يمكن أن تذهب باكستان إذا تعرضت السعودية أو تركيا لتهديد وجودي؟
وهذا السؤال نفسه جزء من قوة الردع.
رابعا: إيران.. الخاسر الأكثر مباشرة
من منظور طهران، الاتفاق يمثل تطورا استراتيجيا غير مريح.
للمرة الأولى تتشكل أمام إيران منظومة تجمع قوة خليجية رئيسية مع قوتين عسكريتين كبيرتين على حدود المجال الإيراني: تركيا في الشمال الغربي وباكستان في الشرق.
لكن من الخطأ اختزال الاتفاق باعتباره تحالفا سنيا هدفه الحرب مع إيران.
الخبيرة Burcu Ozcelik، الباحثة البارزة في أمن الشرق الأوسط بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI، رأت أن الهدف أقرب إلى موازنة الهيمنة الإيرانية وبناء ردع تجاه إسرائيل، وليس التوجه إلى حرب مباشرة مع طهران.
إيران فهمت الرسالة.
النائب الإيراني إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، هاجم الاتفاق اليوم، وقال إن اتفاقا ورقيا مع تركيا وباكستان لن يجلب الأمن للسعودية، في أول رد سياسي إيراني علني بارز على الاتفاق.
لكن من الناحية العسكرية، الاتفاق يرفع تكلفة أي قرار إيراني باستهداف الأراضي السعودية مجددا.
فالقيادة الإيرانية لم تعد مضطرة فقط لحساب الرد السعودي أو الأمريكي، وإنما احتمال دخول تركيا وباكستان بدرجات مختلفة إلى المعادلة.
خامسا: إسرائيل.. تطور يثير القلق حتى لو لم يكن موجها ضدها
إسرائيل لم تعلن موقفا رسميا تفصيليا حتى وقت إعداد هذا التقرير، وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لرويترز إنه امتنع عن التعليق.
لكن الاتفاق يحمل بالنسبة لإسرائيل عدة إشارات حساسة.
أولا، تركيا أحد أكثر الأطراف الإقليمية انتقادا للسياسة الإسرائيلية، وهناك احتكاك متزايد بين الطرفين في سوريا وشرق المتوسط.
ثانيا، السعودية ما زالت دولة محورية في أي مشروع أمريكي لتوسيع اتفاقيات أبراهام.
ثالثا، انضمام باكستان النووية إلى أي منظومة ردع يكون لإسرائيل مكان في حساباتها الاستراتيجية يرفع مستوى التعقيد، حتى من دون إعلان مظلة نووية.
والعامل الأخطر بالنسبة لإسرائيل ليس أن الدول الثلاث تستعد لحرب معها غدا؛ لا توجد أدلة على ذلك.
الخطر الحقيقي هو نشوء منظومة أمن إقليمية قوية لا تكون إسرائيل عضوا فيها ولا تكون الولايات المتحدة هي القائد المباشر لها.
وهذا تغيير في قواعد اللعبة.
سادسا: الولايات المتحدة.. هل هو تحالف ضد واشنطن؟
الإجابة الأقرب: لا. لكنه تحذير لواشنطن.
الدول الثلاث لديها علاقات عسكرية وأمنية عميقة مع الولايات المتحدة، وتركيا عضو في الناتو، والسعودية من أكبر مشتري السلاح الأمريكي، وباكستان حافظت عبر عقود على علاقات أمنية مع واشنطن رغم فترات التوتر.
لذلك لا يبدو اتفاق مكة محاولة لتشكيل محور معاد للولايات المتحدة.
الأدق أنه محاولة لإنهاء “الاحتكار الأمريكي” للأمن الإقليمي.
وهذه نقطة مختلفة تماما.
الرسالة إلى واشنطن هي:
نريد الولايات المتحدة شريكا، لكننا لن نعتمد عليها وحدها.
وهذا بالضبط ما ركزت عليه The Wall Street Journal اليوم عندما اعتبرت الاتفاق جزءا من بحث القوى الإقليمية عن ترتيبات أمنية جديدة بعد حرب إيران والشكوك المحيطة بالمظلة الأمريكية.
ماذا قالت إدارة ترامب عن الاتفاق؟
حتى نحو الثانية ظهرا بتوقيت واشنطن ونيويورك يوم الجمعة 7 أغسطس 2026، لم يصدر – وفقا لما أمكن رصده من البيانات والتغطيات المتاحة – موقف علني مخصص للاتفاق من الرئيس دونالد ترامب أو وزير الخارجية ماركو روبيو أو وزير الدفاع أو البيت الأبيض.
وهذا يجب تسجيله بدقة.
عدم صدور تعليق فوري لا يعني اعتراضا ولا موافقة.
لكن واشنطن ستراقب على الأرجح ثلاث نقاط شديدة الحساسية: علاقة الاتفاق بالناتو، وإمكان انتقال التكنولوجيا العسكرية بين الدول الثلاث، وما إذا كان التعاون مع باكستان سيأخذ مستقبلا بعدا نوويا.
سابعا: ماذا تقول الصحافة الأمريكية؟
The Wall Street Journal
هي حتى وقت إعداد التقرير صاحبة أهم قراءة أمريكية مباشرة للاتفاق.
الصحفي Jared Malsin كتب أن الاتفاق يضع الأساس لعلاقات عسكرية أوثق بين السعودية وتركيا وباكستان، ووصف الدول الثلاث بأنها حلفاء للولايات المتحدة يبحثون عن وسائل جديدة لحماية أمنهم بعد الاضطرابات التي ضربت المنطقة.
والأهم أن الصحيفة ربطت الاتفاق بما وصفته بالشكوك الجديدة حول المظلة الأمنية الأمريكية عقب حرب إيران.
هذه قراءة مهمة لأنها تعني أن القضية في واشنطن لن ينظر إليها فقط من زاوية إيران، وإنما من زاوية أكثر حساسية:
هل بدأ حلفاء الولايات المتحدة ببناء أنظمة أمن لا تحتاج إلى قيادة أمريكية مباشرة؟
Associated Press
وكالة Associated Press الأمريكية، في تقرير للصحفيين Suzan Fraser وMunir Ahmed، ركزت على أن الاتفاق يجمع ثلاث قوى إقليمية في وقت تتزايد فيه المخاوف الأمنية، وأبرزت الجمع بين النفط والقدرة النووية والجيش التركي والصناعة الدفاعية المتنامية.
كما أشارت الوكالة إلى أن الرياض تسعى إلى تنويع شراكاتها الدفاعية بعد تعرض البنية التحتية والمنشآت النفطية السعودية للهجمات خلال حرب إيران.
وهنا تتكرر العبارة الجوهرية في التغطية الأمريكية:
Diversify its defense partnerships — تنويع الشراكات الدفاعية.
أي أن القراءة الأمريكية لا ترى حتى الآن قطيعة مع واشنطن، بل بداية عصر لا تكون فيه واشنطن المصدر الوحيد للأمن والسلاح.
ثامنا: المسؤولون الأمريكيون والقلق من تركيا
يجب هنا التمييز بين رد فعل على اتفاق مكة وبين مواقف أمريكية موجودة بالفعل تجاه تركيا.
حتى الآن لم يصدر عن أعضاء بارزين في الكونغرس تعليق مباشر على اتفاق مكة أمكن التحقق منه.
لكن هناك تيارا قويا داخل الكونغرس يعارض منح تركيا مزيدا من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتقدمة.
النائبان الجمهوري Mike Lawler والديمقراطي Brad Sherman قادا في يوليو تحركا من الحزبين طالب ترامب بعدم السماح ببيع F-35 لتركيا، معتبرين أن علاقات أنقرة بخصوم واشنطن وسلوكها الإقليمي يثيران مخاوف تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.
كما قادت النائبة الديمقراطية Dina Titus تحركا آخر داخل مجلس النواب استعدادا لمنع أي محاولة لإعادة تركيا إلى برنامج F-35 إذا لم تستوف المتطلبات القانونية الأمريكية.
والخارجية الأمريكية نفسها أبلغت الكونغرس في 22 يوليو 2026 بأن تركيا لم تستوف بعد الشروط القانونية للعودة إلى برنامج F-35 بسبب ملف منظومة S-400 الروسية.
وهذا يعني أن اتفاق مكة قد يفتح مستقبلا جبهة نقاش جديدة داخل الكونغرس:
إذا أصبحت تركيا جزءا من شبكة صناعات وتسليح أعمق مع السعودية وباكستان، فإلى أي مدى يمكن لواشنطن أن تسمح بتدفق أكثر تقنياتها العسكرية حساسية إلى أنقرة؟
تاسعا: هل يمكن أن يجر الاتفاق الناتو إلى حرب؟
هذه واحدة من أخطر النقاط التي سيجري تداولها.
وجود تركيا في الاتفاق لا يعني أن السعودية وباكستان أصبحتا تحت حماية الناتو.
المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تتعامل مع الهجوم على دولة عضو في الناتو ضمن النطاق المحدد في المعاهدة. ولا تتحول التزامات تركيا الخارجية تلقائيا إلى التزامات على الولايات المتحدة وبقية دول الحلف. كما أن كل عضو في الناتو يحدد الإجراء الذي يراه ضروريا عند تطبيق المادة الخامسة.
بمعنى أوضح:
إذا تعرضت السعودية لهجوم وقررت تركيا مساعدتها بموجب اتفاق مكة، فهذا لا يعني تلقائيا أن الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا أصبحت في حالة حرب مع المهاجم.
أما إذا تعرضت الأراضي التركية نفسها لهجوم مسلح تنطبق عليه شروط معاهدة الناتو، فهنا تدخل المادة الخامسة في الحساب.
وهذا الفارق القانوني والاستراتيجي بالغ الأهمية.
عاشرا: مصر.. اللاعب الغائب الحاضر
مصر ليست طرفا في اتفاق مكة، لكنها يصعب أن تكون بعيدة عن الحسابات التي أدت إليه.
خلال الأشهر الماضية ظهر تنسيق متزايد بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان في ملفات الحرب الإيرانية ومساعي وقف التصعيد، وعقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعات واتصالات متكررة.
كما سبق لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن تحدث عن محاولة جمع قدرات الدول المؤثرة في المنطقة لمعالجة الأزمات، فيما كانت مصر جزءا من جهود الوساطة مع إيران والولايات المتحدة.
مصر تمتلك ميزة لا يملكها أطراف اتفاق مكة: الموقع المسيطر على قناة السويس، والجيش العربي الأكبر، وثقلا مباشرا في البحر الأحمر وشرق المتوسط والعالم العربي.
لذلك فإن السؤال المستقبلي المهم ليس فقط: هل سينضم طرف رابع؟
بل:
هل يمكن أن تنشأ حول اتفاق مكة دائرة أمن أوسع تكون مصر أحد أعمدتها من دون أن تصبح عضوا رسميا في التحالف؟
هذا السيناريو يستحق المراقبة.
الحادي عشر: الهند.. مصدر قلق استراتيجي غير معلن
دخول باكستان هو السبب الرئيسي لاهتمام الهند بالاتفاق.
وزارة الخارجية الهندية قالت إن نيودلهي تتابع التطور عن كثب، وهو أمر منطقي في ظل العداء التاريخي بين الهند وباكستان والعلاقات الوثيقة بين إسلام آباد وأنقرة. ورويترز نقلت أن الهند تتابع الاتفاق وتدرس تداعياته.
لكن السعودية لديها علاقات اقتصادية واستراتيجية عميقة مع الهند، ولذلك من غير المرجح أن تسمح الرياض بتحويل الاتفاق إلى أداة باكستانية تلقائية ضد نيودلهي.
وهنا يظهر مجددا الغموض المتعمد في الاتفاق.
عبارة “الهجوم على طرف هجوم على الجميع” قوية، لكن تحديد من بدأ الحرب وما إذا كان النزاع يقع تحت مظلة الاتفاق سيظل قرارا سياسيا.
الثاني عشر: الصين وروسيا
الصين قد ترى في الاتفاق فرصة أكثر من كونه تهديدا.
فباكستان شريك استراتيجي شديد القرب من بكين، والسعودية توسع علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وتركيا تتبع سياسة خارجية متعددة الاتجاهات.
إذا أدى الاتفاق إلى تقليص الاعتماد الحصري على السلاح الأمريكي، فقد تفتح أمام الصين فرص أكبر في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات والمعدات البحرية.
أما روسيا فالصورة أكثر تعقيدا.
موسكو ستستفيد من أي تراجع في الهيمنة الأمنية الأمريكية، لكنها لن تكون مرتاحة بالضرورة إلى ظهور كتلة قوية تضم تركيا، وهي عضو في الناتو ومنافس روسي تاريخي في مناطق متعددة.
التقدير الاستخباراتي
القراءة الأولية تشير إلى أن اتفاق مكة ليس حتى الآن “ناتو إسلاميا” بالمعنى العسكري المؤسسي.
لا توجد قيادة عسكرية مشتركة معلنة، ولا مقر قيادة موحد، ولا قوات مخصصة للحلف، ولا هيكل يشبه هيكل الناتو، ولا آليات معلنة لاتخاذ قرار الحرب.
لكن الخطأ سيكون في التقليل من أهميته لهذا السبب.
الناتو نفسه لم يصبح ما هو عليه اليوم في ليلة واحدة.
الأهمية الحقيقية لاتفاق مكة تكمن في أنه يؤسس لمنطق أمني جديد:
الدول الإقليمية الكبرى لم تعد تريد الانتظار حتى تقرر واشنطن ما إذا كانت ستدافع عنها.
هي تريد امتلاك قدرة ردع إقليمية ذاتية مع الاحتفاظ بالعلاقة الأمريكية في الوقت نفسه.
السيناريو الأكثر ترجيحا
خلال المرحلة الأولى سيتركز الاتفاق على تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدفاع الجوي والصاروخي، والمناورات المشتركة، وحماية المنشآت الاستراتيجية، وأمن البحر الأحمر والخليج، والطائرات المسيرة، والصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا.
ومن المرجح أن تتحول السعودية إلى الممول الرئيسي، وتركيا إلى مركز مهم للتكنولوجيا والتصنيع، وباكستان إلى مصدر للقوة البشرية والخبرة العملياتية والردع الاستراتيجي.
السيناريو الأخطر
أن يقع هجوم إيراني أو إسرائيلي كبير على إحدى الدول الثلاث يضع الاتفاق أمام أول اختبار حقيقي.
عندها ستظهر الإجابة عن السؤال الذي تركه النص عمدا بلا جواب:
هل “الهجوم على واحد هجوم على الجميع” عبارة ردع سياسي، أم التزام فعلي بخوض الحرب؟
الخلاصة
اتفاق مكة لا يعني نهاية الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، ولا يعني ولادة حلف عسكري قادر غدا على منافسة الناتو.
لكنه يعني شيئا ربما أكثر أهمية على المدى الطويل:
بداية انتقال المنطقة من نظام أمني يقوم على “الحماية الأمريكية” إلى نظام أكثر تعددية تقوم فيه القوى الإقليمية ببناء مظلات ردع خاصة بها، بينما تستخدم علاقتها بواشنطن كجزء من منظومة الأمن لا باعتبارها المنظومة كلها.
ولهذا فإن الطرف الذي ينبغي مراقبة رد فعله خلال الساعات والأيام المقبلة ليس إيران وحدها ولا إسرائيل وحدها.
إنه واشنطن.
فإذا تعاملت إدارة ترامب مع الاتفاق باعتباره تقاسما للأعباء مع حلفاء الولايات المتحدة، فقد يتحول مثلث السعودية وتركيا وباكستان إلى جناح إقليمي يكمل الاستراتيجية الأمريكية.
أما إذا رأت واشنطن أن الاتفاق بداية لبنية أمنية مستقلة تقلص قدرتها على التحكم في مبيعات السلاح والتحالفات وميزان القوى مع إسرائيل، فقد تبدأ الاحتكاكات سريعا، وسيظهر ذلك أولا في الكونغرس وملف F-35 والتكنولوجيا العسكرية والتعاون النووي السعودي.
وبالتالي فإن الحكم الحقيقي على “اتفاق مكة” لن يتحدد بما كتب في الوثيقة يوم 7 أغسطس 2026، بل بما سيحدث في أول مرة يتعرض فيها أحد أطرافه لهجوم حقيقي ويطلب من الطرفين الآخرين تنفيذ التعهد.