مقالات

المصريون والاغتراب .. بقلم/ هشام المغربي

لم أقصد الاغتراب المكاني, أن يغترب الفرد بعيداً عن وطنه أو مدينته, ولكني قصدت الاغتراب النفسي, وهو أصعب أنواع الاغتراب, أن لا تشعر بأي حالة من حالات التواجد وأنت بين أهلك, ولم تغادر وطنك بعد,الشعور بأن الحياة بلا هدف, أو الشعور بالعجز عن تغيير الواقع, الشعور بأن عملك فقط  بالكاد يكفي لتأمين لقمة خبز لك ولأسرتك, عندها يحدث الانفصال عن الواقع, وتصبح الحياة بلا هدف,ويصبح اليوم مثل الأمس مثل الغد, فهم جميعاً تكرار لرتابة واحدة لن تصل بك لشىء يذكر, حتى إذا قام الفرد ببعض الأنشطة التي لن يجد بها إشباعاً للذات فلن تحقق له الخروج من حالة الاغتراب.
فهي نوع من أنواع الإحباط, ولعل أبرز أسباب هذا الإحباط هو الضغوط المعيشية التي تخلق شعور بالاحتقان,ويأتي بعدها التحول في القيم المجتمعية حيث أصبحت الغلبة للماديات على حساب المثل العليا.

هذه الحالة هي تراكم ضغط اقتصادي وتفكك اجتماعي وعجز عن الوصول لرؤية واضحة للمستقبل لدى قطاعات كبيرة من الشباب .
في منتصف ثمانينات القرن الماضي كتب الأديب الكبير د. يوسف إدريس مقال في جريدة الأهرام مازلت أذكره حتى اليوم عن حالة اللامبالاة لدى بعض المواطنين المصريين ممن يصادفهم في الشارع أو يتعامل معهم في حياته اليومية.
كتب يقول أن بعض المصريين لديهم مايسمى في علم النفس ب (الأباثي) ومن المعروف أن د. إدريس  في الأصل  طبيب فكتب  مصطلحاً علمياً هو ( أباثي )وهي حالة من حالات اللامبالاة أو فقدان الاهتمام بالشأن العام .
وهي  أيضاً حالة سلوكية تتميز بغياب الاهتمام بالأشياء, عندما يصل الإنسان لعدم التفاعل مع الأخبار ,وفقدان الدافع لبذل أي مجهود لتحقيق هدف خاص, أو غياب الحافز على الإبداع والتميز,فتزيد لديه حالة (الأباثي) بل أحياناً البعض منهم يغيب عن الواقع الذي يعيشه, وينتقل إلى عالم خيالي .

كثيرا ما يلفتني ذلك وأتذكر د. يوسف إدريس فمثلاً تجد بعض المواطنين من أصحاب (الأباثي) لا يستمع مثلاً لآلة التنبيه من السيارات حوله التي تحذره من وجود سيارة خلفه أو حوله  ليبتعد عن طريق حركة سير السيارات, وحتى بعد أن يشعر بها, تجده يتعامل معها وكأنها نسمة هواء لن تصيبه بضرر, أما إذا كنت مترجلاً وتسير في أحد الشوارع المزدحمة مثلاً, أو في أحد المولات التجارية و يصطدم بك صاحب (الأباثي) هذا فتكون المفاجأة أنه لايشعر بشىء يذكر, كأن شيئاً لم يحدث… حتى وإن كنت ستنكفىء على وجهك ! يكمل سيره دون حتى عناء النظر إليك!

كثيراً ما أقارن ما يحدث من هؤلاء بما يحدث من مواطني المجتمعات التي ترسخت فيها ثقافة احترام المساحة العامة بين الأفراد ,إذا اصطدم بك شخص بالخطأ وبشكل عفوي, يقف ويعتذر لك, وتتورد وجنتاه, وكأنه ارتكب معصية لا تغتفر!
وعند عبوره الطريق فيتأكد بكل حواسه أن لا  توجد سيارات من حوله, وأنه آمن تماماً قبل أن يشرع في عبور الشارع.
هل بعض المصريين لا يعبأون بالموت مثلاً ؟ أو هل ينظر بعض المصريين ولسان حالهم يقول مش مشكلة خسرانة خسرانة مش حتفرق كتير ليتساوى الحي مع الميت! لاأعرف سبباً لهذه اللامبالاة .
والغريب أن هذه الحالة تتلاشى تماماً إذا ما وجد دافع قومي أو انتصار وطني كبير, شاهدنا جميعاً كيف تفاعل المواطن  المصري مع مباريات مصر في كأس العالم وكيف خرج المصريون للشوارع مهللين فرحين بمنتخب بلادهم الذي حقق بعض الانتصارات على فرق عالمية كبيرة, أخرجته ولو بشكل مؤقت من حالة الاغتراب التي يعيشها ليتفاعل مع الانتصارات ,حتى ولو كانت إنتصارات كرة قدم  .

إذا كان هدف وطني واحد أخرج الملايين من حالة اللامبالاة فيجب أن نفكر كيف نبني أهدافاً مجتمعية دائمة .
ما حدث ليس فوزاً عابراً في مباراة ولكنه ارتباط الشعب بهدف قومي كبير أخرجه من هذه الحالة ليذوب في مجتمعه, ويصبح بالنسبة له هذا الانتصار دافعاً ومحركاً نحو الانتماء, دافعاً كبيراً للعطاء, ما حدث لم يأخذ قدره الكافي من النقاشات والتحليلات من الأساتذة وعلماء علم الاجتماع, لقدرات هذا الشعب التي كان يجب أن تستغل لمحاولة الخروج من حالة (الأباثي ) إلى حالة أخرى من التفاعل والتماهي مع المجتمع.

رؤية نيوز

موقع رؤية نيوز موقع إخباري شامل يقدم أهم واحدث الأخبار المصرية والعالمية ويهتم بالجاليات المصرية في الخارج بشكل عام وفي الولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص .. للتواصل: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إغلاق