رؤية نيوز – نيويورك

المصدر الأساسي: وكالة رويترز

لم يعد الحديث عن إعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأوسط مجرد سيناريو نظري تتداوله مراكز الدراسات، بعدما كشفت التطورات الأخيرة عن تحرك سعودي–تركي–باكستاني لبناء إطار دفاعي أكثر مؤسسية، يحمل في طياته مؤشرات على تغير أوسع في الطريقة التي تنظر بها القوى الإقليمية إلى أمنها وعلاقتها بالولايات المتحدة.

ففي 13 أغسطس، كشفت وكالة رويترز عن تفاصيل جديدة لاتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس، والذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد أطرافه هجوما على الأطراف الأخرى، في صيغة تشبه من حيث المبدأ آلية الدفاع الجماعي المنصوص عليها في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

لكن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في بند الدفاع المشترك، وإنما فيما يبدو أنه محاولة لبناء هندسة أمنية إقليمية جديدة تعتمد بصورة أكبر على القدرات العسكرية والسياسية لدول المنطقة نفسها، مع الإبقاء في الوقت ذاته على العلاقات والتحالفات التقليدية مع واشنطن.

من اتفاق دفاعي إلى مؤسسة أمنية؟

بحسب ما نقلته رويترز عن وزارة الدفاع التركية، يتجاوز الاتفاق فكرة التعهد السياسي بالدفاع عن الشركاء، إذ ينص على إنشاء آليات تنسيق سياسية وعسكرية على أعلى مستوى تضم وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء الأركان وقادة القوات المسلحة في الدول الثلاث.

ويتضمن الاتفاق كذلك خططا لإجراء تدريبات عسكرية مشتركة تشمل القوات البرية والبحرية والجوية، إلى جانب الدفاع الجوي والطائرات والأنظمة غير المأهولة.

والأكثر دلالة أن التعاون لن يقتصر على شراء الأسلحة، وإنما يمتد إلى التطوير والإنتاج العسكري المشترك ونقل التكنولوجيا والصيانة والخدمات اللوجستية، مع إعطاء أولوية للطائرات والأنظمة ذاتية التشغيل، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي.

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: التحالف الثلاثي يجمع ثلاث قدرات مختلفة ومتكاملة إلى حد كبير.

السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والمالي، فضلا عن موقعها المحوري في الخليج والعالم العربي والإسلامي.

تركيا تمتلك واحدة من أكبر القوات المسلحة في حلف الناتو، إلى جانب قاعدة صناعات دفاعية توسعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

أما باكستان، فهي قوة عسكرية كبيرة ودولة نووية، وهو ما يمنح أي ترتيبات دفاعية تشارك فيها بعدا استراتيجيا إضافيا.

ومن ثم، فإن الجمع بين المال السعودي، والقاعدة الصناعية والعسكرية التركية، والقدرة العسكرية والاستراتيجية الباكستانية يمكن، إذا تحول الاتفاق من نص سياسي إلى آليات عملياتية حقيقية، أن ينتج مركز ثقل أمني جديدا في المنطقة.

لماذا الآن؟

السؤال الأساسي ليس ماذا يتضمن اتفاق مكة فقط، وإنما: لماذا ظهر في هذا التوقيت؟

تقول رويترز إن السعودية وجدت نفسها خلال الأزمة الإقليمية الأخيرة أمام معضلة متزايدة: فهي تريد حماية منشآتها النفطية وطرق تجارتها ومشروعها الاقتصادي الطموح، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة.

وقد تعرضت المملكة لضغوط وتهديدات مرتبطة بإيران وحلفائها الإقليميين، بالإضافة إلى هجمات استهدفت منشآت وشحنات سعودية، بينما تصاعد الخطر على الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

ومن هنا يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره محاولة للجمع بين الردع وتجنب الحرب.

أي أن الرياض تريد إرسال رسالة بأنها لا ترغب في توسيع المواجهة، لكنها في الوقت نفسه تعمل على رفع كلفة أي هجوم محتمل عليها.

هل يعني ذلك الابتعاد عن الولايات المتحدة؟

ليس بالضرورة.

بل إن القراءة الأكثر دقة هي أن دول المنطقة بدأت تتجه نحو تنويع مظلاتها الأمنية بدلا من الاعتماد على مظلة واحدة.

فالدول الثلاث الموقعة على الاتفاق لديها علاقات عسكرية وسياسية مهمة مع واشنطن، وتركيا عضو في حلف الناتو أصلا.

كما أكدت أنقرة صراحة أن الاتفاق الجديد لا يستهدف استبدال التحالفات القائمة.

وبالتالي لا يبدو أننا أمام تحالف “ضد الولايات المتحدة”، بقدر ما نحن أمام محاولة لإيجاد قدرة إقليمية تستطيع العمل عندما تكون المظلة الأمريكية غير كافية، أو عندما تختلف حسابات واشنطن عن حسابات دول المنطقة.

وهذا التحول، إذا استمر، قد يكون أحد أهم التغييرات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

فلسنوات طويلة قامت منظومة أمن الخليج بصورة أساسية على الوجود العسكري الأمريكي واتفاقيات الدفاع الثنائية مع واشنطن.

أما الصيغة الجديدة، فتقول بصورة غير مباشرة:

نستمر في التحالف مع الولايات المتحدة، لكننا نحتاج أيضا إلى القدرة على حماية أنفسنا معا.

إيران تقرأ الرسالة بطريقتها

المثير للاهتمام أن إيران لم تعلن رفضها للاتفاق.

فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، وفقا لرويترز، إن طهران لا ترى سببا للقلق من الاتفاق، واعتبر أن الاتجاه نحو اعتماد دول المنطقة بصورة أكبر على قدراتها الخاصة بدلا من القوى الخارجية يمكن أن يمثل تطورا إيجابيا، وفقا لشروط وضعتها طهران لطبيعة هذه المنظومة ومن تعتبره مصدر التهديد.

وتكشف هذه التصريحات أن إيران نفسها أدركت البعد الأوسع للاتفاق: انتقال محتمل من الأمن الذي تديره القوى الخارجية إلى قدر أكبر من الأمن الذي تصنعه دول الإقليم.

لكن هذا لا يلغي حقيقة أن القدرات الدفاعية الجديدة للسعودية وحلفائها يمكن أن تشكل في الوقت ذاته وسيلة ردع مباشرة أمام طهران وحلفائها إذا تعرضت المملكة أو شركاؤها لهجمات جديدة.

البحر الأحمر.. الجبهة الثانية

اتفاق مكة ليس التحرك السعودي الوحيد.

فقد كشفت رويترز في 30 يوليو عن تحرك الرياض لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وأشارت إلى أن 14 دولة أيدت المبادرة، بينها مصر وتركيا وباكستان والسودان وجيبوتي.

وهذه النقطة مهمة للغاية.

فنحن لسنا أمام اتفاق دفاع ثلاثي منعزل، بل أمام مجموعة دوائر أمنية بدأت تتقاطع:

السعودية – تركيا – باكستان في اتفاق مكة.

ثم دائرة أوسع لحماية البحر الأحمر تضم دولا عربية وإسلامية وإفريقية.

وقد تؤدي هذه الدوائر، مع الوقت، إلى نشوء شبكة أمنية إقليمية أوسع بدلا من تحالف واحد مغلق.

وأين مصر؟

هنا تصل القضية إلى الجزء الأكثر أهمية بالنسبة للقاهرة.

فرويترز نقلت عن تركيا أن اتفاق مكة مفتوح أمام التوسع، وأن مصر من الدول المحتمل انضمامها مستقبلا.

وهذه ليست إشارة عابرة.

فمصر تجمعها علاقات وثيقة بالسعودية، كما شهدت علاقاتها مع تركيا تحسنا ملحوظا، وتحتفظ بعلاقات عسكرية ودبلوماسية قوية مع باكستان.

كما شاركت القاهرة بالفعل في تحركات دبلوماسية مع السعودية وتركيا وباكستان خلال الحرب الإيرانية؛ ففي مارس عقد وزراء خارجية الدول الأربع مباحثات بشأن خفض التصعيد، ثم تحدث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أبريل عن تعاون مصري–باكستاني في إطار جهد إقليمي أوسع للتوصل إلى ترتيبات أكثر استدامة للسلام والأمن.

فضلا عن ذلك، فإن مصر طرف طبيعي في أي منظومة لحماية البحر الأحمر، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لأن قناة السويس وباب المندب والبحر الأحمر تمثل منظومة استراتيجية واحدة بالنسبة للأمن القومي المصري.

ومن ثم فإن وجود القاهرة ضمن التحالف البحري الذي تعمل السعودية على إنشائه قد يكون الخطوة العملية الأقرب حاليا، حتى قبل اتخاذ قرار بشأن الانضمام رسميا إلى اتفاق مكة.

لماذا قد تحتاج المنظومة الجديدة إلى مصر؟

إذا أراد أطراف اتفاق مكة تحويله مستقبلا إلى منظومة أمنية أوسع، فإن وجود مصر سيمنحه ثقلا مختلفا تماما.

فمصر تمتلك واحدة من أكبر القوات المسلحة العربية، وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وتسيطر جغرافيا على قناة السويس، وتقع بالقرب من مناطق الأزمات في ليبيا والسودان وغزة والقرن الإفريقي.

كما أن انضمام مصر سيحول الاتفاق من محور يضم السعودية وتركيا وباكستان إلى إطار يضم أهم قوة عربية سكانيا وعسكريا إلى جانب القوة الخليجية الأكبر وعضوين عسكريين رئيسيين من تركيا وباكستان.

وهنا يمكن أن ينتقل الاتفاق من تحالف ثلاثي إلى نواة لمنظومة عربية–إسلامية أوسع.

لكن القاهرة ستحسب خطواتها بعناية

هذا لا يعني أن انضمام مصر أصبح وشيكا أو محسوما.

فالقاهرة لديها شبكة علاقات معقدة تشمل الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا وأوروبا، كما ترتبط باتفاقية سلام مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات سياسية مع إيران.

ولذلك فإن مصر ستكون حريصة على معرفة طبيعة الالتزامات التي يفرضها الاتفاق قبل الدخول فيه.

السؤال المصري لن يكون: هل نتعاون عسكريا مع السعودية وتركيا وباكستان؟

فهذا التعاون قائم بدرجات مختلفة بالفعل.

السؤال الحقيقي سيكون:

هل يؤدي الانضمام إلى التزام مصر عسكريا في صراعات قد لا تتطابق بالضرورة مع حسابات أمنها القومي؟

وهذه النقطة ستحدد بصورة كبيرة الموقف المصري إذا تلقت القاهرة دعوة رسمية للانضمام.

الناتو الإسلامي؟ ربما يكون الوصف مبكرا

من السهل وصف اتفاق مكة بأنه بداية “ناتو إسلامي”، خصوصا مع وجود بند للدفاع المشترك شبيه بالمادة الخامسة للناتو.

لكن هذا الوصف لا يزال سابقا لأوانه.

فالناتو يمتلك قيادة عسكرية متكاملة وقواعد وإجراءات عملياتية وميزانيات وخططا دفاعية جرى تطويرها على مدى عقود.

أما اتفاق مكة فلا يزال في بدايته، وقد نقلت رويترز عن محللين ودبلوماسيين أن التحالفات الجديدة التي تعمل السعودية على بنائها لم تختبر بعد عمليا.

إذن الاختبار الحقيقي لن يكون في البيانات السياسية، وإنما في أول أزمة كبيرة يتعرض فيها أحد أعضاء الاتفاق لهجوم ويطلب مساعدة شركائه.

عندها فقط ستظهر حدود الالتزام بالدفاع المشترك.

الخلاصة: تنويع التحالفات لا مغادرة واشنطن

ما يحدث في المنطقة لا يبدو تمردا على الولايات المتحدة، ولا قرارا سعوديا أو تركيا أو باكستانيا بمغادرة النظام الأمني الذي تقوده واشنطن.

إنه أقرب إلى إعادة توزيع للمخاطر.

فالرسالة الجديدة للقوى الإقليمية تبدو كالتالي:

واشنطن ستظل شريكا مهما، لكن أمن المنطقة لا ينبغي أن يتوقف بالكامل على القرار الأمريكي.

ومن هذه الزاوية يصبح اتفاق مكة أكبر من مجرد اتفاق بين ثلاث دول.

فإذا نجح في بناء قيادة وتدريبات وصناعات عسكرية وآليات دفاع مشترك حقيقية، وإذا توسع لاحقا ليضم دولة بحجم مصر، فقد نكون أمام البذرة الأولى لمنظومة أمنية عربية–إسلامية متعددة المراكز.

أما إذا بقي الاتفاق مجرد تعهد سياسي، فسيضاف إلى قائمة طويلة من مشروعات التعاون الدفاعي التي عرفتها المنطقة ولم تتحول إلى قوة عسكرية مؤثرة.

وبالنسبة لمصر، تبدو القاهرة حتى الآن قريبة من الدائرة وليست داخلها.

لكن مجرد ذكرها علنا كمرشح محتمل للانضمام، بالتزامن مع مشاركتها في ترتيبات حماية البحر الأحمر وتنسيقها السياسي مع السعودية وتركيا وباكستان، يجعل موقعها عاملا أساسيا في تحديد ما إذا كان اتفاق مكة سيظل تحالفا ثلاثيا محدودا، أم يصبح نواة لخريطة أمنية جديدة في الشرق الأوسط.

المصدر الأساسي: وكالة رويترز – تقارير 30 يوليو، 10 و12 و13 أغسطس 2026.

التحليل والصياغة: رؤية نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Exit mobile version