أخبار من أمريكاعاجل
بعد رفض عمدة نيويورك زيادة في الراتب قدرها 47 ألف دولار.. متى يكون هذا الرفض أمراً منطقياً؟!

ترجمة: رؤية نيوز
اشتهر الكاتب الساخر “ويل روجرز” بمقولته: “لدينا أفضل السياسيين الذين يمكن للمال شراؤهم”، لكن ربما لا ينطبق هذا القول على عمدة مدينة نيويورك “زهران ممداني”؛ أو على الأقل، ليس بعد.
فقد رفض ممداني مؤخراً زيادة كبيرة في راتبه، متخلياً عن مبلغ إضافي قدره 47,050 دولاراً.
وجاء هذا القرار عقب تصويت أجراه مجلس مدينة نيويورك في 16 يوليو لرفع الراتب السنوي للعمدة من مستواه الحالي البالغ 258,750 دولاراً إلى 305,800 دولار، وفي مؤتمر صحفي عُقد بعد التصويت، صرح ممداني قائلاً: “لن أقبل زيادة في الراتب”.
وعند سؤاله عن السبب، رد ممداني قائلاً: “لم يطرق أحد في مدينة نيويورك بابي ليقول إن قلقه ينصبّ على أن راتب العمدة منخفض للغاية؛ فهذا ليس مصدر قلق بالنسبة لي أيضاً”.
السياسيون ورواتبهم: موضوع قد يكون حساساً
من شأن خطوة ممداني هذه أن تعزز صورته العامة؛ إذ يرى الخبراء أن رواتب المسؤولين المنتخبين تشكل موضوعاً حساساً للغاية، لدرجة أن بعض السياسيين يختارون تقاضي مبالغ أقل -كما فعل ممداني- أو التنازل عن الراتب بالكامل تقريباً.
وهذا ما فعله الرئيس دونالد ترامب عندما تنازل عن راتبه السنوي البالغ 400 ألف دولار، مكتفياً بمبلغ رمزي قدره دولار واحد سنوياً؛ كما سبق للرئيسين السابقين هربرت هوفر وجون كينيدي التنازل عن رواتبهما أيضاً.
ويرى خبراء الشؤون السياسية أن رفض زيادة الراتب يُظهر إدراك ممداني لأهمية الصورة العامة وقدرته على ربط هذه المسألة بقاعدته السياسية.
وفي هذا الصدد، صرح الدكتور “غليب تسيبورسكي” -وهو عالم في السلوك البشري والرئيس التنفيذي لشركة استشارات مستقبل العمل “Disaster Avoidance Experts”- لموقع “Moneywise” قائلاً: “إن رفض زيادة الراتب يمكن أن يعزز ثقة الجمهور عندما يتماشى القرار بوضوح بين الحوافز الشخصية للقائد وبين التضحيات أو الأولويات التي يطلبها من الآخرين”. “إن القيمة المالية للأمر أقل أهمية من مدى توافق هذا الإجراء مع نمط ثابت من السلوك والسياسات.”
وينطبق هذا بشكل خاص في ظل ارتفاع تكاليف السكن والضغوط الاقتصادية؛ إذ يحمل القرار دلالة رمزية، فالناس يقيمون القادة -جزئياً على الأقل- بناءً على معايير الإنصاف والاتساق.
ويشير تسيبورسكي إلى أن “الرموز يمكن أن تعزز الثقة عندما تحوّل الالتزام النظري المجرد إلى واقع ملموس، لكن هذا الأثر يتلاشى بسرعة إذا كانت تلك المبادرة معزولة أو متعارضة مع قرارات أخرى تتعلق بالإنفاق والرواتب”.
التناغم الاقتصادي مع الناخبين قد يساعد السياسي في المضي قدماً في تنفيذ سياساته
ربما يكون ممداني قد مهد الطريق أيضاً لكسب تأييد الناخبين والمشرعين لمبادرات سياسية جوهرية، وذلك من خلال إرساء نهج يركز على خفض التكاليف عبر رفضه لزيادة الراتب.
ففي النهاية، إذا كان ممداني يريد من دافعي الضرائب تقبّل فكرة خفض الإنفاق وجعل توفير السكن بأسعار معقولة أولوية قصوى، فإن راتبه الشخصي يستوجب اتخاذ قرارات تدعم هذا الموقف.
وفي هذا الصدد، صرحت إيما ألفيس، المحامية ومؤسسة مكتب “ألفيس” للمحاماة، لموقع “Moneywise” قائلة: “رغم أن مبلغ 47 ألف دولار قد يبدو زهيداً مقارنة بميزانية المدينة، إلا أن التناقض بين الأقوال والممارسات المالية قد يقوّض ثقة بُنيت على مدار أشهر فيما يتعلق بالسياسات”.
وفي عالم السياسة، يولي الناس اهتماماً كبيراً لمدى التزام القادة بالقيم التي يرفعون شعاراً لها، وينطبق الأمر ذاته على القطاع الخاص؛ إذ يدرك الرئيس التنفيذي للشركة أن التباهي بالقيم يعد نفاقاً إذا كانت تصرفاته وسلوكه لا تتوافق مع تلك القيم.
ويبدو أن ممداني، برفضه لزيادة رواتب أعضاء المجلس، يتبنى هذا المبدأ بوضوح.
وقالت ماري كانون، وهي محامية متخصصة في قضايا العمل (تمثل المدعين) ومقرها نيويورك، لموقع “Moneywise”: “إن رفض الحصول على زيادة في الراتب خلال الأوقات العصيبة يُعد وسيلة يبعث من خلالها العمدة ممداني برسالة مفادها أنه يدرك تماماً المعاناة التي يمر بها الكثير من سكان نيويورك. صحيح أن هذا المبلغ لن يحل جميع مشاكل المدينة، لكن هذه المبادرة الشخصية لها أثر إيجابي”.
ورغم أن وجود عمدة يترجم أقواله إلى أفعال -من الناحية الاقتصادية- قد يلقى صدى طيباً لدى سكان نيويورك المعروفين بطباعهم الحادة، إلا أن تسيبورسكي يرى أنه ينبغي على الناخبين النظر في سيناريوهين.
إذ يشير تسيبورسكي إلى أن “الحكومات بحاجة إلى رواتب مجزية بما يكفي لجذب الكفاءات القادرة على العمل، ممن لا يملكون ثروات شخصية مستقلة”. “إنهم بحاجة أيضاً إلى عملية تتسم بالمصداقية والشفافية وتتجنب تضارب المصالح أو تحقيق مكاسب شخصية.”
وفي حين أن إجراء مراجعات مستقلة للرواتب والمزايا، واعتماد معايير علنية، وتأجيل موعد التطبيق، وإجراء مقارنات واضحة مع أدوار وظيفية مماثلة، كلها أمور قد تساعد في حماية كلا الهدفين، إلا أن تحديد الحد الفاصل يظل في المقام الأول مسؤولية الناخبين.
وأضافت كانون: “إنها مسألة تتطلب تحقيق توازن دقيق، ولكن يمكننا استقطاب قادة مؤهلين دون الانزلاق إلى براثن الفساد والجشع”.
