رويترز: تصادم مقاتلتَيْن في قطر ونجاة طيارَيْهما

نقلت وكالة “رويترز” للأنباء عن وزارة الدفاع القطرية إعلانها تصادم طائرتَي تدريب عسكريتين، الأربعاء، ونجاة طيارَيْهما بعد أن قفزا منهما.

وبحسب “رويترز”، فقد قالت وزارة الدفاع القطرية إن طائرتي تدريب عسكريتين اصطدمتا في الجو، لكن الطيارَيْن تمكنا من القفز منهما بسلام.

وذكر بيان للوزارة على حسابها على “تويتر” أنه “أثناء رحلة تدريبية حدث تصادم بين طائرتي تدريب، وتمكن قائدا الطائرتين من
الخروج سالمين باستخدام الكرسي القاذف”.

ولم تذكر الوزارة متى وقع التصادم.

 

الذهب ينزل مع تعزز الدولار قبل شهادة باول

تراجعت أسعار الذهب يوم الأربعاء مع صعود الدولار بفعل تقلص التوقعات لخفض حاد في أسعار الفائدة الأمريكية وقبيل شهادة رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي جيروم باول أمام الكونجرس يوم الأربعاء.

ونزل الذهب في المعاملات الفورية 0.3 بالمئة إلى 1393.26 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 0550 بتوقيت جرينتش. وهبط الذهب في المعاملات الأمريكية الآجلة 0.4 بالمئة إلى 1395.60 دولار للأوقية.

وصعد الدولار صوب أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع مقابل سلة من العملات الرئيسية مع تلاشي التوقعات لخفض كبير في أسعار الفائدة الأمريكية مما أدى لصعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية.

وتبخرت توقعات خفض الفائدة 50 نقطة أساس الشهر الجاري لكن مازال المستثمرون يتوقعون خفضا قدره 25 نقطة أساس بسبب معدل التضخم الضعيف ومخاوف الحرب التجارية.

وعلى صعد المعادن النفيسة الأخرى، ارتفع السعر الفوري للفضة 0.1 بالمئة إلى 15.09 دولار للأوقية.

وزاد البلاديوم 0.2 بالمئة إلى 1550.8 دولار للأوقية والبلاتين 0.7 إلي 811.25 دولار.

ترمب يهاجم “فوكس نيوز” مجدداً.. لقد نسوا من أوصلهم!

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتوجيه سهام انتقاده إلى قناته المفضلة “فوكس نيوز”، وذلك في سلسلة من التغريدات مساء الأحد، هاجم فيها تقارير القناة.

وادعى ترمب بأن الشبكة ذات النزعة المحافظة “تتغير بسرعة” وتنسى “الأشخاص الذين أوصلوها إلى هناك”.

وقال الرئيس ترمب: “إن مشاهدة مراسلي عطلة نهاية الأسبوع لـفوكس نيوز، أسوأ من مشاهدة الأخبار المزيفة متدنية التصنيف على قناة سي إن إن”.

وأضاف بأن القناة تقوم بتوجيه ثقلها مع الديمقراطيين الذين فشلت في الحصول على مناظراتهم، وتبث المعلومات المزيفة عن صحيفة نيويورك تايمز التي لا توثق مصادرها.

وفي منتصف يونيو الماضي كان الرئيس الأميركي قد هاجم شبكة فوكس نيوز، بعد استطلاع أجرته يتعلق بتوقعات الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

شيء غريب
وقال ترمب الذي رفض النتيجة التي أظهرته خاسراً أمام عدة مرشحين ديمقراطيين، قائلاً: “شيء غريب” أن يحدث ذلك في الشبكة التي يفضلها المحافظون، مضيفاً: “هناك شيء غريب يحدث في فوكس”.

ومن المعروف أن ترمب له علاقة وثيقة مع العديد من شخصيات الشبكة، وقد ظهر عليها أكثر من أي مكان آخر.

مع ذلك، فقد انتقدها بشكل متزايد بسبب تغطيتها للحملات الانتخابية، خاصة عندما تختار الشبكة تغطية حملات الديمقراطيين للرئاسة 2020.

Donald J. Trump

@realDonaldTrump
Watching @FoxNews weekend anchors is worse than watching low ratings Fake News @CNN, or Lyin’ Brian Williams (remember when he totally fabricated a War Story trying to make himself into a hero, & got fired. A very dishonest journalist!) and the crew of degenerate……

71.4K
7:50 PM – Jul 7, 2019
Twitter Ads info and privacy
35.8K people are talking about this

الصين تعزل أطفال الإيغور المسلمين عن عائلاتهم لنزعهم من جذورهم بشكل ممنهج

في الوقت الذي تحتجز فيه الصين مئات الآلاف من المسلمين الإيغور الأقلية بالبلاد، تمارس فصلاً متعمداً للأطفال المسلمين عن عائلاتهم، والبيئة الدينية واللغوية الخاصة بهم، وتضعهم في مناطق بعيدة بإقليم شينجيانغ.

وتكشَّف ذلك في أدلة جمعتها هيئة الإذاعة البريطانية BBC، التي نشرت أمس الخميس 4 يوليو/تموز 2019، تقريراً عن المدارس التي تستخدمها الصين لفصل الأطفال عن آبائهم.

وقالت الشبكة إنها جمعت بعضاً من أشمل الأدلة حتى الآن على ما يحدث للأطفال في منطقة شينجيانغ، استناداً إلى الوثائق المتاحة للعامة وعشرات اللقاءات مع أفراد العائلة خارج البلاد.

وتُظهر السجلات أنه في قرية واحدة فقط، فقدَ أكثر من 400 طفل كلا أبويه بأحد أشكال الاحتجاز، إما بالسجن وإما في المعسكرات.

نزع الأطفال من جذوزهم
وتشير الأدلة إلى أنه إلى جانب جهود تحويل هوية بالغي شينجيانغ، فإن هناك حملة موازية بغرض انتزاع الأطفال من جذورهم على نحو ممنهج.

وقالت إحدى الأمهات مشيرة إلى صورة بناتها الثلاث: «أنا لا أعرف من يعتني بهن الآن». وأضافت: «لا يوجد أي سبل للاتصال».

وقالت أُمٌّ أخرى تحمل صورة لثلاثة أبناء وابنة، وهي تمسح دموعها: «سمعت أنهم أُخذوا إلى ملجأ أيتام».

وقالت BBC إن الآباء والأقارب أفصحوا في 60 لقاءً منفصلاً، عن تفاصيل اختفاء أكثر من 100 طفل في شينجيانغ، وذلك خلال أمواج متلاحقة من الشهادات القلقة التي يكسوها الحزن.

والإيغور طائفة عرقية ذات أغلبية مسلمة، وتربطها بتركيا روابط قديمة قائمة على اللغة والدين، وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، وجدوا أنفسهم محاصَرين بعد أن بدأت الصين اعتقال آلاف من أبناء الإيغور والأقليات الأخرى في معسكرات ضخمة.

وتقول السلطات الصينية إن الإيغور يتعلمون في «مراكز تعليم مهني»، بغرض كبح التطرف الديني العنيف. لكن الأدلة أوضحت أن كثيرين اعتُقلوا، لأنهم ببساطة أظهروا عقيدتهم -بالصلاة أو ارتداء الحجاب- أو من أجل وجود علاقات خارجية مع أماكن مثل تركيا.

وأصبح الاتصال الهاتفي صعباً؛ فحتى التحدث إلى الأقارب في الخارج خطير جداً الآن بالنسبة لمن يعيشون في شينجيانغ.

أطفال من الإيغور الأقلية الدينية في الصين – Istock
بناء المدارس لفصل الأطفال
وقال أبٌ اعتُقلت زوجته لدى عودتها إلى شينجيانغ، إنه يخاف أن يكون أحد أبنائه الثمانية الآن في حوزة الدولة الصينية، مضيفاً: «أظن أنهم أُخذوا إلى معسكرات تعليم الأطفال».

وكشف تقرير BBC أن مساحات المدارس التي تستخدمها الصين للفصل بين الأطفال وعائلاتهم قد ازدادت، حيث بُني فيها مزيد من بنايات سكن الطلاب، وازدادت السعة على نطاق ضخم.

واتضح أن الحكومة زادت بدرجة كبيرة من قدرتها على الرعاية الدائمة لعدد أكبر من الأطفال، في الوقت نفسه الذي تبني فيه معسكرات الاعتقال.

وخلال عام 2017 وحده، ازداد عدد الأطفال المسجلين بمرحلة رياض الأطفال في شينجيانغ بأكثر من نصف مليون طفل. وتُبين الأرقام الحكومية أن الإيغور وبقية الأقليات المسلمة يشكلون أكثر من 90% من هذه الزيادة.

ونتيجة لهذا، ارتفع مستوى التسجيل في مرحلة رياض الأطفال بعد أن كان أقل من متوسط مستوى التسجيل بالصين، ليصبح الأعلى في الصين حتى الآن.

وأنفقت السلطات في جنوب شينجيانغ وحدها، وهي منطقة تضم التركيز الأكبر من السكان الإيغور، 1.2 مليار دولار على بناء دور رياض الأطفال وتطويرها.

ويشير تحليل أجراه أدريان زنز، وهو باحث ألماني يعود الفضل إليه في كشف الأبعاد الكاملة للاعتقالات الجماعية بالصين، إلى أن هذه الطفرة في البناء تضمنت إضافة كميات كبيرة من مساحات السكن الداخلي للطلاب.

ويبدو أن التوسعة التعليمية في شينجيانغ تقودها الروح نفسها التي قادت الاعتقال الجماعي للبالغين. ولا شك في أنها تؤثر في كل أطفال الإيغور والأقليات الأخرى أيضاً، سواء كان آباؤهم في المعسكرات أو لا.

توطين للأطفال
وفي عام 2018، بدأ العمل بموقع أو موقعين لمدرستين داخليتين جديدتين في مدينة يتشينغ جنوبي شينجيانغ (تُعرف بـ «كارغيليك» بلغة الإيغور)، بحسب ما أظهرته الصورة.

وبسحب الخط في المنتصف ستُكتشف مساحة بناء المدرستين الداخليتين، اللتين تفصلهما مساحة مشتركة للملاعب الرياضية، وكل منهما أكبر بثلاثة أضعاف من متوسط مساحة المدارس في بقية أنحاء البلاد، ولم يستغرق البناء سوى ما يزيد قليلاً على العام.

صورة نشرتها بي بي سي للمدارس التي تُستخدم لفصل الأطفال الإيغور عن عائلاتهم
وفي شهر أبريل/نيسان 2019، أعادت سلطات الإقليم توطين ألفي طفل من القرى المحيطة، ووضعتهم في مدرسة متوسطة داخلية ضخمة بمقاطعة يتشينغ رقم 4.

ويمجد إعلام الدولة فضائل المدارس الداخلية، مثل أنها تساعد في «الحفاظ على الاستقرار والسلام الاجتماعي»، حيث «تتولى المدرسة دور الأبوين». ويقول زنز إن هناك أغراضاً دفينة لهذا الأمر.

ويجادل قائلاً: «المدارس الداخلية هي السياق المثالي لإعادة هندسة ثقافية مستمرة لمجتمعات الأقلية».

ومثلما يحدث في المعسكرات، يوضح بحثه أن هناك الآن حملة ممنهجة للتخلص تماماً من استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى داخل حرم المدرسة، في حين تحدد التنظيمات الفردية في المدرسة عقوبات صارمة مبنيَّة على النقاط، تشمل الطلاب والمدرسين إذا تحدثوا بأي لغة غير الصينية داخل المدرسة.

ويتسق هذا مع التصريحات الرسمية الأخرى التي تدَّعي أن شينجيانغ حققت بالفعل التعليم الكامل للغة الصينية في كل مدارسها.

معاناة كبيرة لعائلات المسلمين الإيغور نتيجة فصل الأطفال عن عائلاتهم -Istock
مشكلات اجتماعية
وفي حوار له مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC، أنكر شو غوي شيانغ، المسؤول الكبير بإعلام الدولة، أن تكون الدولة ملزمة برعاية الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين تُركوا بلا آباء نتيجة للأحداث.

وقال ضاحكاً: «إذا أُرسل كل أفراد عائلتي إلى مراكز التدريب المهني، فالعائلة لديها مشكلة شديدة بالتأكيد. لم أرَ حالة كهذه قط»، بحسب تعبيره.

بيد أن أبرز جزء في عمل زنز ربما يكون دليله الذي يوضح أن أبناء المعتقلين يوجَّهون بالتأكيد إلى نظام المدارس الداخلية وبأعداد كبيرة.

وتوجد استمارات تفصيلية تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل أوضاع الأطفال الذين دخل آباؤهم إلى مراكز التدريب المهني، أو إلى السجن، وكي يقرروا مدى حاجتهم لرعاية مركزية.

وعثر زنز على إحدى الوثائق الحكومية التي تفصل أشكال الدعم الحكومي المختلفة المتاحة لهذه «الجماعات المعدمة»، التي تشتمل على هذه العائلات التي ذهب منها «كلٌّ من الزوج والزوجة إلى مراكز التدريب المهني».

ومن الواضح أن تأثير الاعتقال الجماعي على الأطفال يُنظر إليه الآن باعتباره مشكلة اجتماعية، وأن هناك بعض الجهود المبذولة للتعامل معها، لكنه شيء لا تريد السلطات عرضه على العامة.

ويبدو أن بعض الوثائق الحكومية التي كُشفت كانت مخبَّأة عن عمد من محركات البحث، عن طريق استخدام رموز غامضة بدلاً من مصطلح «التدريب المهني». ويقال إن بعض معسكرات البالغين يُبنى بجوارها دُور رياض أطفال. وعند زيارتها، امتدح مراسلو إعلام الدولة الصينية فضائلها، وفقاً لـBBC.

تحسين سمعة المدارس
وقال المراسلون إن المدارس الداخلية تسمح لأطفال الأقليات بتعلُّم «عادات حياتية أفضل» ونظافة شخصية أفضل مما كانوا يتعلمونها في منازلهم، مشيرين إلى أن بعض الأطفال بدأوا الإشارة إلى مدرساتهم باسم «ماما».

وقالت BBC إنها اتصلت بعدد من مكاتب التعليم في شينجيانغ، محاوِلةً معرفة المزيد عن السياسة الرسمية في هذه الحالات. لكن رفض معظمُ الأشخاص التحدث.

ونقلت الهيئة البريطانية عن عائلات مشتَّتة من الإيغور موجودة في إسطنبول، حالة اليأس التام والأسى العميق الذي يسيطر عليهم.

وقالت إحدى الأمهات: «فصلوا آلاف الأطفال الأبرياء عن آبائهم، ونحن ندلي بشهاداتنا باستمرار». وأضافت: «لماذا يلتزم العالم الصمت وهو يعرف هذه الحقائق؟!».

وأظهر البحث في شينجيانغ أن كل الأطفال الآن يجدون أنفسهم في مدارس مؤمَّنة بـ «تدابير إدارية انعزالية مغلقة»، وتعج كثير من المدارس بنظام مراقبة كامل، وإنذارات خارجية، وأسوار مكهربة بعشرة آلاف فولت. وتحتوي بعض المدارس على أنظمة أمنية تتفوق على الأنظمة الأمنية في المعسكرات.

وقد نُشرت السياسة ببدايات عام 2017، في الوقت الذي بدأت فيه الاعتقالات تزداد زيادة حادة. ويتساءل زنز: هل كانت الدولة تستبق بذلك أي احتمالية من جانب الآباء الإيغور لمحاولة استعادة أطفالهم بالقوة؟

ويقول زنز: «أعتقد أن الفصل الممنهج بين الآباء وأطفالهم دلالة واضحة على أن حكومة شينجيانغ تحاول تربية جيل جديد منفصل تماماً عن جذوره ودينه ولغته».

وأضاف: «أعتقد أن الدليل أمامنا يشير إلى ما يجب أن نسميه تطهيراً عرقياً ثقافياً».

سفيرة السعودية بواشنطن تسلم أوراق اعتمادها لترمب

سلمت السفيرة السعودية في أميركا الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان أوراق اعتمادها للرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض.

وقالت الأميرة ريما عبر صفحتها الرسمية على موقع تويتر: “قدمت اليوم لفخامة الرئيس الأميركي أوراق اعتمادي سفيرة للمملكة لدى الولايات المتحدة، ونقلت لفخامته تحيات مولاي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد الى الرئيس والشعب الأميركي”.

وأضافت سفيرة السعودية لدى واشنطن “سأسعى إلى بذل كافة الجهود لخدمة مصالح وطني ومواطنيه وتعزيز علاقاتنا الإستراتيجية”.

وكانت الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان وصلت واشنطن الأسبوع الماضي لتباشر مهام عملها سفيرة للسعودية لدى الولايات المتحدة.

وصرح المتحدث الرسمي باسم السفارة السعودية بواشنطن فهد ناظر، الخميس الماضي، أن السفيرة المعيّنة قدمت نسخة من أوراق اعتمادها إلى وزارة الخارجية الأميركية.

وقالت الأميرة ريما في صفحتها على موقع تويتر يوم الخميس “بدأت اليوم مهمتي سفيرة للمملكة لدى الولايات المتحدة الأميركية.. أسأل الله لي ولزملائي التوفيق في مهمتنا لخدمة وطننا الحبيب”.

وتعد الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة الحادية عشرة للسعودية لدى الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1945، وأول امرأة سعودية تشغل هذا المنصب.

المصدر : العربية

3 طرق يمكن أن تؤثر بها البيئة في مستوى ذكائك

يُجري الباحثون كل بضعة أعوام، اختبارات معدل الذكاء على عينة من الأشخاص، ويأخذون متوسط نتائجهم، معلنين عن متوسط معدل الذكاء الجديد أو الـ «100» درجة الجديدة، وهي الدرجة التي تعني أنك تتمتع بمتوسط معدل ذكاء مثالي.

ويثير هذا الأمر تساؤلاً يقول: لماذا يحتاجون تحديث متوسط معدل الذكاء كل مدة؟ الإجابة ببساطةٍ، هي أننا نصبح أكثر ذكاءً. ففي كل مرة يعاد فيها إجراء الاختبار، يرتفع متوسط نتيجة الاختبار دائماً.

وفي واقع الأمر، إذا أجرينا اختبار معدل الذكاء الحالي على أشخاصٍ من 100 عام، فسيسجلون معدلاً بنحو 70 درجةً فقط. ويقدر الباحثون أن معدل ذكائنا يرتفع بمقدار 3 نقاط كل عقد. إذ تُعرف هذه الظاهرة بتأثير فلين، نسبةً إلى الباحث الذي اكتشفها.

هناك عدة أسباب مقترحة تفسر ظاهرة تأثير فلين. ربما يتعلق الأمر بأن هناك عدداً أكبر من الأشخاص يذهبون إلى المدرسة مقارنةً بما سبق، أو ربما أصبحنا نؤدي مهمتنا بشكلٍ أفضل في تعليم الطلاب المهارات المرتبطة باختبارات معدل الذكاء.

بينما يختص علم تحسين النسل بتحسين سلالة البشر عبر الانتقاء من مجموعة من الأشخاص «الأسمى» لتزويجهم -وهي فكرةٌ أثارت خلافاً كبيراً ولا تسهم في تحسين ظروف البشر- يركز علم الرفاهية على تحسين معيشة الإنسان عبر تحسين ظروفنا البيئية.

إليكم ثلاثة نماذج حول مدى تأثير تغيير ظروفنا البيئية في جعلنا أذكى، وفقاً لما نشره موقع Big Think الأمريكي.

ملح الطعام لتحسين الظروف الصحية
في أوائل القرن العشرين، كان الأشخاص الذين يعيشون في منطقة البحيرات العظمى وفي شمالي غرب المحيط الهادئ أكثر عرضةً للتأثر بمرض تضخم الغدة الدرقية، وهو عبارة عن تورم في الرقبة مرتبط باختلال وظائف الغدة الدرقية.

أدرك ديفيد موراي كوي، أستاذ طب الأطفال، أن هذا الأمر كان بسبب نقص اليود في أجسامهم، وهو نوعٌ من المغذيات الضرورية التي تحتاجها الغدة الدرقية كي تؤدي وظائفها بشكلٍ سليم. علِم كوي أيضاً أن السويسريين باتوا يضيفون يود الصوديوم في ملح الطعام لمنع هذا المرض، لذا أقنع الحكومة الأمريكية بتنفيذ هذا الأمر أيضاً.

في خريف عام 1924، بدأت شركة Morton Salt توزيع ملح اليود على مستوى البلاد. ومثلما كان متوقعاً، انخفض معدل الإصابة بمرض تضخم الغدة الدرقية بنحوٍ كبير.

وبعدها بـ100 عام تقريباً، اكتشف الباحثون أن تقديم ملح اليود كانت له أيضاً فوائد إضافية. ففي المناطق التي كانت تعاني نقص اليود، ارتفع معدل الذكاء بنحو 15 نقطة، وارتفع بنحو 3 نقاط على مستوى البلاد.

الأكثر من هذا أن معدل الدخل ارتفع في المناطق التي تعاني نقص اليود بنحو 11%. فكيف حدث هذا؟

يمكن الحصول على اليود بسهولةٍ من الأطعمة والأعشاب البحرية، ولكن يمكن الحصول عليه أيضاً من النباتات والحيوانات ما دامت هذه النباتات والحيوانات تعيش في تربةٍ غنية باليود.

بمنطقة البحيرات العظمى وفي شمال غربي المحيط الهادئ، تسببت الفيضانات والأنهار الجليدية القديمة في إزالة كل اليود الموجود بالتربة.

أدى هذا إلى انتشار مرض تضخُّم الغدة الدرقية، بل حمل أيضاً تأثيراً كبيراً على النساء الحوامل.

فإذا كانت المرأة الحامل تعاني نقصٍ اليود في جسدها (ومن ثم تعاني تضخم الغدة الدرقية)، فسيُضعف هذا من القدرات العقلية لطفلها. وُلد قطاع كبير من سكان الولايات المتحدة من أمهات عانين نقص اليود في أجسامهن، وهو ما حمل تأثيراً سلبياً على قدراتهم العقلية.

جعل البنزين أكثر سُميةً
في عام 1922، اكتشفت شركة General Motors أن هناك مادة كيميائية تسمى رباعي إيثيل الرصاص، تعمل بشكلٍ رائع باعتبارها مركباً مانعاً للطَرق في محركات الاشتعال الداخلي بالسيارات، وتسهم هذه المادة بشكلٍ رئيسي في منع الاحتراق المبكر للوقود.

كان من الممكن أن تؤدي مادة الإيثانول الغرض نفسه، لكن الشركة الأمريكية لم تكن ستجني أرباحاً من حقوق تسجيل براءة اختراع مادة رباعي إيثيل الرصاص، رغم أن الإيثانول أقل سُميةً منها.

لذا، عملت شركة General Motors مع شركات النفط الأخرى لتقديم الرصاص إلى البنزين بدلاً من الإيثانول الأكثر أماناً، لكنه أقل ربحاً. كانت شركتا General Motors و DU pont، والجمهور يعلمون جميعاً أن رباعي إيثيل الرصاص مادةٌ سامة.

وبدلاً من الإشارة إلى هذه المادة الإضافية باسمها الحقيقي، أطلقوا عليها اسم إيثيل.

وللأسف، ظل البنزين الممزوج بالرصاص أمراً واقعاً وقتاً طويل حتى بعد أن علِم المستهلكون بطبيعة هذه المادة. ولم يُحظر استخدام هذه المادة حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما مُرِّر قانون الهواء النظيف. وبمجرد إزالة الرصاص من البنزين، باتت الآثار المرعبة لهذه المادة، التي استُخدمت عقوداً طويلة، جليةً.

ارتفع معدل ذكاء الجيل الذي وُلد بعد تطبيق قانون الهواء النظيف بنحو 6 نقاط. والأكثر من هذا أن الباحثين يجادلون بأن الأطفال الذين نشأوا خلال الفترة التي أُضيف فيها الرصاص إلى البنزين في العشرينيات إلى أن أُلغي في السبعينات، أسهموا في ارتفاع معدل جرائم العنف إلى 90%.

ووصلت معدلات الجريمة بمدن مثل لوس أنجلوس ونيويورك إلى مستويات مرتفعة للغاية في الثمانينيات والتسعينيات، ثم ظلت تنخفض بوتيرة مستمرة مع وفاة آخر جيل شهد مزج الرصاص بالبنزين، وسجن بعضهم، وتخلي بعضهم عن سلوكهم الإجرامي.

كان السياسيون متحمسين لنسب سبب تراجع مستوى الجريمة، إلى ممارسات الشرطة مثل «نظرية النوافذ المحطمة» المتعلقة بإنفاذ القانون، لكن بعض الباحثين يؤكدون أن السبب يرجع إلى وجود أجيالٍ جديدة من المواطنين أكثر ذكاءً وصحةً وتربيةً، نشأوا في بيئةٍ خالية من الرصاص.

العلاقة بين الدخان وتشوش الدماغ
رغم أن العناصر السابقة في هذه القائمة ناقشت الأشياء التي نفذناها، ما زال أمام البشر طريق قبل تقليص مستويات التلوث بشكلٍ كبير. يصدر مشروع State of Global Air (حالة الهواء على مستوى العالم) تقريراً كل عامٍ، يقدر فيه درجة تلوث الهواء حول العالم.

وجد أحدث تقرير للمشروع أن 92% من سكان العالم يعيشون في مناطق يتجاوز فيها معدل الجسيمات الصغيرة الملوثة للهواء المستوى الآمن الذي حددته منظمة الصحة العالمية.

ولا يقتصر الضرر الناتج على الأنظمة البيئية المحلية والتغيير المناخي وجسم الإنسان، بل يرتبط تلوث الهواء بالتراجع الكبير في معدل ذكاء الأشخاص.

حللت دراسةٌ، على سبيل المثال، قاعدة بيانات مكونة من نحو 32 ألف ملحوظة تتعلق بدرجات اختبارات الذكاء والمؤشر اليومي لتلوث الهواء في الصين.

ووجد الباحثون أنه كلما تعرض المشارك في الدراسة لمستويات تلوث مرتفعة وقتاً طويل، تراجع معدل ذكائه. كانت القدرة اللغوية على وجه الخصوص الأكثر تأثراً، وكان الرجال أكثر تأثراً من النساء.

وبشكلٍ عام، أسهم متوسط تأثير التلوث في تقليص معدل ذكاء المشاركين في الدراسة بنسبة مشابهة لتأثير فقدان عامٍ دراسي على مستوى ذكاء الفرد، وهي نسبة تعادل نحو 5 نقاط.

تدخل الجزيئات الصغيرة لملوثات الهواء إلى الجسم عبر الرئة، وتنتقل من هناك عبر الجسم كله، ومن ضمنه الدماغ.

يتكهن الباحثون في هذه الدراسة بأن هذه الجزيئات تتسبب في التهاب الدماغ؛ ومن ثم تتلف المادة البيضاء الموجودة فيه بوتيرة سريعة.

نحب اعتقاد أن ذكاءنا موردٌ نولد به، موردٌ ننميه أو نضيّعه. لكن هذه ليست الحقيقة بالضبط؛ فالذكاء ظاهرة ديناميكية تعتمد على جودة البيئة التي نعيش فيها إلى حدٍ كبير.

لهذا السبب، تحمل السياسات والتشريعات الحكيمة أهمية كبيرة. فمن دونها، ربما لن نكون أذكياء بشكلٍ كاف لتطبيقها في المقام الأول.

أقحم الدبابات بقلب واشنطن في عيد الاستقلال.. خطة ترامب الماكرة للبقاء بالسلطة

قوبلت خطط ترامب لإقامة حفل باذخ في عيد الاستقلال الأمريكي بانتقادات حادة من قبل معارضيه، الذين اعتبروا أن مثل هذا الاحتفال يلخص منهجه في المباهاة واستغلال الرموز الوطنية، والأهم أنه يسير على خطط الزعماء المستبدين في الدول التي طالما انتقدها الأمريكيون.

ولكن يبدو أن أهداف الرئيس الأمريكي من هذا الاحتفال تتجاوز كل ذلك، إلى ما هو أكثر أهمية بالنسبة له، فهي الوسيلة للبقاء في السلطة.

إذ إن محاولة الرئيس الأمريكي إحياء ذكرى يوم الاستقلال الأمريكي، المقرر اليوم الخميس 4 يوليو/تموز 2019، تلخص ببلاغة التجاوزات والاستقطاب التي سادت فترة رئاسته، حسب تقرير لشبكة CNN الأمريكية.

دبابات في قلب واشنطن.. الهدف من خطط ترامب لإقامة حفل باذخ في عيد الاستقلال الأمريكي
خطة ترامب بشأن استعراض الدبابات في متنزه «ناشونال مول» بالعاصمة واشنطن وطلعات الطائرات الحربية وخطابه المتلفز وعرض الألعاب النارية الحمراء والبيضاء والزرقاء المقرر أن يستمر فترة أطول من المعتاد، يعني أنه حتى يوم الاستقلال -الذي مثَّل لحظة اتحاد نادرة لأجيال عديدة من الأمريكيين- سيجري تسييسه.

وبدلاً من شعار «تحية لأمريكا» الذي أعلنه ترامب، يخشى منتقدو ترامب من أنه يخطط لتحية نفسه.

ويبدو أن أحدث فرص ترامب لالتقاط صورة تذكارية فخمة تُعتبر انعكاساً لغروره وهوسه بالحشود الضخمة، ورغبته العارمة في جذب الأنظار، وولعه بالمعدات العسكرية وحبه للسلطوية.

كيف يستغل ترامب استعراض الدبابات للاستمرار بالسلطة؟
من وجهة نظر الرئيس الأمريكي، فهذه طريقة لتحقيق الفوز في الانتخابات.

فصَيحات الغضب من الديمقراطيين ووسائل الإعلام، بسبب سيطرة ترامب منفرداً على احتفالات الرابع من يوليو/تموز، لن تُغضب جميع الأمريكيين.

فبالنسبة لكثير منهم، ربما يكون ذلك استعراضاً رائعاً لقوة الدولة
وبصفته مُقرِّراً للوطنية -كما فعل خلال الجدل الدائر حول ركوع لاعبي اتحاد كرة القدم الأمريكي- وقائداً عاماً قوياً، فإن ترامب يصنع فخاً سياسياً أيضاً.

ويمكنه أن يتظاهر مرة أخرى من خلال التلفزيون المحل،ي بأنه خصم وطني وجريء للنخبة التي تهزأ بقيم الأمريكيين، وهي الاستراتيجية التي استخدمها للفوز بالانتخابات عام 2016 والتي يعتمد عليها في الحصول على ولاية ثانية.

خطط ترامب لإقامة حفل باذخ في عيد الاستقلال الأمريكي
البعض يرى أن ترامب يستغل الجيش لأغراض انتخابية/رويترز
وقال ترامب، معلناً عن خططه بحماسة صبيانية، الإثنين 1 يوليو/تموز 2019: «سنحتفل بيوم الرابع من يوليو/تموز احتفالاً عظيماً في واشنطن العاصمة. سيكون احتفالاً مميزاً لا مثيل له، وأتمنى أن يحضر كثيرون».

لكن بما أن ترامب سخَّر رئاسته لممارسة هواية الإعجاب بالنفس، ونادراً ما كان يسعى لتحقيق الوحدة الوطنية، فإن التكهنات لا تبدو إيجابية لاحتفالية محايدة مؤثرة، حسب CNN.

علاوة على ذلك، فهو الرئيس الذي ألقى خطاباً سياسياً مستعراً في مخيم كشفي، وحوَّل الجدار التذكاري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA إلى ستارة خلفية لتجمُّع حزبي في اليوم التالي لأدائه اليمين الدستورية، بينما كان يلقي خطاباً.

وفي هذه الواقعة انتقد رئيس سابق للاستخبارات المركزية ترامب، وقال إنه يجب أن يخجل من نفسه، لاستغلاله مناسبة لتكريم رجال الاستخبارات الذين سقطوا من أجل الواجب، في الإدلاء بخطاب بدا حزبياً وهاجم فيه الإعلام.

المشكلة في الإسراف وعدم الشفافية.. كم أنفق على هذا الاحتفال؟
بالإضافة إلى انغماسه في النرجسية، حسب وصف تقرير CNN، فإن ذكرى الرابع من يوليو/تموز تسلط الضوء على إسراف ترامب المعتاد في إنفاق المال العام، وأخلاقياته المشكوك فيها، وانعدام الشفافية، وحجم الفوضى بالتنظيم في اللحظة الأخيرة.

ولم يكشف البيت الأبيض حتى هذه اللحظة، عن التكلفة الفعلية للتأمين الإضافي، مدة تحليق الطائرة الرئاسية Air Force One التي من المتوقع أن تُزعج الجمهور.

وقال ثلاثة مشرعين ديمقراطيين في خطاب موجه إلى وزارة الداخلية الأمريكية: «من حق الأمريكيين أن يعرفوا مقدار ما ينفقه الرئيس من أموالهم لتحويل الاحتفال بذكرى الرابع من يوليو إلى حشد انتخابي فعلياً».

وهكذا كان الرؤساء السابقون يحتفلون
ومنذ حقبة أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كان الرؤساء يُدخلون البهجة على قلوب أفراد الخدمة وعائلاتهم في احتفالات خاصة تُنظَّم في البيت الأبيض.

لكن حالياً يوزع أفراد من العاملين بالحزب الجمهوري تذاكر على شخصيات مهمة ومتبرعين، بالإضافة إلى تصريح عام للدخول لحضور خطاب ترامب، في الموقع التاريخي بالقرب من نُصب لينكولن التذكاري، حيث ألقى مارتن لوثر كينغ الابن خطابه «يراودني حلم».

وفي المعتاد، يعد الموقع الذي ستقام فيه منصة ترامب من أفضل المواقع لمشاهدة الألعاب النارية في ذكرى الرابع من يوليو/تموز.

ترامب ينافق الجيش بينما يهاجم أبطاله
بالنسبة لخطّته لتغيير تصميم الطائرة الرئاسية، فإن ترامب يحاول فرض تعريفه الخاص للوطنية، ويستخدم الجيش ستاراً سياسياً، وهي حيلة معروفة.

وغرد ترامب: «البنتاغون وقادتنا العسكريون العظماء سعداء، لأنهم يفعلون ذلك، ويقدمون عرضاً للشعب الأمريكي، ضمن أشياء أخرى، لأقوى وأحدث جيش في العالم. طلعات جوية مذهلة وأضخم ألعاب نارية على الإطلاق!».

وربما يُعتبر توقير الرئيس المتكرر للقوات المسلحة نفاقاً، في ضوء أنه لم يخدم بالجيش، واتفق مع مقدم البرامج هوارد ستيرن على أن خطورة الأمراض التي تُنقل عن طريق ممارسة الجنس تماثل بالنسبة له خطورة القتال في فيتنام.

كما أنه لم يتوقف عن مهاجمة الأبطال العسكريين، لتحقيق مكاسب سياسية: فهو لا يُخفي كراهيته لجون ماكين، رغم وفاة عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أريزونا وأسير حرب فيتنام وبطل الحرب قبل عام تقريباً.

كل هذه التصرفات تعبر عن حدس سياسي بارع، والبيت الأبيض يشكك في وطنية المنتقدين
ورغم أن كثيرين يرون أن حُب الظهور لدى ترامب يُعد مثيراً للاشمئزاز، فغالباً ما تعبّر تصرفاته هذه عن حدس سياسي بارع.

إذ تظهر صور القائد العام للقوات المسلحة من خلال صحيفة Stars and Stripes التي يصدرها الجيش الأمريكي، ضمن مكتبة مقاطع الفيديو للحملة الانتخابية التي يشكلها لدعم إعادة انتخابه.

وأي شخص معارض، وضمن ذلك المؤسسات الإعلامية التي تعد ضمن أهداف ترامب المفضلة، يمكن وصفه بأنه غير وطني وأنه يقلل من شأن القوات المسلحة.

سألت مستشارة البيت الأبيض، كيليان كونواي، صحفياً أمام البيت الأبيض الثلاثاء 2 يوليو/تموز: «هل تعرف ماذا حدث في 4 يوليو/تموز 1776؟ لأنه لا يبدو أنك تتحدث حتى عن الوطنية التي كانت أساس هذا اليوم».

ووعد ترامب بإلقاء خطاب موحِّد لجميع طوائف الأمة، رغم أن مجرد حضوره في هذا الحدث لم يمثل انقساماً في البلاد.

ولكن عندما سُئل يوم الإثنين 1 يوليو/تموز 2019، عما إذا كان سيتمكن من إلقاء خطاب في ذكرى الرابع من يوليو/تموز يوحد جميع الأمريكيين، بدا أن ترامب سيستخدم النبرة الحزبية التي نادراً ما كان يقاومها.

فقال: «ما يُخطط له الديمقراطيون سيدمر البلاد، وسيضعون نظام رعاية صحية بشعاً، وستصل الضرائب لكل فرد إلى 95%».

فكرة الاحتفال الضخم جاءته من هذه الدول ذات الأمجاد الغابرة
يبدو أن فكرة ترامب بشأن احتفال كبير ومذهل للرابع من يوليو/تموز قد بزغت في الشانزليزيه بباريس عندما رافق الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في احتفالات العيد الوطني الفرنسي.

ورغم ذلك، لا تُعتبر الاستعراضات العسكرية والطقوس التي يُعجب بها ترامب في فرنسا وبريطانيا دليلاً على القوة الحالية، فهي في الغالب تسلط الضوء على الأمجاد العسكرية السابقة بالعصور الاستعمارية الطويلة الغابرة التي تعد انتهاكاً لقيم الرابع من يوليو/تموز.

وربما يكون ذلك أيضاً وسيلة لتهدئة غضبه العارم من التقارير التي ذكرت أن حفل تنصيب باراك أوباما في عام 2008 كان أضخم من حفل ترامب.

ورغم كل ذلك، حضر مئات الآلاف من الناس لمشاهدة الألعاب النارية في ذكرى الرابع من يوليو/تموز؛ وهو ما أدى إلى التكدس في متنزه «ناشونال مول» والشوارع المحيطة به.

ولكنه لم يستطع أن يجعل الدبابات تسير في شوارع واشنطن
وتعثرت خطط الرئيس لتنظيم عرض عسكري أمريكي ضخم، بسبب التكاليف المتصاعدة والواقع اللوجيستي، المتمثل في أن مسارات الدبابات المدرعة ستدمر طرق واشنطن، لذا ستظهر الدبابات في عرض ترامب بذكرى الرابع من يوليو/تموز على وضع ثابت، ورغم ذلك فهو لن يتخلى أبداً عن فكرة حفل وطني ضخم.

واعترض بعض النقاد على فكرة إقحام القوات المسلحة في احتفال ترامب. واقترح الجنرال المتقاعد ستانلي مكريستال، أنه يمكن التزام قيم المواطنة والخدمة، من خلال تكريم متطوعي فرق السلام، على سبيل المثال.

وقال مكريستال لمذيع شبكة CNN جيك تابر، الثلاثاء 2 يوليو/تموز 2019: «الدبابات والطائرات هي أشياء وليست عصب الأمة».

وأضاف مكريستال أن القوات المسلحة الأمريكية أثبتت براعتها في ساحة المعركة: «لا أعتقد أننا بحاجة إلى إحضارهم إلى (ناشونال مول) لإظهار براعتهم».

على خطى المستبدين.. هذا الاستعراض العسكري قد يأتي بنتائج عكسية
وبعد رحلة خارجية التقى فيها ترامب حكاماً مستبدين مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، فقد تكون لاستعراضه في ذكرى الرابع من يوليو/تموز أصداء عكسية، ويثير تساؤلات حول مشاهد القوة العسكرية في شوارع العاصمة.

ومع ذلك، تعد الاستعراضات العسكرية مظهراً أساسياً في الديكتاتوريات. ففي أماكن مثل الصين وكوريا الشمالية والاتحاد السوفييتي السابق، كانت مثل هذه العروض أداة للقمع المحلي وإشارة للخصوم لإدراك القوة العسكرية الساحقة.

البديل المفضّل لدى واشنطن.. حكاية «مجاهدي خلق» الإيرانية من الألف إلى الياء

تعتبر منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية كياناً مثيراً للجدل، وغالباً ما يسيء صناع السياسة في الولايات المتحدة فهمه، وربما يتعرض للتشويه من منافسيه. ومع ذلك، فهي أيضاً جزء مهم من أي حديث جاد عن مستقبل إيران لدى الأمريكيين، مثل ذلك الذي يدور حالياً في العاصمة الأمريكية واشنطن، في ظل حملة «الضغط القصوى» لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الجمهورية الإسلامية بشكل جدي. فمن هم «مجاهدي خلق»؟

مشاركة الثورة مع الخميني والانفصال عنه
بداية، تعتبر المنظمة بالنسبة لمؤيديها، البديل الأكثر تنظيماً وانضباطاً للنظام الديني الحالي في طهران، وهي الوحيدة القادرة حقاً على تأسيس دولة ديمقراطية علمانية. وبالنسبة إلى منتقديها، فهي تمثل عنصراً ثانوياً يتبنى رؤية غير شعبية وغير قابلة للتطبيق لمستقبل إيران.
تقول مجلة The National Interest الأمريكية، إن المجموعة تتمتع بتاريخ سياسي صعب للغاية على نحوٍ خاص يعود إلى حقبة ما قبل الثورة الإيرانية. إذ تأسست المنظمة في منتصف ستينيات القرن الماضي لتكون حركة «عدالة اجتماعية»، وبدأت في أوائل السبعينيات حملة واسعة النطاق ضد ما اعتبرته حكماً فاسداً على نحوٍ متزايد للشاه محمد رضا بهلوي.
كانت أنشطتها، من نشر النقد السياسي إلى المؤامرات وتخريب الأهداف الحكومية، موازية لأنشطة القوى الإسلامية التي كانت وقتها ملتفة حول «آية الله الخميني». وقد أدى هذا التنظيم التكتيكي إلى لعب مجاهدي خلق دوراً كبيراً في دفع الاضطرابات السياسية التي أدت في النهاية إلى طرد الشاه من السلطة.
لكن التعايش انتهى سريعاً. فخلال سعيه لتوطيد سلطته بعد الثورة، انقلب الخميني على رفاقه السابقين، وشن حملة واسعة على أعضاء المجموعة ومؤيديها. ووصف المرشد الأعلى الإيراني الذي نُصِّب للتو هو وأتباعه منظمة مجاهدي خلق، التي لم توافق على القرارات الدينية المتشددة للحكم الإسلامي، بأنها جماعة إيديولوجية خارجة عن النظام و»كافرة»، وهُمِّشت في الجمهورية الإسلامية الناشئة.

سنوات القمع والمنفى
شهدت الفترة اللاحقة حملة قمع واسعة النطاق ارتكبها الموالون للخميني ضد منظمة مجاهدي خلق، كما تقول المجلة الأمريكية، وهي حملة عنف استمرت لسنوات وبلغت ذروتها في «مذبحة» عام 1988 التي نفذها النظام وراح ضحيتها نحو ثلاثين ألف سجين سياسي.
بغياب مسار سياسي واضح للتحرك قدماً، فر قادة المجموعة إلى باريس ثم إلى العراق، حيث رحب بهم نظام صدام حسين، وانخرطوا في حرب دموية دامت ثماني سنوات مع الجمهورية الإسلامية.

في المنفى مرت مجاهدي خلق بتطور سياسي من نوع ما، إذ شكلت منظمة شاملة تعرف باسم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. لكنها واصلت أيضاً أنشطتها المناهضة للنظام داخل إيران، حيث برزت كأقوى وأكبر خصم للنظام الديني ولآيات الله في إيران.
لاعب أساسي لدى واشنطن في التعامل مع إيران
في أواخر التسعينيات، أصبحت منظمة مجاهدي خلق لاعباً رئيسياً في السياسة الأمريكية تجاه إيران، عندما صنفتها إدارة كلينتون، مستندة إلى دور المجموعة في مقتل العديد من الأميركيين في السبعينيات، باعتبارها منظمةً إرهابيةً أجنبيةً بموجب القانون الأمريكي.
وقد عارضت منظمة مجاهدي خلق هذه التهمة، وأصرت على أن ضمها للقائمة السوداء كان مدفوعاً بجهود إدارة كلينتون لتقريب النظام الإيراني ورئيسه «المعتدل» الجديد، محمد خاتمي.
لكن هذا التصنيف والوصمة المرتبطة به أثبتا أنهما طويلا الأمد؛ فقد استغرق الأمر أكثر من عقد من الزمان حتى ألغت وزارة الخارجية الأمريكية التصنيف، لأنها لم تتمكن من تقديم إثبات لمحكمة اتحادية على أنه ينبغي الاستمرار في تصنيف الجماعة على أنها متطرفة.
طوال تلك الفترة، ومن بعدها، عملت منظمة مجاهدي خلق بإصرار لتغيير المفاهيم الشائعة حول طبيعتها وأنشطتها. لقد كانت حملتها الدعائية ناجحة على نطاق واسع، فقد حصلت على تأييد من الأعضاء البارزين من كلا الحزبين في الولايات المتحدة، وفي كلا غرفتي الكونغرس الأمريكي.
ومن الواضح أن المؤثرين داخل إدارة ترامب، مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون، ورودي جولياني محامي الرئيس الشخصي، قد أيدوا علناً مجاهدي خلق، مما ساهم في التصور الشائع بأنها تمثل الآن البديل المفضل لفريق ترامب إذا سقط النظام الحالي في طهران.
كيف يراها الأمريكيون وماذا تمثل لهم؟

رجوي مع جون بلوتون مستشار الأمن القومي لدى الرئيس ترامب، أرشيفية/ رويترز
من وجهة النظر الأمريكية، فإن منظمة مجاهدي خلق كانت ملائمة لتلك المهمة لسبب آخر أيضاً: «دورها المحوري في فضح أنشطة إيران الشريرة حول العالم». في أوائل الألفية الثانية، منحت المجموعة للعالم أول لمحة حقيقية عن الجهود النووية للنظام التي كانت سريةً إلى حد كبير، مما أدى إلى بذل جهد دام قرابة عقدين من الزمن من أمريكا وحلفائها لمنع إيران من أن تصبح دولة نووية.
ومنذ ذلك الحين واصلت منظمة مجاهدي خلق تزويد المجتمع الدولي برؤى ثاقبة للأعمال الداخلية للجمهورية الإسلامية، من الإمبراطورية المالية المترامية للحرس الثوري الإيراني إلى قدرات النظام الإلكترونية المتنامية.
وبينما يدور جدال حول مصدر الكشف عن هذه المعلومات، فإن قيمة المعلومات ودقتها ليست كذلك. يعترف المسؤولون الأمريكيون عامة بأن منظمة مجاهدي خلق «قدمت مساهمة كبيرة في فهمنا للتهديد المعاصر الذي تشكله الجمهورية الإسلامية».
ما بين السلمية واستخدام القوة للتغيير
ترى منظمة مجاهدي خلق أن القضاء على هذا التهديد يتطلب تغيير النظام الحاكم في طهران. وعلى الرغم من أن العديد من نشطاء المعارضة يدعون إلى «العصيان المدني» لتحقيق هذا الهدف، فإن مجاهدي خلق مقتنعون بأن النظام الإيراني ببساطة «وحشي للغاية ومترسخ بشدة» وقد استثمر كثيراً في إحكام قبضته على السلطة، بحيث لا يمكن إطاحته بالسُبل السلمية وحدها.
قد يكون البديل هو المقاومة المسلحة، وتتمتع منظمة مجاهدي خلق هنا بميزة واضحة إذا أصبح مثل هذا العمل ضرورياً، سواء بسبب بنيتها على النمط العسكري سابقاً وانضباط كوادرها أو بسبب نجاحاتها الماضية ضد النظام.
لكن ماذا بعد؟ كيف، بالضبط، يمكن لمجاهدي خلق و»المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» إدارة إيران، هل يجب أن يتغير نظام الحكم بالفعل؟
ما برنامج المنظمة بعد إسقاط النظام الإيراني الحالي؟
يُعتبر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية نفسه «حكومةً في المنفى»، ولديه خطة مفصلة للحكم المؤقت في «فترة انتقالية» مدتها نصف عام بعد سقوط النظام الإيراني الحالي، تؤدي إلى أن تكون إيران ديمقراطية وعلمانية.
ستترأس مريم رجوي، القائدة السياسية الحالية والوجه العام للمنظمة، هذا الترتيب كرئيس منتخب له. أثارت هذه الصيغة غضب عناصر المعارضة الإيرانية الآخرين، الذين يرون أن منظمة «مجاهدي خلق» تنوي ببساطة تثبيت نفسها منفردة محل آيات الله في إيران.
قدمت المجموعة شيئاً مختلفاً كلياً. عام 2002، دعا المجلس الوطني علناً إلى تشكيل جبهة تضامن وطنية ضد النظام الإيراني، وأعلن أنه «مستعد للتعاون مع القوى السياسية الأخرى» شريطة أن تسعى إلى شكل جمهوري للحكومة وتلتزم برفض ثيوقراطية إيران الحالية. يرتكز برنامجها المعاصر، الذي طرحته رجوي لأول مرة منذ ما يقرب من عقد من الزمن، ونشره ممثلوها على نطاق واسع منذ ذلك الحين، على عشرة مفاهيم أساسية:
أولاً: انتخابات قائمة على مبدأ الاقتراع العام.

ثانياً: نظام سياسي تعددي يضمن حرية التجمع وحرية التعبير واحترام الحريات الفردية.

ثالثاً: إلغاء عقوبة الإعدام.

رابعاً: الفصل بين الدين والدولة، وحظر التمييز الديني.

خامساً: المساواة الكاملة بين الجنسين لصالح المرأة الإيرانية.

سادساً: تحديث النظام القضائي الإيراني، وإقصاء الشريعة، وإنجاز إصلاحات تضمن نظاماً للحماية القانونية الحديثة.

سابعاً: الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من المواثيق الدولية التي تنص على حماية السكان، والالتزام بالمساواة بين جميع الجنسيات (ولا سيما الحكم الذاتي لكردستان إيران).

ثامناً: ضمان الملكية الخاصة والاستثمار والعمالة ودعم اقتصاد السوق.

تاسعاً: سياسة خارجية تقوم على مبدأ «التعايش السلمي» مع الدول الأخرى.

عاشراً: رفض المشروع النووي وحيازة أسلحة الدمار الشامل ككل.

ما الذي تفتقر له منظمة «مجاهدي خلق»؟
من الناحية النظرية، ينبغي أن تجعل هذه الأفكار المنظمة والمجلس أكثر تماشياً مع الخطاب السائد لعناصر المعارضة الإيرانية الأخرى. ومع ذلك، فهذه الفصائل مازالت غير راضية عن المنظمة بشدة، مستندة إلى طبيعتها المنعزلة والإقصائية، وتزعم أنها، من بين أمور أخرى، تفتقر بشكل أساسي إلى الدعم في «الشارع الإيراني».
من جهتها، ترفض منظمة مجاهدي خلق هذا الرأي، مشيرة إلى أن سجلها الطويل من «المقاومة» لن يكون ممكناً بكل بساطة دون دعم محلي واسع النطاق.
تقول المجلة الأمريكية ناشونال إنترست، إن إعلان وزارة الاستخبارات الإيرانية في ربيع هذا العام اعتقال عدة مئات من نشطاء منظمة مجاهدي خلق، والاعترافات المتكررة من كبار المسؤولين الإيرانيين بدور منظمة مجاهدي خلق في انتفاضات العام ونصف العام الماضي، يضفيان بعض المصداقية على هذا الادعاء.
علاوة على ذلك، فقد جاءت هذه «المقاومة» بثمن مرتفع على نحوٍ استثنائي. وفقاً لمسؤولي المنظمة، يُقدر بأن حوالي 120 ألفاً من أعضاء المجموعة ومؤيديها قد ماتوا على يد النظام الإيراني منذ عام 1979.
لكن مجاهدي خلق لا تبحث عن تقارب واسع مع الشتات الإيراني. تميل المجموعة إلى النظر إلى عناصر المعارضة الأخرى على أنهم منتقدون للنظام أكثر من اعتبارهم بدائل ممكنة له.
ببساطة، تعتقد منظمة مجاهدي خلق أنه بعد أربعين عاماً من المقاومة النشطة، فإن لديها «مهارة في اللعبة» أكثر من أي شخصية أو فصيل آخر في الكفاح ضد الجمهورية الإسلامية. وأعضاؤها ومؤيدوها مقتنعون أيضاً بأنهم الوحيدون الذين لديهم التنظيم والرؤية والانضباط للمثابرة في الكفاح ضد آيات الله في إيران.

احتضار الهيمنة الأمريكية.. كيف دمّرت الولايات المتحدة نفوذها بأيديها؟

احتضرت الهيمنة الأمريكية في وقتٍ ما خلال العامين الماضيين، إذ كان عصر السيادة الأمريكية عصراً وجيزاً وعنيفاً استمرَّ لثلاثة عقود، وتميَّز بلحظتين اثنتين تُشير كلٌّ منهما إلى تعطُّلٍ من نوعٍ ما، إذ وُلد عصر «السيادة الأمريكية» إبان انهيار جدار برلين عام 1989. أما النهاية، أو بداية النهاية في الواقع، فكانت انهياراً آخر تمثَّل في انهيار العراق عام 2003، وما تكشَّف من أحداث منذ ذلك الحين.

ولكن، هل كان موت «المكانة المتفوقة» للولايات المتحدة -كما تسميها مجلة Foreign Affairs الأمريكية- نتيجةً لأسباب خارجية، أم أنَّ واشنطن ذهبت مسرعة إلى حتفها بسلوكها السيئ وعاداتها السيئة؟ سيكون هذا السؤال محل جدالٍ بين المؤرخين لسنوات قادمة، ولكن في هذه اللحظة من التاريخ، لدينا ما يكفي من الوقت والمنظور لذكر بعض الملاحظات الأولية.

احتضار الهيمنة
كما هو الحال في معظم حالات الوفاة، أسهمت العديد من العوامل في انتهاء مكانة الولايات المتحدة الأمريكية، إذ إنَّ هناك قوى هيكلية في النظام العالمي عملت بشكل حتمي ضدَّ أي دولة تراكم لديها هذا القدر من القوة، بحسب وصف Foreign Affairs، التي كانت متوفرةً لدى الولايات المتحدة.

غير أنَّ الحالة الأمريكية اشتملت على إساءة الولايات المتحدة لاستخدام هيمنتها، ونفوذها، وخسارة حلفائها، وتشجيع أعدائها عليها، من موقعها غير المسبوق. والآن، في ظل إدارة ترامب، يبدو أنَّ الولايات المتحدة فقدت الاهتمام، أو بالأحرى فقدت الإيمان، بالأفكار والغايات التي بعثت الحياة في حضورها الدولي لثلاثة أرباع القرن، بحسب المجلة.

«القرن الأمريكي»
كانت السيطرة الأمريكية على العالم في عصر ما بعد الحرب الباردة لا تُشبه أي شيءٍ شهده العالم منذ الإمبراطورية الرومانية. كما أنَّ الكُتَّاب مغرمون بالقول إنَّ فجر «القرن الأمريكي» بدأ عام 1945، وهي فترةٌ لا تبعد كثيراً عن التاريخ الذي صاغ فيه الناشر هنري لويس مُصطلح «القرن الأمريكي».

غير أنَّ عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية كان مختلفاً تماماً عن عصر ما بعد عام 1989، إذ إنَّه حتى بعد عام 1945، كانت فرنسا والمملكة المتحدة ما تزال لديهما إمبراطوريات رسمية قائمة في أصقاع مُمتدة من العالم، وبالتالي كان ما يزال لديهما نفوذٌ عميق.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، قدَّم الاتحاد السوفيتي نفسَه باعتباره قوى كبرى منافسة، وبدأ يُنازع واشنطن نفوذها في كل شبرٍ على سطح الأرض. ولنذكر في هذا الصدد أنَّ عبارة «العالم الثالث» مُشتقةٌ من تقسيم العالم إلى ثلاثة أجزاء: العالم الأول هو الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والعالم الثاني هو «الدول الشيوعية»، أما العالم الثالث فهو أي مكان آخر في العالم حيث كان على دُولِه أن تختار بين النفوذ الأمريكي أو النفوذ السوفيتي. وبالتالي فإنَّ الكثير من سكان العالم، من بولندا إلى الصين، لم يعتقدوا أنَّ القرن كان أمريكياً تماماً.

اكتشاف «التفوق الأمريكي»
الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش والرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في موسكو في عام 1991 / رويترز
الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش والرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في موسكو في عام 1991 / رويترز
يقول فريد زكريا -الصحفي والمؤلف الأمريكي ومقدم برنامج «فريد زكريا جي بي إس» الأسبوعي السابق على قناة CNN- إنه كان من الصعب اكتشاف التفوُّق الأمريكي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة أوَّل الأمر. وكما أشرت في مقالة بمجلة The New Yorker عام 2002، فإنَّ معظم الأطراف التي كانت على الساحة حينها لم تلحظ ذلك التفوُّق.

بل إنَّ رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر جادلت في عام 1990 بأنَّ العالم كان ينقسم إلى ثلاثة نطاقات سياسية، يحكمها الدولار والين والمارك الألماني. وتوقَّع هنري كيسنجر، في كتاب «الدبلوماسية Diplomacy» الصادر عام 1994، ظهور عصرٍ جديد مُتعدِّد الأقطاب.

وبطبيعة الحال، لم يكن هناك الكثير من التفاخر بالنصر داخل الولايات المتحدة الأمريكية. إذ اتَّسمت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 1992 بمشاعر الضعف والسأم. وكثيراً ما ردَّد بول تسونغاس، الذي سعى إلى الترشُّح للرئاسة نيابةً عن الحزب الديمقراطي: «انتهت الحرب الباردة، وانتصرت اليابان وألمانيا». فضلاً عن أنَّ الأذرع الآسيوية كانت قد بدأت بالفعل في الحديث عن «القرن الباسيفيكي».

وكان هناك استثناءٌ واحدٌ لهذا التحليل، ظهر في مقالٍ تكهُّني نُشِرَ في صفحات مجلة Foreign Affairs للمُعلِّق المحافظ تشارلز كروثامر عام 1990، وحمل عنوان «لحظة القطب الأوحد The Unipolar Moment«. ولكن حتى هذه المحاولة لإبداء نشوة النصر كانت محدودة النطاق، إذ أشار عنوان المقال إلى أنَّ «لحظة القطب الأوحد ستكون وجيزة»، بحسب إقرار كروثامر نفسه. وتوقَّع كروثامر، في مقالٍ نشرته صحيفة Washington Post الأمريكية، أن تبدأ ألمانيا واليابان «القوتان العظميان الإقليميتان» الصاعدتان في تبني سياسات خارجية مُستقلة عن الولايات المتحدة خلال فترة قصيرة للغاية.

ورحَّب واضعو السياسات بخفوت لحظة القطب الأوحد، وهو الأمر الذي كانوا يتوقعون حدوثه في أي لحظة. وأعلنها جاك بووس، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع بدء حروب البلقان في عام 1991: «هذه لحظة أوروبا. إذا كانت هُناك مشكلةٌ يمكن للأوربيين حلها، فهي مشكلة يوغوسلافيا. هذه دولةٌ أوروبية، ولا يجوز للأمريكيين البتُّ في أمرها». ولكن تبيَّن بعد ذلك أنَّ الولايات المتحدة وحدها هي من كانت تمتلك في يدها ما يلزم من القوة والنفوذ للتدخُّل بشكلٍ فعَّال والتعامُل مع الأزمة.

وعلى نحوٍ مشابه، حين ضربت سلسلة من نوبات الهلع اقتصادات شرق آسيا وأحدثت هبوطاً مفاجئاً في أسعار السوق مع حلول نهايات القرن العشرين، وقف الجميع -باستثناء الولايات المتحدة- عاجزاً عن إحداث استقرارٍ في النظام المالي العالمي. إذ رتبت الولايات المتحدة خطة إنقاذٍ دولية قدرها 120 مليار دولار للدول الأكثر تضرراً من الأزمة، مما أدَّى إلى حلِّ الأزمة. ووضعت مجلة Time صور ثلاثة أمريكيين على غلافها وكتبت أسفل صورهم عنوان: «لجنة إنقاذ العالم»، وهم وزير الخزانة الأمريكي آنذاك روبرت روبين، ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق آلان جرينسبان، ونائب وزير الخزانة الأمريكية لورانس سامرس.

بداية النهاية بعد صعود الصين
الرئيسان الأمريكي ونظيره الصيني في لقاء سابق/ رويترز
الرئيسان الأمريكي ونظيره الصيني في لقاء سابق/ رويترز
وصعدت الهيمنة الأمريكي أوائل التسعينيات في غفلةٍ من الجميع، بالتزامن مع صعود القوى التي قوَّضت تلك الهيمنة في أواخر التسعينيات أيضاً، والمفارقة هي أنَّ الناس بدأوا يتحدثون في هذا الوقت عن الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها «الدولة التي لا غِنَى عنها» و «القوة العظمى الوحيدة في العالم». وفي البدء جاء صعود الصين.

وبات من السهل علينا الآن ونحن ننظر إلى الأمور بأثرٍ رجعي أن نرى أنَّه كان من الواضح أنَّ بكين ستكون المنافس الخطير الوحيد لواشنطن، وإن كان هذا الأمر لم يكن واضحاً قبل ربع قرنٍ مضى. ورغم النمو السريع الذي شهدته الصين منذ الثمانينيات، لكنَّها حقَّقت ذلك من قاعدةٍ مُتدنية للغاية، ولم تنجح الكثير من الدول في مواصلة هذه العملية لأكثر من عقدين. وبدا المزيج الغريب بين الرأسمالية واللينينية في الصين مزيجاً هشاً، وهو الأمر الذي كشفته مظاهرات ساحة تيانانمن.

غير أنَّ صعود الصين استمر، وأصبحت بكين القوة العظمى الجديدة في التكتُّل، وهي قوةٌ لديها من المنعة والطموح ما يُضاهي الولايات المتحدة الأمريكية. وتحوَّلت روسيا من حالة الضعف والسكون التي كانت عليها في بداية التسعينيات، إلى قوةٍ «انتقامية ومُفسِدَة» لديها ما يكفي من القدرة والدهاء لتُعطِّل سير الأمور.

ودخل العالم مرحلة «ما بعد أمريكا»، في ظلِّ وجود طرفين دوليين كبيرين خارج النظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة. وما تزال الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة في العالم، غير أنَّها توجد وسط عالمٍ من القوى الإقليمية والدولية التي يُمكنها أن تتصدَّى للنفوذ الأمريكي، وكثيراً ما كانت تفعل ذلك.

وأدَّت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وصعود التطرف دوراً مزدوجاً في تراجع الهيمنة الأمريكية. وبدا أول الأمر أنَّ الهجمات قد حفَّزت واشنطن، ودفعتها إلى تعبئة قوتها، ولكن الولايات المتحدة اختارت في عام 2001 -حين كانت ما تزال أكبر اقتصادياً من الدول الخمس التي تليها مجتمعة- زيادة ميزانية الإنفاق العسكري السنوية الخاصة بها إلى مبلغٍ يفوق ميزانية الدفاع الكاملة للمملكة المتحدة سنوياً (حوالي 50 مليار دولار).

ونجحت واشنطن في حشد دعمٍ كبير لحملتها العسكرية من دول عدة، ومنها روسيا، حين تدخَّلت عسكرياً في أفغانستان. وبعد عامين، كانت لا تزال قادرةً على تشكيل تحالفٍ دولي كبير لغزو العراق، رغم الاعتراضات الكثيرة آنذاك. ومثَّلت السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين نقطة صعودٍ في سطوة الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ حاولت واشنطن إعادة تشكيل دولتين (أفغانستان والعراق) تبعدان عنها بآلاف الأميال، رغم أنَّ مواقف سائر دول العالم تراوحت بين الإذعان على مضض أو الجهر بالمعارضة.

العراق كان نقطة تحول بالنسبة لتراجع الهيمنة الأمريكية
وشكَّل العراق تحديداً نقطة تحول. إذ دخلت الولايات المتحدة في حربٍ من اختيارها، رغم تعبير سائر دول العالم عن توجُّسها من هذه الحرب. وحاولت الحصول على الضوء الأخضر من الأمم المتحدة لتنفيذ مهمتها، قبل أن تستغني عن المنظمة بأكملها حين اكتشفت صعوبة ذلك.

وتجاهلت عقيدة باول، التي صاغها الجنرال الأمريكي كولن باول الذي تولى قيادة الأركان المشتركة إبان حرب الخليج، والتي تنص على أنَّ الحرب غير ضرورية إلَّا حين تكون المصالح الوطنية مُعرَّضة للخطر، أو حين يكون تحقيق النصر المبين أمراً مضموناً.

وأصرَّت إدارة بوش على أنَّ التحدي العميق الذي يُمثِّله احتلال العراق يُمكن التعامل معه بعددٍ صغير من القوات، وبكل بساطة. وشاع القول بأنَّ غزو العراق لن يكلف شيئاً. وبمجرد دخول القوات الأمريكية إلى بغداد قرَّرت واشنطن تدمير الدولة العراقية، وحلَّ الجيش، وتطهير المؤسسات الحكومية، مما خلَّف حالةً من الفوضى وساعد في تأجيج حالة التمرد. وكان من الممكن التغلُّب على أي خطأ من تلك الأخطاء في حال ارتكابه بشكلٍ منفرد؛ ولكنَّها ارتُكِبَت معاً بما يضمن تحوُّل العراق إلى حالة فشل مُكلِّفة.

وفي أعقاب هجمات الـ11 من سبتمبر/أيلول، اتَّخذت واشنطن قرارات ما يزال أثرها يُلاحقها حتى الآن، غير أنَّ كافة تلك القرارات اتُّخِذَت على عجلٍ وبدافعٍ من الخوف. إذ وجدت واشنطن نفسها في خطرٍ قاتل يدفعها إلى القيام بأي شيء مهما كان ثمنه، بما في ذلك غزو العراق، وإنفاق مبالغ لا تُعَدُّ ولا تُحصى على الأمن الداخلي، ووصولاً إلى استخدام التعذيب.

ووقف العالم بأسره ينظر إلى دولةٍ تعيش حالة الإرهاب التي عاش فيها العديد منهم لسنوات، ومع ذلك تتعامل مع الموقف «كأسدٍ جريح يُمزِّق بمخالبه التحالفات والأعراف الدولية». وانسحبت إدارة جورج بوش الابن، في أول عامين لها، من عددٍ من الاتفاقيات الدولية يفوق عدد الاتفاقيات التي انسحبت منها أي إدارةٍ سابقة. (وتجدُر الإشارة هُنا إلى أنَّ إدارة ترامب تفوَّقت على هذا العدد بفارقٍ كبير).

وحطَّم السلوك الأمريكي في الخارج السلطة الأخلاقية والسياسية للولايات المتحدة إبان فترة إدارة بوش، ليجد حلفاء الولايات المتحدة القدامى -مثل كندا وفرنسا- أنفسهم على خلاف معها حول جوهر وأخلاقيات وسلوك سياستها الخارجية.

عودة روسيا للساحة بقوة
تحوَّلت روسيا من حالة الضعف والسكون التي كانت عليها في بداية التسعينيات إلى قوة كبيرة على يد بوتين ورفاقه/ رويترز
ما السبب الذي أدَّى إلى تآكل النفوذ الأمريكي إذاً؟ هل هو صعود قوى أخرى أم التوسع الإمبريالي؟ وربما كان السبب هو كل ما سبق، على غرار ما يحدث في أي ظاهرةٍ تاريخية كبيرة ومُعقَّدة.

إذ مثَّل صعود الصين أحد التحوُّلات التكتونية في الحياة على الصعيد الدولي، وهو الصعود الذي كان من شأنه أن يُؤدِّي إلى تآكل نفوذ أيِّ دولة ليس لها منافس، مهما بلغت براعة دبلوماسيتها.

غير أنَّ عودة روسيا إلى الساحة كانت أمراً أكثر تعقيداً. نظراً لتصميم زعماء موسكو أوائل التسعينيات على تحويل بلادهم إلى ديمقراطيةٍ ليبرالية، ودولةٍ أوروبية، وحليفٍ للغرب بصورة أو بأخرى، وهذه بالطبع أمورٌ تلاشى أثرها بشكل كامل اليوم. إذ دعم إدوارد شيفردنادزه، وزير خارجية الاتحاد السوفيتي في أيامه الأخيرة، حرب الولايات المتحدة على العراق عام 1990-1991. في حين كان أندري كوزيريف، أول وزير خارجية لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ليبرالياً متحمساً وداعياً لتجاوز القوميات ومؤيداً قوياً لحقوق الإنسان.

لماذا خسرت الولايات المتحدة روسيا؟ هذا سؤال تحتاج إجابته إلى مقالٍ آخر. ولكن تجدر بنا الإشارة هنا إلى أنَّ واشنطن لم تأخذ مخاوف روسيا الأمنية على محمل الجد مُطلقاً، رغم أنَّها منحت موسكو بعض الاحترام والتقدير في صورة توسعة مجموعة الدول السبع إلى مجموعة الدول الثمانية مثلاً.

إذ قامت بتوسعة حلف الناتو بسرعة وحِدَّة في عمليةٍ كانت تُعتبر ضروريةً لدولٍ مثل بولندا، وهي دولٌ غير آمنة منذ زمن وتتعرَّض لتهديدات من روسيا، ولكن الولايات المتحدة فعلت ذلك دون أي اهتمام بحساسيات روسيا لدرجة أنَّها تعمل الآن على توسعة حلف الناتو ليشمل مقدونيا.

واليوم، تبدو جميع الخطوات التي تُتخذ ضد روسيا «مفهومةً ومبررة»، بسبب السلوك العدواني لرئيسها الحالي فلاديمير بوتين، ولكن علينا أن نسأل عن ماهية قوى التي أدَّت إلى صعود بوتين وسياسته الخارجية في المقام الأول. ولا شك أنَّ تلك القوى كانت داخل روسيا في المقام الأول، ولكن التصرفات الأمريكية بدت وكأنَّها سببٌ في الضرر، إذ ساعدت في صعود قوى الانتقام والنزعات القومية الموتورة داخل روسيا.

ويُعَدُّ توقُّف الولايات المتحدة عن الالتفات للدول الأخرى في لحظة القطب الأوحد، بمثابة أكبر خطأ اقترفته مع روسيا وغيرها من الدول. إذ كان الأمريكيون يرغبون في العودة إلى الالتفات لشؤون بلادهم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد فعلوا ذلك بالفعل.

الهيمنة الخاوية
إذ ظلَّت الولايات المتحدة تُولي اهتماماً عميقاً للأحداث في أمريكا الوسطى، وجنوب شرق آسيا، ومضيق تايوان، وحتى في أنغولا وناميبيا، إبان الحرب الباردة، ولكن بحلول منتصف التسعينيات فقدت واشنطن اهتمامها بالعالم.

وانخفضت أوقات البث للمكاتب الخارجية في شبكة NBC من 1013 دقيقة في عام 1988، إلى 327 دقيقة في عام 1996. واليوم، تُخصِّص الشبكات الرئيسية الثلاث مُجتمعةً نفس الوقت الذي كانت تُخصِّصه كل شبكةٍ على حدة للقصص الإخبارية الواردة من المكاتب الخارجية في عام 1988.

وفقد البيت الأبيض والكونغرس شهيته لبذل جهود طموحة تُحدِثُ تحوُّلاً داخل روسيا إبان حكم إدارة بوش الابن، ناهيك عن الاهتمام بطرح نسخةٍ جديدة من مشروع مارشال، أو الانخراط بشكلٍ أعمق في شؤون البلاد.

وتعثر صُنَّاع القرار الأمريكيين وارتجلوا في أوج الأزمات الاقتصادية الخارجية التي ظهرت خلال عهد إدارة كلينتون، لعلمهم أنَّ الكونغرس لن يُخصِّص أيّ أموال لإغاثة المكسيك أو تايلاند أو إندونيسيا. ولم يُقدِّموا سوى النصائح التي لم تتطلب عادةً سوى مساعدةٍ بسيطة من جانب واشنطن، وكان سلوكهم أقرب ما يكون لشخصٍ يتمنى الخير من بعيد، وليس سلوك قوةٍ عظمى لها رأيٌ في الأحداث العالمية.

وكانت الولايات المتحدة تُريد إحداث تحوُّلٍ في العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى. وبدا ذلك ممكناً أكثر من أي وقتٍ مضى في التسعينيات. إذ كانت جميع الدول حول العالم تتحوَّل إلى الاتجاه الأمريكي، وبدت حرب الخليج وكأنَّها علامةٌ فارقة في النظام العالمي، لأنَّها اندلعت من أجل الحفاظ على «الأعراف الإقليمية» من وجهة نظر واشنطن، وكان نطاقها محدوداً، وحظيت بموافقة القوى الرئيسية، واكتسبت شرعيةً بحكم القانون الدولي.

ولكن الولايات المتحدة فقدت الاهتمام في أوج كل هذه التطورات الإيجابية. واحتفظ صُنَّاع السياسات الأمريكيين بالرغبة في إحداث تحوُّل عالمي، ولكن دون أن يتكبَّدوا كُلفة الأمر. ولم يكن لديهم ما يلزم من الموارد، أو رأس المال السياسي، لينخرطوا في الأمر بجدية. ويُعَدُّ هذا الأمر أحد الأسباب التي تدفع واشنطن إلى توجيه النصيحة ذاتها إلى الدول الأجنبية: العلاج بالصدمة الاقتصادية، وإحلال الديمقراطية فوراً.

ورفضت واشنطن أيَّ شيءٍ آخر أبطأ وتيرة، أو أكثر تعقيداً، أو يُشبه الطريقة التي تحوَّل بها الغرب نفسه إلى الاقتصاد الليبرالي والديمقراطية السياسية. وكان التكتيك الأمريكي المُتَّبع عند مواجهة التحديات، قبل أحداث الـ11 من سبتمبر/أيلول، هو المواجهة من بعيد بموجب المنهج المزدوج المتمثل في فرض عقوبات اقتصادية وتوجيه الضربات الجوية القوية والدقيقة.

ولا شكَّ في أنَّ الخطاب الأمريكي لم يتغير بفعل القيود المفروضة على استعداد الولايات المتحدة لتكبُّد النفقات وتحمُّل الأعباء. لذا أشرتُ في مقالٍ، كتبته لصحيفة New York Times الأمريكية عام 1998، إلى أنَّ السياسة الخارجية الأمريكية تتَّسم بـ «أقوالٍ تدعو إلى إحداث التحول، وأفعالٍ تدعو إلى التأقلُم»، وهو ما أسفر عن «هيمنةٍ خاوية»، واستمرَّ طابع الخواء منذ ذلك الحين.

صعود ترامب.. الضربة القاضية للنفوذ الأمريكي
كان صعود الرئيس الأمريكي الشعبوي دونالد ترامب بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للنفوذ الأمريكي/ رويترز
كان صعود الرئيس الأمريكي الشعبوي دونالد ترامب بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للنفوذ الأمريكي/ رويترز
زادت إدارة ترامب طابع الخواء الذي سيطر على السياسة الخارجية الأمريكية. ويميل ترامب بطبيعته إلى أسلوب تفكير الرئيس الأمريكي الأسبق أندرو جاكسون، من حيث إنَّه لا يهتم بما يحدث في العالم إجمالاً، لكنَّه يعتقد أنَّ معظم الدول تحاول إلحاق الأذى بالولايات المتحدة.

وترامب رجلٌ قومي، وحمائي، وشعبوي، يُصِرُّ على وضع «أمريكا أولاً»، لكن الوصف الذي ينطبق عليه أكثر من أيّ شيء آخر هو أنَّه «غادر الساحة الدولية بالكامل». إذ انسحبت الولايات المتحدة من اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، ومن المشاركة مع آسيا عموماً، في ظل إدارة ترامب.

إلى جانب انفصالها عن شراكتها الممتدة مع أوروبا منذ 70 عاماً. فضلاً عن تعاملها مع أمريكا اللاتينية في نطاقٍ يقتصر على منع دخول المهاجرين، أو كسب الأصوات بولاية فلوريدا، لدرجة أنَّها نجحت في مجافاة الكنديين، وهو أمرٌ لو تعلمون عظيم، وفوَّضت أمر سياسات الشرق الأوسط إلى إسرائيل والسعودية. والأمر الأكثر وضوحاً في السياسة الخارجية لترامب هو «غيابها»، مع بعض الاستثناءات المُندفعة التي تتمثَّل في رغبته النرجسية في الفوز بجائزة نوبل، من خلال محاولة عقد معاهدة سلام مع كوريا الشمالية.

وتآكلت هيمنة المملكة المتحدة بفعل عديد من القوى الهيكلية، حين كانت القوة العظمى في زمانها، مثل صعود ألمانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. غير أنَّها فقدت السيطرة على الإمبراطورية البريطانية أيضاً، بسبب غطرستها وتوسُّعاتها الإمبريالية.

ولم تكن غالبية المستعمرات البريطانية في أوائل القرن العشرين، حين كان ربع سكان العالم تحت الحكم البريطاني، تُطالب بشيءٍ سوى الاستقلال المحدود -أي «حالة الدومينيون» أو «الحُكم الذاتي» بعبارات اليوم. وربما كانت المملكة المتحدة ستنجح في تمديد عمرها الإمبريالي عقوداً مُقبلة، في حال منحت تلك المستعمرات ما طلبته سريعاً. لكنَّها لم تفعل ذلك، وأصرَّت على مصالحها الضيقة والأنانية، بدلاً من التأقُلم مع «مصالح الإمبراطورية» الأوسع.

وتتشابه الحالة السابقة مع حالة الولايات المتحدة. فلو كانت واشنطن قد تصرَّفت بشكلٍ أكثر بالتوافق مع سعيها لتحقيق المصالح والأفكار الأوسع، لكان نفوذها قد استمر عقوداً (وإن كان ذلك بصورةٍ مختلفة).

الخلاصة
يقول فريد زكريا إن قاعدة توسيع الهيمنة الليبرالية تبدو بسيطة: كُن أكثر ليبرالية، وأقلَّ هيمنة. غير أنَّ واشنطن سعت وبشكل واضح لتحقيق مصالحها الضيقة، وهو ما باعد بين واشنطن وحلفائها، وزاد جرأة أعدائها. ولكن نهاية حقبة الهيمنة الأمريكية تختلف عن المملكة المتحدة، إذ ليست الولايات المتحدة مُفلسةً ولا مُفرطةً في التوسُّع الإمبريالي. وهي لا تزال الدولة الأقوى في العالم، وربما ستظل مُحتفظةً بنفوذٍ أكبر من أي دولةٍ أخرى، ولكنَّها لن تُحدِّد شكل النظام العالمي أو تُهيمن عليه كما كانت تفعل ما يقرب من ثلاثة عقود.

ولن يبقى من تلك الحقبة سوى الأفكار الأمريكية، إذ كانت الولايات المتحدة دولةً ذات هيمنةٍ فريدةٍ من نوعها، حيث وسَّعت نفوذها لإنشاء النظام العالمي الجديد الذي كان يحلم به الرئيس وودرو ويلسون، وبدأ تحقيقه على يد الرئيس فرانكلين روزفلت. وهو عالَمٌ خُلِقَ نصفه بعد عام 1945، ويُطلقُ عليه أحياناً «النظام العالمي الليبرالي»، وانشقَّ عنه الاتحاد السوفييتي ليبني عالمه الخاص.

غير أنَّ «العالَم الحُرَّ» صمد أمام الحرب الباردة، وتوسَّع بعد عام 1991 ليشمل معظم أرجاء العالم. وأسفرت أفكاره الخاصة عن «استقرارٍ ورخاء» دام على مدار ثلاثة أرباع قرن. والسؤال الآن هو: هل سينجو النظام العالمي الذي رعته الولايات المتحدة رغم أفول نجم النفوذ الأمريكي؟ أم أنَّ الولايات المتحدة ستشهد هي الأخرى تراجع إمبراطورية الأفكار الخاصة بها؟

المصدر:وكالات

معسكرات الذل والعار.. أمريكا تحتجز المهاجرين بأقفاص بعيداً عن أعين العالم

معلومات صادمة نشرتها صحيفة The Guardian البريطانية، عمَّا يحدث في مراكز احتجاز مخصصة للمهاجرين غير الشرعيين، أقامتها الحكومة الأمريكية على حدودها الجنوبية، واصفة ما يحدث بأنه أمر «بغيض من الناحية الأخلاقية».

مراكز الذل والعار
وكشفت صحيفة الغارديان، عن ممارسات مهينة ومخالفة لحقوق الإنسان، تمارس بحق المهاجرين، وذلك من خلال وضعهم داخل أقفاص ضيقة، لا يستطيع فيها اللاجئ الحركة، مما يُجبره على الوقوف فيها لمدة أشهر أحياناً.

وقالت الصحيفة إن اللاجئين الكبار يرتدون نفس الملابس لمدة أسابيع، في حين أن الأطفال لا تتوفر لديهم مرافق للاغتسال، وينامون على أرض إسمنتية عارية.

أمّا الأطفال فيفتقدون لأبسط أدواتهم، فيتم تقديم الطعام لهم من خلال زجاجات غير نظيفة، بسبب عدم إمكانية تنظيفها، أما الرُّضع في عمر الأربعة أشهر فيتم فصل بعضهم عن آبائهم، ولا يعودون إليهم مُطلقاً.

وكانت عضوة الكونغرس الديمقراطية أليكساندريا أوتشاسيو كورتيز قد أثارت جدلاً كبيراً عندما ندَّدت بتلك المراكز، واصفةً إيّاها بما يُعرف بـ «معسكرات التركيز»، المرتبط اسمها بالنازية، ووصفت بأنها معسكرات الموت.

وُجِّهت عدة انتقادات لعضوة الكونغرس، واعتبروا وصفها بأنه إهانة لذكرى الذين قُتلوا في معسكرات الموت النازية، فيما ردَّ العديد من المؤرخين على هذا النقد بالإشارة إلى أن معسكرات التركيز كانت تسبق النازية.

ما هي إذاً حقيقة كلِّ من معسكرات التركيز ومراكز احتجاز المهاجرين؟
ترجع أصول معسكر التركيز إلى محاولة القوى الأوروبية قمعَ نضالات السعي إلى الحرية في مستعمراتها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ ففي عام 1896، انتهجت إسبانيا -التي كانت تواجه حركة الاستقلال في كوبا- سياسة التركيز، التي بموجبها نُقِلَ مئات الآلاف من المدنيين قسراً إلى معسكرات مُحاطة بالأسلاك الشائكة. وكان المغزى من هذا الأمر هو إضعاف المتمردين بجعل المدنيين يعانون.

بريطانيا اتَّبعت نفس الأسلوب، فنقلت أثناء حرب البوير في جنوب إفريقيا، أكثر من 200 ألف مدني، إلى ما أَطلق عليه ديفيد لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك «معسكرات التركيز».

توفّي واحد من بين 10 من أفراد جماعة البوير هناك. وفي المستعمرة المجاورة بجنوب غرب إفريقيا، التي صارت الآن دولة ناميبيا، اتبعت ألمانيا نظام ترحيل أكثر وحشية أبادت من خلاله عِرق الهيريرو تقريباً.

خلال الحرب العالمية الأولى، برز شكل جديد من أشكال الاعتقال الجماعي، وهو معسكرات احتجاز «الأجانب الأعداء»، وهؤلاء هم المدنيون الذين لم يرتكبوا أي جريمة، ولكن أصولهم تعود إلى دولة العدو.

ودشَّنت الحكومة الأمريكية أسوأ هذه المُخيّمات سمعة لتدريب الأمريكيين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية.

إعادة إحياء معسكرات التركيز
في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ظهرت نسخ أكثر وحشية من معسكرات التركيز، لكنها لا تستهدف نقل المقاتلين الأجانب أو الأجانب الأعداء إليها، بل هي مخصصة لمواطني الأمة لمعاقبتهم، و إبادتهم في نهاية المطاف.

أما اليوم، فيُعدُّ الاحتجاز الجماعي الذي تفرضه الصين على أكثر من مليون مسلم من الإيغور أحدث مثال على سياسة الترحيل هذه.

قد تكون معسكرات الموت النازية أشدَّ وأعنف وأقسى من معسكرات احتجاز اللاجئين، إلا أن ما يتم ممارسته بحقِّ المهاجرين يدفعنا للمقاربة بينهما، فسجن الآلاف من المدنيين دون محاكمة لفترات غير محددة، وفي ظروف غير إنسانية، كافٍ لتشبيهها بمعسكرات التركيز.

آلية جديدة بعيدة عن القانون
وترى الصحيفة البريطانية أن مراكز احتجاز المهاجرين هي آلية قسرية وعسكرية جديدة، تحاول من خلالها الدول -لا سيّما الدول الغنية والقوية- فرض سيطرتها على حركة الناس.

فالاتحاد الأوروبي أيضاً، قام بإنفاق مبالغ ضخمة من المال على البلدان في جميع أنحاء إفريقيا والشرق الأوسط، وذلك مقابل قيام الدول والميليشيات والعصابات الإجرامية بحبس عشرات الآلاف من المهاجرين المحتملين، أو الذين يُعتقد أنهم سيكونون مهاجرين، قبل وصولهم إلى شاطئ البحر المتوسط.

وكانت الحدود الحدود الجنوبية لأوروبا، وشمال إفريقيا، التي تمثِّل حدود أوروبا الجنوبية بالنسبة للاتحاد الأوروبي مسرحاً لمثل هذه الممارسات.

الخلاصة: هذه المعسكرات الحدودية الأمريكية هي أماكن مزرية ومُهينة، والسجون التي يمولها الاتحاد الأوروبي أماكن للرعب الحقيقي، حيث ينتشر فيها الاعتداء الجنسي والتعذيب، وتُدرك الحكومات الأوروبية تلك الظروف، ومع ذلك، فإنَّ هذه السجون تبقى بعيدة بما يكفي لتنصّل البلدان الأوروبية من أي مسؤولية يحملونها حيال تلك الظروف.

لا يزال الأمريكيون ينكرون وجودَ مثل هذا السجن، أمّا الأوروبيون فإنهم يديرون ظهورهم، بحجة أنه الثمن الذي يستحق دفعه مقابل «حماية» أوروبا.

Exit mobile version