نجحت العديد من جماعات الضغط في تحقيق مصالحها وتحقيق مصالحها في واشنطن، وتمكنت من تغيير سياسة الولايات المتحدة تجاه دولها، بما يعزز دور هذه الجماعات، وكان من أبرزها اللوبي الروسي.
فقد عرقل اللوبي الروسي في واشنطن أية عقوبات فعالة على الكرملين على مدار عقود، رغم قيام بوتين بالعديد من “المغامرات” خارج حدود بلاده، بما فيها ضم القرم وأقاليم انفصالية في مناطق كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي من قبل.
وعلى مدار القرن الحادي والعشرين، استخدم الكرملين مراراً شركات تديرها الدولة الروسية وشركات أخرى مرتبطة به، لتخفيف التداعيات التي قد تنجم عن مغامرات روسيا الخارجية، وتجنيب الكيانات الروسية أية عقوبات أمريكية شديدة الوطأة، غير أن العقوبات الأمريكية المفروضة الآن على الحكومة الروسية والشركات المرتبطة بالكرملين جعلت الإنفاق الروسي المعتاد غير ممكن.
وفي هذا السياق، غيَّرت جماعات الضغط الروسية أهدافها من حشد الضغوط في أروقة السياسة الأمريكية إلى التحايل من أجل التخفيف من حدة انهيار العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا. ومع ذلك، فإن الحال لم تكن كذلك دائماً، فقد كان للحكومة الروسية والشركات المرتبطة بالكرملين نفوذ كبير في الولايات المتحدة قبل غزو روسيا لأوكرانيا، حسب الموقع الأمريكي.
هكذا عمل بفاعلية خلال الهجوم الروسي على جورجيا
كان الغزو الروسي لجورجيا عام 2008 مرحلة انطلاق بارزة في مسار الضغط السياسي المعتمد على إنفاق الأموال ببذخ، فقد لامت واشنطن روسيا وقتها على الحرب التي استمرت 5 أيام، وطالب سياسيون أمريكيون بارزون، مثل السيناتور الراحل جون ماكين، الإدارة الأمريكية بمعاقبة روسيا على عدوانها.
لما طُرحت العقوبات وانعقد العزم الأمريكي على إقرارها، ضاعفت روسيا تقريباً إنفاقها على جماعات الضغط السياسي، وكشفت السجلات القانونية لتسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة عن إبلاغ شركات العلاقات العامة التي تتلقى الأموال من روسيا عن زيادة في الإنفاق الروسي من 5 ملايين دولار في عام 2007، قبل غزو جورجيا، إلى أكثر من 9 ملايين دولار في عام 2009.
بذلت شركة العلاقات العامة “كيتشوم” Ketchum جهوداً كبيرة للانقلاب على رواية الغزو الروسي لجورجيا، بل إلقاء اللوم على الأخيرة في اندلاع الصراع. ويسَّرت الشركة عقد مقابلات بين صحيفة The New York Times الأمريكية ومسؤولين عسكريين روس، ووزَّعت ملاحظات موجزة عن الحرب من وجهة النظر الروسية على صحيفة The Washington Post، ونظَّمت مقابلة لشبكة CNN مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه.
ثم استأجرت الحكومة الروسية في أوائل عام 2009 شركة علاقات عامة أخرى، هي شركة Alston & Bird، ودلَّ ذلك على حجم الإنفاق الكبير الذي باتت تخصصه روسيا لهذه الشركات في خدمة مصالحها وتحسين صورتها.
حققت حملة إعادة الاعتبار الروسية نجاحاً كبيراً، واستطاع الكرملين الصمود في وجه العاصفة التي تسبب فيها الغزو الروسي لجورجيا. ولم تفعل إدارة جورج دبليو بوش سوى القليل لمعاقبة بوتين على عدوانه، ثم جاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ولم يكن الشأن الروسي على صدارة اهتمامه.
ولكن ضم القرم أضعف النفوذ الروسي في واشنطن، فعادت روسيا إلى قائمة العقوبات الأمريكية بعد ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014، وانضم أوباما إلى منتقدي روسيا، وقلَّ تسامح واشنطن مع روسيا عما كانت عليه الأمور في أعقاب الحرب على جورجيا، الأمر الذي أضعف تأثير اللوبي الروسي في واشنطن.
لما شعرت روسيا بوقوعها في حالة المنبوذة سياسياً في العاصمة الأمريكية، ردَّت الحكومة الروسية بوقف حملات العلاقات العامة، وقطع الكرملين علاقاته مع شركة كيتشوم، وعلَّل ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم بوتين، الأمرَ في ذلك الوقت بالقول: “قررنا عدم تجديد العقد مع شركة كيتشوم بسبب هوس العداء لروسيا، وحرب المعلومات الجارية علينا”.
ولكن هذا لم يعنِ على الإطلاق نهاية دور اللوبي الروسي في واشنطن، فعلى الرغم من أن الحكومة الروسية قررت عدم الإنفاق مباشرة على جماعات الضغط في واشنطن، فإن شركات مرتبطة بالكرملين والحكومة الروسية عملت على مقاومة العقوبات الأمريكية بإنفاق الملايين من أجل تعزيز نفوذها في السياسة الأمريكية.
وفي سياق المحاولات الروسية للتخفيف من حدة تداعيات غزو أوكرانيا عام 2014؛ سجَّل أكثر من 10 نواب سابقين في الكونغرس، وموظفون بالكونغرس، ومسؤولون رفيعو المستوى، أسماءهم ضمن قوائم الضغط السياسي نيابةً عن بنوك مرتبطة بالكرملين، ونخب روسية، وشركات الغاز الروسية المسؤولة عن خط “نورد ستريم 2″، وفقاً لما كشفت عنه دراسة حديثة أجراها معهد كوينسي الأمريكي.
ونجحت روسيا في تخفيف العقوبات الأمريكية إلى أن وقعت أزمة أوكرانيا الأخيرة.