أخبار من أمريكاتحليلات سياسيةعاجل
تحليل: الرؤية الاستراتيجية لمستقبل أمريكا والنظام الدولي (2025 – 2035)


خاص: رؤية نيوز
تمثل عودة الرئيس دونالد ترامب للحكم (بعد فترته الأولى من 2017 – 2021) مرحلة تغيّر واضحة في السياسة الأمريكية سواء في الداخل أو على الساحة الدولية.
وتشير الأحداث الحالية في أمريكا إلى تحول جذري في النموذج الأمريكي تحت قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يسعى لتقويض استقلالية المؤسسات الفيدرالية وتعزيز سلطته بشكل استبدادي، وتتزايد المخاوف من تأثير هذه السياسات على الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما ينذر بتغيرات جذرية في المجتمع الأمريكي.

المحور الأول: الداخل الأمريكي “دولة منقسمة لكنها لا تنهار”
الاتجاه العام: عودة تيار قومي برئاسة ترامب أو من يشبهه ستعيد التركيز على “أمريكا أولًا”، ما يؤدي إلى:
- استمرار “الاستقطاب الأيديولوجي” بين التيارين الليبرالي والمحافظ.
- تقليص الإنفاق الفيدرالي في البرامج الاجتماعية مقابل تعزيز القطاعات الأمنية والاقتصادية المحلية.
- مع صعود دور الولايات (كالجنوب والغرب الأوسط) في تقرير السياسات؛ استمرار “تآكل الثقة في المؤسسات“.
- احتمالات تصاعد “النزاع القانوني والسياسي حول صلاحيات الرئيس“.
- اتحاد سياسي هشّ، لكنه مرن اقتصاديًا وعسكريًا بما يكفي للبقاء.
وفيما يلي أبرز هذه التغيرات في السياسة الأمريكية تحت ترامب: على الصعيد الداخلي
- 1. سياسة “أمريكا أولًا”
ركّز ترامب على حماية المصالح الأمريكية قبل أي اعتبار دولي، ما أدّى إلى إعادة تعريف أدوار أمريكا في الاقتصاد والسياسة العالمية.
فما حدث في تلك المرحلة لم يكن مجرد تغييرات سياسية، بل كان زلزالًا اجتماعيًا وثقافيًا أعاد تشكيل الهوية الأمريكية من الداخل؛ وهو الأمر الذي يمكن تفصيله على ثلاث محاور مترابطة:
- تفكك الهوية الأمريكية المشتركة
منذ تأسيس الولايات المتحدة، كانت هناك فكرة مركزية تُعرف بـ “الحلم الأمريكي”؛ والتي تعني بأن أي شخص، مهما كان أصله، يمكن أن ينجح بالعمل الجاد ضمن نظام عادل.
لكن في عهد ترامب، بدأت هذه الفكرة تتآكل بشكل واضح:
- فجرى استدعاء خطاب الهوية البيضاء المحافظة بصورة غير مسبوقة منذ الخمسينات.
- مُنح اليمين المسيحي الإنجيلي نفوذًا مباشرًا في السياسة، حتى بات يُنظر إلى أمريكا وكأنها “بلد للبيض المحافظين” أكثر مما هي “أمة متنوعة”.
- تفاقمت الفجوة العرقية مع ارتفاع خطاب الكراهية والعنف ضد السود، واللاتينيين، والمسلمين.
لتصبح النتيجة في نهاية الأمر؛ لم يعد “الأمريكي” هو هوية جامعة، بل أصبح محمولًا سياسيًا ونزاعيًا.
- تآكل الثقة في المؤسسات والديمقراطية
ترامب لم يهاجم خصومه السياسيين فقط — بل هاجم أسس النظام نفسه:
- فقد وصف القضاء بأنه “منحاز”، وأجهزة الاستخبارات بأنها “عميقة ومتآمرة”، والانتخابات بأنها “مزورة”.
- هذه اللغة كسرت الثقة بين المواطن والدولة، ما يجعل شرائح واسعة تشك اليوم في نتائج أي انتخابات.
- حركة اقتحام الكونغرس في 6 يناير 2021 كانت تجسيدًا مأساويًا لهذا الانهيار في احترام المؤسسات.
لتصبح النتيجة في نهاية الأمر؛ للمرة الأولى منذ الحرب الأهلية، ينقسم المجتمع حول شرعية النظام الديمقراطي ذاته.
- ازدياد الاستقطاب الطبقي والإعلامي
- ارتبط صعود ترامب بالطبقة العاملة البيضاء التي تشعر بالتهميش أمام العولمة.
- في المقابل، الطبقات الوسطى والعليا في المدن الكبرى دعمت الديمقراطيين بشدة.
- لعب الإعلام دورًا حاسمًا في تأجيج الانقسام، حيث أصبحت القنوات (مثل Fox News وCNN) تمثل معسكرات فكرية متقابلة لا جسور بينها.
لتصبح النتيجة في نهاية الأمر؛ لم تعد أمريكا تشهد نقاشًا عامًّا موحدًا، بل فقاعات رقمية مغلقة لكل فئة اجتماعية تعيش كل منها في عالمها المعلوماتي الخاص.
خلاصة الأمر
الولايات المتحدة بعد ترامب أصبحت أشبه بديمقراطية هشة منقسمة على ذاتها؛ فيشعر اليمين أنه “استعاد أمريكا من العولمة“، ويشعر اليسار أن “ترامب دمّر روحها الأخلاقية“.
بمعنى آخر، الصراع لم يعد بين حزبين، بل بين رؤيتين متناقضتين للأمة نفسها. وحتى اليوم، ما زال هذا الشرخ يؤثر على كل جوانب الحياة الأمريكية: من التعليم وحتى الأمن والسياسة الخارجية.
- التقليص من دور الدولة الفيدرالية
قلّص الإنفاق الحكومي في مجالات البيئة والرعاية الاجتماعية والتعليم، مقابل إعطاء الشركات الكبرى حرية أكبر، ما أدى إلى نمو اقتصادي قصير الأمد، لكنه عمّق الفوارق الطبقية.
ويعد تأثير ترامب على المؤسسات الفيدرالية الأمريكية هو في الواقع أحد أعمق التحولات في التاريخ السياسي الحديث للولايات المتحدة — تأثير لا يقتصر على القرارات، بل يطال الروح المؤسسية نفسها التي قامت عليها الدولة منذ تأسيسها، ويمكن تحليل ذلك بوضوح عبر أربع مستويات مترابطة:
- إضعاف استقلالية المؤسسات لصالح الولاء الشخصي
لم يتصرف ترامب كرئيس إداري تقليدي، بل كرجل أعمال يدير شركة بها موظفون يجب أن يكونوا موالين له شخصيًا.
- فهاجم مؤسسات أميركية مستقلة مثل وزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) زاعمًا أنها “دولة عميقة” تعمل ضده.
- استبدل عدداً من كبار الموظفين والمسؤولين المهنيين بموالين سياسيين، حتى في مجالات حساسة مثل القضاء والعدل.
- مارس ضغوطًا على المدعين العامين والقضاة لتوجيه القضايا أو إسقاطها بما يخدم مصالحه أو مصالح حلفائه.
- لينتج عن ذلك تراجع الثقة باستقلال القضاء والعدالة — أحد أعمدة النظام الفيدرالي.
- تسييس البيروقراطية الفيدرالية

كان التقليد الأمريكي منذ عقود يقوم على وجود “خدمة مدنية محايدة” — أي مؤسسات تعمل بغضّ النظر عن الحزب الحاكم، لكن ترامب غيّر هذا التوازن:
- ففرض تعديلات تسمح للرئيس بطرد الموظفين الدائمين بدعوى عدم الولاء.
- حوّل المناصب الإدارية إلى أدوات سياسية تُكافئ الولاء الشخصي لا الكفاءة.
- حتى في إدارة الأزمات (مثل “كوفيد-19”)، جرى تسييس الأجهزة الصحية والعلمية (CDC، FDA)، مما أضعف مصداقيتها العلمية.
- ليؤثر ذلك على المدى طويل في تحول العلاقة بين الدولة والمجتمع من “ثقة مؤسسية” إلى “ولاء شخصي وزعامي”.
- ضرب التوازن بين السلطات الثلاث
النظام الأميركي قائم على مبدأ أساسي: فصل السلطات – Checks and Balances – لكن ترامب:
- تمرد على رقابة الكونغرس مرارًا، ورفض التعاون مع لجان التحقيق.
- تجاوز قرارات المحاكم أو تهكّم على قضاتها.
- أصدر أوامر تنفيذية لتوجيه سياسات خارجية وداخلية دون المرور بالإجراءات التشريعية التقليدية.
وهكذا أعاد إنتاج نمط “الرئيس التنفيذي المُطلق” الذي يجعل السلطة التنفيذية تطغى على التشريعية والقضائية.
- تهشيم ثقة الجمهور بالمؤسسات
ربما كان هذا التأثير الأخطر على المدى الطويل:
- فرسّخ ترامب لدى مؤيديه قناعة بأن المؤسسات “فاسدة” أو “متآمرة” ضد “الشعب الحقيقي”.
- هاجم الإعلام والمحاكم والبيروقراطية بوصفها “أعداء الأمة”.
- بعد انتخابات 2020، نشر رواية “الانتخابات المسروقة”، ما أضعف إيمان ملايين الأمريكيين بشرعية المؤسسات الانتخابية نفسها.
- وهذا جعل أمريكا تدخل عصرًا يُسمّى اليوم في علم السياسة بـ “الأزمة المؤسسية للديمقراطيات الليبرالية”.
الخلاصة: ترامب لم يُغيّر القوانين الأمريكية بقدر ما غيّر ثقافة النظام السياسي؛ فقبل ترامب، كان الرئيس موظفًا كبيرًا في مؤسسات الدولة. أما بعد ترامب، صار الرئيس نفسه مؤسسة موازية — تتحدى البيروقراطية، وتعيد تشكيلها وفق رؤيته الخاصة.
بمعنى آخر: لقد شقّ شرخًا بين الدولة والرئاسة، سيحتاج النظام الأمريكي إلى سنوات طويلة ليتعافى منه.
كما يوجد عدد من العناصر الأخرى التي لا يمكن إغفالها لتنضم إلى زعزعة الهوية الأمريكية والتقليص من دور الدولة الفيدرالية، تدخله في ملفات تتعلق بالهجرة
المحور الثاني: النظام الدولي — إنهاء مرحلة “التفوق الأمريكي الأحادي”
نظرة عامة
أولًا: الصين؛ خصم اقتصادي وتكنولوجي لا عسكري
- إدارة شعبوية جديدة ستواصل “سياسة الردع الاقتصادي” عبر العقوبات والحروب التجارية.
- لكن واشنطن ستتجنب مواجهة عسكرية مباشرة وستعتمد بدلاً من ذلك على:
- “تحالف التكنولوجيا الغربي” المتمثل في؛ (أمريكا + الاتحاد الأوروبي + اليابان + الهند).
- عزل الصين في سلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة (الرقائق، الذكاء الصناعي، الطاقة الخضراء).
- “توقع”: مع حلول 2030؛ تتفوق الصين على أمريكا في الناتج المحلي الإجمالي الفعلي، لكنها تبقى أقل قدرة عسكريًا ودبلوماسيًا على فرض نموذج عالمي.
ثانيًا: روسيا؛ الخصم الجيوسياسي المستمر
- تستمر حالة “الصراع البارد”: لا حرب شاملة، لكن لا تسوية واقعية.
- واشنطن الشعبوية قد تقلل دعم أوروبا لأوكرانيا بدافع الكلفة المالية.
- روسيا ستستغل ذلك لتعزيز نفوذها في أوراسيا والشرق الأوسط، مستفيدة من رغبة أمريكا في الانسحاب من التزاماتها الخارجية.
- “النتيجة”: إنهاء الدور الأمريكي كـ”قوة الضامن للأمن الأوروبي”، وولادة أوروبا جديدة تسعى لاستقلال دفاعي كامل عن واشنطن.

تفصيلًا على الصعيد الخارجي
- انسحاب من الاتفاقيات الدولية
- انسحب من اتفاق باريس للمناخ.
- انسحب من الاتفاق النووي مع إيران.
- قلّص مساهمة أمريكا في منظمات مثل WHO (منظمة الصحة العالمية).
- إعادة تشكيل التحالفات الدولية
ضغط على حلفاء الناتو لزيادة إنفاقهم العسكري، وأظهر تودّدًا غير مألوف لروسيا وكوريا الشمالية.
- التقارب مع إسرائيل
نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعتبرها “عاصمة إسرائيل”، وهو قرار غيّر جذريًا الموقف الأمريكي التقليدي من القضية الفلسطينية.
- الصراع التجاري مع الصين
فرض رسوم جمركية واسعة، ما فتح ما يُعرف بـ “الحرب التجارية” بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم.
ثالثًا: التحول في “النموذج الأمريكي”
يمكن القول إن ترامب مثّل نقطة انعطاف في مسار الديمقراطية الأمريكية:
- فنقل الولايات المتحدة من نموذج “القيادة العالمية والنظام الليبرالي” إلى نموذج قومـي انعزالي براغماتي.
- رسّخ شخصنة السياسة وجعلها تتمحور حول الزعيم لا المؤسسات.
- كشف هشاشة النظام الديموقراطي الأمريكي أمام النزعات الشعبوية.
ما يحدث في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب لم يكن منفصلًا عن انقسامات المجتمع الأمريكي، بل كان انعكاسًا مباشرًا لها؛ وفيما يلي توضيح شامل لكيف أثّر الانقسام الداخلي على سياسة أمريكا الخارجية
- من “القيادة العالمية” إلى “الصفقة الوطنية”
قبل ترامب، كانت أمريكا ترى نفسها زعيمة النظام العالمي الليبرالي، تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتجارة الحرة. لكن مع خطاب “أمريكا أولًا”، تغيّر المنطق تمامًا:
- فأصبح كل تحالف أو معاهدة يُقاس بالربح والخسارة المادية المباشرة، لا بالقيم أو المبادئ.
- تم التعامل مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين كـ شركاء تجاريين يمكن الضغط عليهم، لا كحلفاء استراتيجيين.
- وتمثلت النتيجة في تراجع الثقة بين أمريكا وحلفائها، خصوصًا في أوروبا.
هذا التحول يعكس عقلية الطبقات الأمريكية الغاضبة من “الحروب المكلفة والعولمة”، والتي ترى أن على أمريكا أن تنسحب إلى الداخل وتعتني بنفسها أولًا.
- تراجع الالتزام الدولي وتنامي “الانعزالية الجديدة”
- الانقسام الداخلي جعل واشنطن أقل قدرة على اتخاذ قرارات خارجية كبرى، حيث أصبح الشعب الأمريكي منقسمًا بشدة حول دور أمريكا في العالم: فهل يجب أن تكون شرطي العالم أم دولة عادية منشغلة بمشكلاتها؟
- استغل ترامب هذا الانقسام لتبرير انسحابه من اتفاقيات ومؤسسات دولية مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني.
- لتكون النتيجة أن العالم بدأ يرى أمريكا غير مستقرة سياسيًا، ويمكن أن تغيّر سياستها جذريًا كل أربع سنوات. (وهو ما جعل الصين وروسيا تملآن الفراغ بثقة أكبر.)
- تآكل “القوة الناعمة” الأمريكية
- كانت القوة الناعمة — أي الجذب الثقافي والقيمي — أحد أعمدة النفوذ الأمريكي، لكن الانقسام الداخلي والاضطرابات السياسية (مثل اقتحام الكونغرس، وانتهاكات الشرطة، ونظريات المؤامرة) جعلت صورة أمريكا تتدهور أمام العالم:
- فبدأت أوروبا تشك في النموذج الديمقراطي الأمريكي.
- كما استخدما الأنظمة السلطوية (كالصين وروسيا) هذه الانقسامات لتقول: “انظروا، الديمقراطية الأمريكية فاسدة مثل غيرها.”
- بكلمة واحدة، فقدت أمريكا هيبة قدوتها الأخلاقية.

- ازدواجية في المواقف الخارجية
انعكس الانقسام الداخلي في تناقض السياسات تجاه ملفات كبرى:
- تجاه الصين: يرى البعض فيها تهديدًا، والبعض الآخر يرى فيها شريكًا اقتصاديًا لا يمكن الاستغناء عنه.
- تجاه الشرق الأوسط: ذهبت إدارة ترامب نحو التطبيع والدعم المطلق لإسرائيل، لكن دون رؤية استراتيجية متماسكة.
- تجاه روسيا: ازدواجية واضحة بين خطاب المؤسسات وخطاب الرئيس نفسه.
كل ذلك جعل السياسة الخارجية الأمريكية تبدو شخصية ومتقلبة بدلًا من أن تكون مدروسة ومؤسساتية.
- الأثر النهائي: “قيادة بلا بوصلة”
بقيت الولايات المتحدة قوة عظمى عسكريًا واقتصاديًا، لكنها فقدت بعض “الرسالة” التي كانت تمنحها الشرعية العالمية، فالعالم صار يرى واشنطن منقسمة على نفسها — دولة تتصارع بين:
- تيار صاعد قومي شعبوي يريد الانسحاب من الالتزامات العالمية.
- وتيار ديمقراطي ليبرالي يريد إعادة بناء النظام الدولي وتعددية الأطراف.
- النتيجة: أمريكا اليوم تتحرك في الخارج وهي منشغلة بجراحها الداخلية.
ويتبلور السؤال هنا ليتمثل في؛ كيف استغلّت الصين وروسيا هذا الانقسام الأمريكي لتوسيع نفوذهما عالميًا؟ وما هو مستقبل أمريكا تحت قيادة هذه الإدارة:
أولًا: كيف استغلّت الصين وروسيا الانقسام الأمريكي؟
- الصين: صعود هادئ بثقة استراتيجية
تعاملت الصين بذكاء مع التراجع الأمريكي، فبينما كانت واشنطن غارقة في صراعاتها الداخلية، تحركت بكين بثلاث أوراق حاسمة:
- القيادة الاقتصادية والذكاء الصناعي: فاستثمرت الصين في البنية التحتية العالمية عبر مبادرة الحزام والطريق، وربطت أكثر من 140 دولة بشبكة مصالح اقتصادية تجعلها تعتمد عليها أكثر من واشنطن.
- الخطاب البديل: طرحت الصين نموذجًا يقول: “الاستقرار أهم من الديمقراطية”؛ ووجد هذا الخطاب صدًى في أفريقيا، الشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا.
- الصبر الاستراتيجي: تركت أمريكا تُستنزف سياسيًا في نزاعاتها بينما ركّزت الصين على التحول إلى القوة التكنولوجية العالمية الأولى.
النتيجة: الصين لم تنتصر عسكريًا، لكنها كسبت بالزمن والاتساق.
- روسيا: اللعب في الفراغات
استغلت روسيا بقيادة بوتين الانقسام الأمريكي بأسلوب مختلف:
- السيطرة السردية والإعلامية: حيث دعمت حملات رقمية لتأجيج الانقسام الأمريكي عبر وسائل التواصل (خاصة في انتخابات 2016 و2020).
- الرهان على ضعف الإرادة الأمريكية: فهاجمت أوكرانيا وهي تعلم أن المجتمع الأمريكي منقسم لدرجة تمنع استجابة موحدة.
- التحالف التكتيكي مع الصين وإيران: لتقييد النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
باختصار؛ تزرع روسيا الفوضى لتثبت قوتها، بينما الصين تبني النظام البديل بصمت.
ثانيًا: مستقبل أمريكا تحت هذه الإدارة
يرى الباحث أنه إذا استمرت أمريكا تحت إدارة ذات توجهات مشابهة لترامب (قومية، انعزالية، شعوبية)، فسينقسم المستقبل إلى ثلاث سيناريوهات محتملة:
- السيناريو الأول: “الانعزال الأمريكي الكامل” (احتمال متوسط)
- تتراجع واشنطن عن مسؤولياتها العالمية بشكل أكبر.
- تتحول الولايات المتحدة إلى “قوة قارية” تركّز على الداخل فقط.
- وهو ما يمنح الصين الهيمنة على آسيا، ويمنح روسيا السيطرة على محيطها الإقليمي.
هذا السيناريو يؤدي إلى نهاية النظام العالمي الأمريكي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
- السيناريو الثاني: “ازدواج السلطة الداخلية” (احتمال مرتفع)
- استمرار الانقسام الداخلي، وتصبح كل إدارة أمريكية التالية انعكاسًا لقسم من المجتمع فقط.
- فقدان السياسة الخارجية للاستمرارية: رئيس ينسحب، والآخر يعود للاتفاقات نفسها.
فتبقى أمريكا قوية عسكريًا واقتصاديًا، لكنها تفقد المصداقية الإستراتيجية.
- السيناريو الثالث: “الارتداد الإصلاحي” (احتمال ضعيف لكنه ممكن)
- قد تدفع الصدمات السياسية، وربما الأزمات الاقتصادية، النخب الأمريكية إلى إصلاح النظام الديمقراطي (مثلاً: ضبط الإعلام، تحسين العدالة الاجتماعية، إصلاح التعليم والثقة بالمؤسسات).
- هذا المسار يعيد أمريكا إلى قيادة أكثر عقلانية وتوازنًا.
ويعد هذا السيناريو “الطريق الصعب” لكنه الوحيد الذي يمكن أن يُعيد تعريف الحلم الأمريكي الحقيقي.
الخلاصة: أمريكا في مفترق التاريخ
أمريكا اليوم أمام خيار وجودي أشبه بما واجهته عام 1861 قبل الحرب الأهلية: فهل يمكن لأمة بهذا الحجم وهذا التنوع أن تبقى متحدة تحت ضغط الهويات والانقسامات الرقمية؟
إن استمرّ الانقسام وتراجعت الثقة، فستبقى أمريكا قوية بالأرقام وضعيفة بالمعنى. أما إذا نجحت في تجاوز الانقسام بوعي سياسي جديد، فستدخل مرحلة “أمريكا الثالثة” لتكون أمة ما بعد العولمة والشعبوية.
المحور الثالث: الاقتصاد العالمي — بين الحماية والتجزئة
- شعار “أمريكا أولًا” سيقود إلى “إعادة إنتاج منظومة تجارية مغلقة“.
- تحوُّل الاقتصاد العالمي من “العولمة” إلى “قومية الإنتاج“و”دوائر التجارة الإقليمية”.
- شركات التكنولوجيا الأمريكية تبقى مهيمنة، لكنها تفقد بعض الأسواق لصالح الصين والهند.
التوقع لعام 2035
| المؤشر | الولايات المتحدة | الصين | الاتحاد الأوروبي | الهند |
| الناتج المحلي (ترليون $) | ~31 | ~37 | ~22 | ~17 |
| الإنفاق العسكري (% من الناتج) | 3.5% | 2.2% | 1.8% | 2.0% |
| حصة الذكاء الصناعي العالمي | 38% | 42% | 12% | 8% |
المحور الرابع: الأمن والدفاع — من الردع إلى الانعزال المسلح
نظرة عامة
- أمريكا ستعزّز تفوقها العسكري التقني (الأسلحة الفرط صوتية، الفضاء السيبراني، الذكاء العسكري).
- لكنها ستستخدم هذا التفوق “كرادع وقائي داخلي” بدلًا من إدارة تحالفات عالمية.
- سياسة “الردع دون التورط” ستحكم تعامل واشنطن مع النزاعات العالمية.
- “الخطر البنيوي”؛ فقدان أمريكا القدرة على تشكيل النظام الدولي سياسيًا رغم استمرار قوتها العسكرية.
يتمحور في هذا السياق تساؤل حمل في طياته العديد من الأطروحات؛ يتمثل في: كيف تتعامل المؤسسة العسكرية الأمريكية مع هذه النزعة “التسلطية” لترامب؟ فالجيش يُعدّ محورًا حساسًا جدًا في ميزان القوة بين المؤسسات الفيدرالية.
وهو ما يُعد واحد من أكثر الجوانب حساسية وتأثيرًا في النظام الأمريكي:

العلاقة بين دونالد ترامب والمؤسسة العسكرية (البنتاغون والجيش الأمريكي)
وهذه العلاقة تكشف — ربما أكثر من أي مثال آخر — كيف حاول ترامب توسيع سلطته على حساب استقلال المؤسسات، ويمكن تحليلها على ثلاثة مستويات:
- استخدام الجيش كأداة سياسية داخلية
في التقليد الأمريكي، الجيش مؤسسة مستقلة ومحايدة لا تتدخل في السياسة الحزبية إطلاقًا، لكن ترامب كسر هذا الحاجز بشكل متعمّد:
- فحاول استخدام الجيش لقمع الاحتجاجات الداخلية (خصوصًا مظاهرات “حياة السود مهمة” عام 2020)، حتى إنه أمر البنتاغون بالاستعداد لنشر قوات عسكرية داخل العاصمة واشنطن — وهو أمر كان سيُعدّ سابقةخطيرة.
- قائده حينها، الجنرال مارك ميلي، رفض علنًا هذا التوجه واعتذر لاحقًا عن مرافقة ترامب أثناء ظهوره الميداني في الشارع بعد تلك الأحداث، مؤكدًا أنّ “الجيش لا يشارك في السياسة”.
- هذه الحادثة هزّت الثقة بين البنتاغون والبيت الأبيض لأول مرة منذ عقود، وكشفت رغبة ترامب في تسخير الجيش لأهداف داخلية بدل الدفاع الخارجي.
- تصعيد قيادات موالية واستبعاد المعارضين
خلال ولايته، قام ترامب بعدة خطوات لإعادة تشكيل القيادة العسكرية بما يخدم رؤيته الشخصية:
- فعيّن وزراء دفاع بالإنابة بدلًا من المصادق عليهم من الكونغرس — لأنه كان يعتبرهم أكثر ولاءً له.
- أقال قادة ومسؤولين انتقدوا سياساته أو أبدوا استقلالًا في الرأي (كما حدث في وزارة الدفاع ووزارة الأمن الداخلي).
- حاول التأثير في قرارات البنتاغون بشأن الوجود العسكري في سوريا وأفغانستان دون مشاورة واسعة مع القادة العسكريين أو حلفاء الناتو.
- وتمثلت النتيجة في انخفاض ثقة كبار الضباط المدنيين والعسكريين في حيادية القيادة، وبدأ القلق من “تسييس البنتاغون”.
- حدود النفوذ — والرد الاستراتيجي من الجيش
رغم محاولاته، فشل ترامب في تحقيق السيطرة الكاملة على الجيش لسبب جوهري يتمثل في أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تقوم على قسم الولاء للدستور، لا للرئيس.
- فعندما حاول الضغط لإلغاء نتائج الانتخابات عام 2020، أصدر رؤساء الأركان رسالة جماعية نادرة يؤكدون فيها أن الجيش “لن يلعب أي دور في عملية انتخابية”.
- وفي أحداث اقتحام الكونغرس (6 يناير 2021)، رفضت القيادات العسكرية أي أوامر يمكن تفسيرها بأنها دعم سياسي له.
- ولخّص أحد كبار القادة الموقف قائلًا: “الجيش الأمريكي وُلِد ليحمي الدستور من أعدائه، لا ليخدم النزاعات السياسية في واشنطن.”
الخلاصة
علاقة ترامب بالمؤسسة العسكرية تركت وراءها شرخًا خطيرًا مزدوجًا؛
- داخل الجيش نفسه: خوف من اتهامات الولاء الحزبي أو التواطؤ السياسي.
- داخل المجتمع: تزايد ميول بعض الأوساط اليمينية نحو تسييس الجيش والاستفادة منه انتخابيًا.
لكن في الوقت نفسه، أكد هذا الصدام صلابة العقيدة المؤسساتية الأمريكية، حيث اختار الجيش الدستور على الزعيم، وهذه سابقة ستُدرَّس في التاريخ السياسي الحديث.
ليظهر بالوصول إلى هذه النقطة أن ترامب تعامل مع الجيش كما يتعامل مع شركة أمن خاصة، بينما المؤسسة العسكرية ردّت بالتأكيد على أنها درع الدولة لا درع الرئيس.
لذلك يمكن القول إن الجيش الأمريكي كان — وما زال — الخط الأحمر الأخير في مواجهة النزعة التسلطية داخل النظام الأمريكي.
ولكن كيف أثّرت هذه الصدامات مع الجيش والاستخبارات على مكانة أمريكا الأمنية والاستراتيجية في العالم؟ وهو الأمر المرتبط بصورة مباشرة بتراجع الردع الأمريكي أمام الصين وروسيا في تلك الفترة.
ويعد هذا جانبًا حاسمًا لأن القوة الأمريكية لم تكن تعتمد فقط على المال والسلاح — بل على شبكة ثقة وتحالفات بنيت طوال سبعين عامًا بعد الحرب العالمية الثانية.
وينقسم التحليل هنا إلى أربعة محاور رئيسية:
أولًا: أزمة الثقة داخل المنظومة الأمنية الأمريكية
دخل ترامب في صراع مباشر مع مؤسسات أمنية تُعدّ “عمود العمود الفقري” للأمن القومي الأمريكي:
- فشكّك في نزاهة CIA وFBI وNSA، واتهمها بمحاولة “تخريب رئاسته”.
- رفض تقارير استخباراتية أكدت تدخل روسيا في الانتخابات، وهاجم القادة الذين أعدّوها.
- طرأ في تلك الفترة تراجع معنوي كبير داخل أجهزة الاستخبارات بسبب التشكيك العلني بمصداقيتها.
- لتتمثل نتيجة ذلك في انخفاض تناغم الأجهزة الأمنية مع البيت الأبيض، فأصبحت المعلومات تُدار بحذر، والتنسيق بين المستويات التنفيذية والاستخباراتية تشوبه حالة من الشك.
- هذه الشكوك أضعفت بدورها فعالية صنع القرار الأمني الأمريكي في القضايا الحساسة، مثل التعامل مع الصين وروسيا وإيران.
ثانيًا: تضرر تحالفات الردع الدولي (الناتو وحلف آسيا)
تعد الركيزة التي حافظت على النفوذ الأمريكي منذ 1945 هي التحالفات الاستراتيجية — خصوصًا حلف الناتو في أوروبا والتحالف الأمريكي – الياباني في آسيا، لكن ترامب:
- وصف الناتو بأنه “عبء على أمريكا” وهدد مرارًا بالانسحاب منه.
- ضغط على الحلفاء من موقع الندّ بالندّ لا من موقع القيادة المشتركة.
- خفّض الالتزامات العسكرية في الشرق الأوسط وآسيا دون تخطيط متكامل.
- ليظهر أثر ذلك جليًا في بدء تفكير الحلفاء الأوروبيون في “استقلال دفاعي” عن واشنطن — وهو ما دعا الرئيس الفرنسي ماكرون إلى فكرة “الجيش الأوروبي”.
- اليابان وكوريا الجنوبية بدءا في رفع إنفاقهما العسكري استعدادًا لاحتمال “تراجع المظلة الأمريكية”.
بمعنى آخر: تزعزعت صورة أمريكا كقائد تحالف أمني عالمي لأول مرة منذ 70 عامًا.
ثالثًا: استفادة الخصوم الجيوسياسيين مباشرة
منح صدام ترامب مع قياداته الأمنية والعسكرية الفرصة لروسيا والصين لتوسيع نفوذهما:
- الصين رأت الفرصة مثالية للتقدم اقتصاديًا ودبلوماسيًا عبر “الحزام والطريق” في آسيا وإفريقيا.
- روسيا وجدت فراغًا سياسيًا في سوريا وأوكرانيا والبلقان، وملأته بسرعة.
- كلا القوتين استفادتا من تراجع الانضباط والتماسك داخل أجهزة الأمن الأمريكية، ومن عدم وضوح الاستراتيجية الأمريكية العالمية.
- لتتمثل النتيجة في تبدل موازين الردع، فلم تعد واشنطن تُملي قواعد النظام العالمي، بل أصبحت تستجيب لتحدياته.
رابعًا: الأثر البنيوي طويل المدى
على المدى البعيد، تركت فترة ترامب أثرين متناقضين:
- الأثر السلبي:
- تآكل المصداقية الأمنية الأمريكية (في الاستخبارات والتحالفات).
- تقييد حرية المناورة الاستراتيجية بسبب الانقسام الداخلي وفقدان الثقة.
- الأثر الإيجابي (غير المقصود):
- أيقظ التجربة “وعياً مؤسساتياً” جديداً في البنتاغون وCIA حول ضرورة حماية الاستقلالية عن تقلبات السياسة.
- عندما جاءت الإدارات اللاحقة (خاصة بايدن)، تم تعزيز التواصل المؤسسي والعودة التدريجية للتحالفات.
لكن يبقى أن صورة أمريكا بوصفها الدولة التي لا تُخطئ أمنيًا ولا تتردد سياسيًا قد انتهت؛ فالعالم الآن يتعامل مع واشنطن بوصفها قوة عظيمة متعبة من الداخل.
الخلاصة الاستراتيجية
قدرة أمريكا على الردع لم تختفِ، لكنها تحوّلت من ردع نابع من الإيمان بنظامها إلى ردع نابع من مجرد قوتها المادية.
وهذا جوهري جدًا، لأن الردع الحقيقي في العلاقات الدولية يُبنى على الثقة بالثبات، لا على الخوف فقط.
وفيما يلي جدولًا تحليليًا تفصيليًا يقارن توازن القوى بين الولايات المتحدة، الصين، وروسيا عبر ثلاث مراحل زمنية: (قبل ترامب، وخلاله، وبعده) مع التركيز على الأمن، الاقتصاد، التحالفات، والدبلوماسية.
|
العناصر |
المجال قبل ترامب (2008 – 2016) | خلال إدارة ترامب (2017 – 2020) | بعد ترامب/ المرحلة الحالية (2021 – 2025) |
| النفوذ المؤسسي الأمريكي | مستقر ومبني على تحالفات قوية ومؤسسات فيدرالية منضبطة | صدام مفتوح مع المؤسسات الفيدرالية، تم تسييس الجيش والاستخبارات جزئيًا | تعافٍ نسبيّ للمؤسسات لكن الثقة الشعبية لم تعد كالسابق |
| الاستخبارات والأمن القومي
|
غرفة عمليات منسجمة بين البيت الأبيض ووكالات الأمن القومي | تدهور الثقة المتبادلة بين الرئيس والاستخبارات (خاصة بعد قضية روسيا) | محاولة لإعادة بناء التعاون وتحديث القدرات التكنولوجية، مع حذر سياسي |
| التحالفات الدولية (الناتو / آسيا) | أمريكا تقود النظام الدولي وتضمن أمن الحلفاء | توتر كبير في الناتو، ضغوط مالية على الحلفاء؛ نزعة انعزالية | عودة التعاون عبر أوكرانيا، لكن بشكوك استراتيجية تجاه ثبات واشنطن |
| القوة الاقتصادية | نمو مستقر، لكنها بدأت تفقد الصدارة في بعض القطاعات الصينية | حروب تجارية مع الصين، انسحاب من اتفاقيات، شعور عالمي بعدم استقرار الأسواق | انتعاش نسبي بعد الجائحة، لكن الصين تجاوزت أمريكا في بعض مؤشرات القوة الإنتاجية |
| القوة الناعمة والدبلوماسية | صورة أمريكا كقائدة عالمية للديمقراطية وحقوق الإنسان | تراجع حاد في الجاذبية الأخلاقية والدبلوماسية بفعل الخطاب الانعزالي والشعبوي | بروز صراع سردي بين “الديمقراطية الأمريكية المتعبة” و“النموذج الصيني البراغماتي” |
| المكانة العسكرية والردع
|
تفوق نوعي شامل في كل مجالات القوة الصلبة | انسحابات جزئية من مناطق الصراع وتسييس القرارات العسكرية | العودة للردع والتحشيد ضد روسيا والصين، لكن من موقف أكثر دفاعية |
أبرز الاستنتاجات من الجدول
- الانقسام الداخلي في أمريكا جعل قوتها أقل قدرة على التحول إلى نفوذ مستدام.
- الصين كسبت العقد الماضي بهدوء من دون مواجهة مباشرة — عبر الاقتصاد والتكنولوجيا.
- روسيا رغم ضعفها الاقتصادي، نجحت في كسر الهيمنة الغربية عبر النفوذ الميداني (أوكرانيا، سوريا، الطاقة).
- النظام الدولي الآن بات يعيش مرحلة “ما بعد التفوق الأمريكي المطلق”؛ والذي يعني بأنه “لا انهيار لأمريكا، بل تراجع نسبي وهيكلي“.
المحور الخامس: موازين القوى الإقليمية (2035)
| الإقليم | الاتجاه الأميركي المتوقع | القوى المنافسة الرئيسية | الوضع المرجّح |
| أوروبا | انسحاب جزئي من الناتو ودعم محدود لأوكرانيا | روسيا، الاتحاد الأوروبي | توازن دفاعي بارد |
| الشرق الأوسط | شراكات اقتصادية بدل التورط الميداني | الصين، روسيا، إيران | نفوذ أمريكي اقتصادي لا عسكري |
| آسيا والمحيط الهادئ | محور ردع ضد الصين (اليابان، الهند، أستراليا) | الصين | استمرار التوتر دون مواجهة مباشرة |
| أميركا اللاتينية | اقتصاديا فقط | الصين، المكسيك | فقدان واشنطن نفوذها الكلاسيكي التدريجي |

تأثير ترامب على العالم العربي
يلامس هذا العنصر واحدة من أكثر المناطق التي تأثّرت جذريًا بسياسات ترامب؛ الشرق الأوسط والعالم العربي.
لم يكن تأثير ترامب تقليديًا أو دبلوماسيًا بسيطًا، بل كان تحولًا في منطق الدور الأمريكي في المنطقة؛ من “الراعي السياسي” و”الوسيط الدبلوماسي” إلى “التاجر الاستراتيجي” الذي يوازن بين الجميع مقابل المكاسب.
وهو ما يمكن توضيحه تفصيلًا عبر خمسة محاور أساسية:
أولًا: تغيير معادلة التحالفات — “الواقعية الصفريّة”
تعامل ترامب مع الشرق الأوسط ليس كحلفاء وشركاء سياسيين، بل كـصفقات:
- فقدم دعم قوي وغير مشروط لعدد من الأنظمة العربية التي تتبنى سياسات “الاستقرار مقابل الولاء لواشنطن”.
- قلّص دور الضغوط الأمريكية في ملفات الحريات وحقوق الإنسان إلى الحد الأدنى.
- انفتح مباشرة على إسرائيل وتطبيع العلاقات عبر عقد “اتفاقات أبراهام” (مع الإمارات، البحرين، المغرب، السودان).
وقد تجلّى تأثير ذلك في:
- إعادة رسم خريطة العلاقات الإقليمية.
- انتقال الموازين من “محور المقاومة” و“الاعتدال العربي” إلى محور التطبيع والمصالح المشتركة ضد إيران.
ثانيًا: الملف الإيراني — “سياسة الخنق القصوى”
انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران (JCPOA) عام 2018 وفرض أقوى عقوبات اقتصادية في تاريخها، وكان الهدف شلّ الاقتصاد الإيراني، وإجبار طهران على تفاوض بشروط جديدة أكثر تشددًا.
ولكن أدى ذلك للديد من التأثير على العالم العربي:
- فازداد التوتر الإقليمي في الخليج (هجمات النفط في السعودية والإمارات).
- دفعت دول الخليج إلى تسريع برامج التسلح وتحديث الجيوش.
- أدّى الضغط المتزايد على إيران إلى تقوية الميليشيات المرتبطة بها كردّ فعل، مما زاد من حدة الصراعات في العراق وسوريا واليمن.
- وتمثلت النتيجة في إضعاف السياسة “المشروع الإيراني اقتصاديًا”، لكنها نقلت الصراع الإقليمي إلى مستوى غير متوقع من الاضطراب.
ثالثًا: القضية الفلسطينية — تحوّل جذري في العقيدة الأمريكية
قام ترامب بثلاث خطوات غير مسبوقة:
- نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعترف بها عاصمة لإسرائيل.
- قطع التمويل عن وكالة الأونروا (لاجئي فلسطين).
- طرح “صفقة القرن”، التي تجاهلت مبادئ الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقد أدى ذلك إلى:
- تراجع وزن القضية الفلسطينية في جدول الأولويات الإقليمية.
- زادت الهوة بين القيادة الفلسطينية وعدد من العواصم العربية.
- تم تحويل الصراع العربي – الإسرائيلي إلى ملف إقليمي اقتصادي أكثر منه سياسي.
وكنتيجة رمزية فقد انكسر القدر الكبير من “الهيبة التاريخية” للقضية في الدبلوماسية الأمريكية.
رابعًا: سوريا والعراق واليمن — الانسحاب الجزئي وترك الفراغ
تبنّى ترامب نهج الانسحاب من الحروب الطويلة الباهظة والتي تجلت في:
- إعلان الانسحاب من شمال سوريا، تاركًا الحلفاء الأكراد في مواجهة تركيا وروسيا.
- تخفيض التواجد الأمريكي في العراق.
- الاكتفاء في اليمن بدعم لوجستي للسعودية دون تورط مباشر.
أما الأثر الإقليمي فتمثل في:
- تَقدُّم النفوذ الروسي والإيراني والتركي في ملفات النزاع.
- تحولات في التحالفات المحلية داخل كل صراع.
- تراجع قدرة واشنطن على فرض تسويات سياسية شاملة.
خامسًا: العلاقات الاقتصادية والعسكرية — من “ضمان أمني” إلى “عقد تجاري”
أعاد ترامب تعريف العلاقة مع المنطقة العربية بهذه المعادلة: “من يدفع أكثر… يحصل على حماية أكبر”.
- وقّع صفقات سلاح ضخمة مع دول الخليج تجاوزت قيمتها 400 مليار دولار.
- جعل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة مرتبطًا بالمردود الاقتصادي والمصلحي، لا بالالتزام الجيوسياسي الدائم.
- دفع الحكومات العربية لإعادة التفكير في تنويع شراكاتها الدفاعية (روسيا، الصين، فرنسا).
- وتمثلت النتيجة في تحوّل العلاقة إلى واقعية بحتة، بلا مضمون أيديولوجي أو أخلاقي إلى “شراكة مقابل مصالح فورية”.
الخلاصة:
لم تُدمّر سياسة ترامب الشرق الأوسط، لكنها جعلته ساحة إدارة مصالح بدل أن يكون مشروعًا سياسيًا موحدًا، وذلك بكلمتين:
- انسحاب أمريكا من دور الراعي، والتحول إلى وسيط تاجر.
- والعالم العربي أصبح في مرحلة “الاعتماد الذكي بدل التبعية الكاملة”.
الخلاصة العامة (2025 – 2035)
“أمريكا لن تنهار… لكنها لن تحكم العالم كما كانت”
- داخليًا: مجتمع منقسم وديمقراطية متوترة.
- خارجيًا: قوة عظمى ضمن ثلاثي عالمي (مع الصين وروسيا).
- اقتصاديًا: متفوقة في الابتكار، متراجعة في السيطرة.
- عسكريًا: رادعة جدًا، لكنها “تخشى التورط السياسي“.
“كلمة ختامية”
العقد القادم سيشكّل لحظة “إعادة اختراع أمريكا”؛ إما أن تتكيف كقوة شراكة متعددة الأقطاب، أو تنسحب لتصبح “إمبراطورية محصّنة” تعيش على ذكريات تفوقها السابق.
