مقالات
أخر الأخبار

أقدام في الهواء – هشام المغربي

بقلم: هشام المغربي

هل تخيل شخصاً أن قدرته على رفع قدميه في الهواء ستصبح حلماً صعب المنال ليس لمرض ألم به أو عجز عضوي أصابه بصورة أو بأخرى، وليس بسبب جريمة ارتكبها أو إثم اقترفه فكان ذلك عقابه!

ولكن بسبب موقف أو ربما رأي صرح به أو كتبه أو بسبب منهج أيدلوجي اعتقده أو آمن به فكان هذا سبباً في أن تسلب حريته وتكبل خطواته وتقيد حركته وهذا ما حدث مع المفكر والصحفي الكبير صلاح حافظ، الذي ترك  مهنة الطب رغم تفوقه فيها، وكان زميلاً ليوسف إدريس ولمصطفى محمود ليتفرغ للصحافة التي عشقها حيث اعتقل في مثل هذا اليوم 16 إبريل من عام 1955 أي مما يقرب من 71 عاما.

بعد أن أمضى 9 سنوات في السجن خرج ليرى السماء ويخطو أول خطواته على أرض الشارع ويتنفس هواء الحرية الذي لايعرف قيمته إلا من سلبت منه.

خرج من السجن إلى دار أخبار اليوم وجلس في مقعد وثير أمام الراحل أنيس منصور ورفع قدميه في الهواء ونشر ذراعيه وقال:

9 سنوات وأنا أحلم بأن يجىء يوم أرفع قدمي عن الأرض !

فلا مقاعد في السجن حيث افترشُ الأرض ليلاً ونهاراً ولامكان في الزنزانة تستطيع أن تنشر فيه ذراعيك دون أن ترتطم بالحائط!

كثيرة هي النعم من حولنا التي لانعرف قيمتها إلا عندما تسلب منا…. من منا يتصور أن رفع القدمين عن الأرض حلماً يراود السجين!

ولكن هذا ماحدث بالفعل وإذا نظرنا حولنا سنجد ربما عدداً غير محدود من النعم  التي ننعم بها ولا نعرف قيمتها حتى تسلب منا,هنا فقط نستيقظ ونعرف قيمة النعمة ولن أعدد أمثلة لتلك النعم لأنها لاتحصى.

تم إلقاء القبض على صلاح حافظ لأنه ينتمي لمنظمة (حدتو ) وهي اختصار لعبارة (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) وضمت كوادر سياسية من اليسار الوطني كان أبرزهم شهدي عطية وأحمد فؤاد مسؤول الاتصال والتنسيق بين حدتو وعبد الناصر وقد لعبت هذه المنظمة دوراً هاماً في دعم حركة الضباط في 1952 وقد صاغت حدتو بيان تأييد الثورة الذي وزع في الشوارع مما كان له أثر كبير مع وسائل أخرى في التأثير على الشارع المصري.

ومن الطريف أن من قاموا بالقبض عليه أو طلبوا القبض عليه كانوا زملاء له في منظمة (حدتو) خالد محي الدين ويوسف صديق وأحمد حمروش وسيد سليمان رفاعي وغيرهم وكتب خالد محي الدين في مذكراته بإسهاب عن تلك المنظمة .

وذكر د.رفعت السعيد مؤرخ الحركة الشيوعية في مصر أن بعض الأصدقاء تدخلوا للعفو عن صلاح حافظ لدى عبد الناصر فقال مقولة شهيرة (ابني وبربيه)!

قبل القبض عليه ظل هارباً مايقرب من عام حيث كان مختبأ  في بدروم منزل الفنانة تحية كاريوكا وكانت تشرف على طعامه وشرابه وتمده بالجرائد والأخبار كل يوم…. حتى تم القبض عليها من قبل الأمن فخاف عليها أن يُنكّل بها فسلم نفسه ليُفرَج عن تحية كاريكا، وظل محبوساً 9 سنوات.

ورغم تصريحه هو ذاته أنه قد أصبح بقايا إنسان ظل متوهجاً حتى آخر لحظة في عمره.

كتب عموده الشهير في روزا اليوسف (انتصار الحياة) الذي بث الأمل في نفوس القراء وحقق نجاحاً كبيراً بين الشباب وأصدر بعض المجلات والإصدارات التي لاقت نجاحاً كبيراً في ذلك الوقت .

غضب عليه السادات أيضاً بسبب دفاعه عن انتفاضة عام 1977 التي خرج فيها الشعب رافضاً غلاء الأسعار ووصفها صلاح حافظ  بأنها انتفاضة شعبية بينما أطلق عليها السادات (انتفاضة حرامية) وبسبب هذا الموقف اتصل به السادات وطلب منه مغادرة موقعة كرئيس لتحرير مجلة روز اليوسف على أن يرشح من يخلفه.

دائما ما دفع صلاح حافظ ثمناً باهظاً لمواقفه التي لايتراجع عنها مهما كان الثمن,

وعندما سمح السادات بإقامة الأحزاب السياسية وأصدر قانون تنظيم الأحزاب هنا  أصدر حزب التجمع جريدة “الأهالي” وترأس صلاح حافظ رئاسة تحريرها وكان له عمود أسبوعي باسم “دبوس”

ونجحت الجريدة نجاحاً كبيرة وحققت أرقام التوزيع أعلى أرقام لجريدة معارضة في ذلك الوقت.

وساهم في تسعينيات القرن الماضي بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان ثم تولى رئاسة تحرير الأهرام الدولي (الطبعة العربية) وظل يكتب بها حتى آخر أيامه.

ظل صلاح حافظ رمزاً للقلم الصادق المؤمن بمبادئه مهما تعرض للأزمات والمحن.

حتى داهمه المرض الخبيث واكتشفوا إصابته بورم في المخ وسافر بقرار رئاسي من مبارك إلى السويد للعلاج إلا أن إرادة الله كانت الغالبة وفاضت روحه هناك وعاد ودفن في مصر.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إغلاق