أخبار من أمريكاعاجل
من هو كاش باتيل.. مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأكثر جدلًا في الآونة الأخيرة؟!
خاص: رؤية نيوز
فجرت مؤخرًا مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية سلسلة من الادعاءات الصادمة حول السلوك الشخصيوالمهني لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل.
ويرسم التقرير صورة لباتيل كقائد يعيش حالةً متقدمةً من جنون الارتياب إزاء إمكانية إقالته، مُفرطًا في تناول الكحول بدرجة أثارت قلق المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة العدل على حد سواء.
ورغم مسارعة باتيل إلى التلويح بالملاحقة القضائية ووصف التقرير بأنه “ملفق بالكامل”، فإن التفاصيل التي أوردتها المجلة، واستندت إلى أكثر من عشرين مصدرا بينهم مسؤولون حاليون وسابقون في المكتب، رسمت صورة قاتمةً لاضطراب إداري قد يعوق قدرة أقوى جهاز أمني في البلاد على الاستجابة للأزمات الوطنية الطارئة.
وفي خضم هذا الجدل المحتدم، خرج باتيل وفريقه القانوني والإعلامي بعنفٍ لردّ الاعتبار. فقد هدد مدير المكتب بمقاضاة المجلة ومراسلتها سارة فيتزباتريك، ونشر عبر منصة “إكس” مراسلات من مسؤول الاتصالات بالمكتب وصف فيها المقال بأنه “أكثر الأمور سخافة على الإطلاق”.
كما شن محاميه جيسي بينال هجومًا شرسًا، متهماً المجلة بالاعتماد على “مصادر غامضة ومعادية” وتجاهل السجلات الرسمية التي تؤكد النجاحات العملياتية للمكتب تحت قيادة باتيل، التي شملت اعتقال 67 ألف شخص ومصادرة أطنان من مخدر الفنتانيل القاتل.
من هو كاش باتيل؟!
هذا الجدل الثائر حول شخصية محورية في السياسة الأمريكية يُعيد النظر إلى نشأة باتيل، وهو ما سيتم استعراضه فيما يلي:
ولد كاشياب برامود باتيل في ضاحية غاردن سيتي بنيويورك في فبراير عام 1980 لوالدين هنديين، هاجرا من غوجارات بالهند إلى أوغندا في سبعينات القرن الماضي. وهو هندوسي الديانة، طردت عائلته التي تضم ثمانية إخوة وأخوات من أوغندا إلى الولايات المتحدة، إبان حكم الرئيس عيدي أمين.
التحق باتيل بمدرسة غاردن سيتي الثانوية في نيويورك، وعمل خلال فصل الصيف كحامل لعصي الغولف في نادي “غاردن سيتي”، وذكر في مذكراته “عصابات الحكومة” الصادرة عام 2023 أن المحامين الذين كانوا يمارسون رياضة الغولف في النادي، كانوا مصدر إلهام له.
درس باتيل العدالة الجنائية في جامعة “ريتشموند” عام 2002 وحصل على شهادة في القانون الدولي من جامعة كوليدج لندن، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة بيس عام 2005.
المسيرة المهنية
استهل باتيل مسيرته المهنية كمحام في ميامي-ديد بفلوريدا، حيث دافع في قضايا العنف الجنائي والإتجار بالمخدرات، ثم عمل لاحقا كمحامٍ فيدرالي في المنطقة الجنوبية من فلوريدا. والتحق بالعمل في وزارة العدل عام 2012.
وشارك باتيل كممثل مؤقت للشعبة الجنائية في قضية مرتكبي هجوم بنغازي عام 2012، لكنه أُقيل بسبب خلافات مع مكتب المدعي العام الأميركي بالعاصمة، وهي الجهة التي أنيط بها النظر في القضية. وادعى لاحقا أنه كان المدعي العام الرئيس في القضية، إلا أن مجلة “ذا أتلانتيك” نقلت عن زملاء سابقين له أن مكتب المدعي العام الأميركي هو من قاد الادعاء، وليس باتيل.
في 2017، بدأ باتيل العمل في اللجنة الدائمة المختارة للاستخبارات بمجلس النواب، والتي كان يرأسها آنذاك النائب ديفين نونيز.
وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن باتيل كان المؤلف الرئيس لمذكرة نونيز التي نُشرت في فبراير 2018، والتي زعمت بشكل أساسي وجود أخطاء إجرائية في طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي الحصول على إذن للتنصت على مستشار حملة ترمب، كارتر بيج، بموجب قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، وذلك خلال التحقيقات في التدخل الروسي. وتبين فيما بعد صحة ما ورد في المذكرة إلى حد كبير، مما عزز مكانة باتيل بين حلفاء ترمب. كما حقق باتيل في ترويج الأوكرانيين لمعلومات حول التدخل الروسي في انتخابات الولايات المتحدة عام 2016.
وبعد بدء أعمال الكونغرس الأميركي السادس عشر بعد المئة، شغل باتيل منصب كبير المستشارين القانونيين للجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب. وذكر باتيل في مذكراته أنه طُلب منه الانضمام إلى فريق المحاكمة ضد أحمد أبو ختالة، أحد قادة الميليشيات في الحرب الأهلية الليبية، والمتهم في الهجوم على السفارة الأميركية في طرابلس، إلا أن صحيفة “نيويورك تايمز” كشفت أنه لم يُعرض عليه هذا المنصب.
ووفقا لموقع “ذا ديفايدر”، وجه الرئيس ترمب في فبراير 2019 مستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون، بتعيين باتيل في إدارة المنظمات والتحالفات الدولية، المسؤولة عن سياسة الأمم المتحدة.
وفي أبريل 2019، ناقش ترمب شخصيا وثائق تتعلق بأوكرانيا مع باتيل، إلا أن الأخير نفى أن يكون جزءا من أي قناة اتصال سرية مع أوكرانيا. وفي يوليو من العام نفسه عُيّن باتيل مديرا أول لإدارة مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي.
وأدلت فيونا هيل، المديرة الأولى لشؤون أوروبا وروسيا في مجلس الأمن القومي، بشهادتها بأن أحد الموظفين ألمح خطأ إلى أن باتيل هو مدير مجلس الأمن القومي لشؤون أوكرانيا.
وقد انتاب هيل قلقٌ من أن الرئيس يعتقد أن باتيل هو المسؤول عن سياسة أوكرانيا، وأنه ربما كان يرسل مواد إلى ترمب دون إذن، مما اضطرها إلى إبلاغ القائم بأعمال مدير المجلس تشارلي كوبرمان بهذه المخاوف، وتنبيه موظفيها إلى توخي الحذر في التواصل مع باتيل.
وفي فبراير 2020، بات باتيل مستشارا لريتشارد غرينيل، القائم بأعمال مدير المخابرات الوطنية، ليصبح نائبا رئيسا لمدير المخابرات الوطنية بعد استقالة أندرو هولمان. على أثر ذلك القرار، كلف باتيل بإجراء تغييرات جذرية في المكتب حيث بدأ على الفور بتقليص عدد موظفيه ومراجعة أداء وسجلات موظفيه. وعاد باتيل مديرا أول لإدارة مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي بعد تثبيت جون راتكليف مديرا للمخابرات الوطنية في مايو.
وحاول ترمب في أبريل 2020 عزل مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي، وتعيين ويليام إيفانينا رئيسا للمكتب، على أن يصبح باتيل نائبا له، إلا أن وزير العدل آنذاك ويليام بار، عرقل الخطة بعد التهديد بالاستقالة.
وفي نوفمبر 2020، عين باتيل مديرا لمكتب القائم بأعمال وزير الدفاع كريستوفر ميلر. إلا أن مسؤولين كبارا بوزارة الدفاع، كشفوا أن باتيل ووكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات آنذاك عزرا كوهين، كانا هما مصدر كل القرارات. وأشرف باتيل على إجراءات نقل السلطة من إدارة ترمب إلى إدارة بايدن، رغم إعراب الأخيرة عن عدم ثقتها فيه، باعتباره أحد أشد الموالين لترمب.
وتشير الوثائق المقدمة إلى اللجنة المشكلة من مجلس النواب للتحقيق في هجمات 6 يناير على الكونغرس إلى أن باتيل ناقش إجراءات الأمن بمبنى الكونغرس، قبل وبعد الهجمات التي شنها أنصار ترمب، واتصل مرارا بمارك ميدو، رئيس موظفي البيت الأبيض في إدارة ترمب في اليوم الذي تم فيه الهجوم.
وحاول ترمب في ديسمبر من هذا العام تعيين باتيل نائبا لوكالة الاستخبارات المركزية، “سي آي إيه”، إلا أن جينا هاسبيل، مدير الوكالة آنذاك رفضت وهددت بالاستقالة. وفي أبريل 2022، صرح باتيل بأنه نصح ترمب بطرد كبار مسؤولي وزارة العدل.
وبعد مغادرة ترمب منصبه في عام 2021، أنشأ باتيل مؤسسة “كاش” غير الربحية بهدف مساعدة المشاركين في هجوم 6 يناير على مبنى الكابيتول الأميركي في تغطية التكاليف القانونية.
وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، تكفّل باتيل بتغطية الرسوم القانونية ودفع أجور الشهود الذين أدلوا بشهادتهم أمام اللجنة الفرعية التي شكلها الكونغرس، للتحقيق في الهجمات على الكونغرس.
كما شارك في إنتاج سلسلة “العدالة للجميع”، وهي حلقات من تأليف ترمب وجوقة من العناصر المسجونة بسبب الهجوم على مبنى الكابيتول. وعمل باتيل مستشارا سياسيا لمنظمة “أنقذوا أميركا وأصدقاءها”، التي يرأسها مات غيتس، عضو الكونغرس اليميني الذي أجبر على الاستقالة من عضويته بعد اتهامه بفضائح جنسية.
في يناير 2025، أرسل ما يقرب من 24 مسؤولا جمهوريا سابقا خطابا إلى أعضاء مجلس الشيوخ يحثونهم فيه على رفض تعيين باتيل مديرا لمكتب التحقيقات الفيدرالي بعد ترشيح ترمب له. وإمعانا في إظهار استقلاليته عن الرئيس الأميركي، أكد باتيل خلال جلسات الشيوخ لإقرار ترشيحه معارضته لقرار الرئيس العفو عن المشاركين في هجمات 6 يناير على الكونغرس. إلا أنه راوغ في الإجابة على سؤال بشأن ما إذا كان يعتقد أن بايدن قد فاز بالرئاسة، مستعينا بحقه الوارد في الدستور، ومكتفيا بالإجابة بأن نتائج الانتخابات قد تم توثيقها بالفعل، دون أن يقر صراحة بفوز بايدن. كما اتهم باتيل أثناء الجلسات بالحصول على أسهم في شركة الإعلام الخاصة بترمب والمالكة لمنصة “تروث سوشيال” المملوكة للرئيس. إلا أن مجلس الشيوخ ما لبث أن وافق على تعيينه بأغلبية 51 صوتا مقابل 49 مع رفض جميع الديمقراطيين له وموافقة جميع الجمهوريين ما عدا سوزان كولنز وليزا ميركويسكي. وأدى باتيل القسم في اليوم التالي أمام وزيرة العدل بام بوندي على “الفيدا”، وهو الكتاب المقدس عند الهندوس، في حضور صديقته المغنية أليكسيس ويلكنز وشقيقته وأولادها.

منصب “مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي”
وفور توليه مهام منصبه، أطلق باتيل حملة تطهير بالمكتب حيث نقل أكثر من 1000 عميل إلى مناطق ترتفع فيها معدلات الجريمة، كما أقال أكثر من 20 محققا شاركوا مع مدعي عام نيويورك السابق جاك سميث في التحقيق في تورط ترمب في محاولة الانقلاب بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2021.
وقرر باتيل نقل مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى مبنى رونالد ريغان بالعاصمة واشنطن، رغم تصويت الكونغرس السابق على نقله إلى مبنى في ولاية ميريلاند المجاورة.
واتخذ باتيل إجراءات صارمة ضد المناوئين لحملة ترمب على المهاجرين حتى إنه قرر إلقاء القبض على قاضية في ويسكونسن اتهمت بتضليل عملاء المكتب بمساعدة أحد المهاجرين غير الشرعيين على الإفلات من أيديهم في قاعة المحكمة.
دعاوى قضائية
ورفع مسؤولون سابقون في مكتب التحقيقات الفيدرالي دعوى قضائية ضد باتيل وبوندي، متهمين إياهما بالفصل التعسفي، وتنفيذ توجيهات البيت الأبيض، لأنهم عملوا في تحقيقات تتعلق بترمب.
وبحسب الدعوى، أقر باتيل سرا بأن عمليات الفصل كانت انتقامية، وربما غير قانونية، ومخالفة لبروتوكولات المكتب التي تحمي العملاء من الانتقام السياسي، وهو ما يتناقض مع شهادته تحت القسم
أمام مجلس الشيوخ؛ وفي الشهر نفسه، فصل باتيل نحو 20 عميلا، من بينهم عناصر تم تصويرها وهي تركع خلال احتجاجات جورج فلويد، الذي قتل خنقا تحت أرجل عناصر الأمن.
وفي سبتمبر من العام الماضي، اغتيل الناشط السياسي اليميني تشارلي كيرك في جامعة يوتا فالي.
وشارك مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتحقيق في مقتله، وقدم الدعم التقني واللوجستي. وسارع باتيل بالإعلان على منصة “إكس” عن أن أحد المشتبه بهم رهن الاحتجاز فيما أعلن مسؤولو الأمن بالولاية في التوقيت نفسه أن البحث لا يزال جاريا.
وفي صباح اليوم التالي، ووفقا لصحيفة “نيويورك تايمز”، اجتمع باتيل بمرؤوسيه وانتقدهم مستخدما ألفاظا نابية، ومهددا بأنه لن يتسامح مع أي “عمليات هزيلة” أخرى. وسافر هو ونائبه إلى يوتا للإشراف على التحقيق بنفسه.
وجاءت الواقعة في وقت كان أداؤه محل تدقيق مكثف من مختلف الأطياف السياسية، لاسيما وأنه تولى هذا المنصب دون أي خبرة سابقة في عمليات إنفاذ القانون، ودون أي مؤهلات سوى ولائه المطلق للرئيس ترمب.
واتهم الديمقراطيون باتيل بمحاولة التغطية على علاقة الرئيس ترمب بالمجرم المدان بالإتجار الجنسي، وخطف فتيات قصر، والاعتداء عليهن في جزيرته النائية، جيفري إبستين، الذي قيل إنه انتحر في سجنه. وظل باتيل يرفض نشر الملايين من الصفحات المتعلقة بهذه القضية الكبرى حتى أقر الكونغرس قانونا يلزم وزارة العدل بالكشف عن هذه الملفات، بعد قرار المحكمة بذلك.
ألف باتيل سلسلة من ثلاثة كتب للأطفال، مستوحاة من آرائه السياسية وهي “المؤامرة ضد الملك”، و”المؤامرة ضد الملك2″، و”المؤامرة ضد الملك: عودة الملك” الذي كتبه بعد الانتخابات الرئاسية عام 2024. وكان باتيل قد نشر عام 2023 كتابه “عصابات الحكومة: الدولة العميقة والحقيقة ومعركة الديمقراطية” والذي تضمن ادعاءات حول تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي في حملة دونالد ترمب الرئاسية التي وصفتها صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها كاذبة أو مضللة.
وتعرض البريد الإلكتروني الخاص بباتيل منذ أيام قليلة للقرصنة من قبل ما يسمى “مجموعة حنظلة” المرتبطة بإيران، حيث نشرت له صورا شخصية وهو يدخن السيجار، ويركب سيارة مكشوفة عتيقة، ويلتقط صورة لنفسه في المرآة مع زجاجة كبيرة من الخمر.
وحل باتيل مجموعة مكافحة الفساد العام المنوط بها مراقبة أعمال الأجهزة الحكومية بعد أن اتهمها بتعقب اتصالات أعضاء مجلس الشيوخ، واستخدام أجهزة إنفاذ القانون كسلاح ضد الشعب الأميركي.
وبينما يصرّ فريق باتيل على أن القصص التي روجت لها مجلة “ذا أتلانتيك” هي “قصصًا مُلفقة” لم تحدث قط، وأن المدير لم يحصل إلا على إجازة 17 يومًا فقط طوال فترة ولايته، تبقى الحقيقة الأكثر إثارةً للقلق هي الفجوة العميقة بين رواية البيت الأبيض ورواية الميدان الأمني.
وفي انتظار ما ستُسفر عنه أروقة المحاكم من مواجهات قانونية بين باتيل و”ذا أتلانتيك”، يظل السؤال الأبرز مُعلقًا في سماء واشنطن: هل يُدار أقوى جهاز تحقيق في العالم بيدٍ ترتعش، وعقلٍ يطارده شبح العزل؟
