بقلم:هشام المغربي
أطلق على نفسه اسماً ظن أنه تميمة حظ له فقد ضاق ذرعاً بكافة الأسماء من حوله، بل ضاق ذرعاً باسمه أيضاً الذي تشابه مع ملايين الاسماء التي اعتاد سماعها، وقرر أن يطلق على نفسه أسم (سبعة).
نعم (سبعة) رقم ولكن لم لا يكون اسماً أيضاً؟
ليس هناك ما يمنع من ذلك، من اليوم اسمي (سبعة) وأخذ يردد “عشت أكثر من نصف قرن باسمي القديم ولم أجن شيئاً يذكر”
ربما كان هذا الاسم فألاً حسناً فرقم سبعة يعتبره علماء الأرقام والروحانيات رقم البحث عن الحقيقة ويرمز إلى البعد عن صخب الحياة المادية للبحث عن التوازن النفسي والروحي.
ليس ذلك فحسب بل قرر (سبعة) أيضاً أن يترك مدينته ويذهب إلى آخر العالم، فلم يجد في مدينته ما يغريه للبقاء… فقد ظل بها يقاوم القهر والظلم والإجحاف والمرض والجشع والجهل والرياء والخوف والتملق والتحذلق وغير ذلك حتى انهارت قواه.
ردد بصوت خافت “سمعت عن مدينة جديدة سأرحل إليها…هي وجهتي القادمة… أُطلق عليها اسم ( مدينة بلا ظلال )”
عندما وطأت قدماه تلك المدينة بعد سفر دام أكثر من يومين متتاليين ، وجد ميداناً كبيراً وأشجار وارفة تحيط به ويتعامد عليه أربع طرق واسعة قرر أن يسلك أحدها فهو لا يعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهي ولم يأخذ معه شيئاً كان يسير بلا أمتعة ولا أغراض خاصة وضع نظارته الطبية فوق عينيه وأخرى للقراءة في أحد جيوبه، وحافظة أموال بها عدد قليل من عملات مختلفة.
كان الطريق طويلاً وكأنه بلا نهاية ، أخذ يسير حتى أنهكه السير، فجلس على الأرض فوق أحد الأرصفة، كان الرصيف واسعاً نظيفاً ولم يجد أحداً يسير في تلك المدينة ولم يكن على جانبي الشارع سوى أسوار ليست عاليه وخلفها كان يرى بوضوح أشجار مزهرة وأخرى مثمرة ،الهدوء يلف المكان ويضفي عليه غموضاً ساحراً.
شعر بدوار شديد وكأن الشارع يدور به،والأشجار تلتف حوله ثم تبعد لتنقلب فيرى جذورها في السماء وأوراقها في الأرض … ولم يعد قادراً على الجلوس… استلقى على ظهره فوق الرصيف وغاب عن الوعي لساعات لم يعرف عددها ، وأفاق على وجه أحد المارة يحاول افاقته …
– من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟ وكيف يمكنني مساعدتك؟
– اسمي (سبعة) …. جئت إلى هذه المدينة البعيدة حتى أجد نفسي الضائعة، هل يمكن لك أن تصف لي أقرب مستشفى لأذهب إليه؟
– لا توجد في هذه المدينة مستشفيات!
– “بعد أن اتسعت حدقة عينيه ذهولاً” … : لا بأس هل من الممكن أن تصف لي أقرب عيادة طبيب أو أقرب صيدلية لصرف الدواء؟
– في مدينتنا لا توجد هذه الأشياء … فلا حاجة لنا بها… نحن لانمرض وإذا مرضنا نتعافى بلا دواء وبلا أطباء!
– وصل الأمر ب (سبعة) إلى حد الذهول قائلاً:
وهل يوجد إنسان على وجه الأرض يتعافى بلا دواء أو أطباء؟
– أعرف أن الأمر بالنسبة لك كزائر للمدينة لأول مرة ربما كان مفاجئاً، ولكن هذه هي الحقيقة.
– لقد قلت لي نتعافى بلا دواء وبلا أطباء هل لي أن أعرف كيف؟
– الاستشفاء الذاتي ياعزيزي لدى كل منا قدرة وضعها الله به ليبرأ من المرض ذاتياً وبقدرة الله قبل كل شىء، كل ما عليك أن تمتنع عن الطعام والشراب ليوم أو أثنين وستبرأ عن تجربة….
لكن دعني أسألك أولاً لم سلكت هذا الطريق دون غيره فهذا طريق الغروب!
– أنا لا أعرف أنا غريب ولم أجد من أسأل وسلكت أول طريق صادفني..
– أنت كزائر جديد كان أجدى بك أن تسلك طريق االفنون حيث الحدائق والمتنزهات والمقاهي ودور السينما والمسرح والأوبرا والمكتبات ودور العبادة أيضاً.
أما إذا كان لك مآرب أخرى فهناك طريق العلوم حيث المدارس والمصانع ومعاهد البحث العلمي والجامعات والمعاهد المتخصصة وغيرها ….
أما الطريق الرابع فهو طريق الشروق حيث البدايات بداية كل شىء ستتعلم في هذا الطريق كيف تكون البدايات ومنها ستعرف طريقك وإلى أي مكان تقودك قدماك بعد ذلك بعد أن تعرف البدايات
– وهل ينطبق هذا الأمر أيضاً على حاكم المدينة وكبار معاونيه؟ أم أن لهم أطقم طبية خاصة ومستشفيات حديثة ليست للشعب؟
– ليس للمدينة حاكم…. لقد ذهب منذ سنوات طويلة ولم يعد .. ولايعرف أحد إلى أين ذهب…
– كيف؟ ومن يدير أمورهذه المدينة؟
– لسنا بحاجة إلى من يدير أمورنا …هل تعلم ماذا كان يفعله الحاكم الراحل؟ كان يفرض الجباية على السكان ويجمع الأموال الطائلة لنفسه ولعائلته ولمعاونيه، ولم يكن يقدم لنا شيئاً …
انتشرت الأمراض بيننا ولم يقدم أدنى رعاية صحية تذكر، ومات منا الكثيرين، وساءت أحوال المدينة وانتشرت بها الأوبئة والقاذورات وهجرها أغلب سكانها، ولم يزده ذلك إلا أن زاد في غيه وصلفه وعناده .
هذا الحاكم وأد الحلم قبل أن يولد … حرق الحماس المشتعل في النفوس … أحبط الشباب وقهر الشيوخ … أفسد الهواء المنبعث من أبخرة الأمل…
– وكيف حدثت هذه النقلة المذهلة لمدينتكم؟
– بعد سنوات من الهوان والضعف ظهر بيننا طبيب شاب درس الطب وتفوق في دراسته ووصل إلى قناعة أن الإنسان يمرض بما يتناوله من أطعمة وإذا تحكم فيما يدخل معدته سواء بالمنع التام أو بالتقليل أو بمنع بعض الأطعمة يحقق الشفاء بإذن الله.
– وهل نجحت تلك النظرية؟
– نجحت نجاحاً لم يتوقعه الطبيب ذاته….
بدأ الناس في العزوف عن الكثير من الأطعمة المسرطنة والمشكوك في جودتها ، وهنا ثارت ثائرة التجار والوسطاء والسماسرة ، ولجأ الحاكم ومعاونيه إلى تهديد الناس بأن كل من يسير خلف هذا الطبيب المزعوم سيلقى جزاءه ولكن لم تزد تلك التهديدات الناس إلا تمسكاً به وأصبح عدد أتباعه يتضاعف يوماً بعد يوم.
وهجر الناس الأدوية والعلاجات وساروا على نظريته وتحقق لهم الشفاء… لم تجد شركات الدواء سوقاً لها لدينا وأغلقت الصيدليات، ومن بعدها العيادات والمشافي وهجر أغلبهم هذه المهن وامتهنوا مهناً أخرى.
حارب الحاكم هذا الطبيب بكل ما يملك من قوة ولكنه فشل أمام التيار الشعبي الجارف الذي يؤيده، وشكل الناس سياًجاً بشرياً حول بيته لحمايته.
ولم يجد الحاكم بداً من الرضوخ لرغبة الشعب الثائر فقد كانت ربما لأول مرة في التاريخ أن اتخذ الناس مبدأ العزوف عن البضائع سلاحاً لا أعتقد أن مارسه شعباً قبل ذلك وكانت إرادتهم فوق قوته وسطوته ونفوذه.
ولم يجد أمامه سبيلاً إلا أن يرحل ويترك المدينة فلم يعد له بها مصالح أو أعوان كان المد الشعبي يتزايد كل يوم وكان سيطوله ويغرقه إذا لم يقفز في الوقت المناسب.
– وكيف أصبحت المدينة بهذه النظافة والنظام؟
– بعد رحيل الحاكم أقمنا مجلس حكماء للمدينة وقررنا أن لايحكمنا أحد واتفقنا أن كل منا مسؤول عن ملف وضعنا مشاكلنا وقمنا بوضعها في ملفات وأصبح لكل ملف مسؤلاً يتابعه مثلاً النظافة .. الانتقالات والمواصلات .. الأيواء … التعليم .. البحث العلمي .. التصنيع .. التصدير .. وهكذا وقطعنا على أنفسنا عهداً
ألا نقطع شجرة أو نترك فقيراً أو محتاجاً أو جائعاً
وقررنا أن لا نترك عاطلاً بلا عمل ، وأن لا نترك شخصاً بلا تعليم مهما كان عمره ، تطوع منا العديد لمحو أمية الأميون من بيننا … ولا أعني هنا أمية الكتابة والقراءة فقط بل أمية الفكر والمعرفة وأساليب العلم الحديثة كل فيما يخصه … هذا كل ما حدث
وماذا يعني اسم مدينتكم ( مدينة بلا ظلال )؟
– منذ أن تركها الحاكم وقفز قبل الطوفان قررنا ألا نبقي أنفسنا تحت ظل حاكم أبداً مهما قدم من وعود ومهما أقسم من أقسام، ومن هنا كان الاسم لا ظل لحاكم علينا.
– نظر (سبعة) إلى الرجل ونهض واقفاً … كانت الشمس ساطعة ونظر حوله فلم يجد له ظل، وهنا أيقن أنه صار من أهل تلك المدينة … اتجه للرجل قائلا:
– أشكر لك كل ما ذكرت لقد عرفت الآن ماذا عساي أن أفعل ؟
اعتقد أن بدايتي ستكون من طريق الشروق أنا ذاهب إلى هناك ولا أعرف هل سألتقي بك ثانية أم لا وفي كل الأحوال لن أنسى لك معاونتك لي.
ترك (سبعة) الرجل وسار وحيداً في طريق الشروق.
تمت