أخبار من أمريكاتحليلات سياسيةعاجل
أخر الأخبار

تحليل: لماذا أصبح شاب اشتراكي مسلم علي رأس أهم مدينة في أمريكا؟

تحليل: فرانسوا باسيلي – وكالات

توضيحات واستنتاجات

1- لا حاجة لتأكيد ما هو واضح، أن فوز زهران ممداني ليصبح أول مسلم، وأول اشتراكي، يتقلد منصب عمدة أكبر وأهم مدينة في أمريكا وعاصمة الرأسمالية الغربية هو زلزال سياسي وفكري واجتماعي يكشف، بجانب ظواهر أخري، عن تحولات ضخمة في البنية التحتية البشرية والفكرية في أمريكا، وهي تحولات لم يزل معظم السياسيين الأمريكيين في حالة صدمة وإنكار لها ولأسبابها.

2- فوز ممداني لم يكن لأنه مسلم، ولكن بالرغم من أنه مسلم، فأصوات المسلمين وحدها لا تكفي لفوزه، لكنه حاز علي أصوات قطاع كبير من اليهود في مدينة كانت وماتزال تعتبر قلعة لليهود باعتبارها تحتوي لأكبر تجمع لهم خارج إسرائيل، ثم أن فوز ممداني المسلم كان لأنه يختلف عن النمط السائد للمسلم ليس فقط في بلاد المسلمين في الشرق الأوسط وبلد والديه الأصلي باكستان ولكن أيضاً يختلف عن نمط المسلم في أمريكا، وعليك فقط أن تنظر إلي أقرب الناس له لتدرك هذه الحقيقة، فوالده مفكر ومؤلف وأستاذ جامعي أكاديمي له عدد من الكتب المنشورة والآراء المطروحة، ووالدته مخرجة سينمائية لها نشاط فني وحضور مميز في الأوساط الفنية الشرقية والغربية، وزوجته فنانة شابة متحررة شكلاً وموضوعاً تنحت لنفسها طريقا خاصا في عالم الفنون، كما أن له مواقف مؤيده لحقوق المثليين، وهذا بالطبع مخالف للشريعة الإسلامية وكذلك للتعاليم اليهودية والمسيحية التقليدية،

هذا إذن ليس مسلماً عادياً ولا تقليدياً، هو بالطبع فخور بتراثه الديني لكنه مثل كل المستنيرين لا يجعل التدين هو سمته الأولي ولا الدين شاغله الشاغل، هو لم يحاول طمس هويته الدينية لكنه لم يعلق دينه شارة علي صدره كما يفعل المتشددون، ولم يحشر الدين إطلاقاً فيما يقول من كلمات وأفكار ويعلن من سياسات وانحيازات، فقد كان واضحاً أن انحيازه الأول هو للمواطن الأمريكي في نيويورك بكل طوائفه وأشكاله وألوانه ودياناته، ولهذا شعر بالارتياح له معظم من اقتربوا منه، خاصة أن شخصيته هي لإنسان مبتسم دائماً، يضع يده علي قلبه كرسالة محبة، كما أنه يمتلك قدرة خطابية وتعبيرية وفكرية مميزة جداً، تشي بأنه شاب علي درجة عالية من الثقافة والفكر والفهم، وبقدرة عالية علي التواصل الإنساني مع الجميع، فليس من الصدفة بالطبع أن جزءًا معتبراً من اليهود الأمريكان كانوا متطوعين في حملته الإنتخابية، وأن شخصيات يهودية مؤثرة أعلنت تأييدها له.

3- الدرس الأساسي لنجاح ممداني إذن هو أن الإسلام في حد ذاته ليس عائقاً عن الإنخراط الكامل في الحياة السياسية في الغرب، لكن التشدد والتطرف الديني لدي الجماعات المتأسلمة المنشغلة بالدين والتدين والمتنطعة به والمروجه له وكأنه هراوة أو سكين في يدها تضرب به “الكفار” من الآخرين المختلفين عنها هو العائق وهو المشكلة الكبرى اللازم مواجهتها سياسياً وفكرياً حتي لا تستفحل وصولاً إلي حالات الإرهاب والعنف المرفوض في كل مكان،

والدرس يتضمن حقيقة أن المسلم المسالم المبتسم ألمحب للآخرين المنفتح المستنير الذي يحتضن الإبداع الإنساني في كل صوره من علم وفن وفكر هو المسلم الذي سيجد له مكاناً في العالم المتقدم المتحضر، وليس المسلم المستسلم للداعية المتجهم الذي يلعن الآخرين ولا يراهم سوي كفاراً لابد من محاربتهم، ولا المسلم الذي يصر علي فرض دينه علي الآخرين باحتلال الساحات العامة في الشوارع والأرصفة بدعوي الصلاة، فيعتدي علي حقوق وحريات الآخرين ويجعلهم ينفرون من المسلمين.

4- فوز ممداني الاشتراكي الديمقراطي الذي يصفه خصومه بالشيوعية هو بلا شك تصاعد لتيار قبول فكرة الحد من الرأسمالية وتطعيمها بالمزيد من الفكر الاشتراكي الذي بدأ مع سياسات أنتجت تطبيقات ناجحة أصبح يريدها كل الأمريكان مثل نظم السوشيال سيكيوريتي – التأمين الاجتماعي – والميدي كير والميدي كيد، وكلها سياسات اشتراكية الأصل استوردتها الرأسمالية لتحمي بها مجتمعاتها من ثورة المسحوقين، أو التي أطلق عليها السادات “إنتفاضة الحرامية”، ورغم محاولات التشويه فالاشتراكية التي نادي بها ممداني هي اشتراكية استاذه السيناتور بيرني ساندرز، وهي ليست الشيوعية، لكنها إشتراكية دول أوربية ناجحة جداً مثل السويد والنرويج وغيرها.

الرئيس ترامب بعد أن هاجم ممداني بشدة قبل الانتخابات وقال أنه لن يرسل حصص نيويورك المالية لها محاولاً التأثير لمنع فوزه، أبدي بعد الفوز موقفاً يبدو أكثر واقعية فقال أنه يحب بلده نيويورك ويرجو لها الخير لكن كل السياسيات الشيوعية في العالم لم تنجح، وهو يتعمد استخدام كلمة شيوعية وليس اشتراكي.

ومن اللافت هنا أن أتذكر قولاً رائجا يقول أن اليساريين يتقنون تشخيص المشكلات التي تواجه الناس لكنهم يفشلون في حلها، أي هم ينجحون في الحملات الدعائية والانتخابية لكنهم يخفقون في التطبيق وهم في السلطة وهناك بعض الحقيقة في هذه العبارة للأسف.

5- فوز ممداني يعتبر أيضاً فوزاً أكيداً للدمقراطية الأمريكية، فرغم حشد عشرات الملايين للترويج لخصمة أندرو كومو حاكم ولاية نيويورك الأسبق، وللترويج ضد ممداني، فلم تفلح الملايين في النهاية، فالديمقراطية الأمريكية لا تقيم الناس حسب أديانهم وهويتهم العرقية ولكن حسب أعمالهم وسلوكياتهم وانتمائهم لقيم المواطنة والحرية والإنسانية، هذه الدمقراطية هي أحد أهم عوامل القوة للمجتمع الأمريكي، وقد رأينا من قبل كيف انتخب أغلبية الأمريكان باراك اوباما رئيساً رغم أنه من الأقلية علي أكثر من مستوي، وكان انتخابه كاسحاً، الديمقراطية الأمريكية تضرب المثل تلو الآخر علي أهميتها وانجازاتها، رغم أنها صارت مؤخراً تحت تهديدات تحاول تقليصها.

6- فوز ممداني أيضاً هو مؤشر واضح لمن يريد أن يري التغيير الذي حدث ويحدث في المجتمع الأمريكية وخاصة بين الشباب في نظرتهم للدولة الصغيرة الأجنبية التي يرون أنها تمارس نفوذاً غير مبرر بتأثيرها بالمال والإبتزاز علي أعضاء الكونجرس الأمريكي، وهو ما يقوم حالياً عدد متزايد من الإعلاميين والمؤثرين بفضحه والدعوي إلي تقليصه، والملفت أن هذا يحدث الآن في أوساط اليسار واليمين معاً، وقد قيل أن ممداني ضمن فوزه منذ تلك المناظرة المتلفزة بين سبعة من المرشحين كان أهمهم كومو وممداني وكان ردهم كلهم ما عدا ممداني علي سؤال غريب غبي عن ما هي أول دولة ستزورها حين تصبح عمد النيويورك أنهم سيزورون إس را عيل، بينما قال ممداني أنه لن يترك نيويرك ويزور دولة أجنبية، وكان موقفه موقف رجل قوي لا يبيع نفسه ولا ينافق لكي يصل كما فعل الآخرون

كانت الهجمة الوحشية علي السكان العاديين بما فيهم النساء والأطفال الذين راحوا ضحية القتل الجماعي البربري في غا zaa ومشاهد هذه المجازر علي مدي أشهر طويلة هو بلاشك أهم عامل أدي إلي إثارة غضب وثورة عشرات الملايين في معظم العواصم والمدن في أمريكا وأوروبا، وهو ما جعل هؤلاء ينظرون لأول مرة ربما في حياتهم يريدون معرفة أسباب هذا الحدث الهائل الذي يجري، فنجد بعضهم يرجعون إلي وعد ذلك السياسي البريطاني الذي وصفوه قائلين من لا يملك أعطي لمن لا يستحق، فإذا بأصل القضية يعود إلي الواجهة، وإذا بالدولة التي كانت تحظي بتعاطف وتأييد عالمي بلا حدود تتحول في أعين أغلبية سكان المعمورة إلي ما يشبه جنوب إفريقيا في السابق، دولة تقمع وتحتل وتتوحش وتضرب كالمخمور في كل ما حولها حتي أصبحت هي أكبر من أضر بنفسها، فكسبت المعركة الدموية وخسرت حرب الوجود الأخلاقية الانسانية.

7- هذا التحول المدهش في الداخل الأمريكي عنوانه لدي اليمين في حركة ماجا هو “أمريكا أولاً” ، بينما عنوانه لدي الشباب في اليسار الأمريكي هو “فري فري با لا ستيان – Free Free Palestine” ، وحين تضم الحركتين معاً فأنت أمام مخاض داخلي دفين صارت له علامات خارجية تشي بميلاد لم يكن يتوقعه أحد، مخاض يحمل كل صفات المخاض من آلام وتوجسات وآمال ومواجهات وتفاعلات خطيرة تؤدي إلي إحتمالات مختلفة ما بين الولادة الطبيعية أو القيصرية أو الإجهاض أو تهديد حياة الأم نفسها.

يبقي المستقبل الأمريكي في الداخل محفوفاً بالآمال والمخاطر، وهو ما يحيط بكل مستقبل مثير جدير بأن يعمل الناس من أجله.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إغلاق