تحليلات سياسيةعاجل
دول الخليج تضغط على واشنطن: وقف الحرب مع إيران لا يكفي ما لم تُقيَّد الصواريخ والطائرات المسيّرة نهائيًا

خاص: رؤية نيوز
كشفت رويترز في تقرير أن دولًا خليجية عربية أبلغت الولايات المتحدة، في اتصالات ومناقشات خاصة، أن أي اتفاق مع طهران لا ينبغي أن يقتصر فقط على وقف الحرب الجارية، بل يجب أن يتضمن تقليصًا دائمًا وملزمًا لقدرات إيران الصاروخية والمسيّرات، مع ضمان ألا يتحول مضيق هرمز مرة أخرى إلى أداة ابتزاز سياسي أو اقتصادي.
الفكرة المحورية في التقرير أن السؤال لم يعد فقط كيف تنتهي الحرب، بل أي نظام إقليمي سيولد بعدها. فصناع القرار في الخليج، بحسب المصادر التي تحدثت لرويترز، لم يعودوا يرون أن مجرد وقف إطلاق النار كافٍ، لأن المشكلة في نظرهم أعمق من المعارك الحالية، وتتعلق ببقاء أدوات الضغط الإيرانية نفسها قائمة كما هي.
المسؤولون الخليجيون أبلغوا واشنطن أن إيران لم تترك لدولهم “مخرجًا دبلوماسيًا آمنًا”، بعد الهجمات المتكررة التي استهدفت منشآت حيوية ومدنية في دول الخليج خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. ولهذا، فإنهم يريدون من أي اتفاق مقبل أن يفرض قيودًا قابلة للتنفيذ على:
- الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة ضد منشآت الطاقة والأهداف المدنية.
- تهديدات الملاحة وإمدادات النفط وخطوط الشحن البحري.
- استخدام الوكلاء الإقليميين كأدوات ضغط وحرب غير مباشرة.
التقرير ينقل بوضوح أن دول الخليج تريد إعادة كتابة قواعد الاشتباك في المنطقة، بحيث يصبح من غير المقبول مستقبلاً أن تستخدم إيران مضيق هرمز كسلاح سياسي أو عسكري. وبمعنى آخر، تطالب هذه الدول بأن تكون أمنيات ما بعد الحرب مكتوبة في صلب أي ترتيبات جديدة، لا أن تُترك كضمانات شفهية أو رهانات على حسن النيات.
من أبرز الاقتباسات الواردة في التقرير، ما قالته ابتسام الكعبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، التي رأت أن التحدي الحقيقي ليس فقط إقناع إيران بوقف الحرب، بل ضمان ألا يبقى الخليج مكشوفًا أمام الظروف نفسها التي سمحت باندلاع هذه الأزمة أصلًا. وهذا يوضح أن التفكير الخليجي الحالي يتجاوز وقف النار المؤقت إلى تفكيك البيئة التي تنتج التهديد.
كما استشهد التقرير بمقال كتبه يوسف العتيبة، سفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة، في وول ستريت جورنال، قال فيه بوضوح إن “وقف إطلاق النار وحده لا يكفي”، وإن المطلوب هو نتيجة حاسمة تعالج كامل طيف التهديدات الإيرانية:
- القدرات النووية
- الصواريخ
- المسيّرات
- الوكلاء
- إغلاق الممرات البحرية الدولية
ويبرز هنا أن الإمارات، عبر هذه الرسالة، لا تتحدث عن تجميد الأزمة، بل عن حسم استراتيجي يمنع إعادة إنتاجها بعد أشهر أو سنوات. وهذا يعكس انتقالًا مهمًا من سياسة الاحتواء إلى سياسة تغيير شروط اللعبة.
اقتصاديًا، يوضح التقرير أن الحرب ألحقت ضررًا كبيرًا باقتصادات الخليج، خاصة أنها تعتمد بدرجات متفاوتة على الطاقة، والتجارة، والسفر، والاستقرار اللوجستي. كما أن اضطراب المرور في مضيق هرمز أدى إلى:
- ارتفاع أسعار الطاقة
- اضطراب سلاسل الإمداد
- تغذية موجات تضخم عالمية
- زيادة المخاوف في الأسواق الدولية
ومن الزوايا اللافتة في التقرير، أن الاستخبارات الأميركية لا تستطيع الجزم سوى بأن نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية قد دُمّر حتى الآن. وهذه النقطة مهمة لأنها تفسر لماذا ترى بعض العواصم الخليجية أن الحرب لا ينبغي أن تتوقف قبل استكمال ضرب القدرات التي تعتبرها الخطر المباشر الأول على أمنها الوطني.
رويترز تشرح أيضًا أن الشكوك الخليجية ليست نظرية، بل مبنية على خبرة سابقة مع الاتفاق النووي لعام 2015. ففي نظر هذه الدول، الاتفاق السابق قيّد التخصيب النووي الإيراني، لكنه لم يُنهِ تهديدات:
- الصواريخ
- المسيّرات
- الوكلاء
- أمن الملاحة البحرية ولهذا، فهي لا تريد تكرار نموذج اتفاق يجمّد ملفًا ويترك بقية مصادر الخطر حية.
التقرير يميز بين معسكرين خليجيين في النظرة إلى استمرار الحرب:
قطر وعُمان والكويت تدفع خلف الأبواب المغلقة نحو إنهاء سريع للحرب، خشية التبعات الاقتصادية والردود الانتقامية.
في المقابل، الإمارات والسعودية والبحرين تبدو أكثر استعدادًا لتحمل قدر من التصعيد، وترفض أن ينتهي القتال بإيران ما بعد الحرب وهي ما زالت قادرة على استخدام مضيق هرمز كورقة مساومة أو ما تعتبره هذه الدول نوعًا من الابتزاز.
هذا التقسيم لا يعني انقسامًا استراتيجيًا نهائيًا داخل الخليج، لكنه يكشف اختلافًا في درجة الاستعداد لتحمل الكلفة وفي تصور الأولويات بين الاستقرار الفوري والردع طويل المدى.
وينقل التقرير عن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج كانت لها تداعيات جيوسياسية عميقة، وأنها كرّست إيران باعتبارها التهديد المركزي الذي يعيد تشكيل التفكير الاستراتيجي الخليجي. ووفق هذا المنطق، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تقاربًا أمنيًا أعمق بين الإمارات وواشنطن.
كما يؤكد عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن الرسالة الخليجية إلى الولايات المتحدة أصبحت الآن صريحة ومباشرة: أي اتفاق مع إيران يجب أن يتضمن ضمانًا واضحًا لأمن دول الخليج نفسها، لا أن يقتصر على حماية المصالح الأميركية أو الإسرائيلية.
ويضيف التقرير أن هذه الرسالة تم تعزيزها من خلال مجلس التعاون الخليجي بوصفه جبهة موحدة في رفض أي تسوية لا تضع أمن الخليج في قلب الترتيب الجديد. كما نقل عن الأمين العام للمجلس جاسم البديوي قوله إن إيران “تجاوزت كل الحدود”، في إشارة إلى آلاف الهجمات بالصواريخ والمسيّرات التي استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية مدنية وحركة ملاحة.
وفي الوقت نفسه، يظهر من التقرير أن بعض الحلفاء الخليجيين يحذرون واشنطن من إدخال قوات برية أو تنفيذ عمليات مثل السيطرة على جزيرة خرج، المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. فرغم رغبتهم في إضعاف إيران عسكريًا، فإنهم يخشون أن يؤدي التوغل البري إلى توسيع الحرب أكثر وفتح الباب أمام رد إيراني واسع ضد المنشآت الحيوية الخليجية.
بعبارة أوضح، الموقف الخليجي كما يعكسه التقرير ليس دعوة لحرب مفتوحة بلا سقف، بل دعوة إلى تسوية صارمة: لا وقفًا مجانيًا للحرب، ولا أيضًا مغامرة برية غير محسوبة قد تشعل المنطقة بأكملها.
الخلاصة
هذا التقرير مهم جدًا لأنه يكشف تحوّلًا في المزاج الخليجي من مجرد الرغبة في احتواء إيران إلى السعي لفرض هندسة أمنية جديدة في المنطقة. الرسالة الخليجية لواشنطن باتت واضحة: إنهاء الحرب وحده لا يكفي، لأن العودة إلى ما قبل الحرب تعني ببساطة عودة التهديد نفسه بصورة مؤجلة.
اللافت أيضًا أن التقرير يبين أن بعض العواصم الخليجية، وخاصة الإمارات والسعودية والبحرين، باتت ترى أن اللحظة الحالية يجب استثمارها لتقليص أدوات إيران العسكرية والردعية، لا لإغلاق الملف بسرعة. وفي المقابل، لا تزال دول أخرى مثل قطر وعُمان والكويت أكثر ميلًا إلى إنهاء النزاع سريعًا لتقليل الخسائر.
سياسيًا، هذا يعني أن الخليج لم يعد يريد أن يكون مجرد ساحة تتأثر بما تقرره واشنطن وطهران، بل يريد أن يكون طرفًا مكتوبًا داخل أي تسوية قادمة، بضمانات أمنية مباشرة وواضحة.
