أخبار الجالياتأخبار من أمريكاالجالية المصرية في أمريكا
ترامب يهاجم حاكمة نيويورك بسبب الحجاب.. سجال ديني يتحول إلى ورقة انتخابية ساخنة
هوكول ترد: «لن أعتذر أبدا».. والجدل يفتح معركة حول أصوات العرب والمسلمين قبل انتخابات نوفمبر

نيويورك – رؤية نيوز
تحولت زيارة قامت بها حاكمة ولاية نيويورك الديمقراطية كاثي هوكول إلى أحد المراكز الإسلامية في مدينة نيويورك إلى مواجهة سياسية مباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما هاجمها بسبب ظهورها بغطاء للرأس خلال الزيارة، واتهمها بمحاولة استمالة ما وصفه بـ«الصوت العربي» في انتخابات حاكم الولاية المقررة في نوفمبر المقبل.
وكانت هوكول قد زارت، الجمعة 28 أغسطس، المركز الثقافي الإسلامي في نيويورك، حيث التقت مسؤولين وأعضاء من المجتمع المسلم وغطت رأسها أثناء وجودها داخل مكان العبادة، وهي خطوة قالت لاحقا إنها جاءت احتراما لتقاليد المكان الذي استضافها. وأكدت أن الأمر لا يختلف بالنسبة لها عن مراعاة قواعد اللباس والعادات عند زيارة دور عبادة يهودية أو مسيحية.
وسرعان ما انتشرت صور ومقاطع فيديو الزيارة على منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت مادة للهجوم من عدد من الشخصيات والتيارات المحافظة، قبل أن يدخل ترامب بنفسه على خط المواجهة.
ترامب: تحاول الحصول على «الصوت العربي»
في منشور على منصة «تروث سوشيال»، نشر ترامب صورة لهوكول وهي تغطي رأسها، ووصفها بأنها «أسوأ حاكمة في البلاد»، قبل أن يتهمها بأنها تعمل جاهدة للحصول على «Arab Vote» أو الصوت العربي.
كما ربط ترامب بين ظهور هوكول بغطاء الرأس وبين الجدل حول برنامج تسعير الازدحام المروري في مانهاتن، قائلا إن هذا البرنامج يضر بها سياسيا حتى بين الأشخاص الذين ترتدي الحجاب من أجلهم، بحسب تعبيره، واختتم منشوره بالقول إن «الأمر كله جنوني».
لكن اللافت في تصريحات ترامب هو استخدامه مصطلح «الصوت العربي» في قضية تتعلق بزيارة مسجد، وهو خلط سياسي وديموغرافي بين العرب والمسلمين؛ فليس كل العرب في الولايات المتحدة مسلمين، كما أن قطاعات واسعة من المسلمين الأمريكيين تنتمي إلى أصول آسيوية وأفريقية وأمريكية وغيرها.
ويعيش في ولاية نيويورك أكثر من 300 ألف أمريكي من أصول عربية، ما يجعلها واحدة من أكبر التجمعات العربية في الولايات المتحدة، وفقا لما ورد في سجلات مجلس شيوخ الولاية.
هوكول لترامب: لن أعتذر
رد هوكول جاء أكثر حدة من مجرد الدفاع عن اختيارها للملابس.
وقالت إنها كانت ضيفة في بيت عبادة إسلامي وأرادت إظهار الاحترام للأشخاص الذين استقبلوها، مضيفة أن هذا النوع من الاحترام كان أمرا طبيعيا في الولايات المتحدة قبل دخول ترامب إلى الحياة السياسية بهذه الصورة.
واختتمت ردها برسالة مباشرة: «لن أعتذر أبدا» عن معاملة أشخاص من أي عقيدة بكرامة، واتهمت ترامب وحلفاءه بتبني خطاب معاد للمسلمين.
وفي تصريحات أخرى، أكدت هوكول أنها تتبع المنهج نفسه عند زيارة دور العبادة المختلفة، سواء كانت معبدا يهوديا أو مجتمعا أرثوذكسيا أو كنيسة كاثوليكية، معتبرة أن مراعاة تقاليد المكان جزء من احترام من يستضيفها.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تغطي فيها هوكول رأسها في مناسبة إسلامية؛ فقد فعلت ذلك سابقا، من بينها جنازة ضابط شرطة نيويورك المسلم ديدارول إسلام عام 2025.
لماذا تحول الحجاب إلى قضية انتخابية؟
التوقيت هو أحد أهم أسباب تضخم القضية. فالولايات المتحدة تستعد لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، وقد استخدم بعض المحافظين هذه المناسبة لانتقاد ظهور هوكول بغطاء الرأس، معتبرين أن توقيت الزيارة غير مناسب.
في المقابل، رفضت منظمات إسلامية الربط بين المسلمين وهجمات 11 سبتمبر، مؤكدة أن المسلمين الأمريكيين أنفسهم شاركوا بقية الأمريكيين الحزن على الضحايا، وأن احترام مسجد أو ارتداء غطاء للرأس داخله لا ينبغي تحويله إلى اختبار للوطنية.
ومن هنا انتقلت القضية من سؤال بسيط حول «لماذا ارتدت الحاكمة الحجاب؟» إلى صراع أكبر حول الدين والهوية والهجرة والتعددية الثقافية ومكان المسلمين في المجتمع الأمريكي.
خلف المعركة.. انتخابات حاكم نيويورك
هناك بعد انتخابي واضح لا يمكن تجاهله.
هوكول تخوض في 3 نوفمبر المقبل انتخابات تسعى من خلالها للاحتفاظ بمنصب حاكم نيويورك، في مواجهة المرشح الجمهوري ومسؤول مقاطعة ناسو بروس بلاكمان، الذي انضم هو الآخر إلى منتقديها واتهمها بالاستعراض السياسي ومحاولة إرضاء الجمهور الذي تتحدث أمامه.
والسباق لم يعد مريحا تماما بالنسبة لهوكول. فآخر استطلاع كبير أجرته جامعة Siena قبل واقعة الحجاب أظهر تقدمها على بلاكمان بـ49% مقابل 39%، أي بفارق عشر نقاط فقط، بعدما كان الفارق عشرين نقطة في استطلاع سابق خلال يونيو.
وهذا التراجع يجعل كل كتلة انتخابية مهمة، بما فيها الناخبون العرب والمسلمون، خصوصا في مدينة نيويورك وبعض مناطق لونغ آيلاند وضواحي الولاية.

هل هجوم ترامب يضر هوكول أم يفيدها؟
سياسيا، قد تكون النتيجة أكثر تعقيدا مما يبدو.
بالنسبة لقاعدة ترامب والمحافظين، يمكن استخدام الصورة لتأكيد الرواية التي يكررها الجمهوريون بأن الديمقراطيين يمارسون «سياسات الهوية» ويحاولون كسب أصوات الأقليات من خلال الرموز والإشارات الثقافية. وهذا قد يساعد بلاكمان على تعبئة الناخب الجمهوري المحافظ، خاصة أن ملفي الجريمة وتكاليف المعيشة والضرائب والازدحام المروري تمثل بالفعل محاور رئيسية لحملته.
لكن لدى هوكول فرصة لتحويل الهجوم نفسه إلى مكسب سياسي.
فبدلا من الدفاع فقط عن الحجاب، جعلت القضية تتعلق بـحرية الدين واحترام دور العبادة وكرامة المسلمين الأمريكيين. وقد يدفع ذلك عددا من الناخبين العرب والمسلمين، وربما قطاعات من الليبراليين والمعتدلين، إلى النظر إلى هجوم ترامب باعتباره تجاوزا لحدود الخلاف السياسي ودخولا في مساحة الهوية الدينية.
وهناك أيضا احتمال لحدوث ما يعرف سياسيا بـ«التأثير العكسي»: كلما ازداد الهجوم على هوكول بسبب احترامها تقاليد مسجد، أصبح من الأسهل عليها تقديم نفسها باعتبارها حاكمة تدافع عن التنوع الديني في نيويورك، وهي واحدة من أكثر الولايات تنوعا في البلاد.
ترامب يخاطب قاعدته أكثر مما يخاطب المترددين
السؤال الأهم هو ما إذا كان هجوم ترامب قادرا على جذب ناخبين جدد إلى الجمهوريين، أم أنه يكتفي بتعبئة ناخبين يؤيدونه بالفعل.
المؤشرات الوطنية الحالية لا تمنح ترامب وضعا مريحا بين الجمهور الأوسع؛ فقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos الصادر في 31 أغسطس أن نسبة تأييده على المستوى الوطني تدور حول 33%، مع تقدم الديمقراطيين في حماس ناخبيهم للانتخابات النصفية. وهذه الأرقام لا يمكن إسقاطها مباشرة على انتخابات نيويورك، لكنها تشير إلى أن تدخل ترامب قد يكون أكثر فعالية في تحريك القاعدة الجمهورية منه في إقناع الناخبين المستقلين.
ورقة «تسعير الازدحام» أخطر من الحجاب
وربما يكون الجزء الأكثر أهمية انتخابيا في منشور ترامب ليس الحجاب نفسه، وإنما محاولته ربطه ببرنامج Congestion Pricing.
فالرسالة التي يريد ترامب تمريرها هي أن هوكول يمكنها التقرب رمزيا من المجتمعات العربية والمسلمة، لكن هذه المجتمعات – شأنها شأن غيرها – تواجه تكاليف المعيشة والمواصلات والضرائب.
وهنا يمتلك الجمهوريون حجة انتخابية أقوى بكثير من الجدل الديني: إذا استطاع بلاكمان نقل النقاش من «الحجاب» إلى تكلفة الحياة في نيويورك، فقد يكون لذلك تأثير أكبر على الناخب المتردد.
أما إذا ظل الجدل مركزا على ما إذا كان يحق لحاكمة الولاية تغطية رأسها احتراما لمسجد، فقد تستفيد هوكول أكثر من خصومها.
خطورة ربط الإسلام بـ11 سبتمبر
ويظل الجانب الأكثر حساسية هو محاولة بعض المنتقدين ربط ظهور الحاكمة بالحجاب باقتراب ذكرى هجمات 11 سبتمبر.
هذا الخطاب قد ينجح في إثارة جزء من القاعدة المحافظة، لكنه يحمل مخاطرة كبيرة بالنسبة للجمهوريين، لأنه قد يبدو بالنسبة لقطاع أوسع من الأمريكيين وكأنه يحمل المسلمين المعاصرين مسؤولية جماعية عن هجمات إرهابية وقعت قبل ربع قرن.
ولهذا حاولت هوكول وحلفاؤها تحويل النقاش من الدفاع عن مظهر الحاكمة إلى الدفاع عن مبدأ أمريكي أوسع: أن المسلم الذي يدخل كنيسة ويحترم تقاليدها، أو المسيحي الذي يدخل مسجدا ويحترم قواعده، لا يتنازل عن هويته، وإنما يمارس شكلا من أشكال التعايش الديني.
ما التأثير المتوقع على الرأي العام؟
حتى الآن، لا يوجد استطلاع رأي موثوق منشور يقيس بشكل مباشر تأثير واقعة الحجاب على نوايا التصويت في نيويورك، ولذلك سيكون من المبكر القول إنها رفعت أو خفضت شعبية هوكول.
لكن من المرجح أن تؤدي القضية إلى نتيجتين متعاكستين في وقت واحد: زيادة حماس جزء من الناخبين المحافظين المعارضين لهوكول، وفي المقابل زيادة شعور الناخبين المسلمين والعرب بأنهم مستهدفون سياسيا، بما قد يدفع بعضهم إلى مزيد من المشاركة والتصويت ضد المرشح المدعوم من ترامب.
أما الناخب المستقل، وهو الأهم في تحديد حجم الفارق النهائي، فمن المرجح أن يحكم على القضية من زاوية مختلفة: هل كانت هوكول تقوم بمجاملة دينية طبيعية، أم كانت بالفعل تستخدم رمزا دينيا لكسب أصوات انتخابية؟
الإجابة عن هذا السؤال، وليس قطعة القماش نفسها، هي التي ستحدد ما إذا كان الجدل سيبقى مجرد عاصفة على مواقع التواصل الاجتماعي أم يتحول إلى عامل حقيقي في انتخابات نوفمبر.
الخلاصة
المواجهة بين ترامب وهوكول تكشف أن صوت العرب والمسلمين في نيويورك أصبح جزءا واضحا من الحسابات الانتخابية الكبرى.
ترامب يحاول تصوير هوكول باعتبارها سياسية تغير خطابها ومظهرها بحثا عن الأصوات، بينما تحاول الحاكمة قلب الاتهام وتصوير الرئيس والجمهوريين باعتبارهم يهاجمون مبدأ احترام المسلمين وحرية الدين.
وفي ولاية يتقدم فيها الديمقراطيون لكن الفارق أصبح أقل اتساعا، قد لا يحدد «الحجاب» وحده نتيجة الانتخابات، لكنه كشف معركة أكبر بكثير سترافق الأسابيع الأخيرة من الحملة: من يستطيع تعريف الهوية الأمريكية أمام الناخبين.. ترامب بخطاب الهوية والقومية، أم هوكول بخطاب التنوع والتعايش؟
وهنا ربما تكمن الأهمية الحقيقية للصورة التي بدأت بغطاء رأس داخل مسجد، وانتهت إلى واحدة من أولى معارك الهوية الكبرى في المرحلة الأخيرة من سباق حاكم نيويورك.
