ملياردير مقابل ملياردير.. هل تنجح خطة بلومبيرغ لهزيمة ترامب بالانتخابات؟

مئات الملايين من الدولارات تنفقها حملة المرشح الديمقراطي المحتمل مايكل بلومبيرغ، لهزيمة ترامب في الانتخابات الرئاسية، بشكل غير مسبوق في التاريخ الأمريكي.

حاولت هيلاري كلينتون مهاجمة ترامب وتشويه صورته، وكذلك فعل 16 من الجمهوريين المنافسين. لكن بعد إنفاق مئات الملايين من الدولارات على الإعلانات التي تهاجم دونالد ترامب في عام 2016، كانت النتائج هي نفسها: لم يُلحقوا أضراراً كبيرة بترامب.

والآن يحاول مايكل بلومبيرغ بطريقته الخاصة، أن ينفق الملايين كل أسبوع في هجوم إعلاني عبر الإنترنت، مسترشداً باستطلاعات الرأي والبيانات التي يعتقد هو ومستشاروه أنها توفر نظرة فريدة حول نقاط ضعف الرئيس ترامب، حسبما ورد في تقرير لصحيفة Independent البريطانية. 

مئات الملايين من الدولارات تستهدف ولايات بعينها

ولا يمثل هذا الجهد، الذي يستهدف الولايات السبع المتأرجحة التي تشير استطلاعات الرأي إلى أن ترامب من المحتمل أن يكون منافساً فيها بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، سوى جزء من حملة إعلانية غير مسبوقة من حيث النطاق والحجم. 

فعبر فيسبوك وجوجل وحدهما حيث يركز بلومبيرغ على مهاجمة الرئيس ترامب، أنفق بلومبيرغ 18 مليون دولار على الإعلانات في الشهر الماضي، وفقاً لشركة Acronym، وهي شركة مراسلة رقمية تعمل مع الديمقراطيين.

هذا علاوة على مبلغ 128 مليون دولار أنفقتها حملة بلومبيرغ على الإعلانات التلفزيونية، وفقاً لشركة Advertising Analytics، وهي شركة مستقلة، تتوقع أن ينفق بلومبيرغ ما بين 300 مليون دولار و400 مليون دولار على الإعلانات بجميع وسائل الإعلام قبل أيام الثلاثاء الحاسمة بالانتخابات الرئاسية التمهيدية في أوائل مارس/آذار 2020.

هذه المبالغ تقزم الميزانيات الإعلانية لمنافسيه، وهو ينفق بمعدل أسرع من الحملات الرئاسية السابقة كذلك. وينفق بلومبيرغ بالفعل أكثر من حملة ترامب كل أسبوع، للوصول إلى الناخبين على الإنترنت. وإذا كانت تقديرات المبالغ تشير إلى 400 مليون دولار، فسيكون هذا هو نفس ما أنفقته حملة الرئيس باراك أوباما على الإعلانات على مدار الانتخابات العامة بأكملها في عام 2012.

هل تستطيع حملة المرشح الديمقراطي المحتمل مايكل بلومبيرغ هزيمة ترامب في الانتخابات الرئاسية؟

تمثل تلك الإعلانات رهاناً كبيراً من قِبل حملة بلومبيرغ بأن هناك عدداً كافياً من الأمريكيين الذين يتأرجحون في آرائهم حول ترامب ويمكن أن يتأثروا بالتحريض الإعلامي ضد سلوك ترامب وشخصيته.

لكن هذه الافتراضات ليست مضمونة في ظل بيئة سياسية منقسمة بشكل متزايد، على أسس حزبية وحيث تكون المعلومات الواردة من «الجانب الآخر» مشكوكاً في صحتها بالنسبة لعديد من الناخبين. 

قبل فوات الأوان.. الدرس الذي تعلموه من الانتخابات السابقة

لكن مساعدي بلومبيرغ يعتقدون أنه من الضروري إغراق الناخبين بالهجمات على الرئيس قبل فوات الأوان، وهو درس تعلمه الجمهوريون في عام 2016 عندما أنفقوا بالبداية معظم ميزانياتهم الإعلانية خلال الانتخابات التمهيدية، في تمزيق بعضهم بعضاً مع تجاهل ترامب.

في أحد إعلانات حملة بلومبيرغ الجديدة، يشير رجل من ميشيغان إلى الإنفاق في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، ويقول: «كل هذا الجهد وكل هذه الأموال ولا يذهب أي منها للمساعدة في الانتخابات التي تهمنا حقاً؟»، وتخطط الحملة لبث الإعلانات على الإنترنت في أيام الثلاثاء الحاسمة للانتخابات الرئاسية التمهيدية.

ظهر رجل آخر في الإعلان وهو يشجب حقيقة أن حملة ترامب تركز بشدة على ولاية بنسلفانيا، في حين لا يركز الديمقراطيون على تلك الولاية. وقال الرجل: «على ما يبدو، يحاول ترامب الفوز ببنسلفانيا مرة أخرى، إنه هنا طوال الوقت».

في الولايات المتأرجحة مثل ولايتي ويسكونسن وبنسلفانيا، التي من المحتمل أن تقرر ما إذا كان ترامب سيُعاد انتخابه، كانت إعلانات حملة الرئيس والمجموعات الخارجية المؤيدة للرئيس، في معظمها، هي الرسائل الوحيدة المدفوعة التي شاهدها الناخبون عنه. في هذا الصدد، تركز حملة بلومبيرغ جهودها هناك، على أمل تقويض مكانة ترامب.

وقال كيفن شيكي، مدير حملة بلومبيرغ: «أُخبر أي شخص يستمع إليَّ بأن ترامب سيفوز»، مشيراً إلى أن عدم وجود دعاية مناهضة لترامب يعني في الأساس أنه «سيخوض الانتخابات من دون أي معارضة بالولايات المتأرجحة».

وهم يستهدفون هؤلاء الناخبين تحديداً

في المقابلات، وصف كبار الخبراء الاستراتيجيين في حملة بلومبيرغ كيف يعتقدون أنه بإمكانهم تقويض مكانة ترامب لدى الناخبين المنفتحين على إعادة النظر في دعمهم له. 

ووفقاً لبيانات الحملة، يتراوح هذا العدد بين 10% و15% من الأشخاص الذين صوتوا له في عام 2016.

ويقول مساعدو بلومبيرغ إن بياناتهم تُظهر عموماً أن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى التعبير عن خيبة أملهم من الوعود التي فشل ترامب في الوفاء بها فيما يتعلق بقضايا مثل إعادة بناء البنية التحتية للبلاد، وهو مصدر قلق قوي بشكل خاص في أماكن مثل ميشيغان.

وهذه هي القضايا التي تزعج المواطنين

وتُظهر بيانات بلومبيرغ أنه في معظم الولايات، يشعر هؤلاء الناخبون بالضيق من محاولة الرئيس إلغاء قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة دون تقديم بديل جمهوري، حيث يرى الناخبون أن ذلك يعرض تغطيتهم الصحية للخطر. إنهم ينظرون إلى استجابته لعديد من عمليات إطلاق النار الجماعية خلال فترة ولايته، على أنها تفتقر إلى العجلة والجدية، لا سيما في الضواحي المحيطة بديترويت وفيلادلفيا.

ويعبر كثير من الناخبين عن مشاعر السخط والإرهاق بعد ثلاث سنوات مما يبدو كأنه قصص يومية تدور حول ترامب، واندفاعه، واختلاله داخل إدارته، والتشاجر الحزبي في واشنطن والذي أفسد في بعض الحالات حياتهم بالمنزل والعمل.

وقال جاري بريجز، الذي كان يشغل منصب كبير مسؤولي التسويق في فيسبوك وغادر منصبه العام الماضي وانضم إلى حملة بلومبيرغ، وهو الآن يوجه نصائحه إلى حملته الرئاسية: «مع وجود هذه النسبة المئوية من الناخبين المنفتحين لإعادة النظر في انتخاب ترامب، هناك ضريبة عليهم يريدون إزالتها، وهذه الضريبة هي ما يكترثون بشأنه».

الرسائل التي تستخدمها حملة بلومبيرغ في الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت الأخرى، مصممة لهذا الشعور بالإرهاق. ويقول أحد الأشخاص الذين ظهروا على فيسبوك في ولاية كارولينا الشمالية: «قل: لا للفوضى».

ضحايا الحرب التجارية مع الصين

كما قال رجل آخر وهو يصور صورة لرجل يغطى وجهه في يأس واضح وهو يقف فيما يبدو أنه حقل فول الصويا (كان مزارعو فول الصويا من بين أكثر المتضررين من تعريفة ترامب على البضائع الصينية): «تغريدة أخرى تمثل كذبة أخرى. لقد غرد ترامب بآلاف من التصريحات الكاذبة التي تسببت في فوضى وإحراج بلدنا».

البعض الآخر أكثر تحديداً في قضية معينة ويلعبون على فكرة يقول الخبراء الاستراتيجيون لبلومبيرغ، إنها قد اختُبرت بشكل جيد في أبحاثهم: الرئيس يبحث عن مصالح الشركات الكبرى والأثرياء، على الرغم من الوعود بتحسين حياة الأمريكيين من الطبقة العاملة.

الولايات السبع التي اختارتها حملة بلومبيرغ هي بعض أكثر الولايات تنافسية، مثل ويسكونسن وفلوريدا، وغيرها من الولايات التي يعتقد الديمقراطيون أنهم يستطيعون التخلص فيها من هيمنة الجمهوريين، مثل تكساس وأريزونا. وعلى رأس تلك الولايات ميشيغان وبنسلفانيا ونورث كارولينا.

مايكل الصغير

لقد استجابت حملة ترامب بقوة لدخول بلومبيرغ في السباق، إلى حد منع صحفيي Bloomberg News من تغطية فعالياتهم، لأن الموقع قال إنه لن يقوم بإجراء تقارير استقصائية حول منافسي بلومبيرغ للفوز ببطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي. 

قام ترامب بالتقليل من شأن العمدة السابق ورفضه باعتباره تهديداً، قائلاً: «سيفشل مايكل الصغير».

من الصعب للغاية العثور على أكثر الطرق إثارة للهجوم على الرئيس الحالي، لأسباب متنوعة. لا يتمتع الرئيس بالسلطة وقوة المنصب فحسب، لكن الأمريكيين عموماً شكَّلوا وجهات نظرهم حول فترة الولاية الأولى.

قال لاري مكارثي، وهو صانع إعلانات جمهوري كتب عديداً من إعلانات لجنة العمل السياسي الفائقة التي حاولت تقليص شعبية الرئيس باراك أوباما مع الناخبين المتأرجحين في عام 2012، إنه يعتقد أن إعلاناته لم تكن فعالة، «لأن عديداً من الناخبين حسموا بالفعل رأيهم بشأن أوباما. لم يحب عدد كبير من الناخبين، حسب بياناتنا، سياسات أوباما، لكنهم لم يظنوا أنه رجل سيئ».

مع ترامب، فإن العكس هو الصحيح. تشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الأمريكيين يوافقون على طريقة تعامله مع الاقتصاد، لكنهم يعطونه باستمرار تصنيفاً منخفضاً للأداء الوظيفي، قائلين إنهم لا يعتقدون أنه صادق.

وتشير استطلاعات الرأي العام إلى أنه يتمتع بفرصة متساوية للفوز بعديد من الولايات المتأرجحة ضد مجموعة متنوعة من المرشحين الديمقراطيين، والتي قالت حملة بلومبيرغ إنها تتعقبها مع بياناتها الداخلية.

«اتركنا وشأننا»

إلى جانب الإعلانات، تسير حملة بلومبيرغ على خط رفيع بين محاولة تقويض ترامب واستمالة الناخبين الذين قد لا يحبون الرئيس ولكنهم لا يريدون التفكير كثيراً فيه.

قال هوارد وولفسون، أحد كبار مستشاري بلومبيرغ منذ فترة طويلة، عن ترامب: «هناك نوع من القلق الذي يخلقه». وأضاف: «هذا حقيقي بالنسبة للناس»، معترفاً بالعوامل المتناقضة. وقال هوارد: «هناك بعض الناس الذين يودون القول لترامب: اتركنا وشأننا».

وقالت حملة بلومبيرغ إنها أنتجت 160 نسخة من إعلاناتها على وسائل التواصل الاجتماعي وحدها، حيث وصلت إلى 15.5 مليون شخص في أول أسبوعين من شهر ديسمبر/كانون الأول.

وقالت شركة Acronym في تحليل حديث للسباق الرئاسي: «إن حملة مايكل بلومبيرغ الوليدة أنفقت الآن على جوجل ويوتيوب في الشهر الماضي، أكثر مما أنفقته حملة ترامب طوال العام».

إن القدرة على ضخ هذا القدر الكبير من الأموال في الإعلانات لا تمكّن حملة بلومبيرغ من ضخ ملايين الرسائل أسبوعياً فحسب، بل تتيح أيضاً استهدافاً أكثر دقة للمجموعات الفردية من الناخبين غير الملتزمين، سواء أكان هؤلاء من النساء في الضواحي المعنية بشأن العنف المسلح أم الأفراد الأكثر محافظةً من الناحية المالية والذين يشعرون بالقلق من العجز السريع للأمة.

قال كين غولدشتاين، أستاذ السياسة بجامعة سان فرانسيسكو وخبير الإعلان السياسي، إن أحد أهم التأثيرات المحتملة لاستراتيجية بلومبيرغ يمكن أن يكون: كيف يملأ الفراغ في الأماكن التي تسود فيها الإعلانات المؤيدة لترامب.

هل تُغيّر الإعلانات النتيجة؟

في دراسة جديدة أجراها غولدشتاين مع مجموعة من الأكاديميين الآخرين المتخصصين بالمراسلة السياسية، قال إنهم وجدوا أنه في عام 2016، يبدو أنَّ نقص الإعلانات في حملة هيلاري كلينتون قد أسهم في انخفاض نسبة الإقبال بين الناخبين المؤيدين لها. ووجدت الدراسة أن الديمقراطيين الذين لديهم نزعة أقل للتصويت في ميشيغان ويسكونسن، كانوا أقل احتمالاً للمشاركة في المناطق التي كان ترامب يستثمر فيها بكثافة عبر الإنترنت، ولكن في الأماكن التي لم تقم فيها حملة هاري كلينتون بإعلانات.

وقال غولدشتاين: «التأثير الكلي كان متواضعاً، بالتأكيد. لكن هامش فوز ترامب في ميشيغان ويسكونسن كان أيضاً متواضعاً للغاية.؛».

بالإضافة إلى الانتقادات شديدة اللهجة ضد ترامب وقيادته، جرى تصميم إعلانات بلومبيرغ لإرسال رسالة إيجابية حول العمدة السابق، تصل إلى الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية. بلا شك، هؤلاء هم الناخبون الذين يحتاج بلومبيرغ إقناعهم أولاً، حتى يستفيد سياسياً من استثماره الضخم في الإعلانات المناهضة لترامب.

وقال تود هاريس، وهو خبير استراتيجي في المراسلة ينتمي إلى الحزب الجمهوري وعمل بعدة حملات رئاسية، وكان آخرها للسيناتور ماركو روبيو من فلوريدا: «في بعض الأحيان يكون من الأسهل تعريف نفسك بما ليس فيك». وقال إن هذه الإعلانات تصف «كل شيء عن تقديم مايكل بلومبيرغ نفسَه للناخبين الأساسيين كشخص يكره ترامب بقدر ما يكرهونه».

مصطفي قطبي يكتب.. 2020 عام الآمال العربية المؤجّلة…!

مصطفى قطبي

عام مضى ولفظ أنفاسه الأخيرة، وحل عام جديد، إلا أن عام 2019 الذي ذهب كان عاماً شديد القسوة على الشعب العربي في عدة بلدان.إنه عام التعذيب الشعبي الذي اتخذ شكلا درامياً سيتجاوز بمئات المرات أي ملحمة قد تكتب عن عام بلغ فيه الضجيج أقصاه، ووصلت الحرائق فيه إلى النفوس قبل أن تبلغ أي مكان آخر، وأن هذه النفوس التي تستعيد اليوم أنفاسها ستجد نفسها بعد مدة ليست بقصيرة أن ما دفعته من أجل غدها وما وعدت به لم يحصل وقد لا يحصل، حيث جميع العوامل تؤكد المسيرة السائرة نحو غايات مختلفة، لأن من خطط وموَّل أراد شيئاً آخر لتلك الشعوب المسكينة التي صدقت الدعوات، بعدما اخترقها الإعلام مثل رصاصة مرت قرب الرأس لم تقتل صاحبه لكنها خلخلته.

فمن بلاد الشام إلى بلاد الروهينغا، مروراً بالعراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن ومصر وليبيا وتونس… يغص المشهد بألوان الدم والدخان، وبالقتل والحرائق وبيارق الفرق المتناحرة… وتضج الأنفس بالشكوى من أشكال الظلم والقهر والجوع والرعب، ومن انحطاط أخذ يتفشى ويتفتق عن مكائد وسموم في سياسات وكتابات ووسائل إعلام بلغ بعضُها درجات من التحلل والانحلال والتهافت والتهالك على الصغائر والمهالك.. اليوم، فالخراب الذي ينتشر في دول ما يسمى ”الربيع العربي” يوضح أن ما شهدته وتشهده ليس بثورات وإنما تآمر مفضوح يهدف إلى تهديم المجتمعات العربية وتفكيك روابطها، والعودة بها إلى الدرك الأسفل من مراحل تطور البشرية، ومن ثم تكريس الاستباحة الأمريكية والإسرائيلية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. فعندما تخسر المجتمعات أمناً يؤمن لها أيامها ولياليها ليصنع لها صحة جيدة، فإن عليها أن لا تثق بمؤسسات ودساتير وقوى نظامية، وبالتالي مستقبلا لا مستقبل له.

وضوح العام الذي مر يأخذنا إلى مرحلة أخرى أعتقد أنها تخطت الممولين والمخططين والمراهنين، وهو أن قادة سقطوا لكن شعوباً لم تسقط، فهل المطلوب في مرحلة لاحقة إسقاط الشعوب كي نأمن التاريخ بكل أبعاده المقبلة. ثم إن هنالك قادة وشعوباً لم يسقطوا فهل بإمكانهم إسقاط التاريخ والحاضر والمستقبل؟ هل يمكن الاعتداء على التاريخ كي نسقطهم جميعا لتحقيق غاية أو غايات…؟ الأمة العربية كلها اليوم مستهدَفة باستهداف أقطار من أقطارها، أو فئات منهم داخل أقطارهم، وما يحدث في الدار، ينتقل للجار… وهكذا وهكذا… فالحبلُ على الجَرَّار. النار اليوم في سوريا وفي العراق، وفي اليمن، وفي ليبيا… وغداً، وغداً؟! اليوم وغداً، فلا ندري على من سيكون الدّور غداً.

لقد غاب ـ أو يكاد ـ العقل السياسي العربي، وغابت معه لغته وفطنته وحضاريته وفاعليته، فيما اكتظت المنابر والميادين والفضائيات بالخطابات الغوغائية، والفتاوى التكفيرية، والثقافات البدائية، والجماعات الإرهابية المتعطشة للدم، والمتفرغة للقتل والذبح، والمتخرجة من مسالخ تنظيم القاعدة الذي استعاد سيرته الأولى في خدمة المشاريع والمخططات الأمريكية والصهيونية، وبات يشكل مع أفرعه وأذرعه المتناسخة (جبهة النصرة، داعش، الجبهة الإسلامية…) خطراً داهماً على الأمن القومي برمته والمستقبل العربي بأسره.أما أسباب هذه الحالة العربية المتردية جداً فهي متعددة وواضحة ومنها على سبيل المثال:

ـ مخطط التجزئة والتفتيت الذي ضرب الأمة العربية بعد الحرب العالمية الأولى ومن ثم بعد الحرب العالمية الثانية، وما تبع ذلك من تبعية مطلقة للعديد من الدول العربية للخارج من النواحي السياسية والاقتصادية.

ـ الاستعمار بشكليه القديم والجديد الذي يبحث بالشمعة ـ كما يقال ـ عن أي ثغرة ينفذ منها لزيادة الانقسام العربي، ”وما أكثر هذه الثغرات” مع كل أسف…

ـ الأنظمة العربية الاستبدادية التي رعت وأنتجت حركات متطرفة مثل الوهابية التكفيرية وغيرها تشوه الدين والجوانب الناصعة من حضارة العرب والمسلمين.

ـ إثارة النزعات المذهبية التي ضربت الكل بالكل ولم تقتصر على فئة من دون أخرى ناهيك بالنزعات العرقية والطائفية والعشائرية الضيقة.

ـ الفساد المالي الذي استشرى في معظم الدول العربية في ظل غياب القضاء العادل والمساءلة والمحاسبة القانونية.

ـ  صفقات السلاح الضخمة التي تشتريها بعض الأنظمة الحاكمة ولاسيما في بعض دول الخليج لحماية نفسها وليس لحماية البلاد من التهديدات الخارجية…

لقد كتب الكثير وسطرت ملايين الصفحات، إن لم يكن أكثر تشخيصاً وقراءة للواقع العربي… وكان الجميع يقف أمام السؤال المهم والمزمن عن كيفية الخروج من حالة الانقسام والتردي، بعدما نجح الغرب في تجاوز أزماته وتقدم، بينما بقي معظم العرب يستوردون كل شيء. والسؤال الجوهري هو أنه ما دامت أسباب حالة التردي هذه معروفة ـ كما أسلفنا ـ فلماذا انعدمت الحلول للمشكلات العربية؟.

يقول العديد من المؤرخين ومتابعي الشأن العربي: ”إن الكثيرين من العرب مازالوا وهم في مطلع القرن الحادي والعشرين، محكومين بالماضي”، بمعنى أن كل شيء يفسرونه ويبتون فيه على ضوء معايير تنتمي إلى الماضي والتاريخ السالف، فالحل الذي وجد لمشكلة في صدر الإسلام أو في العهود الأموية والعباسية، يعتقدون أنه مازال صالحاً لحل المشكلات التي تواجههم في العصر الحديث، ويعتقدون أيضاً أن الحلول الجاهزة موجودة في كتب التاريخ والتراث ويحاولون إسقاطها على الواقع الحالي… ومع ذلك فإنهم مازالوا غارقين في حفر عميقة من الآلام والدم والخراب، وعلى سبيل المثال: السلفية عادت بمقولات وخطاب تجاوزهما الزمن والعقل، ونشط دعاة الانكفاء على الذات ودعاة الماضوية القائلين:

”إن الماضي خير من الحاضر والمستقبل، لأنه مثال الأمن والطمأنينة”، كل هذا أدى إلى ظهور المنظمات الإرهابية المتطرفة التي يأتي على رأس أولوياتها إقصاء الآخر أو حتى التخلص منه على أساس أنه ”كافر ومرتد” على النحو الذي يمارسه تنظيم ”داعش” وغيره من التنظيمات الإرهابية، كذلك كتب الكثير عن عجز معظم الأنظمة والشعوب عن توحيد، ولو في الحد الأدنى، لأجزاء من وطننا العربي الكبير، وعن ضرورة عدم التدخل في الشؤون الداخلية والتطلع إلى خارج الحدود للاستعانة بالأجنبي، وعن ضرورة الاستقرار أولاً قبل التقدم والحريات والديمقراطية، ولكن بقي ما كتب حبراً على ورق.وليس من الغريب أن تبدو السياسات الصهيوأميركية الدافعة لهؤلاء العرب المعنيين واضحة، فالسياسة لا تزال هي السياسة، والعمالة عند بعض الأعراب لا تزال هي العمالة، وتشعر أمام هكذا واقع، أن عالمنا العربي على الخصوص وبعض جواره الإسلامي لم يعد فيه سوى هذه المستويات المتدنية من السقم الفكري والسفاهة اللفظية والانحدار ورسوم الأدعياء و ”عملقة” الدعاة من كل نوع: من دعاة الحروب المذهبية والطائفية والعرقية إلى دعاة الاستعمار والصهيونية والحزبيات الضيقة والأيديولوجيات الغريبة المريبة، ومن دعاة الشرذمة والتقسيم السكاني والجغرافي، والفيدراليات السياسية الهزلية… وكل من ذلك وأولئك يعيدنا عهود ـ ”ما قبل عقلانية وما قبل جاهلية وما قبل حضارية..؟! ”.

ويضاف إلى ذلك دعاة بمعاول صلف وجهل يريدون هدم صرح العروبة التي يتهمونها بما لا يصدق ولا يطاق، وهدم الإسلام المحمدي الصحيح ومحاولة تشويه صورته النظيفة الناصعة، ونقض معمار قيمه ومقوماته وتسامحه ونقائه البهي… إذ تستمر الحملات على الدين ”الإسلام”، فمِن مطالِب ”بتجديد الإسلام”، إلى منادٍ ”بتخليصه من التطرف والتعصب، ومما يقولون إنه يشجع على الإرهاب؟!، إلى مستظرف لنفسه، معجب بعقله، يلطف الأمر إلى تغيير التفسير، لكي يتلاءم مع متطلبات من يرون في الإسلام ما يرون، ويتهمونه بما يفترون عليه. وكأن الإسلام ”مسوَّدة” يعيدون كتابتها، وتصحيحها، وتعديلها، وفق الطلب؟! وأولئك الذين من بينهم من العرب والمسلمين، حالهم حال مَن يوحون إليهم… يحيلون فعل أي مسلم، مهما كانت ظروفه وأسبابه وبيئته وشخصيته ونفسيته وحالته العقلية، وجنسيته… يحيلون كل فعل على الإسلام، فيشيرون إلى من يقوم بعمل إرهابي مدان، بأنه ”إسلامي، مسلم”، أما من يقوم بعمل إرهابي من غير المسلمين، فلا يُنسَبُ إلى دينه، ولا حتى إلى جنسيته، وقد يُغفل اسمُه.

وهناك من يعترض بوقاحة، على تقارب أي دولتين إسلاميتين، بينهما خلاف… لأن المطلوب، بنظر أولئك المعادين، أن يستمر الخلاف ويتطور، لنزداد نحن ضعفا وتبعية، وليتمَّ تمزيق شعوبنا وأوطاننا. وهذا السطح الذي يظهر للعالمين اليوم ويتلامع ربما دل على قمة جبل الجليد من مآسينا المتعددة الألوان والأسباب، وعلى عمق الانحطاط والانحلال والانفلات الذي بلغناه وأوصلتنا إليه سياسات ومؤامرات ومصالح وثقافات ووسائل إعلام تضليلية موجهة ودعاة تحت الطلب.

عام 2019 كان في غاية الوضوح بحيث تجلى فيه من يخطط، ومن يدفع المال، ومن يراهن، ومن يفترض سقوطه… فالذين دفعوا وما زالوا الأموال على إسقاط الأنظمة، حجبوا بكل أسف ولو جزءا منها عن إمكانية التنمية في العالم العربي… والذين خططوا، هم من كانت لديهم الأفكار القديمة باغتيال العالم العربي في كل مرة تنمو فيه رغبة في التغيير، إعطاؤه جرعة من التغيير لكن تحت الكنترول. أما المراهنون فهم الصامتون الذين لا نفهم منهم إذا كانوا يقبلون بدور الممولين على المديين القريب والبعيد. ولكن، يجب التنبه له، أن الولايات المتحدة وكل أذرعها الإسرائيلية والغربية، لا تقبل نظاماً له كل هذه المهمات كي يخرج بأقوى مما تتحمل المنطقة مع أنه أصغر من خرم إبرة.

لقد كان الدور الغربي حاسماً في تسريع وتيرة الفوضى حيث وجد من الناحية الاجتماعية أو ما يعرف بالمجتمع المدني الذي كانت مكوناته يملأ أفئدتها الحنق والغضب من مظاهر الظلم والفساد، وتركز الثروة بيد طبقة وسيطرة ذوي السلطة والمناصب على مقدرات الدولة وثرواتها، وجد البيئة خصبة والطريق مفتوحاً ليضع رجله على دواسة الوقود حتى آخرها، نتج عنها بروز أحزاب وجماعات كانت تنتظر مثل هذه اللحظة التاريخية لتتسيد المشهد الذي ملامحه الحالية تؤكد أنه مشهد مرسوم منذ البداية ليكون القادمون الجدد أو المتسيدون للمشهد هم الرقم الصعب في معادلة تحقيق الأهداف من الفوضى الخلاقة، سواء كان هؤلاء القادمون الجدد أو الراكبون لموجة الأحداث مدركين أو مغيبي الوعي أنهم تقع عليهم التزامات يجب الوفاء كضريبة لحالة التمكين.

مضى عام 2019، وبقي لنا ما نحن فيه، وما علينا أن نتجرع صابه ونعاني عذابه، نسوّغ حلوه ومره، فمر حلو بذوق فريق وحلوه مر بذوق آخر، ومصائب قوم عند قوم فوائد؟! وهكذا هم الخلق في الحروب يتساقون كؤوس الردى ويتبادلون سداد ثارات الدم والأيام دول ”يوم لك ويوم عليك”… ولكنها بمجملها أيام ترتد علينا نحن العرب والمسلمين وبالاً وضعفاً ونكالاً، وترتد كذلك على بلداننا وأمتنا الإسلامية وعلى الدين الإسلامي، وعلى القيم وما قد يتبقى للأجيال العربية القادمة على الخصوص من وجود وحقوق وأمل. وهذا الوضع كله ينعكس على الكبار والصغار… ينعكسُ مآسٍ خاصة وعامة، وعلاقات اجتماعية مضطربة، وأكثر من صعبة، وأكثر من خطرة… وينعكس على التربية والتعليم، في بلدان تحتاج إلى الإعمار، والتقدم، على أسس من العلم والتربية والأخلاق… ومن المعروف ما يجره ذلك، وما سيجرّه اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً و… و… ولا أتكلم عما سيجرّ سياسياً، فتلك الداهية، الدّهياء.

فهل تحميل البلدان والمجتمعات المعنية، تكاليف الحروب، وتبعاتها، ونتائج هذه الأوضاع الاجتماعية والإنسانية كافة، وانعكاسات الحرب، وكل ذلك مستقبلاً، على تلك البلدان، إذا ما وصلت لحلول وسلام… هل يكون هذا كله يا تُرى أسهل، وأرحم، وأشرف، وأهم… من أن نضعه بسَعَته في مدارات إدراكنا، وأمام أنظارنا… فنختار وقف الحرب، ووقف الانهيار، واللجوء إلى حلول سلمية، وطنية، قومية، إنسانية… تجنب بلداناِ وشعوباً تلك التكاليف الباهظة، والنتائج المرّة، وتبقي لديها جهداً وأملاً وطاقة وإمكانية، تصبّ باتجاه استنقاذ ما يمكن استنقاذه، وتلتفت إلى الحاضر المدمَّر، إلى المستقبل، إلى السلام، والوئام والتعاون، إلى الأوطان والإيمان والإنسان… وتواجه ما جلبته العنجهية والحرب: ”خراب الدِّيار، وعودة الاستعمار؟!. والذين يُصرّون على رفضِ كل حل ممكن للأزمات والمشكلات، ويَزجون ملايين الناس في صنوف المعاناة، هم عبئ على الشعوب، والإنسانية، والحياة، وهم الأزمات والمشكلات.

إذ أنه في حقيقة الأمر، يوجد لكل أزمة، ولكل مشكلة حل، غير القتل والتأسيس للمآسي والكراهية والأحقاد، ولأنواع الثأر والانتقام… والحل يكمن في العقل والخلق والفضل. من الواقعي والمنطقي والعلمي، أنه حين تصفو الأنفس ترى ذاتها، وترى غيرها، وتعرف ما لها وما عليها، وتكون مرآة نقيَّة، بأبعادٍ متعدّدة، ترى ما يُرى، وتقرأ احتمالات ما قد يكون، وما قد يُرى… أمَّا حين تتعكرُ وتغدو العَكَرَ، والمستنقعَ الآسنَ، ومقبرة الفِكَرِ… فإنها لا تَرى من ذاتها ومن الآخرين إلا بائس الرؤية مغلوطَها، ولا تَرى حتى دمها الذي يوغلُ في دم الآخر، فيريقه أو يُراقُ به. إنه حين يصفو الماء نرى قعر الإناء، وإن النظرة الفاحصة لقعر العين السليمة تُري الحكيمَ صفاء النفس، وقد يَقرأ القارئ فيها، بعض صفحاتها الرائعة.

فماذا نقول اليوم، في زمن هو المحن، وكيف نخرج من فتنة ابتلينا بها، ونتخلص ممن يقتلوننا ليحررونا، وليحموا الوطن منا؟! إن ما يفعله فينا ”أهل السلطات والمعارضات”، أمراء الحرب وتجارها وساستها ومن وراءهم… أصبح فيه موت الحياة، والحياة موتاً… ولا أجد ما أقول في هذا، حتى أنني لا أجد طعماً لأي قول، لأن كل الكلام لا يصف ولا ينصف حالة من تلك الحالات المأساوية التي تغرقنا فيها ويستغرقنا مدها وجزرها، وتلفنا بلاويها… ولا يقدم أقل إيحاء بعمق المشاعر التي تنطوي عليها أفعال من هذه الأنواع.

دُعاة الحروب، والقتل، واستخدام القوة للقوة، والشرِّ للشر، هم عَكَر مطلَق، وبصر بلا بصيرة، وهم عبء على علاقات الناس، وعلى أخلاقيهم وقيمهم، وعلى حياتهم… ويجب ألا ينقادَ الناسُ لهم، لأن في ذلك تَهلُكة، وإطاعة للمخلوق في معصية الخالق، ففتنة الحرب قتل، والفتنة أشدُّ من القتل، وفيها تَهلكة، وقد نهانا اللُه، سبحانه وتعالى، عن أن نلقيَ بأنفسنا إلى التَّهلُكَة:﴿ وَأنفِقوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٩٥﴾-سورة البقرة.

على أي حال، ورغم حالة البؤس والتشرذم والانقسامات الحادة التي يعيشها العرب، تبقى الفرصة قائمة لإعادة لم الشمل والتصدي لهذا التفسخ لو كانت هناك نيات طيبة وتبقى الخطوة الأولى على الأقل البدء بإصلاح الجامعة العربية ورفع الوصاية عنها من طرف بعض الدول الخليجية والاتفاق على حزمة من الأولويات العربية في مقدمتها عدم تدخل الآخرين في الشأن العربي الداخلي، ومعارضة طلب التعاون مع الخارج الإقليمي أو الدولي للانقضاض على أخ أو شقيق في الداخل، وعلى أن تكون أولوية العمل العربي موجهة باتجاه قضية فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى بدلاً من تجاهل أنظمة عربية لهذه القضية ووضعها على الرف.

وإذا كان لنا أن نطمع في التمنيات ونحن نستقبل العام الجديد، فلنا أن نقف عند التمني الذي يحرر الأسرى الفلسطينيين، ويعيد الياسمين إلى دمشق، ويزيل كآبة الشحة والضمور من أنهار دجلة والليطاني والنيل وكل الأنهار العربية التي بدأت تشيخ جفافاً، وأن نسمع هدير بردى الشام مواويل وذكريات، وأن تتزين شجرة الأرز اللبنانية بروح الألفة لتعيد ترتيب أولويات كتل سياسية ما زالت تلهج ليل نهار بأنها الأسمى والأحسن، وأن يكون للريف العربي حظوته بالمزيد من القرى العصرية، وأن يعلن الكثير من اللصوص وقطاع الطرق والقتلة براءتهم من ماضيهم وأن نبتعد من ثقافة العويل!

باحث وكاتب صحفي من المغرب.

استفزاز جديد للمسلمين…مسابقة رسوم مسيئة للرسول الكريم…!

مصطفى قطبي

في استفزاز جديد متعمد لمشاعر المسلمين في العالم، أعلن النائب الهولندي غيرت فيلدرز أنه يعتزم تنظيم مسابقة رسوم تصور النبي محمد، وهو مشروع اضطر إلى إلغائه قبل عام إثر تظاهرات وتهديدات بالقتل. ودعا فيلدرز المعروف بمواقفه المعادية للإسلام، متابعيه على تويتر إلى “إرسال رسوم كاريكاتورية”  للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويرغب النائب الهولندي تنظيم المسابقة في مقر البرلمان الهولندي في لاهاي، متذرعا بحق التعبير.

أصبح من الواضح أن الإساءات ”الجماعية المنظمة أو الفردية” للدين الإسلامي، بدءاً من إنتاج صورة الإسلام إعلامياً إما كدين جهل وقتل وتكفير، أو كدين معتدل إلى حد ”الميوعة” العقائدية، وصولاً إلى الإساءة إلى شخص الرسول الكريم (ص)، ترتبط بشكل مباشر مع معزوفة حرية التعبير! منتهى الإسفاف، في التبرير، عندما يتعلق الأمر بالمقدسات الإسلامية، في مواجهة حماية الحريات الشخصية، عندما يتعلق الأمر بالغرب. والواقع أن الفارق، يكمن في الموقف العربي والإسلامي، في علاقته بالغرب، والذي يتسم بأنه موقف ضعيف، يقوم غالباً على رد الفعل الوقتي، والذي يغلب عليه الطابع الانفعالي، وهو أمر يعرفه الغرب تماماً، ويدركه. وينطبق ذلك على كل القضايا السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية والفكرية، باختصار ينطبق على مجمل علاقتنا مع الغرب.

حرية التعبير في الغرب في مجملها انتقائية بمعنى أن أي حديث عن المحرقة اليهودية هو أمر مرفوض ويعد من الخطوط الحمراء، ومازلنا نتذكر مدى الهجوم الشديد الذي تعرض له المفكر الفرنسي روجيه غارودي الذي تحدث عن المحرقة بأسلوب علمي تاريخي، كما أن مسألة معاداة السامية تعد من الثوابت التي لا تجرؤ صحافة الغرب حتى على الإشارة لها. ومع ذلك فإنالسخرية من الأديان والرسل عليهم السلام مراراً وتكراراً اعتبرت في الغرب حرية تعبير.‏والسؤال ما هو الهدف من هذا التناقض أهو مقصود أم غير ذلك؟‏

الإمبرياليون الذين يتعللون بـ”حرية التعبير” لتمكين المسيئين للإسلام من الإفلات من أي مساءلة، منافقون بمقياس الاستنفار الذي يسارعون إليه حين يتعلق الأمر بمجرد إثارة الشك، بأرقام أسطورة الهولوكوست.‏والإسلامويون الذين يغفرون للإمبرياليين إساءاتهم حتى للإسلام، إنما يتعكزون على الإسلام الجريح نفسه للبقاء في الحكم، أو لبلوغه.‏ ومن التدقيق في شراكة النفاق هذه بين التابع الإسلاموي والمتبوع الإمبريالي، نتبين الغاية الجلل التي يطمع الإمبرياليون في تحقيقها من إرساء محددات اشتباك مستجدة في الوطن العربي على هذا النحو، الذي تتبدل معه التناقضات بالتزييف.‏

إن اعتبار الانتهاكات لحرمات الإسلام والمسلمين من قبيل تنظيم مسابقة رسوم كاريكاتورية  للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، على أنها ضرب من ضروب ممارسة حرية التعبير، هو بمثابة إضفاء الغطاء القانوني والحقوقي عليها.

في الواقع إن إدراج مثل هذه الانتهاكات للمقدسات الإسلامية ضمن حرية التعبير، يعني إضفاء المشروعية القانونية والحقوقية عليها، وهو من شأنه أن ينقض منظومة قيم التسامح واحترام التنوع الثقافي والتعددية الفكرية واحترام الآخر والتعايش السلمي بين الشعوب المعتنقة لمختلف الأديان والمذاهب والمنتمية إلى مختلف الفلسفات والحضارات. إذ لا معنى للدعوة إلى تلكم المفاهيم والقيم فيما إذا اعتبر التعدي على مقدسات الأديان المتنوعة مزاولة لحق من حقوق الإنسان.

فأي قيمة تبقى لقبول تعدد الأديان والثقافات، وأي احترام يبقى لها إذا اعتبر تبادل انتهاك الحرمات الدينية بين أتباعها مزاولة لحق حرية التعبير؟ أخال أن هذا التخريج القانوني ـ اذا جاز التعبير ـ سيؤدي في النهاية إلى انهيار بناء هذه المنظومة من المفاهيم والقيم التي يتفاخر بها الإعلام الغربي ليل نهار، ويدعو شعوب العالم إلى تجسيدها.

وأيا كان، ونظراً لانتشار التنوع الديني والمذهبي والثقافي في مختلف دول العالم، وفي ضوء الترابط والتشابك الوثيقين بين دول العالم، فإن من شأن انتهاك المقدسات الدينية لهذا الفريق أو ذاك أن يسبب إخلالا بالأمن والسلم المجتمعيين في كثير من الدول في العالم، وقد ينعكس سلباً على مصالحها وعلاقاتها. فلا بد من وضع سقوف واضحة ومحددة لممارسة حرية التعبير بحيث لا تنتهي إلى التفلت والفوضى والتعدي على مقدسات الغير وإحداث فتن وتوترات دينية وعقائدية بين شعوب العالم.

يشعر المسلمون بالألم العميق لهذا التشويه المتعمد لسمعتهم وسمعة نبيهم وتعاليم دينهم، لكن لا يقبلون أيضاً أن يعبر بعضهم عن هذا ا لغضب برفع ساطور، أو إحراق سفارة أو تبني شعارات وأفعال مخالفة للقانون وأخلاق الإسلام.‏ وكل سلوك من هذا القبيل مرفوض رفضاً تاماً من دون أدنى تحفظ، ويشعر المسلمون أيضاً بالألم عندمايتهمون بمعاداة حرية التعبير من طرف بعض الكتاب والساسة الغربيين، والحقيقة أن حرية التعبير مبدأ شريف ونبيل ينحاز له المسلمون بأغلبيتهم الساحقة ويكافحون ويقدمون التضحيات من أجله في بلدانهم والساحة العالمية.‏ والحرية أيضاً هدف من أعظم أهداف الإسلام ومن عظم شأنها في الإسلام أن شرط قبول إيمان الرجل أو المرأة هو أن يكون هذا الإيمان على الإرادة الحرة لصاحبه لأنه لا إكراه في الدين.‏ لكن الحرية لا تعني الشتم وإساءة السمعة والتحريض على كراهية المسلمين أو السود أو اليهود أو أيعرق آخر.‏

وفي القوانين المعمول بها حالياً في الدول الغربية تمييز واضح بين الحرية وبين التحريض على العنف والكراهية. ‏والمسلمونلا يريدون التمييز بحق أو معاملة خاصة على حساب المِلل والشعوب الأخرى، إنهم يريدونفقط أن تكون لهم نفس الحقوق وذات الحماية المكفولة للشعوب والديانات الأخرى.‏

لا ينبغي أن نكتفي بالشجب أو الإدانة عندما يساء إلى ديننا وإسلامنا ولرسولنا وقرآننا ولمقدساتنا… بل لا بد من تحرك عملي، ينتج عنه مراجعة السياسات الغربية، بدلاً من هذا الموقف الغربي الناقص والمائع… إن الخطوة القادمة، بالتحرك إزاء حث الأمم المتحدة لإصدار قانون دولي ملزم، بمنع إزدراء الأديان، هي خطوة وإن كانت متأخرة، إلا أنها تحتاج إلى إرادة سياسية، حان الوقت الآن لتحقيقها… ولابد من إدارة دبلوماسية إسلامية، على مستوى عال من الحرفية، للوقوف في وجه هذه الإساءات، وتفعيل العديد من الاتفاقات والمعاهدات الدولية، التي تحظر ازدراء الأديان. فالدول الإسلامية تستطيع إصدار تشريع عالمي بمنع ازدراء الأديان. فالتوصية الصادرة من الأمم المتحدة عامي 2005/2008 منعت ازدراء الأديان وصدرت بموافقة 85 دولة وامتناع 42 ومعارضة 50 وبالتالي تستطيع وفقا لهذه التوصية التقدم بتشريع ملزم تتبناه الأمم المتحدة أو التوصل لاتفاقية دولية بين الدول الأعضاء.

ألا تستطيع الدول العربية والإسلامية أن تستصدر قرارا أمميا ملزما يحرم الإساءة إلى الأديان والرموز الدينية المقدسة عموما؟ بخاصة أن هناك أكثر من 120 دولة من دول حركة عدم الانحياز وهي في مجموعها لابد أن تقف في صف صدور تشريع أو قرار كهذا ؟‏ أيضا علينا أن نفهم الدول الداعمة لمثل هذه الاستفزازات أنها يمكن أن تدفع ثمنا باهظا إن هي استمرت في استفزازنا والإساءة إلى ديننا ورموزنا وقيمنا؟ النفط بين أيدينا والتجارة والاقتصاد والموقع الاستراتيجي… فما بالنا لا نتخذ القرارات اللازمة؟ أم أننا منهمكون في كيفية الكيد لبعضنا العربي أو المسلم؟‏

لقد آن الأوان من أجل أن تتجاوب الأسرة الدولية مع هذه المطالب العادلة فتسن قانوناً دولياً ملزماً يحمي الإسلام وسائر الديانات الأخرى في العالم من الحملات الظالمة التيتستهدف تشويه السمعة والتحريض على كراهية الشعوب بسبب انتمائها الديني ولن يكون هذا القانون بدعة تخترع بسبب إلحاح المسلمين إنما هو أمر معمول به في بريطانيا، حيث يوجد قانون يحمي المسيحية وقانون آخر يضمن حماية اليهود والسيخ ولن يضار أحد في العالم إذا استفاد العالم كله من التجربة البريطانية ووسعها لتكفل حماية الإسلام وسائر الديانات الأخرى.‏

هذا القانون أصبح اليوم مطلباً ضرورياً مستعجلاً ليس فقط من أجل حماية الإسلام والمسلمين من خطاب التحريض والكراهية ضدهم، لكن أيضاً من أجل حماية بقية الأديان، ومن حماية حرية التعبير والحيلولة دون استخدامها شعاراً تتستر به النزعات العنصرية وأيضاً من أجل السلام العالمي ومن أجل إتاحة الفرصة لتنمية علاقات الصداقة والتعاون بين المسلمين وأوروبا وبينهم وبين الغرب عموماً.

نريد في العالم الإسلامي أن نتحرك في هذا الاتجاه… علينا أن نضغط بكل ما أوتينا من قوة، سياسية ومادية واقتصادية وثقافية، لمنع ازدراء الإسلام، أو التعرض لمعتقداته، أو رموزه الشامخة… يمكننا أن نترجم ذلك، على الواقع، بدلا من العنف الذي نلجأ إليه، للتعبير عن رفضنا، لهذه المواقف الكريهة، من قلة جاهلة، لا تعرف قدر الإسلام…

باحث وكاتب صحفي من المغرب.

فانتازيا الجامعة العربية في اجتماع التباكي على ليبيا

مصطفى قطبي

الجامعة العربية تتباكى على وضع الليبيين، فتدعو إلى اجتماع طارئ على مستوى المندوبين برئاسة العراق، لبحث الوصول إلى موقف عربي موحد من الأوضاع في ليبيا… ويفترض ألا يمنعنا (الحياء الايديولوجي) من الإعلان، بل من الصراخ بصوت عالٍ، أنّ الجامعة العربية تناست سريعاً دورها في تدمير ليبيا، حين استدعت القوات الأطلسية عبر مجلس الأمن، تناست أنها من تخلّت عن دورها المفترض. واليوم يعلو التباكي والصياح ويرتفع الضجيج المتوالي من ”بيت العرب” المسمى جامعة الدول العربية من بين جدران قاعتها التي شهدت الثلاثاء الماضي، رفضها للتدخل الخارجي في الشأن الليبي أيا كان نوعه، وذلك في اجتماع طارئ طلبته مصر بشأن إرسال تركيا قريبا قوات إلى ليبيا بطلب من حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

وأستميح القارىء عذراً في خطأ أسعى إلى تصويبه بأن الدور التخريبي والتدميري في ليبيا كان المهمة المطلوبة للجامعة ولمن يديرها من شخصيات نفطية، وتَبعية في الأمانة العامة، فقد احتفى النظام العربي الرسمي ممثلاً بالجامعة بسقوط القذافي مع دخول قوات الأطلسي ليبيا والهيمنة على ثرواتها ورفع علم المملكة السنوسية فوق أكثر من ستين ألف جثة، وفوق الأساس الجديد الذي تقوم عليه ليبيا الجديدة: الحقد الأهلي الأسود القاتم!

كانت الخطة الأولية للحلف المذكور هو فتح كافة المنافذ الممكنة لمن أطلق عليهم الثوار الليبيين الذين بدأ الحلف يساعدهم على تخطي فوضويتهم، والوصول بهم إلى الطريقة العسكرية المثلى. كان واضحا أن مخطط جامعة الدول العربية ـ أو على الأقل بعض النافذين فيها ـ تسليم ليبيا للحلف ليفعل فيها ما يشاء، فكان أن أخضع هذا الحلف سماء ليبيا كلها للأقمار الاصطناعية التي كانت تتابع بدقة تحركات الجيش الليبي والقيادة الليبية التي آمنت منذ اللحظات الأولى أن باستطاعتها الدفاع عن ليبيا، لكن حساباتها باءت بالفشل، أمام المؤامرة التي ساهمت فيها جامعة الدول العربية وقدمت للحلف الأطلسي ذلك الغطاء بل والدعم المباشر. وهكذا كان، فكيفما كان الجيش الليبي يتحرك ضد الشغب الذي مثله الشباب كانت طائرات الحلف تتصدى له بعنف، وقيل إنه في يوم تمكنت طائرات الحلف من ضرب رتل كامل للجيش الليبي ذهب ضحيته عشرات الآلاف دفعة واحدة إضافة إلى تدمير الآليات بشكل كامل وكان ذلك الفعل الشائن يتم تحت لافتة القضاء على الدكتاتورية وإعطاء الشعب الليبي الحرية والديمقراطية… !الحرية والديمقراطية التي نراها ونعايشها اليوم في ربوع ليبيا، الدولة الفاشلة.

للأسف الشديد، تعاني الدولة الليبية منذ إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، في سبيل وصولها إلى تسوية سلمية لأزمتها شبه المزمنة ـ من كثرة الرؤوس ـ إذا جاز التعبيرـ وتعدد الخطط والإستراتيجيات وبرامج التسوية بقدر ما تعاني من خطر الجماعات الإرهابية والمتطرفة والتنظيمات المسلحة وجماعات التهريب على اختلاف أشكالها، وهي ظاهرة واضحة وضوح الشمس، فالقوى الداخلية المعنية بالأزمة والتي تسعى لأن يكون لها دور في الحل النهائي كثيرة العدد، والعواصم التي تسعى لتسوية الأزمة عربية كانت أم دولية ليست بالقليلة وطرحت بالفعل مشروعات عديدة للتسوية وصدر عنها بيانات متنوعة وخطط طريق لا حصر لها، فمن الصخيرات إلى القاهرة وتونس والجزائر العاصمة وأبوظبي ومن باريس إلى موسكو إلى روما إلى نيويورك، ومن اللجوء إلى موسكو، إلى التوجه لروما للمطالبة ببرامج أمنية مختلفة الأهداف… تعددت الاجتماعات والتحركات والجهود ما بين الحلول العربية والأوروبية والأممية لتتشتت بالفعل الجهود الرامية لتسوية الأزمة، ومن الطبيعي أن تكون هذه التحركات المتعددة تحت مظلات متنوعة ذات دوافع وأهداف سياسية مختلفة، وبرغم أهمية الكثير منها إلا أنها لم تنجح حتى اليوم في الحصول على إجماع وطني ليبي يضع أي منها موضع التنفيذ العملي في إطار خطة سياسية شاملة تجمع كل الليبيين.

فشأنها شأن باقي الأزمات والجراح العربية التي لم تندمل بعد، لم تتبن الجامعة العربية رؤية استراتيجية متكاملة لتسوية الأزمة الليبية، إذ ظل دورها حبيس التصريحات التي يطلقها كبار المسؤولين في الجامعة بين الفينة والأخرى بشأن تسوية الأزمة سلميا… فقد أساءت جامعة الدول العربية كثيرا لنفسها وللأمة ولشعوب المنطقة ولقواعد الإخلاص لأفكارها التي بنيت عليها. لم تعد ذلك المكان الذي يسهر على عالمه العربي كي يؤمن له ديمومة استقراره وأمنه وسلامته ووداعته، تحول بفعل تلك القيادة وما قبلها إلى صورة غريبة عن حقيقة الدور الذي يجب عليها أن تلعبه، إن كل نقطة دم سالت ولا تزال تسيل في ليبيا، هي في ضمير هذه الجامعة التي باتت غريبة جدا عن شعوب المنطقة العربية وعن تطلعاتهم وأحلامهم، ولهذا فقد سقطت من مقامها لتتحول إلى أداة تحركها الاعتبارات الذاتية والانصياعات للغرب…

سوف تظل مأثرة جامعة الدول العربية تجاه ليبيا مثار تندر مكتوبة على جبينها، حين قدمت شتى التسهيلات لحلف الناتو من تدميرها ومن تصيد رئيسها ومن معه… واعتبر ذاك عدوانًا من تلك الجامعة على بلد عربي، واللافت أن هذه الجامعة وجهت الدعوة إلى اجتماع مندوبيها بالقاهرة، من أجل التباحث بشأن إرسال تركيا قريبا قوات إلى ليبيا بطلب من حكومة الوفاق، كأنما استفاقت تلك الجامعة التي لا نشك لحظة واحدة بأن تحركها إنما يأتي من تحريك الخارج لها لأنها في حقيقة الأمر لا تملك قرارها المستقل ولا تسير إلا بما يملى عليها.

ومن المؤسف أيضاً أن هذه الجامعة آخر من يعلم، أو ربما هي تعلم لكنها لا تريد أن تشارك في الدفاع الوطني والقومي عن أمتها… لذلك نشك في دعوتها المندوبين للاجتماع الطارئ، وماذا سيفعل هؤلاء إذا كان الأصلاء لا يشكلون قدرة على التأثير في مسار الأحداث… ومن حسن ”التنظيمات الإرهابية والمرتزقة” وكل الجماعات التكفيرية وغيرها من الإرهاب، أن تعيش في الوقت الملائم لها، كون الجامعة تلك تعيش عللها، وكون بعض العرب يريدها مجرد هيكلية خشبية غير مؤثرة، بل يريدونها على شاكلتهم وعلى دورهم، وقد لعبته بكل أسف بمهارة فأضاعت بلدا عربيا هو ليبيا.

ومن كثير الأسف أيضاً، أن يصل الأمر بهذه الجامعة أن تصبح مبنى له تاريخ، لكنه بحاضر فاجعي مؤلم، وأنها كم شاركت في الماضي وكانت حاضرة في شتى أزمات العرب وفي الدفاع عنهم، واليوم تتحول إلى رمز يفيض بتعدد وجوهه، فهي لمن يملك المال المؤثر، وهي أيضاً موقف جارح لمأساة ليبيا التي لم تزل حدثًا ساخنًا يشير بإصبعه إلى المسبب في حالة التهالك تلك.

إن الحزن لعميق مما وصلته ليبيا المسلوبة الإرادة، المقادة في طريق التدمير الذاتي، غير القادرة على إعادة الحياة لمؤسساتها… فهل يمكن القول إنها وصلت إلى هذه النتيجة من تلقاء ذاتها، أم أن هنالك عوامل أوصلتها إلى هذا الدرك…؟ وليبيا اليوم تمثل أسوأ مراحلها انحطاطًا، وأكثرها شراً، يكفي أن يواصل النظام التركي المارق على الشرعية الدولية والقافز فوق قوانينها التي يفترض أنها تلزم باحترام سيادة الدول واستقرارها، يواصل النظام التركي دحرجة كرة إرهابه المتنقلة على مساحة خريطة المنطقة بعربدة عدوانية وتدخل سافر بشؤون الدول، ويجاهر رئيس النظام التركي رجب أردوغان بكل وقاحة أنه يريد أن يكون له موطئ قدم إرهابي واستعماري في ليبيا ولتحصيل ذلك يمعن في تأجيج نار الأحداث عبر صب زيت الاشتعال على المشهد الليبي بمساندته للميليشيات الأخوانية في طرابلس التي يمدها بالأسلحة وذلك على الرغم من الاستنكار الدولي الواسع لما ينوي القيام به بعد أن تكشفت مراميه الخبيثة من وراء خطط إرسال قوات غازية ومرتزقة مأجورين إلى ليبيا.

وقد لا يكفي الكلام للتحدث عن ليبيا، سوى أنها تعيش في الداخل صراعاتها المفتوحة التي بات يعرف من أين تأتي علاماتها، لكنها جميعها من جهات متطرفة وجدت لها المناخ الفوضوي الذي سمح لها بالخروج على أية سلطة ومقاومة أي كيان ومؤسسات. أصبح معروفاً أين هي أموال الدولة وأين هي المصادر التي تجني منها ما هو في تشغيل خزائنها بما تمليه عليها فهم المؤسسات المنوعة. فلقد صادر المسلحون النفط، والمال العام، وصادروا الأراضي بعدما اقتطعوها من الدولة نفسها، ومثلما صادروا السلاح، فقد وضعوا أيديهم على الشواطئ وعبثوا فيها… إنهم اليوم يمسكون بزمام الأمور، مرة يقتلون رجالات الدولة، ومرة يخطفونهم، ومرات يعتدون عليهم…

لقد اكتشف الليبيون أن المشكلة لم تكن في نظام القذافي، وإنما فيهم، لأنهم لم يهضموا تجربة القذافي لا الفكرية ولا النظرية ولا عوامل تطبيقها. ولقد ظن حلف الناتو أن تحرير ليبيا من القذافي سينشئ دولة مختلفة، فإذ بها على هذه الشاكلة من التخلف الذي لن تتمكن لا الناتو ولا كل أحلاف الأرض ـ مع افتراض حسن النية ـ من إعادة ليبيا إلى سابق عهدها أو رسم طريق مختلفة عما هي عليه اليوم من ممارسات همجية لعناصر وتجمعات لا تحمل أدنى شعور للمسؤولية الوطنية أو القومية ولا حتى تجاه الشعارات التي يرفعونها… وفي هذا السياق، فقد اعترف الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم 11 نيسان 2016 أن أسوأ خطأ ارتكبته رئاسته كان عدم الاستعداد لمرحلة ما بعد القذافي في ليبيا ما يعني دخول البلاد في دوامة حرب لا هوادة فيها ولا نهاية لها وحتى بعد انتهاء ولاية أوباما، ها هو ترامب يمشي على خط سلفه ويحتار في أمره مع ما يحصل في ليبيا من نزاع وبخاصة بعد تلويح تركيا بالتدخل العسكري في ليبيا.

وليس من رهان على إعادة ليبيا إلى واقعها القديم على الأقل، فالبلد متجه بسرعة إلى عملية تدمير ذاتي لا مثيل لها، تسهم فيها شتى القوى من إسلاموية أخوانية وغير إسلاموية، من قبائل وعشائر، من تفكير أفراد يسعى كل منهم لأن يظل رقماً بين أرقام ولو على حساب تدمير مجتمعه وبلده. وليبيا لن تخرج من هذه المحنة وهي على هذا المنوال من التعاطي الداخلي، فليس هنالك من يريد دولة أو شبه دولة، وليس هنالك من يسعى لتحقيق هذا المبدأ، الكل يريد نفسه فوق الدولة وفوق الشبهات وفوق القانون، والكل يسعى لاقتطاع منطقة نفوذ له، والكل وضع العصي في الدواليب كي لا تقوم قائمة للدولة الليبية التي لم تعد موجودة وإن كانت شكلًا لها بعض الوجود غير المرئي.

وستذكر وتتذكر هذه الأجيال والأجيال القادمة، أن جامعة الدول العربية أسهمت بتدمير هذا البلد العربي الغني بثرواته، وهي التي منحت الحلف الأطلسي الخلاص من النظام الذي كان قائماً، ثم إدارة الظهر لكل ما نشأ عن ذلك من تفتيت للبنى والمجتمع والمؤسسات والإدارات، ومن تشجيع للأفكار الانفصالية. وها هي ليبيا في عز كل هذه الأمور، لا تعرف مستقراً، وقد لا تعرفه طويلًا إذا لم تقم هنالك قوة للدولة تلغي الموجود وتعيد سطوتها الطبيعية على البلاد.

إنه لمن المؤسف إذن أن ينهار قطر عربي بهذه الطريقة التي حولت عاصمته إلى مناطق قتال، وحولت مدنه الكبرى إلى متاريس، وحولت قبائله إلى متصارعين وكذلك عشائره… ومجرد قراءة متأنية لأحوال ذلك البلد تومئ إلى أنه قد يزال عن خريطة الدول في وقت قريب إذا لم يوضع حد لهذا الاهتراء الرهيب، ولهذه الاتجاهات التي يستعصى فيها أي حل.

إنها صورة في غاية السريالية هو ما يحكم ليبيا، وليس لبلد عمر المختار، أن ينتظر من جامعة عرب أبو الغيط أكثر مما كان من جامعة عرب عمرو موسى. فليبيا تعلم أن من تركها وظهرها إلى الحائط في مواجهة محرقة الناتو، سوف لن ينجدها وهي تواجه إرهاب التنظيمات الإرهابية الداخلية ووحشية الجماعات التكفيرية القادمة من إدلب يسوريا… يدرك الشعب الليبي وكل أشراف وأحرار ليبيا، أن المكشرين عن أنيابهم مستأسدين على ليبيا، المندفعين أكثر من السراج لجلب التدخل التركي لتدمير ما لم يدمَّر بعد منها، والمستميتين للحؤول بين الليبيين والتوصل إلى حلٍ يحفظ ليبيا الدولة والدور والشعب والوطن، يجبنون كعادتهم أمام أسيادهم، وينصاعون كديدنهم للإملاءات الغربية والتركية… لن يأتي من هؤلاء أكثر من الترحم ولن يواجهوا المعتدين سوى بتلك الإدانات…

باحث وكاتب صحفي من المغرب.

السعودية والصومال يبحثان التنسيق والتعاون تجاه القضايا الإقليمية

بحث وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، مع وزير الخارجية والتعاون الدولي بجمهورية الصومال، أحمد عيسى عوض، التنسيق والتعاون تجاه القضايا الإقليمية، بالإضافة إلى عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.
وذكرت وكالة الأنباء السعودية، اليوم الثلاثاء، أن اللقاء عُقِد على هامش اجتماع وزراء خارجية الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في الرياض.

الأمن التونسي يفكك خلية إرهابية ويوقف داعشيا

أوقف الأمن التونسي اليوم الثلاثاء، أحد عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي، حيث كان يعمل ضمن خلية إرهابية تتولى استقطاب وتسفير عناصر شبابية تونسية إلى بؤر التوتر والنزاع.

وذكرت وزارة الداخلية التونسية أنها تمكنت من كشف عنصر إرهابي وإيقافه، حيث ثبتت مبايعته لتنظيم داعش الإرهابي وتخطيطه لتنفيذ عملية إرهابية تستهدف أحد المقرات الأمنية ومنتسبيها بمدينة صفاقس بهدف ضرب الأمن العام وزعزعة الاستقرار وإرباك الوحدات الأمنية.

وأشارت الوزارة إلى أنه بعد متابعة فنية وميدانية دقيقة، تم تفكيك الخلية التي تنشط في ولايتي المهدية والقيروان، والمرتبطة بعناصر إرهابية متحصنة بالمرتفعات الغربية لتونس، وإيقاف عناصرها.

 

تونس تؤكد على ضرورة تسريع الاستعدادات الدبلوماسية والأمنية بشأن ليبيا

أكدت حكومة تصريف الأعمال التونسية, ضرورة تسريع وتيرة الاستعدادات الدبلوماسية والأمنية, بهدف توفير كل مستلزمات حماية المصالح العليا لتونس, في ظل التطورات التي تشهدها ليبيا.

جاء ذلك خلال المجلس الوزاري المصغر الذي انعقد, اليوم /الثلاثاء/, بقصر الحكومة بالقصبة, لبحث مستجدات الوضع على الحدود التونسية الليبية, في ظل ما تشهده الساحة الليبية من تطورات متسارعة.

وشدد رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد, الذي ترأس الاجتماع, على ضرورة رصد كل التهديدات المنتظرة واستباق السيناريوهات المحتملة, مع المزيد من إحكام التنسيق بين مختلف المؤسسات التونسية والدولية المعنية, ضمانا لنجاعة التدخل عند الاقتضاء, لمجابهة تطور الأوضاع في المناطق الحدودية, وتأمين استقبال اللاجئين في أفضل الظروف.

وأبدى المجلس ارتياحه لأداء الوحدات الأمنية والعسكرية وعملها, ولما تمثله هذه الأجهزة من درع حامي لمكتسبات تونس, مشددا على ضرورة مواصلة استعدادها التام وجاهزيتها العالية لحفظ الأمن وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات.

وزير المالية اليمني يؤكد جدية حكومة بلاده في مكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب

أكد وزير المالية اليمني سالم بن بريك، جدية حكومة بلاده في تطبيق القانون بشأن مكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقال المسؤول اليمني في كلمته خلال الورشة التي نظمتها اللجنة الوطنية ووحدة جمع المعلومات المالية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب اليمنية : إن المشاكل التي يعاني منها القطاع المصرفي منذ انقلاب ميليشيا الحوثي على الدولة، وتعطيل بعض المؤسسات الرسمية، مما أدى إلى إيقاف كثير من البنوك العالمية للتعامل مع البنوك اليمنية مما زاد تعقيدات وتكاليف التعاملات المالية وضاعف الأعباء على المواطنين.

وأضاف وفقا لوكالة الأنباء اليمنية أن الإجراءات التي اتخذتها ميليشيا الحوثي الانقلابية مؤخرا، تهدف في الأساس إلى تدمير الاقتصاد الوطني ومضاعفة الأعباء الاقتصادية .

جدير بالذكر أن كلمة وزير المالية اليمني سالم بن بريك جاءت خلال ورشة العمل التي نضمتها اللجنة الوطنية ووحدة جمع المعلومات المالية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب اليمنية, والتي بدأت أعمالها اليوم، في العاصمة المؤقتة عدن وتستمر يومين، بمشاركة ممثلين عن وزارة المالية والبنك المركزي اليمني ومختلف الجهات ذات العلاقة.

وزير الدفاع الأمريكي: لا نعتزم بدء حرب مع إيران ولكننا مستعدون لها

قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، اليوم ، إن بلاده لا تعتزم بدء حرب مع إيران، إلا أنها مستعدة لها.

ونفى وزير الدفاع الأمريكي – في تصريحات لقناة “سي إن إن” الأمريكية اليوم – أن تكون واشنطن قد قتلت قائد “فيلق القدس” الإيراني السابق، قاسم سليماني بدون توافر أدلة كافية على تحضيره لهجوم وشيك، مضيفًا أن يد سليماني ملطخة بدماء “مئات” الأمريكيين.

ووصف إسبر، سليماني بأنه ليس رجلاً بريئاً، فهو قائد إرهابي لمنظمة إرهابية، مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تخطط للانسحاب من العراق، قائلاً إن الرسالة المُسربة في هذا الصدد ليست لها أي أهمية.

وحول تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدمير مواقع إيرانية من بينها مواقع تاريخية، قال إسبر إن “الولايات المتحدة ستتبع قوانين الصراع المسلح والقانون الوطني”، مضيفاً أن الجيش سيتبع أوامر قائده الأعلى، وفي الوقت نفسه “لن ننتهك قوانين الصراع المسلح”.

يأتي هذا بعد تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران في أعقاب مقتل سليماني في ضربة أمريكية بالعراق الجمعة الماضية.

وزير خارجية أمريكا: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي

جدد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، اليوم الثلاثاء، تأكيد بلاده أنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وفقاً لـوكالة “أ ش أ”.

وقال بومبيو -خلال مؤتمر صحفي- “لقد كان الرئيس الأمريكي واضحا عندما قال إن إيران لن تستطيع حيازة سلاح نووي خلال فترة رئاسته”، مضيفا :”أنه عندما

جاءت إدارة الرئيس ترامب كانت إيران في طريقها لحيازة سلاح نووي عبر الاتفاق النووي الإيراني الذي أعطى لها الفرصة لامتلاك سلاح نووي وهو ما لن تسمح به إدارة ترامب”.

ونفى بومبيو الادعاءات التي تفيد بأن القائد الإيراني قاسم

سليماني كان مسافرا في مهمة دبلوماسية إلى العراق عندما استهدفته ضربة جوية أمريكية، واصفا تلك الادعاءات بأنها “دعاية وأكاذيب”.

وفيما يتعلق بتصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه سيقوم باستهداف مواقع ثقافية إيرانية إذا قامت طهران بالرد على مقتل سليماني، أكد بومبيو أن جميع الأهداف يتم مراجعتها وجميع الجهود التي يتم بذلها ستحدث وفقا للقانون الدولي، معربا عن ثقته حيال هذا الأمر.

Exit mobile version