دي نيرو ينتقد ترامب: لا تصلح إلا للعمل في العقارات

واصل الممثل والمنتج الأميركي الشهير، روبرت دي نيرو، انتقاداته اللاذعة للرئيس دونالد ترامب، قائلا إنه يستغرب لأمر من يؤيدون سياساته.

وقال النجم الأميركي، خلال مقابلة صحفية، إن ترامب ليس مناسبا حتى ليكون فردا جيدا من أفراد عصابة، لأنه لا يتشبث بكلامه في أي موضوع.

وأضاف أنه لا يعرف بالضبط ما الذي يجعل الناس يؤيدون ترامب، “حتى في عالم العصابات، لا أعتقد أنه يستطيع أن يصمد طويلا”.

وأوضح دي نيرو، أن ترامب يستطيع أن يصمد فقط في عالم العقار، وسبب هذا الصمود بسيط بحسب قوله “لأنه ورث كل تلك الأموال، أما هو فأحمق. وفي العالم الحقيقي، لن يصمد طويلا، هذا إحساسي”.

ولم يكتف النجم الأميركي بهذا القدر، فوصف ترامب بـ”الرئيس المزيف”، مؤكدا ضرورة إخضاعه للمحاسبة من خلال تحقيق العزل الذي أطلقته الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب في الكونغرس الأميركي.

وأورد دي نيرو، أنه في حال لم يجر المضي قدما في تحقيق العزل، “فإننا سنكون قد تركناه بدون عقاب.. لقد ارتكب خطأ وعليه أن يدفع ثمن ذلك، لا بد من محاسبته”، وفق ما نقلت “فوكس نيوز”.

وحاول دي نيرو أن يجد تفسيرا لانتقادات ترامب تجاه الإعلام، فقال إن “الرئيس الأميركي يصف الأخبار بالكاذبة، لأنه يعلم جيدا أنه شخص مزيف”.

أنقرة: مقتل 8 مدنيين بتفجير نفذته وحدات كردية بتل أبيض السورية

قالت وزارة الدفاع التركية، اليوم الأحد، إن مدنيين قتلوا وأصيبوا بتفجير بمدينة تل أبيض شمال شرقي سوريا، متهمة “وحدات حماية الشعب” الكردية السورية بتدبيره.

وأفادت الوزارة، في تغريدة عبر (تويتر)، بـ “مقتل 8 مدنيين وإصابة 20 آخرين في انفجار سيارة مفخخة بمدينة تل أبيض شمال شرق سوريا”.

واتهمت الوزارة ما أسمته “إرهابيو وحدات حماية الشعب/ حزب العمال الكردستاني”، بتنفيذ الهجوم.
وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أطلق يوم 9 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عملية عسكرية تحت مسمى “نبع السلام” شمال شرقي سوريا “لتطهير هذه الأراضي من الإرهابيين”، في إشارة منه إلى “وحدات حماية الشعب” الكردية، التي تعتبرها أنقرة ذراعا لـ “حزب العمال الكردستاني” وتنشط ضمن “قوات سوريا الديمقراطية” التي دعمتها الولايات المتحدة في إطار حملة محاربة تنظيم “داعش” الإرهابي (المحظور في روسيا ودول أخرى)، وتأمين عودة اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم تركيا إلى بلادهم.

وأعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في الـ 22 أكتوبر/تشرين الأول، انتهاء العملية العسكرية التركية شمال شرقي سوريا، وذلك عقب مفاوضات مطولة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، بمدينة سوتشي الروسية.

موسكو تحذر من انهيار اتفاق إيران النووي

حذر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، من عواقب وخيمة للانهيار المحتمل للاتفاق النووي، مشيرا إلى أنه في حال حدث ذلك فإنه سيؤدي إلى تصعيد حدة التوتر في العالم وقد يتحول إلى صراع مفتوح.

وأضاف أن انهيار الاتفاق مع إيران بشأن البرنامج النووي سيؤثر، من بين أمور أخرى، على أسواق السلع، لافتا إلى أن موسكو تأمل أن يتم فهم تلك المخاطر في واشنطن.
في هذا الصدد، قال المحلل السياسي من موسكو، حسان هاشم، إن “موقف موسكو في الخطوات الإيرانية بتخفيف التزامها ببنود الاتفاق النووي ينضوي في إطار العلاقات الروسية الإيرانية إضافة إلى الأمن الإقليمي المشترك بينهما”.
وأضاف، أنه “لا يمكن أن تخرج النظرة الروسية عن هذا الإطار في موضوع الخطوات الإيرانية وخصوصا أن موسكو على علم تام بأن ما تقوم به إيران تحت إشراف رقابة هيئة الطاقة الذرية الدولية ولا يمكن أن يرتقي لمستوى تطوير سلاح نووي وهو ما تؤكده موسكو ونقطة الخلاف مع واشنطن”.

من جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية، زيدان خوليف، إن “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من يسعى لانهيار الاتفاق النووي مع إيران”.
وأشار إلى أن “الموقف الأوروبي لم يتغير منذ بدايته وهو أن (اتفاق سيء خير من لا شيء) وهي قاعدة عامة فمن المستحسن إذا كان الاتفاق سيء بحسب رأي ترامب الأمر الذي يشك فيه العالم كله فيجب الإبقاء عليه حتى نصل إلى حلول أفضل.

 

 

“مسام” السعودي يعلن نزع أكثر من 1500 لغم من 5 محافظات يمنية

أعلن المشروع السعودي لنزع الألغام في اليمن “مسام”، اليوم الأحد، نزع 1528 لغماً من 5 محافظات يمنية خلال الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

القاهرة – سبوتنيك. وأفاد الحساب الرسمي للمشروع على تويتر بأن “فرق المشروع نزعت 438 لغماً مضادًا للدبابات، و9 ألغام مضادة للأفراد، و1061 ذخيرة غير منفجرة، و20 عبوة ناسفة، من محافظات مأرب وشبوة والجوف وتعز ولحج.

وأشار إلى ارتفاع إجمالي الألغام التي نزعها المشروع منذ بدء عمله العام الماضي وحتى السابع من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، إلى 103.737 لغماً.

​وأطلق مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، في 25 حزيران/يونيو من العام الماضي، مشروع “مسام” بتكلفة 40 مليون دولار، لنزع الألغام التي زرعت خلال معارك عنيفة تدور على الأراضي اليمنية، منذ أكثر من 4 سنوات بين جماعة أنصار الله “الحوثيين” وقوى متحالفة معها من جهة، وبين الجيش اليمني مدعوما بتحالف عسكري من دول عربية وإسلامية تقوده السعودية من جهة أخرى.

ترامب يريد أن يجعل كل اتفاقات أوباما “هباء منثورا”

قال أستاذ العلاقات الدولية، زيدان خوليف، إن “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من يسعى لانهيار الاتفاق النووي مع إيران”.

وأوضح في حديثه ضمن برنامج “عالم سبوتنيك”، أن “ترامب يريد أن يجعل من كل اتفاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع المجموعة الدولية هباء منثورا خاصة الاتفاقات الموقعة في عهد أوباما في ظل محاولات الوصول إلى عزله داخليا”.

وأشار إلى أن “الموقف الأوروبي لم يتغير منذ بدايته وهو أن (اتفاق سيء خير من لا شيء) وهي قاعدة عامة فمن المستحسن إذا كان الاتفاق سيء بحسب رأي ترامب الأمر الذي يشك فيه العالم كله فيجب الإبقاء عليه حتى نصل إلى حلول أفضل وأن نتقدم سويا ولا يمكن أن نجعل هذا الاتفاق ينهار بسبب مزاج ترامب”.
وأكد أن “الأوروبيين دائما يسعون لإبقاء هذا الاتفاق حتى وإن كان سيئا في هذه المدة فهو قد يتغير ويكون اختبار لنوايا كل الأطراف”.

ولفت إلى أن “فرنسا لها السبق فيما يخص الاتفاق النووي مع الإيرانيين حيث سعت في سبعينيات القرن الماضي إلى أن يكون هناك ما يسمى بمفاعل نوي في ظل حكم الشاه محمد رضا البهلوي”.

وأضاف “في هذا الموضوع أرتكز على موقف فرنسا والرئيس ماكرون الذي يقول إن هذا الاتفاق سيبقى حتى وإن كان ترامب ضده أما موقف الألمان فسيبقى حتى يأتي خليفة أنغيلا ميركل وينحاز إلى الأوروبيين الذين لا يريدون أزمات في هذه المنطقة لأنها ستؤول عليهم أولا”.

وأكد أنه بمقدور أوروبا منع انهيار الاتفاق النووي مع إيران ولهم كامل الشرعية والمصاداقية في أن تمنع ترامب وسيحدث ذلك بعد عزل ترامب”.

تعرف إلى أول طائرة كهربائية تصنعها “ناسا”

كشفت الوكالة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأمريكية (ناسا)، عن النسخة الأولية من طائراتها الكهربائية “إكس-57 ماكسويل” ضمن الإطار التجريبي، في مركز لعلوم الطيران بصحراء ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

وقالت “ناسا” عبر تويتر، الجمعة 8 من تشرين الثاني الحالي، “إننا نقود الشعوب لبدء حقبة جديدة في السفر الجوي، وإمكانية التنقل في المناطق المدنية، كما تتمثل رؤيتنا في امتلاك نظام نقل جوي آمن وفعال، عبر الطائرات من دون طيار، إضافة إلى سيارات الأجرة في المدن”.

ويجري تطوير الطائرة “إكس-57 ماكسويل” منذ العام 2015، وستخضع للعمليات التجريبية بعد عام على الأقل قبل أولى عملياتها التجريبية.

وتعتمد الطائرة الجديدة على استخدام 14 محركًا كهربائيًا تشغلها بطاريات ليثيوم أيون، بزيادة 12 محركًا عن نظيرتها الإيطالية “تكنام بي تي 2006” المقتبسة منها، ذات المحركين.

ويهدف مشروع “إكس-57” لتصميم وعرض تكنولوجيا تتوافق مع معايير يمكن للشركات التجارية تطبيقها، للحصول على موافقات وتصديق الحكومة الأمريكية، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز“.

ونقلت “رويترز” عن المسؤول في مركز “أرمسترونج” لأبحاث الطيران، برنت كابلاه، أن معايير الطائرة، التي تسعى “ناسا” لتحقيقها، تشمل كفاءة الطيران، السلامة، الطاقة وتقليل الضوضاء.

وأضاف، “نركز على أمور يمكن أن تدعم قطاع الطيران بالكامل وليس شركة واحدة فقط، وهدفنا الآن هو تحليق هذه الطائرة بنهاية 2020”.

وتتعاون “ناسا” مع شركات أمريكية ومؤسسات أكاديمية لتطوير قطع مبتكرة لاستخدامها بالطائرات، إضافة إلى تقديم نماذج ومواد مصورة لمحاكاة عملية.

ومن أهم فوائد الطائرات الكهربائية تقليل استخدام الوقود، الذي ينتج انبعاثات حرارية ضارة بالبيئة، إذ وصل حجم الانبعاث الحراري من طائرات المحركات التي تعتمد على الوقود إلى نحو 4% من نسبة الانبعاث العام للغاز.

وبحسب تقرير للـ “BBC” في العام الماضي، وعدت النرويج أن تسير جميع رحلاتها الجوية القصيرة بحلول عام 2040، على متن طائرات كهربائية، وهو ما “يبشر بثورة في عالم الطيران”.

وفي عام 2017 أشارت شركة “رولاند بيرغر” الاستشارية إلى وجود أكثر من 100 مشروع لطائرات تدار كهربيًا يتم تطويرها على مستوى العالم.

ومن تلك المشروعات شركة “بيبسترل” في سلوفينيا، التي قال المتحدث باسمها إن الشركة بصدد صناعة “عدة طائرات تتسع كل منها لأربعة أشخاص، أبرزها طائرة “توروس جي-4″، أول طائرة كهربائية ذات أربعة ركاب في العالم، بحسب “BBC” .

 

مزارعون إسرائيليون يتحسرون على انتهاء صفقة استئجار أرض من الأردن

كان طعم الحصاد مرا في أفواه بعض المزارعين الإسرائيليين على الحدود مع الأردن. فاليوم الأحد ينتهي رسميا أجل اتفاق بدأ سريانه قبل 25 عاما بين البلدين وأتاح لهؤلاء المزارعين زراعة الأرض.

بمقتضى هذا الاتفاق الذي كان جزءا من معاهدة السلام المبرمة بين الأردن وإسرائيل عام 1994، تم الاعتراف بأن قطعتين من الأرض على الحدود تخضعان للسيادة الأردنية وسمح اتفاق خاص للمزارعين الإسرائيليين بزراعة الأرض وللزائرين بالتجول في حديقة جزيرة السلام في المنطقة.

إلا أن الأردن أعلن في 2018 أنه لا يريد مواصلة العمل بهذا الترتيب وذلك فيما اعتبر على نطاق واسع علامة على توتر متزايد في العلاقات الدبلوماسية.

وقال إيلي أرازي (74 عاما) الذي تتولى المزرعة الجماعية التي ينتمي لها زراعة إحدى قطعتي الأرض واسمها بالعبرية نهاراييم وبالعربية الباقورة ”كان الأمر أشبه بلكمة في الوجه“.

ونهاراييم كلمة عبرية معناها ”نهران“ وتقع هذه المنطقة عند ملتقى نهري اليرموك والأردن. ويقول إسرائيليون إن هناك ما يثبت حقوق ملكية خاصة في المنطقة ترجع إلى عشرينيات القرن العشرين حينما كانت المنطقة جزءا من فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

وقال أرازي إن مزرعته الجماعية، أو الكيبوتز، واسمها اشدوت يعقوب ميوهاد تزرع محاصيل في المنطقة منذ 70 عاما من بينها الزيتون والموز والأفوكادو.

وفي معاهدة السلام تأكدت السيادة الأردنية على المنطقة بينما احتفظ الإسرائيليون بالملكية الخاصة للأرض والبنود الخاصة التي تسمح بحرية التنقل.

البنوك تقود السعودية للصعود وأسهم الشركات المالية تهبط بدبي

ارتفعت سوق الأسهم السعودية يوم الأحد، مدعومة بمكاسب البنوك في أعقاب كشف أرامكو عن نشرة طرحها العام الأولي، في حين تراجعت بورصة دبي بفعل أسهم الشركات المالية والعقارية.

وقالت أرامكو السعودية في نشرة الطرح إنها ستبيع ما يصل إلى 0.5 بالمئة من أسهمها إلى المستثمرين الأفراد. لكن النشرة خلت من أي تفاصيل عن حجم ما ستدرجه الشركة إجمالا أو أي التزامات من مستثمرين رئيسيين.

كانت رويترز نقلت عن مصادر في وقت سابق القول إن الشركة المنتجة للنفط قد تبيع بين واحد واثنين بالمئة في سوق الأسهم السعودية.

والأسبوع الماضي، وافقت هيئة السوق المالية السعودية على إدراج أرامكو، وأعقب ذلك تراجع الأسهم السعودية، وقال محللون إن المستثمرين المحليين قد يبيعون أسهما أخرى لتحويل استثماراتهم إلى الشركة.

وصعد المؤشر السعودي واحدا بالمئة. وزاد سهم مصرف الراجحي 2.5بالمئة والبنك السعودي البريطاني 4.1 بالمئة.

وفي دبي، هبط المؤشر سوق دبي 1.4 متأثرا بأسهم قطاعي العقارات والبنوك. ونزل سهم بنك الإمارات دبي الوطني، أكبر بنوك الإمارة، 2.2 بالمئة وتراجع سهم إعمار العقارية 1.2 بالمئة.

وعقب إغلاق السوق، قالت إعمار العقارية إن صافي ربح الربع الثالث من العام قفز 20 بالمئة بفضل أداء قوي لأنشطة العقارات ومراكز التسوق والضيافة.

وفي أبوظبي، نزل المؤشر 0.7 بالمئة، في تراجع للجلسة الثالثة على التوالي، حيث هبط بنك أبوظبي الأول 0.8 بالمئة ومصرف أبوظبي الإسلامي 4.7 بالمئة.

وتراجع سهم الأخير بعد إعلانه عن تحقيق صافي ربح قدره 620 مليون درهم (169 مليون دولار) في الربع الثالث مقارنة بصافي ربح بلغ 589.5 مليون درهم في نفس الفترة من العام الماضي، لكن الربح تقلص مقارنة بالربع الثاني من العام الجاري.

 

وهبط مؤشر بورصة قطر 0.1 بالمئة مع تراجع سهم شركة الكهرباء والماء القطرية 1.8 بالمئة وبنك قطر الوطني 0.6 بالمئة.

الأسواق في مصر وسلطنة عمان والبحرين مغلقة يوم الأحد في عطلة عامة.

 

دراسة: ما بعد مقتل البغدادي… كيف نفهم ظاهرة التطرف؟ وكيف نتعامل معها في عصر الإنترنت؟ – سفير دزعزمي خليفة

مع بداية الألفية حدث تطور مهم في دراسة العلوم السياسية، فلم تعد هذه الدراسة تهتم بدراسة الدولة كصندوق أسود من معطيات الحياة السياسية كما تعودنا من قبل. فنتيجة لتأثير فشل المناهج الخطية في تحقيق حد أدنى من المصداقية لدراسة التحولات السياسية في وسط أوروبا بعد ثورات 1989، وفي الشرق الأوسط بعد ثورات الربيع العربي عام 2011، ونتيجة لدخول المعلومة في تكوين القوة، ونتيجة الثورة الرقمية وتأثيراتها على الدولة والمجتمع؛ نتيجة كل ذلك اتجهت الدراسات السياسية نحو دراسة الدولة في جزئياتها، وإعادة النظر في التفاعل السياسي فيها بما يتسق وعصر الإنترنت ومتطلباته، أي أصبح المطلوب هو إعادة اكتشاف الدولة الوطنية.

ومن ثم فالهدف من هذه الدراسة هو التعرف على جوهر العملية السياسية، أي علاقات السلطة في المجتمع والتغييرات التي طرات عليها نتيجة الثورة العلمية الممثلة في الثورة الرقمية ودور الفواعل السياسية من دون الدول فيها، مما يتيح لنا فهمًا أفضل لأسباب انتشار التطرف في العالم أجمع، وفهمًا أفضل لدور ووظائف حركات التطرف العنيف The Violent Radical Movement أو ما يطلق علية البعض الفواعل المسلحة من دون الدولة أو Non –State Actors Armed، ومن ثم يمكن التعرف على كيفية مواجهة هذه الكارثة.1

الفرضية التي تدور حولها الدراسة هي أن “أي حركة تحمل السلاح ضد الدولة بهدف المشاركة في العملية السياسية هي حركة مجرمة، ولا تنطبق عليها المعايير السياسية التي تسمح بالتعامل معها كحركة سياسية، ومن ثم وجب مواجهتها بالقوة، وإلا سيأتي اليوم الذي نعترف فيه بأن المافيا ومنظمات الجريمة المنظمة من الفواعل المسلحة من دون الدولة”. ومن هنا فإن الإرهاب هو مشكلة سياسية بالدرجة الأولى.

وتحقيقًا لهذه الفرضية سوف نقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام رئيسية؛ يتناول القسم الأول تحولات العملية السياسية في عصر الإنترنت، ويتناول القسم الثاني انعكاس العملية السياسية على ظهور التطرف، ويتناول القسم الثالث كيفية التعامل مع التطرف، ثم الخاتمة والنتائج.

أولًا: تحولات العملية السياسية في عصر الإنترنت

من المؤكد أن سمات عصر الإنترنت قد انعكست على الدولة القومية بالفعل، فمن الثابت علميًّا اليوم أن ظهور الإنترنت كان له تأثيره المباشر على الدولة على المستوى الكلي Macro Analysis، فغيّر من شكلها ووظائفها ومكوناتها، والتفاعل السياسي بها، وعلاقاتها بالمجتمع ونظم الحكم. وكان لظهور تطبيقات التواصل الاجتماعي بمختلف تنوعاتها تأثيره المباشر على الدولة على المستوى الجزئي Micro-Analysis، أي على وظائف معينة للدولة، أو على بعض مكوناتها، أو على كيفية أداء وظائف محددة، مثل العملية الإنتاجية، أو التعبئة السياسية، أو الوظيفة الدبلوماسية.2

وبناء على ذلك يصبح المدخل الرئيسي لفهم كيفية ظهور حركات التطرف المعنف 3 هو فهم عملية التفاعل السياسي في الدولة في عصر الإنترنت. فمع مطلع السبعينيات من القرن العشرين لاحظ علماء السياسة والاجتماع ظهور مؤشرات وقيم تؤكد وجود تحولات في المجتمعات المتقدمة، خاصة في اليابان وغرب أوروبا وأمريكا الشمالية، وأن هذه القيم بدأت من إسبانيا والبرتغال واليونان أساسا، وأن ظهور هذه القيم الثقافية الجديدة غيّر من العادات الاجتماعية وطرق التفكير السائدة، ولذا أطلق عليها “إنجلهاردت” “الثورة الصامتة”.4 وتدور هذه القيم في مجملها حول القيم غير المادية المرتبطة بالكرامة الإنسانية، وفي القلب منها العلمانية، والتعبير عن الذات وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، ومنها: الحق في اختيار نوعية النظام السياسي، وحقوق المرأة، وإعادة النظر في دورها في المجتمع، وإعادة النظر في علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة به، والعودة مرة أخرى إلى المقدس، ومن ثم ظهور حركة من الإحياء الديني على مستوى كافة الأديان بما فيها الفلسفات الوضعية التي تحظى بمكانة الأديان في الشرق (مثل: البوذية، والهندوسية، والكونفوشيوسية). وقد فسر العلماء هذه التغييرات الفكرية بأنها ناتج التطور التكنولوجي الذي ترتب عليه دخول هذه المجتمعات إلى عصر ما بعد التصنيع أو عصر ما بعد الحداثة، وهو ما سهل أمام “مانويل كاستلز” فك شفرة المجتمع الجديد وأسلوب تأثيره في حياتنا؛ فأكد أن المجتمع يتحول إلى الشكل الشبكي، وأن الشبكات الاجتماعية قد صارت أساس المجتمع،5 وهو ما أدى إلى تغيير الكثير من مضمون المفاهيم السياسية السائدة، مثل: الشرعية، والمواطنة، والحكم والسيادة، والعلاقات الدولية، وأدى إلى ظهور مفاهيم سياسية جديدة، مثل: العولمة، ومجتمع المعرفة، وإدارة المعرفة، والحكومة المفتوحة. وكان من أهم التغييرات الثقافية السياسية التي عبرت عنها هذه الثورة العلمية ما يلي:

1- الاهتمام بالقيم الفكرية غير المادية المتعلقة أساسا بالتعبير عن الذات والتي تعكس وعيًا بالجوهر الواحد للإنسان بغض النظر عن موقعه الجغرافي وانتمائه الجنسي أو العرقي أو الإثني، وحقّه بالتالي في اختيار النظام السياسي الذي يعيش فيه.

2- الاهتمام بعلاقة الإنسان بالبيئة التي تحيط به، ومن هنا يمكن أن نفهم حركة الخضر التي انتشرت في العالم في ذلك الحين.

3- هذا الوعي بالبيئة وبالإنسانية أدى في تفاعلهما إلى وعي كوني بأن المشكلات الناتجة عن العولمة هي مشكلات كونية (عالمية) وتحتاج لحلول عالمية على أساس من التشاركية وتبادل الخبرات.

4- سقوط جميع الحواجز الجغرافية والزمنية والسياسية، مما يزيد من عمق التفاعل الإنساني على مستوى العالم وعلى مدار 24 ساعة يومية، وسقوط الحواجز بين العلوم المختلفة، وسقوط الحواجز بين الإنسان والآلة.

5- سقوط هذه الحواجز وزيادة التفاعل الإنساني أديا إلى ظهور المجتمع الشبكي وانعكاساته على ممارسة السلطة، وبخاصة فيما يتعلق بأمرين؛ أولهما: موت المسافة وموت الزمن. وكان الفصل بين ثلاثية المؤلف والكتاب والقارئ أكبر تجسيد لذلك، إضافة إلى التفاعل في الزمن الحقيقي وسقوط نظرية الزمكان. ثانيهما: فشل جميع النظم الثقافية السياسية المغلقة التي تدعي احتكار الحقيقة وظهور النظم المفتوحة.

6 – إعلاء قيم التشاركية بين الدولة والمجتمع، مما أدى لانتشار نظام الحكومة المنفتحة أو المدنية التي تشارك منظمات المجتمع المدني فيها الحكومة في الحكم من خلال الرقابة، مما يفسر ذلك الجدل حول قانون إتاحة المعلومات وحكومة الإنترنت وحوكمة المعلومة.

7- ظهور حركة إحياء ديني لحماية الخصوصية الثقافية في مواجهة العولمة التي تركز على المركزية الثقافية الغربية. وكان ذلك بداية التطرف الذي أكده وجود نسقين مختلفين من القيم، هما: قيم العولمة المتمركزة حول التعبير عن الذات والقيم الغربية، وقيم الخصوصية الثقافية لمجتمعات غير غربية، وكانت هذه القيم متمركزة أساسا حول الدين ومستمدة منه. 6

هذه الأوضاع بطبيعة الحال تفرض تحديات عديدة على الدولة ودورها، ويتطلب الأمر التعرف على هذه التحديات، وهو ما يتطلب إعادة دراسة تفاعلات علاقات السلطة في ظل ما طرأ عليها من تغييرات نتيجة ظهور المجتمع الشبكي. ومن الجدير بالملاحظة أن المقصود بالمجتمع الشبكي7 بدأ بالمجتمعات التي تشارك في إنتاج المعلومات، إلا أن المؤشرات الحديثة تؤكد أن مجرد استهلاك المعلومات عبر أدوات التكنولوجيا الحديثة فيما يعرف بالحكومة الإلكترونية يكفي أيضًا لإعادة تنظيم المجتمع في صورة شبكية بقدر ما هو كافٍ لإدماج قطاع كبير نسبيًّا من السكان في المجتمع العالمي، ومن ثم التعرف على أساليب حياة جديدة والتعرف على المعدلات العالمية لتبادل المعلومات مما نشط هذا القطاع سياسيًّا وثقافيًّا بالدرجة الأولى، إذ تصبح الشبكات بمنزلة شكل اتصالي جديد للمجتمع تنتظم فيها الهوية (الانتماء) والسياسة (تنظيم العنف) والاقتصاد (الإنتاج وتحديد القيمة)، ومن ثم يتحدد شكل المجتمع وقيمه. ودائمًا ما تشمل علاقات السلطة علاقة نفوذ من طرف وعلاقة مقاومة من طرف آخر، وحينما تكون المقاومة أكبر من علاقة الهيمنة أو النفوذ تتغير علاقات السلطة، ويتغير بالتالي أسلوب الحكم. وإذا حاول المتمتعون بالسلطة إلغاء مقاومة الأطراف الأخرى تنتفي السلطة، لأن الإذعان والقهر ليس علاقة سياسية ولكنه علاقة أحادية في اتجاه واحد فقط، ومن ثم يكتسب العنف أهميته للسلطة باعتباره الوسيلة الشرعية لتوزيع القيم في المجتمع، ومن ثم لا بد من مأسسته، أي إضفاء الصبغة المؤسسية عليه، ومن ثم تظهر الحاجة إلى بناء المؤسسات.

هذه العلاقات للسلطة مستمرة في عصر الإنترنت، إلا أنها لا تتم بين أفراد، وإنما بين شبكات باعتبار أن الشبكات أساس المجتمع الذي أنشأ الدولة. ويلاحظ أن ممارسة السلطة لها مجال جغرافي محدد هو إقليم الدولة، بينما المجتمع بطبيعته عالمي لأن الشبكات عالمية وليست محلية فقط، ومن ثم فمرجعيته القيمية عالمية، فهذه الشبكات وشرعية الحكومة Legitimacy عنصران لا غنى عنهما لتمكين الدولة من فرض هيمنتها ونفوذها وهما أساس الحكم اليوم8، لأن الشرعية هي أساس بناء المعنى الذي يعكسه خطاب السلطة، وهو ما يوفر لها في الوقت نفسه شرعية استخدام العنف للمخالفين. فإذا كان التمثيل الديمقراطي هو المعنى العام في المجتمع، وتتحدث عنه السلطة في خطابها؛ وجب عليها استخدام العنف في حالة قيام فاعل اجتماعي أو سياسي (شخص، أو جماعة، أو حزب سياسي) بتجريم فكرة التمثيل الديمقراطي. ومن ثم فإن قدرة المجتمع المدني الذي يعمل وسيطًا بين الحكومة والمجتمع في الدولة على إيصال القيم والأفكار المشتركة للمجال العام هو ما يكفل تطبيق الديمقراطية، ويحدد شروط الممارسة المشروعة للسلطة، وذلك باعتبار أن السلطة تمثيل لقيم ومصالح المواطنين التي يتم التعبير عنها من خلال تبادل الآراء في المجال العام.

في هذا الإطار، يصبح مقتل “أبو بكر” الإرهابي زعيم داعش مجرد عامل من عوامل إضعاف التنظيم وليس سببًا لانتهاء الإرهاب في الإقليم، لأكثر من اعتبار:

1- أن الأوضاع السياسية المصاحبة لظهور الإرهاب الداعشي تحديدًا تؤكد أن هذا الإرهاب ظهر ليبقى كأداة من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية لبعض دول الإقليم ولبعض الدول الكبرى.

2- أن الإرهاب حقق نجاحًا لبعض العمليات خارج إطار الشرق الأوسط في أمريكا وأوروبا، وبالتالي تحولت الظاهرة للشكل العالمي ولم تعد ظاهرة محلية.

3- أن تمركز عدد من التنظيمات الإرهابية على خط التماس العربي الإفريقي أصبح يمثل خطرًا داهمًا على كل من إقليم الساحل والصحراء وشمال إفريقيا.

4- أن الإرهاب ككل بصفة عامة سبق الدول التي يتواجد فيها إلى الشكل الشبكي، وهو شكل في منتهى المرونة، بينما الدولة تسعى للإبقاء على التنظيم الرأسي للدولة، وهو تنظيم جامد ولم يعد يناسب عصر المعلومات، مما أدى إلى انفصال الدولة عن المجتمع عامة في جميع دول الشرق الأوسط في أوسع معانيه الجغرافية في ظل فاعلية المجتمع وجمود الدولة مؤسسيًّا والحاجة إلى تعديل العمليات السياسية التي تقوم بها، وبالتالي فقد اكتسب الإرهاب ميزة على الدولة لن يتخلى عنها بسهولة.

5- أن عددًا ليس بسيطًا من التنظيمات الإرهابية المختلفة أصبحت تستلهم تنظيمَ الدولة الإسلامية “داعش” وتنسق معه تسليحًا وتدريبًا وتمويلًا وأيديولوجيًّا على الأقل نتيجة تحول الإرهاب ككل للشكل الشبكي.

وبالتالي، أصبحت الدولة في حاجة ملحة لدعم علاقات السلطة في كل مجالات الممارسة الاجتماعية والسياسية، لأنها أيضًا الضامن والمنظم النهائي للسلطات الصغيرة التي تمارس بعيدًا عن المجال السياسي (أي شبكات المجتمع المدني). فإذا تعارضت هذه السلطات الصغيرة مع هياكل الهيمنة (الدولة بمؤسساتها) فإما أن تتغير الدولة، أو يعاد ترسيخ الهيمنة من خلال وسائل مؤسسية عادة ما يكون العنف وسيلتها، أو التهديد باستخدامه، وهذا حقها بوصفها الجهة الوحيدة المخولة باستخدام العنف بصورة شرعية سيادية وفقًا لشروط عديدة أدخلت على هذه الوظيفة حديثًا، وينقل خطابها السياسي في هذه الحالة عبر جميع مؤسسات الدولة، مثل: الصحف، ووسائل الإعلام، والجيش، والجهاز الإداري، ومؤسسات العملية الإنتاجية ممثلة بالمصنع أو العلاقات بين المرأة والرجل في أوسع معانيها، بقيم مختلفة تشمل: دعم الأسرة الأبوية، وإعادة تنظيم علاقة الرجال والنساء، وكافة المؤسسات التعليمية مثل المدرسة والجامعة. وهنا إذا فشلت الدولة في نقل خطابها السياسي وقيمه عبر الشبكات في المجتمع الشبكي فالمجال العام يكون معرضًا للانكشاف أولًا. أما إذا فشل الخطاب السياسي للمعارضة الذي يمكن طرحه في هذه الحالة كخطاب بديل ففي هذه الحالة يمكن تبني خطاب انضباطي آخر تطرحه شبكات المجتمع المدني التي تُعد شريكة للحكومة في المجتمع الشبكي. وإذا فشل الخطاب السياسي للمجتمع المدني أيضًا فإن المجال العام يصبح مُعرّضًا للانهيار والفوضى كما أوضح “ميشيل فوكو”9، وهي حالة ينبغي العمل على تجنبها تمامًا من البداية في أي سيناريو لأنها حالة مكلفة للغاية كما أوضحت أحداث الحراك المجتمعي في يناير 2011.

ولمقاومة الخطاب الانضباطي الجديد للمجتمع لا بد من بلورة خطاب بديل للدولة يكون قادرًا على اكتساح الخطاب الانضباطي للشبكات المجتمعية، ويكون متجاوزًا أيضًا الخطاب البديل لتنظيمات المجتمع المدني، وهذا الخطاب البديل الجديد للدولة يكون خطوة ضرورية لتجنيب الدولة اللجوء للعنف. ورغم توزيع السلطة في المجتمع الشبكي على نطاق واسع نتيجة تعدد الشبكات ومستوياتها؛ إلا أن الدولة لا تزال مثالًا مهمًّا على ممارسة السلطة من خلال ثلاثة مصادر، هي: العنف، والمال، والمعلومة أو الثقة الناجمة عن المعلومة، من خلال مساعيها لاحتكار تشكيل العقول. ومن هنا تبدو أهمية المعلومة كأهم مصدر من مصادر السلطة السياسية في أبهى صورها.

إذن، فقد تحررت العملية السياسية بالفعل من حدود الزمان والمكان نتيجة لاختلاف هياكل الاتصال (انتشار الشبكات) ونتيجة قصر مدة التفاعل وسرعة الاتصال (لحظي). كما أن تناقض المكان للدولة (حدودها المحلية) مع حدود المجتمع (شبكي عالمي) مكننا من إعادة تعريف الدولة ونمط التفاعل السياسي فيها وحدوده والتغييرات التي طرأت على العملية السياسية وتحديد جوهر التطرف نتيجة حركة الإحياء الديني والقومي الواسعة للحفاظ على الهوية، مما أدى إلى انحراف السياسة يمينًا بصفة عامة في العالم، وإن كانت بصورة أسبق في الشرق والجنوب نتيجة محاولات الحفاظ على الهوية ونتيجة تناقض حدود الدولة مع حدود المجتمع لجميع دول العالم نتيجة استخدام الإنترنت، مما أدى لظهور ثقوب سوداء في كيان الدولة ككل مؤسسيًّا ومجتمعيًّا.

ثانيًا: انعكاسات تغيير التفاعل السياسي على ظهور التطرف

هذه الثقوب السوداء جذبت إليها شبكات تشكلت من عقد مهمشة، وشبكات أخرى تتكون من عقد رافضة للعولمة وقيمها، وتدعو للحفاظ على الخصوصية الثقافية المختلفة، وغاضبة من عدم الاستفادة العادلة من عوائد العولمة؛ فالشبكات تقوم على تجميع المتشابهين، وكان من بين هذه الشبكات تلك التي لجأت لكهوف التاريخ وتمسكت بالدين، أي إنها كونت شبكاتها من منطلق الرفض للعولمة وليس من منطلق التفاعل الإيجابي مع تحولات الدولة والمجتمع10، فكان من الطبيعي أن تكون شبكات أكثر تطرفًا، ويتزايد تطرفها يومًا بعد آخر على نحو ما رأينا مع محاولات إحياء الخلافة الإسلامية في العالم الإسلامي، أو شبكات تحض على العنصرية ورفض الآخر، وهو ما ساد في الولايات المتحدة والعالم الغربي، وما ساد في دول الأقليات الإسلامية مثل بورما، فالشعور بوجود تغييرات في الدولة القومية أدركه الجميع دون أن يدري جوهر هذا التغيير وأبعاده، ومن ثم أدرك البعض –خاصة المهمشين- أن الفرصة سانحة لتحقيق أهدافهم في ظل ما تتعرض له الدولة القومية من ضعف أدركوا أبعاده نتيجة تهديد لجميع عناصرها، مثل: الإقليم (الذي أمكن لبعض هذه الشبكات من المهمشين والمتطرفين احتلاله لأول مرة)، والحكومة (من خلال رفض قراراتها المتتالية)، والسيادة التي تآكلت بالفعل، إضافة للتغييرات المقصودة في الهوية نتيجة الإحياء الديني والقومي وبث القيم التحررية كما أوضح مسح القيم العالمي. ويزيد هذا الشعور لديهم بقوة النجاح الذي حققوه في بعض دول الإقليم بفضل ارتباطاتهم بسياسات بعض الدول لمساعدتهم في تحقيق سياساتهم، دون حساب مستقبل تعاون دولة بكل ما تحمله الكلمة من مؤسسية وتاريخ وحضارة وأفكار مع حركة رافضة لروح العصر وقيمه وترغب في العودة للخلف.

كما ساهم أيضًا ظهور مهددات جديدة للأمن، مثل المهددات الناعمة للأمن، في التحولات اليمينية باختلاف تنوعاتها، ويقصد بها المهددات غير المرئية في مجملها مثل زرع العبوات الناسفة في أماكن عامة، والتي عانت منها ثماني دول إفريقية عام 2014، هي: جيبوتي، ومصر، وكينيا، وليبيا، ومالي، ونيجيريا، والصومال، وتنزانيا. فقد انتقلت مهددات الأمن من الجبهات العسكرية على الحدود، أو من الجغرافيا، إلى داخل الدولة والمجتمع، وهو تطور يعكس مواجهة مظاهر جديدة للمخاطر الأمنية، خاصة أنه رغم تقلص عدد هذه الحالات بنسبة 15% هذا العام عن العام الماضي، إلا أن عدد الضحايا زاد بنسبة 41% مما يؤكد تحسن المستوى التقني لهذه المهددات، وتزايد لجوء أعضاء هذه الشبكات إلى التكنولوجيا، وهو تحول ينبغي مواجهته.

يُضاف إلى عوامل زيادة التطرف في العالم ما تتمتع به بعض الحركات المسلحة11 من خصائص مثل سيطرتها على مناطق جغرافية وإدارتها وفقًا لمفاهيمها، وهو ما شاهدناه في الرقة وحلب والموصل وسرت، وتمتعهم بهوية مختلفة عن هوية الدولة من خلال الأخذ بنمط جديد للحياة يُعيد حياة المسلمين الأوائل مثلًا بكل رموزه، مثل علاقة الرجل بالمرأة وبيع الأسيرات في سوق الجواري، وتوفير مصادر تمكنهم من إدارة “دولة الخلافة” مثل السيطرة على آبار بترول، والاستيلاء على الذهب والأموال الموجودة في البنوك بالمناطق التي سيطروا عليها، والاتجار في الآثار بل وفي الأعضاء البشرية لمن أُعدموا ذبحًا، بل واستخدام هذه الجماعات للعنف السياسي لتحقيق أهداف سياسية تمامًا منافسة في ذلك الدولة القومية12.

الخلاصة أن التطرف ناتج عن عدم تطابق حدود الدولة (ذات الطبيعة المحلية المغلقة( مع حدود المجتمع الشبكي (ذي الطبيعة العالمية المفتوحة) في عصر الإنترنت، خاصة أن التغييرات في المجتمع أسرع منها في الدولة، مما ولّد ثقوبًا أمنية سوداء تهدد كيان الدولة القومية، لأن بعض “ضحايا المجتمع الشبكي” آثر أن يستخدم نفس الأداة وهي التكنولوجيا ولكن من منطلق معاداة العولمة وقيمها، ودعم الخصوصية الثقافية، ودعم نمط حياة هؤلاء الضحايا وفقًا لما آمنوا به من قيم بالية وهو ما يفسر انتشار التطرف في مختلف مناطق العالم دون تمييز، كنتيجة منطقية لانتشار الاتجاهات اليمينية في العالم والأخذ بالعلمانية منذ منتصف السبعينيات.

ثالثًا: مواجهة التطرف

إحدى المشكلات الناتجة عن عدم استخدام المناهج اللا خطية وفي مقدمتها المنهج الشبكي لإيضاح جوهر التطرف، هو اعتبار الجماعات المسلحة الإرهابية فواعل من دون الدولة بوصفها جماعات تتكون من أفراد مثل الدولة والأسرة والشركات المختلفة، فهذا التماثل يحتاج إلى قراءة أخرى تستند إلى ما تعكسه الشبكة من قيم وأفكار واتجاهات نفسية بوصفها وحدة المجتمع. ولم يعد الفرد المواطن أساس هذا المجتمع، ولذا اقترح البعض من أنصار التحليل الخطي اتّباع أحد منهاجين لعلاج التطرف؛ الأول: هو المنهج الاحتوائي The Inclusive Approach، ويقصد به حماية المدنيين من خلال ضم الجماعات المتطرفة إلى الحكومة، خاصة إذا كان الصراع اجتماعيًّا سياسيًّا، أي بين جماعات متعددة داخل المجتمع الواحد، وذلك التزامًا بنص المادة رقم 3 من اتفاقيات جنيف 1949 للقانون الدولي الإنساني التي عبرت صراحة عن آثار الوضع القانوني للأطراف من دون الدولة في الصراعات المسلحة. المنهج الثاني المقترح هو الاقتراب التقويضي Coercive Approach القائم على الاستمرار في إدانة هذه الأعمال وشجبها وتجريمها ومن ثم استمرار الصراع دون هوادة.

بالنظر إلى المقتربين السابقين فإنني أرفض المقترب الأول الاحتوائي لعدة أسباب؛ أولها أن هناك فارقًا بين الصراعات الاجتماعية السياسية النفسية بين أبناء الوطن الواحد مثل يوغوسلافيا ورواندا وبوروندي، وبين جماعات مسلحة تضم متطرفين من دول شتى بقيم وأفكار مختلفة تم تجنيدهم في الخارج لإثارة الاضطرابات في دول لا يتمتعون بجنسيتها، ولا عاشوا فيها، حتى وإن شملت تجنيد أفراد من داخل الدولة مثل: أنصار بيت المقدس، والقاعدة، وأحرار الشام، والنصرة، وداعش، فهؤلاء مجرد مرتزقة وينبغي معاملتهم وفقًا لذلك. السبب الثاني، أنه لا يمكن التعميم في قواعد التعامل مع هذه الحركات، ففي الدول الاتحادية مثل يوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي يكون الحل بالانفصال ومحاولة إدماجهم في الحكومات الجديدة ما لم يرتكبوا جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية مثل كاراديتش في يوغوسلافيا، وهي حالة تختلف تمامًا عن حركات التطرف العنيف الموجودة في الشرق الأوسط والعالم.

السبب الثالث أننا هنا نتحدث عن التفاعل السياسي في الدولة القومية، ومعلوم أن هذا التفاعل عادة ما يكون سلميًّا وليس مسلحًا، فإذا انتقل الصراع لدرجة من التسليح أيًّا كانت، فإنه يتحول إلى صراع عسكري ويخرج من العملية السياسية بالكامل، ومن ثم وجب معاملته بوصفه صراعًا عسكريًّا ضد الدولة، فالجهة الوحيدة التي تحتكر استخدام العنف شرعيًّا هي الدولة، وحتى هذا المعيار لتعريف الدولة وردت عليه مؤخرًا ضوابط عديدة على احتمالات استخدام الدولة للعنف.

السبب الرابع لرفضي إدماج الجماعات المسلحة في الحكم هو أن إدماجهم سيشجع باقي الجماعات المسلحة على شن حروب ضد الدولة القومية بمستويات وأساليب مختلفة، بهدف إدماجهم في الحكم، بل سيشجع الجماعات السلمية مثل الأحزاب وجماعات المصالح على التسليح وتكوين ميليشيات لتحقيق أهدافهم بالقوة، ومن ثم تفقد العملية السياسية في المجتمع جدواها وجوهرها كعملية تفاعلية بين طرفين، وتتحول إلى سلطة في اتجاه واحد أي تتحول لإذعان وقهر.

السبب الخامس أنني خبرت حكم الإخوان المسلمين في مصر لمدة عام، وأدركت عمليًّا أن رفضهم لمفهوم الدولة القومية مقابل تمسكهم بالخلافة الإسلامية يجعلهم يتمسكون بالديمقراطية كوسيلة فقط لمجرد الوصول للحكم، وفور توليهم للحكم يسعون لتعيين مختلف رؤساء أجهزة الدولة من أنصارهم بغض النظر عن الكفاءة وعن مبادئ المشاركة السياسية، بل ويحصنون جميع قرارات الرئيس ضد المساءلة، ويغضون الطرف عن مشاركة التيارات السياسية المدنية لهم في الحكم، ويسعون إلى رفض الجيش مقابل إنشاء ميليشيات مسلحة، وكلها سياسات غير ديمقراطية وغير ممكنة وطنيًّا، فخلط الدين بالدولة مرفوض لأن الدين مطلق، يستند إلى الحاكمية لله، ويبحث في الحلال والحرام، بينما السياسة نسبية، تستند إلى تداول السلطة والتشاركية، وتبحث في الممكن والمتاح.

من هذا المنطلق أضيف سببين آخرين لرفض استخدام المنهج الاحتوائي بإشراك الجماعات الإرهابية المسلحة في الحكم. فمن ناحية، فإن هذه الجماعات في سلوكها السياسي واستخدامها العنف لتحقيق غايات سياسية أقرب كثيرًا لعصابات ترويج المخدرات في أمريكا اللاتينية. وغاية ما في الأمر أن هذه العصابات تضع رجالها بأسلوب غير قانوني في بعض المناصب المهمة بالدولة، ويتولون إدارة الدولة وفقًا لمعادلة إما أن ينفذ الموظف الرسمي ما يطلب منك أو أن يستغني عن حياته، في ظل قدرتهم على إدارة الحكم في الإقليم بصورة غير مباشرة. وبالرغم من ذلك لا يطالب الغرب -وتحديدًا واشنطن- بإشراكهم في الحكم، بل يتم معاملتهم كمجرمين لا كسياسيين.

كذلك فقد قامت هذه الجماعات الإرهابية المسلحة ببعض العمليات في أوروبا، وأرست الدول الأوروبية سابقة قانونية بمحاكمتهم ولم تهتم على الإطلاق بفكرة الاحتواء، بل إن واشنطن نفسها حينما هاجمتها “القاعدة” عام 2001 أعلن الرئيس “بوش الابن” أن أمريكا في حالة حرب، وأطلق صرخته المشهورة: “لماذا يكرهوننا؟”، واحتل العراق ودمره، مما أدى لزيادة الإرهاب في العالم. وبعد أن ترك الحكم توالت اعترافات أركان إدارته بسوء وفشل تقديرات المواقف التي استندت إليها إدارته لاحتلال العراق، فلماذا تصر واشنطن على إشراك تيارات إسلامية في حكم الدول العربية وهي تيارات أثبتت فشلها بالفعل ورفضتها واشنطن عندما هاجمتها.

خلاصة

نعرض فيما يلي أبرز نتائج هذه الدراسة:

1- أن المنهج الشبكي الذي يُعد ثمرة مجتمع المعرفة حدد لنا أسباب ظهور التطرف في العالم وليس الشرق الأوسط فقط، وما انتشار التيارات اليمينية حاليًّا في أمريكا وأوروبا إلا ثمرة من ثمرات تحول الدولة القومية في عصر الإنترنت الذي يجعل من الشبكة وحدة التحليل في المجتمع، مما يمكننا من دراسة قيم الشبكة وأهدافها وليس مجرد دراسة أفراد الشبكة.

2- أن ظهور تيارات اليمين السياسي المتطرف في جميع أنحاء العالم يرجع إلى عدم تطابق الحدود السياسية للدولة مع حدود المجتمع الذي يعد مكونًا من مكوناتها (الشعب)، ولا يمكن مساواة الحدودين لأن مجتمع أي دولة في العالم أصبح مفهومًا عالميًّا، بينما الدولة حدودها معروفة سياسيًّا ومحددة جغرافيًّا، وأقصى ما يمكن عمله تحويل الدولة إلى الشكل الشبكي أسوة بالمجتمع لإيجاد الحد الأدنى المطلوب من التوازن بين الدولة والمجتمع، ومن ثم فإن الإصرار على معاملة الدولة خارج إطار العولمة باعتبارها ظاهرة محلية فقط من خلال الإصرار على الشكل الراسي للسلطة فيها سيزيد من حجم الثقوب السوداء المتولدة عن تفاعل الدولة مع المجتمع وسيزيد من المخاطر الأمنية.

3- أن العالم أجمع، وليس الشرق الأوسط فقط، في أزمة سياسية نتيجة انتشار التيارات اليمينية المتطرفة في العالم، وهي خطوة في طريق انتشار الإرهاب والعنف وتيارات التطرف العنيف، ومن ثم لا ينبغي الاستماع إلى وجهات النظر الغربية التي تطالب بإدماج حركات التطرف العنيف المسلحة في الحكم بدعاوى ترتبط بحقوق الإنسان وإنهاء الصراع، فمن يستخدم السلاح لتحقيق أهداف سياسية هي الدولة فقط وليس أيًّا من مكوناتها الأخرى. كما أن استخدام السلاح من قبل أي من الفواعل من دون الدولة سيحول العملية السياسية من عملية تفاعل بين الدولة والمجتمع إلى عملية في اتجاه واحد، أي إذعان من الدولة للمجتمع، مما يفرض ضرورة صياغة خطاب بديل للسلطة يشمل استراتيجية جديدة لإعادة بناء الدولة بما يتسق وعصر الثورة الرقمية وحضارتها، وبما يتسق والإنجازات التي تم تحقيقها في مصر، وبخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

4- أن المطلوب في الوقت الراهن هو تحقيق أعلى درجة من درجات التعاون العالمي لمواجهة الإرهاب، وهذا لن يتحقق إلا من خلال إنشاء شبكة عالمية يمكنها الهيمنة على الجماعات المسلحة والمتطرفة، لأن إدماجهم بالحكم لن يؤدي إلا إلى انتشار أفكارهم وما يؤمنون به من قيم. فأي عالم ترغبون في تركه للأجيال القادمة؟ عالم يستند إلى ذبح الإنسان وهي النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق؟ عالم يعود بنا وبكم إلى عصر الجواري؟ عالم يعود بنا إلى القرن السابع ونحن في القرن الحادي والعشرين؟ أم عالم يتوافق مع ثورة علمية ينبغي أن نتوافق معها من أجل رفاهية المواطن؟ أي عالم يفكر في الغد وقيمه وأفكاره ومنجزاته ودور مصر في هذا العالم.. هذا هو الخيار المتاح اليوم.

المصادر:

نوقشت المفاهيم الواردة بهذه الدراسة (مثل: الدولة الشبكية، وخصائص الإرهاب الشبكي واستراتيجيات التحول، والمواطنة وتحولاتها) في مؤتمر تحولات المجتمعات العربية الذي نظمته مكتبة الإسكندرية في سبتمبر 2016، أي إن هذه المفاهيم خضعت للتحكيم الدولي الذي أقرها جميعًا وظهرت في دراسات عديدة بعد ذلك.
Jose Van Dijck, The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media (Oxford, Oxford university press, 2013).
تم ترجمة مفهوم Violent Radical Organizations بالمقابل العربي حركات التطرف المعنف، لأن صفة العنف هنا مرتبطة بالتطرف أساسا وليس بالتنظيم نفسه.
Ronald Inglehart, The Silent Revolution: Changing Values and Political styles Among western Publics (Princeton: Princeton University press, 1977).
Manuel Castells, The Rise Of Network Society (United Kingdom: Wielly –Blackwell, 2nd ed, 2010).
أهم الكتابات المعبرة عن هذا الصراع الثقافي:Yuval Elizur & Lawrence Malkin, The War Within (New York: Overlook Duckworth Press, 2013). منصور معدل (تحرير)، القيم كما تدركها جماهير العالم الإسلامي والشرق الأوسط (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010). Ahmed Samra, Evolution of the Armed Non-State actors, unpublished Master Degree Thesis, A.U.C, Cairo,2015. جاك أتالي، قصة موجزة عن المستقبل، ترجمة نجوى حسن (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، الفصل الخامس. محمد جابر الأنصاري، العرب والسياسة: أين الخلل (بيروت: دار الساقي، 1998). محمد حسنين هيكل: خريف الغضب (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط 11، 1985)، ص 245- 355. د. مصطفى حجازي، الإنسان المهدور (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005).
Castells, op., cit.
Jurgen Habermas, The Structural Transformation of The Public Sphere: An inquiry into a category of Bourgeois Society, translated by Thomas Burger (Cambridge: Polity Press, 1989).
Michel Foucault, Surveiller Et Punir, (Paris: Gallimard, 1975).
يمكن إطلاق وصف “ضحايا المجتمع الشبكي” على جميع الشبكات التي تشكلت من منطلق رفض العولمة وقيمها وكذا أولئك الذين يرفضون الانخراط في المجتمع لأسباب دينية أو عولمية أو قومية ولم يشكلوا شبكات فيه وهو مفهوم تساءل عنه الصديق أ.د. سعيد المصري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة في ندوة خصصت بمكتبة الإسكندرية لمناقشة ورقة “تحولات الدولة القومية والسلطة: دراسة في انعكاسات المجتمع الشبكي على الحكم وعلاقات السلطة” العدد 22 من “أوراق” بمكتبة الإسكندرية وأمكن بلورة المفهوم بصورة أدق في هذه الدراسة.
DCAF & Geneva Call, “Armed Non-State Actors: Current trends &Future Challenges”, DCAF Horizon, Working Paper, No.5, 2015.
Ibid.

هل تساءلت من قبل لماذا يمتلك البعض ذاكرة أفضل من الآخرين؟ هكذا يفسر العلم عمل الذاكرة

نتعرض جميعاً لنسيان أمور كثيرة في حياتنا، فقد تعد قائمة التسوق وتنسى جلبها أثناء التسوق، وحينما تحاول أن تتذكر ما بها، ففي الغالب لن تذكرها بأكملها. وربما قد تقابل أحد أصدقاء طفولتك، ولكن للأسف لا تتذكر اسمه مما قد يدفعك للتساؤل: لماذا يمتلك البعض ذاكرة أفضل من الآخرين ؟.

لحظات كهذه قد تقودك إلى الاعتقاد بأن لديك ذاكرة سيئة، أو أنك بدأت تعاني من علامات الشيخوخة وفقدان الذاكرة. ومع ذلك، فإن الدماغ البشري هو آلة معقدة وغامضة بشكل لا يُصدق، وقدراتنا على التذكر هي بعض من العناصر الأكثر غموضاً داخلها.

بينما يبدو أن بعض الأشخاص لديهم ذاكرة جيدة بشكل طبيعي، ويمكنهم استحضار الأسماء والأحداث والتواريخ بدقة، إلا أن هناك فارقاً أكبر بكثير في الذاكرة من مجرد وصف قدرة الشخص بأنها جيدة أو سيئة.

ولتعرف أكثر لماذا يمتلك البعض ذاكرة أفضل من الآخرين تابع قراءة هذا التقرير.

الفرق بين الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية
تمثل الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية نوعين رئيسيين من الذكريات التي تشكل جزءاً من الذاكرة طويلة المدى، وتعرفان معاً باسم الذاكرة التعريفية.

الذاكرة الدلالية هي شبكة المعرفة والمعلومات التي يكتسبها الفرد على مدار حياته، وتكون عبارة عن حقائق، بينما الذاكرة العرضية هي التجارب الشخصية التي تعود بالفرد لتذكر الأحداث التي وقعت في مكان معين وزمن محدد.

وتعتبر الذاكرة العرضية ذاكرة الشخص الفريدة لحدث معين، لذلك ستكون مختلفة عن تذكر شخص آخر لنفس التجربة.

كيفية تشكل الذكريات
تسمى الخطوة الأولى في العملية: الترميز، وهي عملية يمر بها دماغك في كل مرة تقوم فيها بتكوين ذاكرة عرضية جديدة، ويمكن أن تخزن تلك الذاكرة بصرياً أو صوتياً أو دلالياً.

فعلى سبيل المثال، عند رؤية البطاقة التعريفية لزميل جديد في العمل، فإنك تخزن المعلومات بشكل مرئي كصورة، وإذا تحدثت معه وكررت نطق اسمه فأنت بذلك تشفر المعلومات صوتياً. وإذا تشابه اسم زميلك مع اسم شخص مقرب منك أو ممثل مشهور فيمكنك تخزين المعلومات بشكل دلالي لتكون مرتبطة ببعضها البعض.

هناك خطوة أخرى في عملية تشكيل ذاكرة عرضية تدعى التخزين، وتحدث عند نقل هذه الأجزاء المشفرة من المعلومات إلى ذاكرتك قصيرة المدى (STM)، حيث يمكن أن تستمر لمدة 0-30 ثانية، ما لم يتم اختبارها أو دمجها في ذاكرة طويلة المدى.

دمج الذاكرة يعتمد على مرور الوقت، فكلما طالت مدة نشاط المعلومة في الذاكرة قصيرة الأجل، زادت مقاومتها للمحفزات المنافسة. إذا اعتُبرت المعلومات مهمة أو ذات معنى، فسيتم تحويلها إلى الذاكرة طويلة المدى. التكرار والبروفة أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة؛ كلما تفاعلت أو تفكرت في المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى، كانت هناك فرصة أفضل لدخول الذاكرة طويلة المدى.

عندما يتم تكوين الذاكرة في البداية، يقوم الجزء المسمى الحصين في المخ بدمج جميع المعلومات من تلك الذاكرة في فكرة واحدة، ولكن مع مرور الوقت، تكون أجزاء مختلفة من الدماغ قادرة على الارتباط مع تلك المنطقة القشرية الجديدة، من خلال التغييرات الجزيئية والخلوية والعصبية، مما يجعل الذاكرة يمكن الوصول إليها من مختلف الزوايا.

العملية النهائية تنطوي على التذكر، أي عملية استرجاع المعلومات السياقية المتعلقة بحادث معين. في بعض الأحيان، يتم استرجاع الذاكرة من الذاكرة طويلة المدى دون عناء تقريباً، وفي أحيان أخرى قد تحتاج إلى شيء لإطلاقها، مثل كلمة أو صورة أو رائحة أو سماع أغنية معينة.

ومن أمثلة الذكريات العرضية تذكر أول يوم دراسي، والتفاصيل حول كيفية علمك بوفاة أحد الأقارب، وتذكر المواقف مع صديق طفولتك.

لماذا يمتلك البعض ذاكرة أفضل من الآخرين ؟
ليست العوامل الوراثية سوى قطعة واحدة من لغز اختلاف الذاكرة بين الأشخاص. ولكن هناك العديد من الأسباب التي تتحد معاً لتجعل هناك اختلافاً في الذاكرة بين الناس.

– كيفية الانتباه
السبب الرئيسي الذي يجعل الناس يتذكرون هو أنهم ينتبهون إلى ما يحدث حولهم بدلاً من استغراقهم في أفكارهم الخاصة. فبينما أحدهم يشهد على كيفية مرور حدث معين يجري بجانبه، هناك من يكتفي بالتدقيق في الوجوه.

يمكن للشخص الأول أن يصف ما حدث كما رآه، بينما يجيد الآخر التعرف على الوجوه.

– الاستثمار العاطفي
سبب آخر لتذكر الأحداث في حياتنا هو مقدار العاطفة التي نستثمرها فيها. دور العاطفة في الذاكرة معقد، ففي حين أن المشاعر الإيجابية قد تحسِّن من الاستذكار، إلا أن بعض التجارب المجهدة تُحجب من الذاكرة.

تسهل الإثارة العاطفية عملية التذكير، مع الإشارة إلى بعض الأحداث على أنها جديرة بالملاحظة والبعض الآخر غير ملحوظ. لذلك من المرجح أن نتذكر ما حدث أثناء الاحتفال بحدث معين عندما تحيط بنا العائلة والأصدقاء، أكثر مما يجب أن نتذكر ما حدث في الأيام الأخرى.

– النسيان
ربما تكون تساءلت من قبل عن سبب نسيان بعض الأمور في حياتك، وطالما أنك مررت بها، لمَ لا تتذكرها؟! هناك أربعة أسباب رئيسية وراء النسيان، وتشمل:

– فشل الاسترجاع بمرور الوقت خاصةً بالنسبة للذكريات قصيرة الأجل، إذا لم يتم اختبار المعلومات بانتظام أو إعادتها، فسوف تتحلل مسارات الخلايا العصبية وتتلاشى الذاكرة، ولم تصل إلى ذاكرتنا الطويلة المدى.

– فشل التخزين، فبعض المعلومات التي نأخذها، حتى بشكل متكرر، لا يتم تخزينها لأنها ليست ضرورية للذاكرة. على سبيل المثال، قد تكون قادراً على تذكر لون المبنى الموجود في بداية الشارع، لكنك لن تتمكن من تذكر عدد النوافذ الموجودة في الجزء الأمامي من المنزل، فهذا الجزء من المعلومات أقل صلة بالموضوع، وبالتالي لم يصل إلى ذاكرة طويلة الأجل.

– تداخل الذكريات، فعندما يتم تخزين جميع الذكريات والأماكن والوجوه والأسماء والخبرات المتشابهة معاً، فقد يكون من الصعب فصلها في حزم مختلفة بوضوح.

– النسيان المحفز، فبعض الأشياء التي نختبرها إما يتم نسيانها بوعي أو بغير وعي، خاصةً إذا كانت مؤلمة. في حين أن هذه الأحداث قد تشق طريقها إلى ذاكرتنا الطويلة الأجل، فإننا لدينا القدرة على تشويشها ونسيانها بالكامل من خلال أعمال القمع الواعية وقمع اللاوعي.

دور الوراثة في التذكر مع تقدُّم العمر
مع تقدمنا ​​في السن، تتلاشى ذكرياتنا عن الأحداث التي عايشناها في الماضي، لكن بعض الأفراد أفضل بكثير في التذكر من الآخرين. فوفقاً لدراسة علمياً، فإن للوراثة دوراً في إحداث بعض الفروق الفردية في الاحتفاظ بالذاكرة.

لقد وجدت مجموعة كبيرة من الأبحاث أن الناقل العصبي الدوبامين يؤثر على قدرتنا على تذكر أحداث سابقة محددة، تسمى الذاكرة العرضية. على سبيل المثال، وجد الباحثون أن وجود كثافة أكبر من مستقبلات الدوبامين في منطقة الحصين بالدماغ يؤدي إلى ذاكرة عرضية أفضل.

ففي دراسة أجريت في عام 2013، أراد الباحثون معرفة مدى تأثير الدوبامين على التخزين طويل المدى للذكريات العرضية واختلافها مع تقدم العمر. نظر الباحثون في الأنماط الجينية لثلاثة جينات تؤثر على المكونات المختلفة لنظام الدوبامين في مناطق المخ المرتبطة بالذاكرة. يؤثر اثنان من الجينات على كثافة مستقبلات الدوبامين ويؤثر الجين الثالث على كمية الدوبامين المتاحة لنقل الإشارة.

خضع للتجربة 433 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 20 و31 عاماً، و60 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 59 و71 عاماً.

أشارت نتائج الدراسة إلى أن التباين الوراثي الشائع قد يكون أحد العوامل المساهمة في الاختلافات الأعلى بين الأشخاص في العمر الأكبر سناً، وأن الآثار الوراثية على الإدراك تتضخم في سن الشيخوخة.

الفروق بين الجنسين في التذكُّر
تساعد الأبحاث الحديثة حول نشاط الدماغ في توضيح السبب الذي يجعل النساء يتذكرن الأحداث بشكل أكثر دقة. تكون أدمغة الإناث أكثر نشاطاً استناداً إلى تصوير جريان الدم في القشرة الدماغية.

هذا يعني أن أدمغة النساء تأخذ المزيد من المعلومات من البيئة بحيث يمكن تشفير الذكريات بتفصيل أكبر. هناك اختلاف آخر بين الجنسين يتعلق بزيادة العاطفية لدى النساء. يظهر هذا في معالجة المشاعر بالإضافة إلى تخزين الذكريات.

في حين أن مثل هذه الاختلافات بين الجنسين في الذاكرة قد تكون معطى، فإن معظم ما هو معروف عن تخزين واسترجاع الذكريات يشير إلى أنه قد يتم تحسين أداء الذاكرة.

تتمثل أكثر الطرق وضوحاً في تحسين الذاكرة في إيلاء المزيد من الاهتمام للتفاصيل، وإعادة سرد الأحداث أكثر، والحصول على ارتباط عاطفي أكبر بما يحدث حولنا.

المصدر:وكالات

Exit mobile version