القَوميّة العربيّة في مواجهة الإرهاب الإخواني التّكفيري…؟    بقلم: مصطفى قطبي

 

      من أرشيف رؤية                                      

يمر تاريخنا الوطني والعربي في مرحلة اختبار عسير، يتساءل المواطن خلالها بقلق عن البدائل الراهنة المفروضة والمرفوضة مع حالة الانزياح والانحراف التي يئن تحت وطأتها المشروع القومي. هذا المواطن وعلى امتداد ساحات الوطن الوطني والأمة يستنكر ويستغرب الحاضر العربي وهو يرى تحالف الإرهاب والرجعية والاستعمار ضد المصير والعيش المشترك، والتاريخ والمستقبل العربي.

يتألم العربي وهو يرى اللاعربي بارزاً قزماً هزيلاً رخيصاً أمام البترودولار، ويزداد ألمه وهو يرى ”العبودية” تتخبط لترسم مستقبلاً عربياً هشاً يحيل الأمل والطموح والتاريخ المشرق لحركة التحرر الوطني العربية الى قيادات، وأُسر، ومشيخات طالما وقفت ولا تزال عقبة أمام النزوع التحرري الوطني، والعربي، والعالمي، وهي تمضي اليوم في تآمرها على محو الذاكرة العربية العامرة بالقوة والأصالة.

حتى هذه اللحظة لم تتفق أي تحليلات قومية عربية على تسمية ما حدث في معظم أقطار الوطن العربي من تطورات وتحولات منذ عام 2010، واضطربت المصطلحات وتنافرت المفاهيم إلى حد كبير لم يوفر حتى اللحظة أية ممكنات للامساك بالنقطة المفتاحية التي يمكن أن تدخلنا إلى أبهاء الظاهرة، وتعرفنا على الطرق والمسارات التي يجب أن تسلك حتى نتعرف عليها ونمضي بعدها في رؤية بقية المشاهد والتجليات، وعبّر هذا الاختلاط بطريقة وأخرى عن الجفاء والمجافاة التي حصلت بين العقل والواقع العربي، وبين من يفكرون بهذا الواقع وبين معطياته وإشكالياته وتجلياته وتاريخ مأساته.

إن مستوى قدرة الشعوب على إدراك الخلفيات والمؤامرات لم تكن في البداية واضحة، كما أن الأنظمة العربية لم تكن تعلم حجم اختراقها، والمخفي في مجتمعاتها، وكان يظن الكثير أن لا قوة قادرة على خلق اهتزاز في نظام مصر أو ليبيا أو تونس أو سوريا…، كما كان هناك عدم معرفة كافية بطبيعة أنظمة الخليج وإمكانية أن يصل دورها لهذا المستوى من التآمر على أشقائها. وهذه عوامل ساعدت في المزيد من الاختراق، والتسليح وإنتاج العنف، والقتل وقطع الطرق والتخريب، كما لم يقرأ الدور التركي وطبيعته القراءة المطلوبة من حيث علاقاته الأطلسية والإسرائيلية، ورغبته الهيمنة ولعب دور شرطي المنطقة.

في زمن ”الربيع العربي” نتساءل: لماذا تقدم المشروع الإخواني ـ الإرهابي خطوات متعددة ومباشرة ومتسارعة إلى الأمام في مواجهة المشروع القومي على امتداد الجغرافيا العربية، هل حصل ذلك في ليلة وضحاها، أم أنه كتحرك أتى مفاجئاً، أم أنه جاء كنتيجة لإفلاس المشروع الصهيوني التوءم لمشروع عرب أميركا وإسرائيل، أم أن اللحظة التاريخية قد حانت لاستخدامه بعد أن استغرقت ثنائية ”الامبريالية واسرائيل” ما استغرقته في بنائه وإنشائه، أم أن الأمر ينطوي على عملية تبادل للأدوار يبدو فيه ـ بالشكل فقط  ـ  دور مشيخات البترودولار أهم وأعظم من دور الصهيونية العالمية؟!

من المهم أن نطرح هذه التساؤلات، لا لنبحث عن إجابات عنها، بل لنعيد قراءة التاريخ المعاصر والمرحلة والمخاضات التي أنتجت وضعاً عربياً تتسيد فيه الدويلة القزمة المشهد الذي لا يقتصر على تراجع الحركات القومية نصرة لفلسطين في مواجهة الكيان الاسرائيلي، وإنما يكاد يجري فيه تعميم حالة التآخي مع هذا الكيان التي يعبر آل خليفة جهاراً نهاراً عنها بمواجهة أعداء افتراضيين آخرين لتمزيق الجغرافيا والديموغرافيا.‏

ليس مفاجئاً تقدم المشروع الإخواني على الصهيوني، ولم ينشأ بين ليلة وضحاها، ولم يأت تقدمه ليعوض إفلاس توءمه، بل يسير المشروعان على التوازي، وإذا كان قطر يرزت في هذه الأيام كمنصة للحرب والهجوم على الأمة وضدها، فإنها كانت على الدوام المنصة لكل حروب إسرائيل والغرب وأميركا منذ تم إنشاء هذا الكيان القبلي الغارق في الجهل والانحطاط…

والحال كذلك، فليس من الإنصاف أن نتحدث عن هذه الوقائع، مقابل تجاهلنا الأسباب التي جعلت تنظيم الإخوان ”كأدوات” يتقدم، وما كان له ليتقدم لولا انكفاء القوميين أو انشغالهم، ولولا أنهم مرروا ـ وإن على مضض ـ صوراً مؤذية تحت ضغط الحاجة للمال النفطي القذر الذي كان يقع واجب حمايته واستثماره وتوظيفه على القوى التقدمية العربية مجتمعة.‏

أولئك الأدوات هم الآن ما زالوا في المهمة ذاتها يدمرون الفكر العربي الذي يمكن أن يؤسس إلى عقيدة جامعة، وقد وقفوا منذ تاريخ الاستقلال العربي عن العثمانيين والأوروبيين ضد الرابطة القومية عند العرب، وهي بالأصل شعور راسخ في الوجدان الجمعي العربي لكن قاوموه بادعاء الفصل بين الدين والدولة. والقومية العربية في جذرها الواقعي كحقيقة موضوعية تمثل حركة تحرر للعرب من كافة أشكال الاستعمار والتبعية ولأنها تحولت هذه القومية إلى لاحمٍ مصيري بين أبناء الأمة الواحدة خشي منها الحلف المعادي وسخّر عملاءه لكي يقاوموها قبل أن تصل بالعرب إلى تحقيق الدولة القومية الواحدة على غرار دول العالم، وهنا يصبح المشروع الصهيوني على قيد الزوال، والوجود الاستعماري برمته سيزول من أرض العرب.

ولهذا تم تسخير العملاء من قطر…، ومن الدول الإسلامية التي تسير في الركب الصهيوأميركي حتى يضعوا الإسلام السياسي بديلاً روحياً عن الإسلام الصحيح، وحين نراجع في تاريخ ذلك الزمان سنجد أن عرباً عملاء وافقوا على اقتطاع أرض عربية وإعطائها للمستعمرين والأعداء، ومسلمين يدّعون الإسلام ويفرطون لعدوهم بالمقدسات الدينية وفي طليعتها القدس.

وهنا أصبحنا أمام ظاهرة خطيرة من اللاوطنية ومن وقاحة العمالة، فالعملاء الذين ما زالوا منذ تاريخ الاستقلالات العربية حتى الآن يحطمون الوعي القومي الصحيح، والرابطة القومية الصحيحة، والإسلام الإيماني الصحيح، هؤلاء الذين من المنتظر منهم أن يجلبوا إلى الشعوب العربية، الحرية والديمقراطية والسيادة والاستقلال. نعم حرية العرب من عند إسرائيل وأميركا وبريطانيا وفرنسا، واحتلال العرب من عند الدول العظمى التي تريد تطبيق العدل والقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة التي تصر على حق تقرير المصير لكل شعب بإرادته الوطنية الخالصة وبدون أي تدخل في الشؤون الداخلية للأمم.

كنا في ما مضى من الزمن نتحدث عن مشروع نهضوي عربي، فأين كنا وأين أصبحنا؟! وهل تحول المشروع أم تحولنا نحن واختلفت طينتنا وجبلتنا نحن، أم أن التغيير في الموسم الربيعي المنشود أتى على طبائعنا وأصولنا وأهدافنا وعقولنا بعد أن عمق مواجعنا وأسال دماءنا أنهاراً وألقانا في البؤس والتيه؟!

كان المشروع القومي العربي الذي كنا ننشده مشروعاً تحريريًّا للأرض والإرادة والاقتصاد والقرار السياسي من كل أشكال الهيمنة الاستعمارية وتحرير الإرادة والقرار من الاستلاب والقهر، وتحرير الإنسان من الاستبداد والفقر، والتخلص من التبعية الثقافية للمركزيات الأوروبية على الخصوص ومن رسيسها أيًّا كانت ألوانها، ومن تبعيات أخرى تأتي على جذور الأصالة والهوية والشخصية العربية وظواهر الانتماء بمفهومه الأصيل العميق… وتحريرٍ للإعلام والمعلومات من حصرية التدفق عبر قنوات غربية صهيونية لا غير، وفي اتجاه واحد في أكثر الأحيان، ومن ثم تحرير أوسع للعلاقات والمصالح والتبادلات والثروات، وتحرير للشخصية العربية بصورة عامة مما يعوقها ويقمعها ويرهبها ويعوق انطلاقها وقدرتها على الأداء بإبداع، أي تخليصها من الجهل والإحباط والقمع والاضطهاد والجاهلية والأمية بنوعيها: ”عدم القدرة على القراءة والكتابة وأمية ثقافية أو معرفية عامة”…

إنه مشروع تحرري تحريري بالمعنى الروحي والمعرفي العميق، يشمل تحريراً للفكر والسلوك العربيين من رواسب وسلبيات وقيود وعادات وتقاليد وأنماط تفكير وعمل وسلوك وتعامل قديم ومعايير وقيم بالية أو دخيلة فاسدة، وينصب على تجديد للمفاهيم وتحديد للمصطلحات وفتح أبواب الاجتهاد وأبواب الحوار والمجادلة الحسنة باحترام، ونبذ للغوغائية ونهجها وسدنتها وللهمجية بأشكالها…

فقالوا لنا هذا هو التيه والسير وراء السراب، وعدلوا بنا عن ذلك المسار وعن تلك المسيرة لما قالوا إنه الواقعية والخير… وإذا بهم يزجوننا في التقزيم والتمزيق والتهديم والتشرذم والتشرد والموت وألوان من الطغيانية والتبعية والارتهان للغرب الاستعماري ولغيره من القوى لكي نستبدل ذلاً بذل وتخلفاً بتخلف وتبعية بتبعية…

كان المشروع الحضاري النهضوي القومي بنظرنا هو ذلك الذي يتركز أساساً حول موضوع الوحدة والعمل العربي المشترك والاستنهاض العربي العام في نهضة علمية معرفية اقتصادية شاملة متكاملة… مشروع ينصب على تحقيق تقدم علمي نظري وتطبيقي في مجالات مدنية وعسكرية، وعلى اكتساب الرؤية والقدرة على التكامل، والتعامل مع معطيات عصر الفضاء والمعلوماتية والهندسة الوراثية والأسلحة البيولوجية والنووية والعلوم المستقبلية مثل ”النانو” وسواه لتحقيق توازن مع القوى المعادية من جهة والاستجابة الحيوية الضرورية لتحديات العصر والعلم والمستقبل التقدم الحضاري من جهة أخرى…

لقد كان المشروع القومي من منظورنا نحن الذين تعلقنا به مذ كان عاطفة مشبوبة وحلماً متوهجاً في الوجدان وتطلعاً تبنى عليه الآمال والتطلعات كان: وحدةً تؤسس للقوة، ووعيا يؤسس للحرية، وحرية تؤسِّس للتحرير والإبداع والعيش بكرامة، وعدالة اجتماعية تؤسَّس على نظام يؤدي الغرض ويحقق صلابة البنية الاقتصادية واقتدارها.. وكنا كما قيل لنا ”حالمين واهمين مهرطقين…”

فما الذي آل إليه حلم الواقعيين اليوم؟ إنه حلم اجتماع الزواريب على التقاتل أو الاتفاق على إدارة التنازع… بجهل وجاهلية وعنتريات ”أهلية”. فهل هذا حلم وتطلع وأفق لشباب أمة يريد أن يقيم قوامها على أنقاض أحلام القوميين المنهارة؟!

لقد آل المد القومي إلى انحسار، والحلم القومي إلى انكسار، وآل الأمر إلى فئات وجهات وتنظيمات وسياسات قتالة، في ظل قوقعة قطرية تشكل صيغة اعتراضية على النزعة القومية والدعوة القومية معاً وحتى على الفكر القومي ذاته… قوقعة تحرسها أنظمة مدججة بقوةِ السلاح، ومؤسسات عربية ودولية تتدخل لتفرق وتمزق أو تميت، وتحالفات واتفاقات حتى مع الأعداء على الأشقاء، واستعداد للتعاون مع الشيطان ضد الشقيق والأخ، وتفعيل مبدأ السيادة  ”الأنا المتورمة أولاً” في وجه كل توجه أو أداء أو قرار قومي حكيم قويم سليم، واستكانة أمام التدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر وأمام أشكال الاحتلال المموه بشكليات سيادية كرتونية مزخرفة، بل استجداء ذلك التدخل واستدعائه ومناصرته وتمويله للفتك ببعض قوى الأمة ليأتي من بعد دور القوى المتبقية منها، كل حسب وقته… وتحويل جامعة الدول العربية إلى دثار وستار للاستعمار.

فإن ما نعيشه من أوضاع مأساوية تنذر بمزيد من الكوارث والمواجهات الدامية وتضع البعض منا أمام اليأس والاستسلام أحياناً، وتثقل كاهل الكثيرين بالهم والإحباط والبؤس، وتترك شريحة لا يستهان بعددها، تعطي ظهرها للواقع وللحلم والأمل والهدف وحتى للمبادئ الخلقية والقيم القومية والوطن الضيق، وتقول نقبل بما يُعطى لنا من فتات… فإن التصدي لذلك كله بمشروع طموح خلاق، بواقعية وتصميم ورؤية تتكامل بجهد الجميع، لم يعد منه محيص وليس له بديل… ولا يبدو أن العاملين في حقل السياسة المهلكة اليوم من ”سلطات ومعارضات” ومتعيشة على هامش السلطات والمعارضات، يمكنهم أن يسيروا في طرق آمنة توصلنا إلى أمن من جوع وخوف، فضلاً عن التقدم والنهضة… وما نعيشه اليوم ينذر بأن الآتي سيكون أكثر من كارثي بكل المقاييس.

إن من المؤلم أكثر وأكثر في وضعنا الراهن أن المعنيين لا يشعرون بالقلق الايجابي حيال ما يجري، وأننا نخوض في الدم وكأننا نخوض في الماء، ونتفرج على الحرائق ونقول إنها لم تأت بعد على كل شيء ولم تبلغ بعد البلدان المجاورة أو أنها لم تبلغ بعد بيتنا، على الرغم من رؤية شررها يقدح في كل ركن من أركان وجودنا.

إننا ننساق مع التيار من دون أن نشعر بالمخاطر التي ينطوي عليها الانسياق، ولا بقيمة الزمن الذي يمضي ويؤسس للكثير مما يمكن أن يكون نافعاً أو ضاراً، حسب استفادتنا من الزمن، ولا نكترث لضرورات التحرك بأقصى السرعة للجم الفتنة ومنع الكارثة واللحاق، إذا لحقنا، بآخر عربات قطار السلامة الذي يغادر محطاته متوجهاً بالبشر إلى مرحلة جديدة من عصر التقدم المذهل الذي نمر فيه.

نحن خارج حدود القلق الخلاق، أي خارج حدود المعرفة الواعية بالخطر والخير والشر، وخارج حدود المسؤولية الأخلاقية والوطنية العليا، وخارج حدود الشعور المؤثر بما يسبب الدمار والاندثار، وخارج دوائر التبصر بالخطر الناتج عن تجييش العباد في صفوف الفتنة… وتلك من أكبر السلبيات التي علينا أن نواجهها، فيما إذا أردنا أن نبقى لكي نتطلع بفاعلية وأملٍ وإيجابية إلى حلمنا بما كان مشروعنا القومي الحالم والتحديات التي تواجهه ونتخلص من المشروع الواهم الذي نخوض مخاضات الدم على طريقه، ولذا وجب التأكيد على من يخوضون في الدم ويتسببون في القتل والفتنة أن يتركوا فرصة للحياة والأحياء باستراحة يأخذونها ليرتاحوا ويريحوا.

معظم القوميين العرب يستفيقون اليوم على هذه الحقيقة الجارحة، ويلمسونها لمس اليد، بعد أن صحت أعينهم وعقولهم من وهم الثورات، التي شاركوا فيها واعتقد بعضهم أنها باب الخلاص من النظام الرسمي العربي الحاكم الذي أفرغ القضية العربية من مضمونها، واقتصر دوره على السهر على رعاية المصالح الغربية، واستكمال بناء جسور التطبيع مع الصهاينة، لكن هذا البعض وجد نفسه في زمن قياسي أمام مشروع نظام رسمي عربي جديد، لا يختلف عن سابقه في شيء سوى في مكوناته، التي حل فيها تحالف الظلاميين والليبراليين الجدد محل قوة الاستبداد المنهارة، مع فارق أن التحالف الجديد، الذي احتل مركز القرار في أكثر من بلد عربي، أطلق رياح الفوضى وراح يعزف على أوتار العصبيات النائمة، لإيقاظ الفتن والرجوع بالعروبة وثقافتها الحضارية إلى الأفق الجاهلي المغلق منذ قرابة خمسة عشر قرناً، وفي هذا المناخ تعود للقومين العرب ذاكرتهم، وتشتعل الأحلام في عيونهم من جديد، وتبدأ طلائعهم بالإعلان عن نفسها في هذه العاصمة العربية أو تلك، فهل سيكملون اقتناص الفرصة، أم أن تشوهات العروبة وعللها باتت أكبر من كل الأحلام!

ولأن التاريخ سلسلة متعاقبة متواصلة لا تنقطع من الأحداث، قوانينها التقدم والانحناء والمرحلية، ولكل مرحلة بصمة تمنحها خصوصيتها، فإن إعادة النظر في الفكر القومي العربي، ينبغي أن تنطلق من وعي طبيعة المرحلة التي هيأت للانتقال لمرحلة الثورات العربية، من خلال التعرض للظروف التي حكمت مجرى النضال الوطني التحرري العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص التلازم والوحدة في ذلك النضال، وتداخل وتشوش المبادئ والأفكار التي رفعتها أحزاب وتنظيمات الحركة الوطنية العربية.

والأهم هو الابتعاد عن سياقات تقديم أجوبة متغايرة عن أسئلة الحاضر، والبحث في إشكالية التقدم والخلاص من حالات الاستبداد المقيم في البلدان العربية، وعدم الركون إلى الدعوات القائلة بخصوصية الهوية، القائمة على ميتافيزيقا التمركز المضاد للتمركز الغربي على الذات، التي تضع الذات في مواجهة مع الآخر، والبحث عما هو كوني ومشترك معه.

وقد برهنت التجارب القومية أن دعوات التميز والخصوصية كانت تخرج عن عقلية الإلحاق والقطبية، مع التسليم بأن عالم اليوم لا يمكن تغييره بالخروج منه، وأن المطلوب هو العمل على تعميق القيم الكونية المشتركة للإنسانية، في حق الشعوب والعربية في الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والتنمية والتعاون المشترك والمتكافئ. وإن كان ثمة خلاص من حالة الحاضر المتردي والمنهار، فلا يمكن أن يتم بالهروب منه إلى الأمام ولا إلى الوراء.

اليوم هناك حاجات ضاغطة لكي نبدأ الآن، هذا السياق والنسق والمسار النضالي ـ المعرفي، لكي لا نبقى في دوامة هذا الصراع والتأزم، وهنالك دعوات شعبية حارّة تنطلق من هنا وهناك لضبط وعقلنة هذا الواقع العربي واقتلاع لا عقلانيته، ووقف الانحدار والتراجع في مساراته، وهي دعوات ترنو إلى تحديد نقاط بداية استنهاضية وحافزة، والتوحد في مشروع قومي يستمد معانيه من التاريخ المباشر للأمة تتأسس عليه الانطلاقة والأفكار الجديدة المفترضة بعد السير في عملية تفكيك تاريخية لهذا الانحسار والانسداد وأسبابه واستنباط مخرجات استنهاضية مغايرة، ومراجعة كافة محطات الإعاقة والتثبيط، وافتتاح حقل جديد في النقد والمراجعة الخلاقة، وخلق آفاق جديدة للتجاوز، وليس هذا بعسير أو مستحيل إذا توفرت الإرادة الحقيقية لذلك، والفهم التاريخي الخلاق للمرحلة وضروراتها لدى قوى وتيارات الأمة.

 

وليس فيما نقول وما ندعو إليه دعوة أو صيحة مثالية وتجريدية وشطح سياسي من وحي الخيال ورومانسية الفكر والتفكير، وإنما هو في صميم عملية البحث عن آفاق جديدة للتجاوز، ولأنه يتعذر على أي أمة أن تبدأ دون هذه النقلات والصحوات والتحولات النوعية في فكرها وواقعها، ففكر النقد والمراجعة هو من قاد الأمم إلى معرفة ذاتها وإمكانياتها وهو من قادها إلى دروب النهضة والتقدم ووضعها على سكة التاريخ وفي صميمه بعد أن مرت بمخاضات وتعقيدات وتراجعات كبيرة.

المطلوب اليوم مشروع وطني قومي تنهض به القوى الوطنية والقومية والتقدمية والإسلامية المتنورة لإنتاج فكر عقلاني عروبي ديمقراطي يحمل رؤيته وانفتاحه ومحبته وتسامحه بعيداً عن الانغلاق والتعصب، وهو مشروع شعبي، ولن يكون إنتاج أنظمة رسمية بل إنتاج تيارات ونقابات ومثقفين وأحزاب ومجتمعات أهلية ومتنورين إسلاميين، يعيد عقلنة الشارع العربي والنهوض بوعي طبقاته المستغلة فكرياً، واختراق بناه المغلقة، والمستلبة في تفكيرها ووعيها.

إنه مشروع بعث عصر أنوار جديد مجتمعي ووطني وقومي وكم نحن بحاجة إلى التنوير الجديد، إنه الوعي الجديد… إنه الوعي البديل.

ويمكن القول بأن إعادة النظر في الفكر القومي، تستلزم الابتعاد عن أفكار وطروحات أصحاب المشاريع النهضوية والدعوات الوحدوية، الذين تمادوا في إطلاق التعميمات والأحكام التي كانت تدور في رؤوسهم، وحاولوا فرضها على الواقع المتعين لكل البلدان العربية، وذلك على خلفية أن انهيار وخراب الواقع لا ينصلح ولا يستوي إلا إذا انسجم مع الحلول التي سكنت رؤوسهم، وبالتالي يتمادون في الغوص في فعل التسمية ومنطق التعميم، اللذين لم يفضيا إلا إلى تصور واقع متخيل، أو بديل افتراضي، عن واقع البلدان العربية المتعين وإشكاليات ومشاكل كل بلد منها.

فالقومية العربية مازالت فرس الرهان الذي يمكن الوثوق به، ومشعلها الذي سطع لهيبه في أواسط القرن الماضي، مازال جمرة تحت الرماد، ومثلما استطاع روادها الأوائل في ذلك الزمن إطلاق الطاقات الكامنة في الأمة من أجل الوحدة والتحرر ومناهضة النفوذ الاستعماري ومواجهة الكيان الصهيوني، فإن النخب القومية الحاضرة التي جربت مرارة الردة في العقود الأخيرة، تستطيع اليوم أن تلمّ شتاتها وتعيد صياغة خطابها السياسي في ضوء ما يجري اليوم في تونس وليبيا ومصر، واليمن وسورية…

المارد الصيني… وانهيار هوس الهيمنة الأحادية؟ بقلم: مصطفى قطبي

 

 من أرشيف رؤية

في التغيرات السياسية الكبرى على صعيد العالم لا بد من ممهدات تبنى على مدى سنوات عدة، يتبعها حدث كبير يسرِّع استكمالها ويهيِّئ الشروط اللازمة للتغيير. وما أكثر أمثلة التاريخ على هذا، لعلّ أقربها قيام الحرب العالمية الثانية التي أفضت إلى انتهاء أدوار لدول كثيرة على الساحة الدولية، وإلى بروز القطبين الاشتراكي والرأسمالي وقيام الحرب الباردة بينهما.

 

لقد أفاق العالم من كابوس الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلة حلف وارسو، وما كانا يمثلان من قوة عظمى نافست الولايات المتحدة الأميركية وحلف الأطلسي على زعامة العالم. ووجدت الولايات المتحدة نفسها وحيدة تتربع على عرش الدولة الأقوى في العالم. لكن تداعيات الحرب على الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر أضرت كثيراً بقدرات الولايات المتحدة، وجعلت بعض الدول ترنو إلى منافسة الأميركيين.

فهل تنتظر الولايات المتحدة والعالم ظهور عدو أكبر ينافسها على هذا الموقع وقد يزحزحها منه؟ و هل نحن على أعتاب حرب باردة جديدة؟

يقول مثل صيني إذا امتطيتَ نمراً فلن تنزل عن ظهرهِ بسهولة”. وهذا المثل يختصر إلى حد بعيد طموحات الصين وخططها المتعلقة بدورها في الساحة الدولية.

 

المراقبون ينطلقون في مناقشة جملة من المسائل المتعلقة بالأوضاع الداخلية للصين وبالسياسات الدولية التي تنتهجها، من خلال التركيز على الجديد والابتعاد عن المناظرة الفكرية الأيديولوجية التي تخص الصين وحزبها الحاكم منذ العام 1949، وهو العام الذي أعلن فيه عن قيام جمهورية الصين الشعبية بقيادة (ماوتسي تونغ) واندحار خصمه اللدود (تشن كاي تشيك) الذي لجأ إلى جزيرة تايوان في بحر الصين ليعلن من فوق أرضها عن قيام جمهورية الصين الوطنية.

فالزعيم الصيني الجديد، ينتظر ملفات معقدة خلال فترة رئاسته هذه المرة والوضع الدولي، وعلى مستوياته المختلفة، يغلي ويمور بأزمات هائلة في أكثر من مكان، وتجاه أكثر من عنوان يثير اهتمام الصين انطلاقاً من وزنها ودورها الدولي بعد أن باتت منذ أكثر من عقدين من الزمن قوة مقررة في ميدان السياسات العالمية، خصوصاً في الميدان الجانب الاقتصادي.

 

فماذا عن الصين التي ”ربّما” قلّما يفصَّل في شأنها؟


قبل الحديث عن دور الصين الاقتصادي والعسكري وعن أسباب ولوجها الجانب السياسي لحلّ الأزمات العالمية لأول مرة وبهذه الثقة ومن البوابة السورية، لا بد من الإشارة بداية إلى الدور الذي لعبته أميركا خلال العقود الماضية للحد من بروز التنين الصيني بطرق مختلفة وفي كثير من القضايا، سواء فيما يتعلق بدوره في هيئة الأمم المتحدة أو في خلق مشاكل له مع جيرانه وخصوصاً تايوان واليابان، أو من خلال الضرب على وتر حقوق الإنسان في الصين الذي دائماً ما تتغنَّى به أميركا مدّعية أنها المدافع الأساسي عن هذه الحقوق.


بعد الإعلان عن قيام جمهورية الصين الشعبية استمر كفاحها قرابة اثنين وعشرين عاماً للانضمام إلى منظمة الأمم المتحدة، وخلال كل تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تدرك مدى أهمية الصين وتنظر لها كعملاق نائم، وظلت الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت ضغط الولايات المتحدة ترفض قبول الصين الشعبية في مقعدها بالمنظمة كممثل وحيد عن الشعب الصيني حتى عام 1970 حين أدركت الولايات المتحدة عدم استطاعتها إيقاف مدِّ الصين الشعبية على الساحة الدولية وعدم قدرتها على وقف انضمام الصين، وعند ذلك انتهجت أميركا سياسة جديدة أعلن عنها وزير خارجيتها الأسبق ”وليم روجرز” قائلاً: ”إن الولايات المتحدة ستؤيد ضم الصين الشعبية، ولكنها ستعارض طرد فورموزا” (الإسم القديم لتايوان)، وهذا يوضح المحاولات الأميركية لإضعاف وحدة الصين والتعامل مع الصين وتايوان كدولتين منفصلتين لكل منهما ممثل في المنظمة الدولية.

واعتبرت الحكومة الصينية أن دعم واشنطن لتايوان تدخّل سافر في الشؤون الداخلية للصين هدفه ممارسة الضغط على بكين وخلق توتر في المنطقة للامتثال لسياسات أميركا كون الأخيرة تدرك مدى الخطر الصيني على الهيمنة الأميركية، وبهذا الصدد يقول الصينيون إن تايوان كانت على وشك التوحد بالوطن الأم لولا تدخّل الولايات المتحدة.

 

وفي شباط من عام 1995 أعلنت وزارة الدفاع الأميركية بشكل واضح تحت عنوان ”الإستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة بشأن منطقة شرق آسيا ـ المحيط الهادي”، أن الصين تمثل تهديداً للأمن في شرق آسيا، ولذلك فإن على الولايات المتحدة الاحتفاظ بقوات عسكرية في المنطقة إلى أجل غير مسمى، وهذا ما تجسد عملياً عام 2000 حين تم توسيع برنامج التدريب الأميركي للعسكريين التايوان.


أما على صعيد حقوق الإنسان ففي عام 1999 أصدر مجلس الشيوخ الأميركي قراراً يدين فيه حالة حقوق الإنسان في الصين، إلا أن الصين ترى بالمقابل أن واشنطن تقوم بتوظيف مغرض لملف حقوق الإنسان معتبرة إياه ورقة ضغط على السلطات الصينية، فقامت الصين بدورها بإصدار تقرير تحت عنوان ”حقوق الإنسان في الولايات المتحدة عام 1999”، تشير فيه إلى أن أميركا لا تحظى بسجلّ طيّب في مجال حقوق الإنسان، كما أنها تعاني من تفشي العنصرية ومشكلات أخرى، وبالتالي لا تصلح لإصدار أحكام على الدول الأخرى.


ولم تكتفِ أميركا بذلك بل راحت توسع نطاق تحالفها الأمني والسياسي والعسكري مع بعض قوى الجوار الإقليمي للصين كاليابان مثلاً، هذا التحالف الذي تأسس لمواجهة الخطر السوفييتي السابق، ومن ثم تحول لاستيعاب القوة الصينية ومواجهة الأخطار المحتملة على المصالح الأميركية واليابانية في منطقة شرق آسيا، حيث إن الوضع الجغرافي الإستراتيجي لليابان هيَّأ قاعدة عسكرية إستراتيجية للولايات المتحدة قوامها أكثر من 47 ألف جندي أميركي.


وبالنسبة للهند فقد قامت واشنطن بتزويدها بما تحتاجه من معدات وأسلحة متطورة وصواريخ بعيدة المدى يمكن أن تمثل تهديداً قوياً للصين.

إن قادة الصين يرون أن الإستراتيجية الأمنية التي تحاول واشنطن تطبيقها سوف تحوّل فضاء آسيا إلى ساحة معركة جديدة وستهدد السلام في تايوان وآسيا والباسفيك، لذلك قامت الصين بتحذير واشنطن مراراً من أن إقدامها على بناء هذه المنظومة سيدفع بكين إلى تقديم تكنولوجيا الصواريخ لدول أخرى تعادي أميركا.

 

إن هذه المحاولات الأميركية التي استهدفت تطويق وإضعاف الصين كي تضمن مصالحها الحيوية في آسيا لم يُقعِد الصين مستسلمة، بل دفعتها كي تمارس دوراً أكبر في معادلة الأمن الإقليمي على كل الصعد، فعلى صعيد العلاقات مع الدول التي حاولت أميركا استغلالها لصالحها وضد الصين لم يمنع ذلك من سيطرة البعد الاقتصادي على العلاقات بين بكين وهذه البلدان، فأضحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري لليابان، كما أصبحت سادس أكبر سوق لها أيضاً. فضلاً عن علاقاتها مع أصدقائها الباكستان وميانمار وسيريلانكا ونيبال وبنغلادش في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والعسكرية. أما على صعيد علاقاتها مع روسيا فقد توسعت المصالح وتطورت العلاقات بعد انتهاء الحرب الباردة وازدياد مخاوف الطرفين الصيني والروسي من الوجود العسكري الأميركي في منطقة المحيط الهادي، فتوطد التعاون بين الصين وروسيا على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي نيسان 1997 وصلت العلاقات بينهما أوجها، وصدر بيان عن القمة الروسية الصينية أكد رفضهما سياسة القطب الواحد التي تنتهجها واشنطن وعدم الارتياح لسياسة توسع حلف الأطلسي وتدعيم التكتلات العسكرية، والتأكيد على رغبة كل من موسكو وبكين في إقامة نظام دولي جديد قائم على تعدد الأقطاب تتعامل فيه الدول على قدم المساواة.

 

إن الحديث الآن، والكتابة عن جمهورية الصين الشعبية لا يتأتيان انطلاقاً من رؤية أيديولوجية بحتة ومحضة كما يحلو للبعض من المتسرعين، بل من منطلق دراسة ظاهرة التَحول الجارية في الصين الشعبية منذ العام 1976، والتي بدأ معها الخفوت التدريجي لظاهرة التزمت الأيديولوجي التي رافقت قوى وأحزاب ومنظومات سياسية على امتداد المعمورة خلال العقود التي تلت انتهاء الحرب الكونية الثانية عام 1945 حيث سقطت نظريات وأفكار وانهارت عصبيات (فاشية ونازية على سبيل المثال) وحل مكانها نظريات وأفكار أحادية الحامل والاتجاه، وصولاً لانهيار منظومة حلف وارسو، ومحاولة الولايات المتحدة من بعدها تشكيل القطب الابتلاعي الجديد في العالم تحت عنوان العولمة (لكنها العولمة الأحادية الوجهة).

وعليه، فالقيادة الصينية الجديدة تضع أمامها وللمرحلة التالية قضايا رئيسية تتمحور حول ملفات مترابطة، أولها الملف الاقتصادي وببعده ومنعكساته والذي يُمثل الهم الرئيسي. و ثانيها الملف السياسي ومستقبل علاقات الصين ودورها في الساحة الدولية.

 

فخلال فترة قصيرة نسبياً أقل من عشرين عاماً أصبحت الصين عملاقاً اقتصادياً، وقفزت إلى المرتبة الثانية باقتصاديات العالم، لكن تنامي قدرات الصين العسكرية والسياسية لم يحدث بالسرعة نفسها التي حصل فيها نمو الصين الاقتصادي، و يمكننا تفهم الأمر على ضوء الفلسفة الاستراتيجية العليا للصين، فقد استوعب الصينيون الدرس الروسي واستفادوا منه عندما تحول الاتحاد السوفييتي إلى عملاق عسكري وسياسي دون أن تتطور قدراته الاقتصادية بنفس المستوى، وكانت النتيجة أن انهار الاتحاد السوفييتي لأسباب اقتصادية، كما أفادت تجربة ”البريسترويكا” الروسية الصينيين الذين تصدوا بقوة لشبح التخريب الذي أطل على الدولة الصينية في أحداث ساحةتيان آن مين”، و ركز المارد الصيني خلال العقدين الأخيرين على النمو الاقتصادي.

 

لكن الصين اليوم أخذت تلعب دوراً سياسياً كبيراً لا يمكن إنكاره، فقد حضرت بقوة في مجلس الأمن الدولي عبر استخدامها لحق النقض ثلاث مرات في فترة قصيرة بالتشارك مع الروس، وأخذ الكثيرون يتحدثون عن المحور الاستراتيجي الروسي ـ الصيني، ولهذا التحالف مبررات و دوافع جيوسياسية كبيرة ومهمة للطرفين الروسي والصيني اللذين يحتاجان لبعضهما في أكثر من مجال استراتيجي قد تصل في بعض المجالات لحد التكامل، ففي المجال الاقتصادي يحتاج الصينيون لموارد الطاقة الضخمة و الكبيرة جداً في روسيا، والصين أيضاً بحاجة للموارد الزراعية الكبيرة في روسيا من قمح و غيره، كما تحتاج الصين للتكنولوجيا العسكرية والفضائية الروسية المتطورة، وبدورهم يحتاج الروس للسوق الصينية الهائلة، وللتكنولوجيا الرقمية العالية التي تتميز بها الصين، وتدرك روسيا و الصين أنهما بحاجة للوقوف معاً في وجه الغرب الذي يريد بسط هيمنته على الساحة الدولية، لكن ذلك لا يعني أن العلاقات بين الطرفين الروسي و الصيني لا تشوبها شائبة، فهناك مشاكل خفية حول سيبيريا الشرقية التي تسللت إليها في العقدين الأخيرين أعداد كبيرة من الصينيين إلى الحد الذي اعتبر تهديداً للتركيبة الديموغرافية للمنطقة، وهو الأمر الذي دفع بالرئيس ”بوتين” إلى القيام بزيارة طويلة للمنطقة استغرقت عدة أسابيع للاطلاع على الواقع عن كثب، والروس يعانون مشكلة ديمغرافية جدية تتضح في انخفاض معدلات المواليد الجدد إلى الحد الخطير، وتبين الإحصائيات أن النمو السكاني في روسيا في الحقبة ما بعد السوفييتية أصبح سلبياً، أي أن عديد السكان بدأ ينخفض بدلاً من الزيادة، وهو أمر شديد الخطورة في دولة هي الأكبر من حيث المساحة في العالم وتتجاور مع أكبر دولة من حيث عديد السكان في العالم، و بلغة الأرقام يعيش في روسيا أقل من 140 مليون من البشر على رقعة تتجاوز 17 مليون كيلومتر مربع في حين يعيش مليار ونصف المليار من البشر في الصين على رقعة من الأرض تقارب تسعة ملايين وستمائة ألف كيلومتر مربع، و هنا يلعب العامل الديمغرافي دوراً مهماً في رسم سياسات الطرفين، و سياسة الطفل الواحد للأسرة الصينية قد تعيق التطور الاقتصادي الصيني لأن شيخوخة المجتمع الصيني الحتمية قد تعيق الاقتصاد، وبالتالي ستضطر الصين في وقت من الأوقات إلى التخلي عن هذه السياسة.

 

و يشعر الروس أن ثرواتهم العظيمة موضع أطماع الآخرين، وعلى رأس هذه الثروات وجود أعظم احتياطيات العالم من النفط و الغاز والمياه العذبة و الغابات و الأراضي الزراعية الواسعة والتي ازدادت أهميتها في ظل الاحتباس الحراري الذي أدى إلى إمكانية استخدام أراضٍ كانت صحارى جليدية في الزراعة، وقد عبر الرئيس الروسي عن مخاوف القيادات الروسية بقوله في حديث لقناة روسيا اليوم بتاريخ 22/2/2012:  ”فطالما أن ”بارود” القوات النووية الإستراتيجية، التي تم خلقها بجهود آبائنا وأجدادنا الجبارة، يظل (البارود) ”جافا”، لم يجرؤ أحد على إطلاق العنان لعدوان واسع النطاق ضدنا”، و أضاف ”بوتين”: ”تندلع أمام أعيننا حروب إقليمية ومحدودة جديدة، وتظهر مناطق عدم استقرار وفوضى موجهة ومفتعلة… أضف إلى ذلك من الممكن ملاحظة المحاولات المتعمدة لاستفزاز مثل هذه الصراعات في المناطق المجاورة المباشرة لحدود روسيا وحلفائنا… نحن نشهد كيف انهارت وانحطت قيمة المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وبخاصة في مجال الأمن الدولي، في هذه الظروف لا يمكن لروسيا لاعتماد على الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية فقط لرفع التناقضات وحل الأزمات… وتقف أمام دولتنا مهمة تطوير الكفاءة العسكرية، في إطار إستراتيجية الاحتواء وعلى مستوى الكفاءة الدفاعية المطلوبة… وعلى القوات المسلحة والقوات الخاصة ووحدات الجيش أن تكون مستعدة للقيام برد سريع وفعال على التحديات الجديدة إنه شرط أساسي لتشعر روسيا بالأمان ويأخذ شركاؤنا حجج بلادنا بعين الاعتبار في المنظمات الدولية المختلفة”.

إن المزايا التي تمتعت بها الصين خلال السنوات الأخيرة أصبحت خارقة للغاية ويمكن الإشارة إلى بعض منها باختصار شديد على النحو التالي:

أولاً: من الناحية الاقتصادية:

1ـ أصبحت الصين بين الثلاث الكبار المصدرين للسلع في العالم، ومن المعتقد أن تصبح الأولى في غضون سنوات قليلة جداً.

2ـ من المرجح أن تحتل الصين قريباً مركز القوة الاقتصادية الأعظم في العالم كما تقول تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيره من المؤسسات الاقتصادية الدولية.

ثانياً: من الناحية العسكرية:

1ـ امتلاك الصين منذ سنوات عديدة للصواريخ البالستية العابرة للقارات، إضافة لمتوسطة المدى، وكذلك للغواصات النووية الحاملة للصواريخ البالستية، فضلاً عن القاذفات الإستراتيجية، وأكثر من 2400 قنبلة نووية، وتمتلك ما يفوق 3500 صاروخ يبلغ مداها 14900 كم، وما يزيد على 38 ألف دبابة و49 ألف قطعة مدفعية، وأكثر من 500 سفينة وقطعة بحرية، إضافة إلى آلاف الطائرات بما يقارب ضعفي الطائرات الروسية، مع العلم أن الصين غزت الفضاء منذ عام 1973، وأرسلت أكثر من قمر صناعي لمهمات عسكرية وتجسسية.

2ـ منذ نحو 15 سنة وفي تقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن 4/8/1997 الذي يعد المؤسسة العسكرية الرئيسية في العالم جاءت بعض التوقعات العسكرية عن دول العالم، وقد تضمن في استنتاجاته ”التي أصابت إلى حد كبير’ حول الصين ما يلي:

”إن القوة النووية الصينية في غضون 15 عاماً ستتمتع بالقدرة على إصابة الأهداف في آسيا وغير آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة، كما أنها ستمتاز بقوة نووية أكثر فاعلية من الصواريخ البالستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية يتراوح مداها من 8 ـ 12 ألف كم، وستطور ما بين 3 ـ 4 غواصات نووية من الجيل الثاني المزود بصواريخ يزيد مداها على 8 آلاف كم، كما أنها ستقوم ببناء 6 غواصات مزودة بالصواريخ البالستية القادرة على إصابة أهداف في آسيا تحت الماء، وسوف تمتلك عدداً من صواريخ جو ـ جو يصل مداها إلى أكثر من 900 كم مزودة برؤوس كيميائية ونووية”.

وبالفعل وصلت الصين إلى حالة الردع النووي وأصبحت قوة لا يستهان بها من قبل القوى النووية الأخرى في العالم.

ثالثاً: على الصعيد السياسي:

على الرغم من كون الصين من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ولها القدرة على استعمال حق الفيتو، إلا أنه لم يُسجَّل لها عبر تاريخها في هذا المجلس أن استطاعت أداء دور بارز من موقعها، بل كانت مواقفها دائماً أقل من الدول الأخرى الأربع الدائمة العضوية في التأثير والفاعلية، فلم تخرج عن نطاق السياسة التي تتجنب المخاطرة والتي تنتهج منهجاً بعيداً عن المشكلات التي تدور على الساحة الدولية، فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بقضية كوسوفو، لم تستطع الصين الخروج عن نطاق التصريحات على الرغم من أن السفارة الصينية قد استهدفتها طائرات الناتو في بلغراد، وكذلك الأمر أثناء الأزمة التي حدثت بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية حليف الصين جرّاء تصنيع كوريا للسلاح النووي، وأثناء ذلك لم يكن موقف الصين ذا تأثير في هذه الأزمة ـ على الرغم من أن التهديد الأميركي قد أصبح بالقرب من الصين ـ سوى لعب دور الوسيط بين أميركا وكوريا عام 2003، أضف إلى ذلك الدور السياسي الضعيف الذي قامت به الصين عند الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق.

لكن الدور السياسي للصين بدأ يبرز بقوة منذ العام الماضي، إذ استخدمت حق الفيتو ثلاث مرات في أقل من عام واحد ضد المشروع الأميركي الفرنسي البريطاني المقدم في مجلس الأمن لدخول حلف الناتو إلى سورية.

إذاً نحن أمام قدرات ثلاث فائقة امتازت بها الصين إلا أنها لم تعلن ميلادها إلا تباعاً، فالقدرة الاقتصادية الواضحة التي برزت من خلالها الصين قوة عظمى على الصعيد العالمي منذ سنين، والقدرة العسكرية الهائلة التي لم تستخدمها، ولم تخرج خارج حدود الصين بعد، في حين القدرة السياسية الكامنة التي فعّلتها لأول مرة معلنة ولادتها، فكانت لحظة البدء من البوابة السورية ضد المشروع الأميركي الذي طالما وقف ضد استقرار وطموحات الصين وحاول تحجيم قدراتها في البروز كقطب في عالم تسعى الصين لأن يكون متعدد الأقطاب ودون هيمنة لقطب بعينه.

فبكين إلى جانب تعاملها مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية تواجه مشاكل حقيقية على الجبهتين الجيوبوليتكية والاستراتيجية، في سعيها للمساهمة في ولادة عالم متعدد الأقطاب والمشاركة بشكل أكبر وأفعل في الساحة السياسية الدولية وإدارة الأزمات العالمية.

ومن هنا، وعلى ضوء تشابك الأمور والمعطيات وتداخل السياسي والاقتصادي وبروز الصراعات الخفية الهادفة للاستحواذ على المكاسب في السوق الدولية، جعل من إشكاليات وتعقيدات العلاقات الأميركية الصينية أوسع بكثير وأعمق من أي قضية مفردة أمام واشنطن، فهي تلخص القضايا العالمية والإقليمية المهمة، كما تلخص إلى حد بعيد هذا النمو المتزايد لمراكز القوى والاصطفافات في العالم على حساب انحسار وتراجع القطبية الأحادية الأميركية وسياسة العولمة التي أرادت منها الولايات المتحدة ابتلاع العالم بأسره. كما في بروز حالة التنوع الجغرافي وحتى الأيديولوجي والسياسي العام في الاصطفاف إياه، خصوصاً مع بروز مجموعة دول البريكس الدولية (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) والمتوقع أن تدخل منها كلاً من البرازيل والهند وجنوب إفريقيا للعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وهو أمر مهم جداً، ويتوقع له أن يترك انعكاساته على مجمل مسارات السياسات الدولية خلال العقدين القادمين

وفي هذا السياق، كان وما زال للموقف الصيني الأثر الكبير في لجم الإندفاع والتهور الأميركي تجاه العديد من الملفات الدولية المعقدة، وتجاه العديد من المواضيع المثارة على كل المستويات الأممية، وقد كان الملف النووي الإيراني واحداً منها، حيث سقطت سياسة التهديد العسكري الأميركي تقريباً وحتى بالنسبة لسياسة العقوبات التي تلوح واشنطن بتصعيدها من حين لآخر ضد إيران. وهو ما دفع بالرئيس الأميركي ”باراك أوباما” طوال حقبته الرئاسية الأولى، لتفضيل الخيارات الدبلوماسية بصورة واضحة، وتركيزه على العمل مع حلفائه سياسياً ودبلوماسياً كبديل عن استخدام القوة، في رؤية لا يستطيع من خلالها تجاهل الدور الروسي وحتى الصيني في معالجة الموضوع النووي السلمي الإيراني.

وخلاصة القول، وبعيداً عن تقييم ونقد سلطة وفكر وأيديولوجية الحزب الحاكم في الصين وطبيعة النظام الشمولي كما يرى الكثيرين منا، فإن بكين تشق طريقها في ميدان الفعل الدولي على كل مستوياته باقتدار باحثة عن مصالحها فيما نزال نحن العرب غرقى في سبات عميق.

على الهامش:

 

قبل أكثر من عقدين سُئل الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الأب عن الصين وعن احتمال قيام تغيير سياسي كبير فيها على غرار الكتلة الشرقية السوفييتية فرد بوش بالقول: ”دعوا ذلك الوحش نائماً”،  الوحش الصيني استيقظ و اليوم أرى قادة الصين و كأنهم يقولون دعوا الوحش الأمريكي يخلد للنوم بهدوء.

 

 

 

 

 

 

المثقف العربي… من الصّمت المُريب… إلى الصّمت المدفوع الثمن…!؟ بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

بين حقيقة تاريخية مضت وحقيقة شئنا أم أبينا تريد أن تنبثق من رحم الواقع، متجسّداَ بمشهدية دراماتيكية تبلغ ذروتها، ليس فيما لوّنها من عنف، ودماء فحسب، ولا في القراءات المتعدّدة، والمختلفة، والتي تستدعي مواقف متعدّدة، ومختلفة على شاكلتها، بل في الاندفاع المستفحل للكلام في الجلسات الجانبية، والانتقال الملفت، والمتفلّت من أية ضوابط بين الأضداد، والانسحاب إلى الصمت، فتستفحل سلطة المسكوت عنه، ويحضر قول مأثور ” كلٌّ يحمل في الداخل ضدّه ”!

غير أنّ الملفت هو أنّ الذين تشدّقوا كثيراً وعلى مدى سنوات من الاسترخاء على المنابر” باحترام الإختلاف، واعتباره طريقاً للاتفاق، وأنّ التباين دليل عافية، وأن المجتمعات البشرية لن تصل إلى سلام ما بقيت ثقافة واحدة تمارس القهر الفكري على غيرها ”… هم ذاتهم نراهم الآن صامتين، كصمت قبورٍ مجرّدةً من جلال الموت، في مرحلة مفصلية تستوجب أقصى قدر من الإحساس بمسؤولية (الكلمة) وهي فاتحة التحوّل من الكائن البشري إلى الإنسان، إنها الكلمة التي يمكن أن تخرّب عالماً بأكمله، ويمكن أن تؤسّس لعالم بأكمله، وقد تكون الكلمة زيتاً يشعل السراج فيسطع الحق، أو قد تكون ماءً آسناً يطفيء كلّ ضوء…

إن كان الصمت ملاذاً للتأمّل، والغوص في الأعماق في لحظة معيّنة، فهو تواطؤ مُدان عند المنعطفات التاريخية، ومزرعةً لأوبئة الظنون، وجريرةً لن تغفرها الأيام.

وإن كان دور المثقف هو مقاومة الشقاء والتخلف، والعمل على تحقيق العدالة فهل يجوز له أن يجلس في برج عاجي، أو أن يتقوقع في أوكار مظلمة بعيداً عن مجريات الحياة وأحداثها وحقائقها؟!

أليس من أبسط واجباته أن يحرّك الساكن والراكد والمتكلس بقلمه، وبصوته، وبكل أشكال حضوره؟ وأن ينخرط في قضاياه في لحظة مصيرية؟ وأن تشغله هذه القضايا، ليجهر برأيه ويعلن رؤيته بنقاء وشفافية، غير عابيء بتبعات ما يجرّه عليه الجهر برأيه، أو الإنتقاد الذي قد يكون مرّاً؟ بخاصّة وأن الساحة مفتوحة على اتساعها للجميع والأيدي ممدودة… ولكن، ما أقصرها من فرحة!! كفرحة حقل متعطشٍ لموسم المطر، فإذ بالغيث المنتظر يتجمّد، ويحرن، ويتصلب في غيمة لا تمضي ولا تنسكب، في لحظة، بل، وفرصة للحضور قد لا تتكرّر.

لقد انبهر الكثير من المثقفين بالعدو، وتعمق إحساسهم بالدونية، فسعوا لاجتذاب الأضواء من خلال تزييف الوعي، وضخ الذرائع والتحاقهم بأعداء الأمة، وبعضهم يزعم أنه يجري خلف الحرية دون أن يستوعبوا التغيرات، فلاكوا الشعارات الخبيثة، منتهكين حرية الأمة، يسعى بعضهم لتشجيع الاعتدال والحوار مع من يدعي المعارضة وهو مرتبط بالغرب والصهاينة، لجهل أو حسن نية، أو سوء نية، ولكن هل يصح هذا، والغرب موحد في الكيد لنا، يفتعل الذرائع ويجهز المطبات، فهل الحوار مع هؤلاء وأسيادهم جائز ومفيد يا ترى؟

إنه حوار الضحية مع الجلاد، أو الأمان للذئب في حراسة الغنم، إلا إذا اعترف الخطاة بخطئهم، وهذا محال بالنسبة للغرب.

ورحم الله الشاعر أمل دنقل إذ يقول:

لا تصالح ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

وأثبت جوهرتين مكانهما هل ترى؟

بالتأكيد لست أطالب المثقفين بحمل السلاح مهما كانت قناعاتهم، ولكن كيف لمثقفين عرب أن ينقلبوا، عن قصد أو عن ضياع، من حالة اليسار (بكل أطيافه) المشاكس لقوى ”دينية سياسية” والمشاركة في الأفعال القذرة لـ ”الإمبريالية” التي حاربوها عقوداً، بل التنظير لأولئك المتعصّبين/ المسيّسين نحو القتل وتأسيس ”قاعدة” حربية عسكرية أمريكية، و”قاعدة” داعشية دينية هي خليط من كل ”الخلايا السرطانية الوهابية والأخوانية” في البلاد العربية؟


كيف تخلى هؤلاء عن ”وعيهم”، وعن ”حسّهم النضالي الوطني العربي”، وغابوا أو غيّبوا أنفسهم وعقولهم في وهم نظرية جديدة تقول إن: الحرية والديمقراطية يجب أن تتحقق حتى عن طريق الاستعانة بكل من ناضلوا ضده سابقاً، بل على فتوى ”ومالو” التي تدعو إلى استباحة الذاكرة والتاريخ والأعراض والطوائف بحجة أن ”الثورة من أجل الحرية” لا بدّ لها من ثمن، و”وقود يدفعها للأمام”، وهو ”بعض القتلى هنا وهناك”؟
!

أعتقد أن أحد أهم الأسباب هو غياب ”الوعي التاريخي” لديهم، والوعي التاريخي ليس فقط تراكم أعمارهم وعدد الشعرات الشائبات في رؤوسهم، وسمك زجاج نظاراتهم، إنما هو القدرة على قراءة عميقة ودقيقة ومستمرة للتاريخ عموماً، ولتاريخ الأوطان خصوصاً…

لقد اعتقد بعض المثقفين المزيفين أنهم بالذهاب إلى أبعد الحدود في محاربة دولهم وشعوبها فهم بذلك يكسبون التاريخ، ويخلدون في ضمائر الناس، وهذا هو الفجور بعينه أو إنهم بذلك يصبحون ”مثقفين ثوريين” أو”مثقفين نضاليين”، أو”مثقفين متحررين”، ناسين أمراً مهماً جداً هو أن ”المعرفة لا تولّد الأخلاق، وأن الأفراد المثقفين ليسوا بالضرورة أناساً صالحين” كما يقول جان جاك روسو، وأن التاريخ، منذ الأزل، رغماً عن ”إنسانيتهم” و”سموّ” أهدافهم، يكتبه الأقوياء، ويذهبون هم أوّل ضحاياه.

مشكلة هؤلاء المثقفين المزيفين، أنهم مفضوحون وإن لاذوا بعتمة الوضعيات الاستثنائية في تاريخ القلاقل والأزمات، إلا أنهم يمثلون بمواقفهم البهلوانية الانتهازية سلعاً مطلوبة لمن يحترفون سياسة التعجيل أو التأجيل، الإضمار أكثر من الإظهار، تمرير الأفكار والبرامج في الأوقات الحرجة الاستثنائية بتعلة الاستفادة المؤقتة من كفاءات هؤلاء الذين عوّدونا في كل حين على ألاعيب القول ورقصات الفعل وغدر اللغة بالتحايل على بلاغتها عند تحويلها من شرف الكيان إلى أكاذيب البيان…

لهذا وذاك، فالأقلام والأصوات الصادقة، والقامات الكبيرة التي انتظرناها طويلاً، لتقود المشهد الثقافي العربي، وتعيد الوعي، والتي تعرّضت للتجفيف، وبعدها لمحاولة الاختطاف، والتي عليها نفخ الروح في فكر الأمّة العربية، مدعوّة اليوم، وأكثر من أيّ يوم لتظهر، وتعبّر عن حضورها… في لحظة إنقاذٍ لكل ما هو جميل على أرض الوطن العربي…

فلماذا هذا الصمت عن قراءة ما يجري بموضوعية، ودون انحياز؟!

صمتٌ، ما هو إلاّ انسحاب غير بريء، وتقوقع، وتكوّر، في زوايا الثرثرة المعتمة، في حالة انتظارٍ مُدانة، أم أنّ الصوت لا يجد له صدى إلاّ عبر المنابر المشبوهة؟!

وكما كان للصوت على تلك المنابر ثمن في لحظة ما، فثمن الصمت قد يكون أعلى في لحظة مغايرة! ولكن… في معادلة الأوطان، حين تقدر الكلمة على تدمير مجتمع بكامله، أو تأسيس مداميك لصرحٍ شامخٍ فإنّ الكلمة لا تقدّر بثمن… النار تصهر، ويتألّق المعدن النفيس ويترمّد البخس، والعاصفة كاشفة، إذ تتعرّى الأشياء، وتسقط الأشجار ضعيفة الجذور، حتى لو استطالت، وما يحصل من حريق وعصف عربي كشف الجواهر من المعادن البخسة، وأظهر بما لا يقبل الشك الأشجار الضاربة الجذور في عمق التراب العربي، من تلك التي تقتات على جذور غيرها، فتسقط لدى أضعف هبّة ريح!

أسأل، وبكثير من الحزن والخيبة هؤلاء الذين انتظرناهم طويلاً، وأحببناهم كثيراً، ووثقنا بأقلامهم، وأفكارهم، ودافعنا عنها، هؤلاء الذين بُحّتْ حناجرهم من الصراخ في المكان الخطأ، ونراها الآن تصدأ من صمتٍ مُريب، أم أنّه صمت مدفوع الثمن؟

حاشاكم… واعذروني… ما وأدتُ الشك فيكم، إنّما قد أجبرتموني، فأيّ حريق عربي بعدما حصل، ينتظر المثقف ليُظهر نفاسة جوهره، وقوّة جذوره الممتدّة خضرتها نحو السماء أكثر مما حصل؟!

فمن الصعب على أي شعب على هذا الكوكب أن يدخل في إهاب اختلاط المفاهيم، وتشويش المعارف والثوابت ومنطق الوصول إلى شواطىء الأمن، والاستقرار، والأمل وتظل لديه الراشدة راشدة والحكمة حكيمة أو أن تتواصل إمكانيته في القبض على زمام أموره، وتحديد موقعه، والتحكم بوقائعه على أرضه التي فيها تعيين شروط وجوده، وحق تقرير مصيره، وفي مثل هكذا سلوك يكون الشعب مستهدفاً باسم الحرص عليه، ومطلوباً له الأغلال باسم البحث عن حريته، وزيادة عليه حين يتم تعريضه للعبة الأمم ستكثر المشاريع الرامية إلى تمزيقه باسم الخوف على وحدته، ونهبه بإسم تأمين معيشته، وقتله باسم الرغبة بطول عمره.

 

‏ومن غريب الحال ـ في هذا الزمن ـ أن يصبح العدو الذي هو السبب في كل مصائب الشعب والوطن العربي، المنقذ الوحيد له في كل محنة وقد قال الشاعر: ”فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم. وعليه فالذي احتجز حرية الوطن العربي لقرون يصبح صاحب بوابات الحرية القادمة، وبيده مفاتيحها، والذي منع جميع أشكال إحقاق الحقوق، ودعم كل مشاريع الصهيونية منذ احتلال فلسطين إلى احتلال الجولان، وجنوب لبنان هو صاحب العدل والنوايا الطيبة، والذي لا يملك من مقومات السيادة واستقلال القرار هو الرائد، والقائد للشعب نحو السيادة والكرامة.‏

 

وإلى أين تصبح الإجابة مغطاة بألف احتمال، واحتمال، ويصبح الأمر عند حدود مقولة ”ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدواً له ما من صداقته بدّ”، وفي سياق هذا الحال أصبحنا نسمع بوجوب تدويل القضايا العربية ووجوب التدخل العسكري في الدول التي لا ترضى عنها أمريكا وربيبتها إسرائيل، ووجوب تعريض جغرافيتها للتقسيم، وأصبحنا نسمع أن المقاومة من أجل عودة الجولان، والأراضي العربية المحتلة لا حاجة لها، وأن تطمين إسرائيل على وجودها، وأمنها ومشاريعها بات ضرورياً، وأن جبهة الحلفاء من العرب، أو من المسلمين لم يعد لها أي حاجة، وأن السيادة والاستقلال يضمنهما العدو التاريخي، والاستعمار الغربي الأمرو أوروبي المتصهين.‏

 

وعلى هذا الأفق الجديد مطلوب من العرب أن يطمئنوا، ويغتبطوا بروعة ما هو قادم، ومقدار ازدهارنا فيه وبخاصة حريتنا، وحقوق إنساننا، وأوطاننا.

 

إذن كل ما نشكو منه يتعهد لنا عدونا بالخروج منه، وما علينا سوى الرضا، واستقبال الغاصبين بحرارة العربي المستقبل لضيفه الكريم، والضامن لنا في هذا الخروج المظفر هي جامعة الظافرين العرب، الجامعة التي أمنت ـ من قبل ـ العراق، وغزة ، وليبيا، وتونس، ومصر، والسودان، واليمن، وها هي تسعى بشهادة التاريخ إلى تأمين سورية.

ومن عجب العجاب أن يصبح العدو صديقاً، ونحّول الصديق إلى عدو، وأن تصبح الحرية بوابة عبور للمستعمرين ومجال حضور لهم في بلادنا من جديد، وأن تصبح حقوق الشعب العربي مضمونة بيد غاصبيها، وأن نتعلم من الأعادي كيف يكون حالنا الذي يرضون عنه، وماذا علينا أن نفعل حتى نكون عند حسن الظن.

 

لقد عشنا تجارب منذ حرب تشرين 1973 حتى اليوم توضح لنا أن كل ما يجب علينا أن نعمله من الممكن أن يتم الصبر عليه ما عدا تحرير أرضنا المغتصبة، أو أمتنا المنهوبة خيراتها، أو الوصول إلى وحدتنا، أو بناء القوة التي تتكفل بحياة سيادية، مستقلة آمنة.

 

نعم كل هذا (التابو) مفروض علينا من الحلف الأمرو أوروبي ومن يحالفه من المتصهينين في الدائرتين: العربية والإسلامية، وما زال فينا من يرى أن المسائل الداخلية في كل بلد عربي أصبحت لها الأولوية على كل قضايا السيادة، والوجود الكريم والاستقلال، وصار الحرص على أن تكون مطالب الحرية أهم بكثير من بقاء الدولة واحدة، والوطن موحداً.

 

فالحرية القادمة من الأطلسي هي ما أصبحنا نتمناها، والحرية القادمة من التتريك والعثمنة هي ما نتمناها… أما الحرية القادمة من الحوار الوطني العربي الذي يضمن وحدة الوطن والشعب والدولة لم تعد ترى من قبلنا، أو مسموح لنا فيها من الذين يرعون شؤوننا في العواصم المعادية، والصديقة، والشقيقة…

إني ما زلت أنتظر، كما انتظرتكم طويلاً أيها الأخوة والأصدقاء والأحبّة الصامتون… تعرفونني، وتعرفون أنني أعرفكم أكثر مما تتصوّرون، وإن تنكّرتم فلن أفاجأ، ولأنكم تعرفونني فلا يفكّر أحدكم أن يزاود عليّ، فلقد أشجاني ما أشجاكم يوماً، غير أني ما اقتنيت أقنعة لأبدّلها بحسب المقام والمقال، ولا عباءات تتناسب مع الفصل، وطقوس الحرارة، والبرودة، والاعتدال، يعني: (ما أحد يبيض) بالعامّية، باعتبار أن الساحة الآن متروكة ـ باسم الحرية ـ  للعوام، والدهماء، الذين قد أبرّر لهم كل شيء، ما عدا أن يكونوا مرتزقة ومأجورين، يخلطون الحرية بالوحشية والفوضى، بعد أن انسحبتم أنتم إلى صمتكم، وأفسحتم الساحات لثقافة الموت.

وإن أراد أحدكم أن يحضر، فليكنْ حضوره على الملأ، وليس في جلسات المقاهي (الثورية) المتشرذمة، المفروزة على خلفيات مختلفة، قد يكون أبعدها الوطن العربي… فالصمت، إمّا لعجزٍ يتلطى خلف ذرائع لم تعد مقنعة في معركة الصراع من أجل الوطن، أو أنه انسحاب غير بريء من ساحات الكلام، وتسليمها بتواطؤ جبان إلى هواة الكلام الذي يفوق بسمومه زيفانات الصمت، وهو في أنظف الحالات هزيمة، واستسلام، وإباحة جسد الكلمة لألسنة التقلب، والخبيرة بتقليب الفتن على نار الطائفة والعشيرة والمذهب، والناطقة بلغة زمن السيف، والبتر، والجلد، والوأد، وبعر الجمال…‏

إن أهم صفة يجب أن يحملها المثقف اليوم، أن يعمل من أجل المستقبل الأفضل ويخطط له، فالكلمة بالنسبة له هي مسؤولية، يجب أن تقال ويتحمل تبعتها، نحن مهددون بالانهيار وفقدان الدولة العربية المدنية، مهددون بانهيار التعليم، وبالتالي انهيار القيم، مهددون بفقدان عمليات التثقيف المجتمعي، والوعي بالمشاركة السياسية، والوعي بالمواطنة، والوعي بحقوق المرأة والطفل، والوعي المتقدم بالحياة نفسها، وهذا خطر كبير يتهددنا وإن كان مفروضاً علينا، ليس أمامنا سوى الارتقاء بالمواطن من كل النواحي، لمواجهة التهديدات التي تواجهنا، هناك ضعف كبير في المناعة الوطنية العربية…

 

يجب حماية الذاكرة من التلف والضياع، ومواجهة الأحقاد التكفيرية العمياء، والغربية الطامعة بالمقدرات وبالثروات، والسر الكبير في أوطاننا أنه قوي، وقوته غير متناهية، في القدرة على التجدد والولادة، من أشلائه ودمائه وقدرته على إعادة بناء وخلق نفسه باستمرار، وفي الوقت الذي يظن فيه الجميع، الأصدقاء والأعداء أنه انتهى، ينتفض من رماده كالعنقاء، ويمضي في تجديد عملية البناء وشق طريق المستقبل.

 

إن المثقف العربي الأصيل مطالب اليوم بعدة معارك دفعة واحدة، معركة في مواجهة التدمير الثقافي والاصطياد لكثير من الإعلاميين والمثقفين لصالح المشروع الأمريكي الصهيوني، فهناك مؤسسات إعلامية ومثقفون يتقاضون رواتب ضخمة وثمة مؤشرات كثيرة على ذلك، فما أن تصدر مقولة أو اتهام بحق تلك الدولة أو ذاك النظام نرى استنفاراً إعلامياً وهياجاً من قبل مؤسسات وأفراد لعزف المعزوفة نفسها…

 

ومعركة ضد هذا التفكيك الذي تعيشه الأمة العربية، ومعركة ضد النشاط الثقافي المعادي، ومعركة ضد الجهل والفساد وديكتاتورية الأنظمة وبعدها عن جماهيرها، ومعركة تكوين ملامح رؤى ثقافية وسياسية، وحالة نهوض ترتكز على مكونات هذه الأمة الحضارية وعلى تطلعاتها نحو مستقبل أفضل يضع الأمة في سياقها الإنساني والحضاري.

 

المحلّل السيّاسي والإستراتيجي العربي… والبروباغندا الإعلامية…؟  بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية
العدد المتزايد للمحللين السياسيين باطراد على شاشات الفضائيات العربية ظاهرة تستحق الوقوف عندها، ولاسيما أن هؤلاء باتوا يساهمون اليوم في صياغة الرأي العام العربي عبر ما يقدمونه من معلومات حول موقف سياسي أو اقتصادي من هذه الدولة أو تلك، أو حتى عبر ما يقومون به أحياناً من تسريب معلومات استخباراتية عن لقاءات وطبخات سياسية في الكواليس أو مناورات وضربات عسكرية محتملة شرقاً وغرباً في منطقة عربية مابرحت تهتز على صفيحٍ ساخن، خصوصاً بعد اندلاع شرارة ما يسمى ”الربيع العربي” مع حادثة إحراق بائع خضار تونسي لنفسه بولاية سيدي بوزيد ربيع 2011 الماضي.

فبعد أن فقد ”شهود العيان’ بريقهم ومصداقيتهم لدى المتلقي العربي، برزت الحاجة للبديل الملائم الذي يغطي تراجع دور ”شهود العيان” أو يدعّم أكاذيبهم على الأقل، وكان الحل استضافة الخبراء والمحللين والمفكرين الاستراتيجيين العرب، من مختلف أقطار الوطن العربي، ليكونوا شهوداً أكثر جاذبية وقبولاً وهم يقومون بتحليل ما يحدث بالمنطقة العربية.

من هنا أفرزت الفضائيات العربية ما يشبه نُخباً جديدة قوامها جيش من المحللين في مختلف الاختصاصات والاتجاهات، فهم يتكاثرون بسرعة هائلة على الشاشات، يوزعون آراءهم العاجلة ويثوّرون مواقف ضد مواقف أخرى، يصرخون ويتقاذفون الشتائم ويتبادلون تُهم الخيانة والعمالة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق لدى السلطة، وربما وصلت بهم الحكاية إلى حد الاشتباك بالأيدي على الهواء مباشرة.

 

هكذا نجح الإعلام العربي في تصنيع نُخب جديدة ميدانها الرئيسي حلبات بصرية لديكة تتصارع على مدار الساعة، ليكون المُشاهد في هذه الأثناء رهن رأي هذا المحلل أو ميول ذاك، دون البحث عن أهلية حقيقية لعشرات البرامج التي توّظف آراء هؤلاء المحللين في مصلحة دعم فرضية الأجندة الخاصة بهذه الفضائية أو تلك، ولنصل في النهاية إلى ما يشبه ”كباش تلفزيوني” أو حرب تلفزيونات لا صلة لها بموضوعية التفكير أو التحليل المنطقي للأحداث، بقدر ما يهمها في النهاية تغليب رأي على آخر مهما كلّف ذلك من افتراءات وتزوير في الحقائق ولوي عنق المعلومة.

 

من هنا يمكن الحديث اليوم عن عشرات الجبهات المفتوحة بين محللين من كل الأنواع، وبصفات ما أنزل الله بها من سلطان على نحو: ”خبير في الشؤون الحربية، مدير مركز إستراتيجي، مستشار عسكري، محلل اقتصادي، ناشط حقوقي… المشكلة اليوم أن الكثير من هؤلاء المحللين الذين يتقاضون أجوراً عالية لقاء ظهورهم في البرامج الحوارية الساخنة، باتوا يشكلون اليد الطولى لتكريس سياسة القناة التي يتكلمون من على منبرها، منتمين بقوة إلى البروباغاندا الخاصة بها، ولاسيما عندما تلجأ قنوات عربية دولية باستضافة العديد من ”مفكري التلفزيون” من مشرب سياسي متقارب لمناقشة قضية عربية شائكة، متجاهلةً رأي محللين من الضفة الأخرى.

 

والغريب أن مثل هذه الفضائيات ما زالت ترفع شعار ”الرأي والرأي الآخر” أو شعار ”أن تعرف أكثر” فيما بات المشاهد يتوقع ضيوف هذا البرنامج أو ذاك، والأغرب أنه حفظ عن ظهر قلب كل ما سيقولونه نتيجة التكرار الهائل للرسالة الإعلامية الخاصة بالمحطة، واستنفاد فرص الإشباع الإعلامي الذي وصل مؤخراً حد التخمة، وبخاصةً أن هذا النوع من ”النخب” لا يمكن الركون لآرائهم. فمن المعروف أن التلفزيون يبحث دائماً عمن يسميهم عالم الاجتماع الفرنسي الراحل ”بيير بورديو” بـ ”مفكرين على السريع” متسائلاً: ”ما الذي يدفع هؤلاء للتفكير تحت ضغط الزمن التلفزيوني والمساحة الضيقة المُعطاة لهم بين غابة من البرامج وفقرات الأخبار والإعلان، سوى تلك الرغبة العارمة لحب الظهور؟” فانخداع ”المفكر التلفزيوني” بسطوة الفضائيات وسعة انتشارها تجعله ”زبوناً طيباً” ومُرحباً به على شاشاتها، شريطة أن يدعم السياسة التحريرية للمحطة بكل أنواع الدجل والشعوذة الإعلامية وتبرير ما لا يمكن تبريره.

وبكل أمانة، فما يستفز حد الغثيان، أن أولئك يمتطون ”التحليل السياسي” على أنه مبيّض للصفائح، ويتحدثون عن الوطن وكأنهم من صانعي أمسه وغده. وكلنا لا زال يتذكر فضيحة المحلل السياسي وجهبذ زمانه، ”عزمي بشارة” الذي تفرّد بفضيحة كبرى عبر تسريب مقطع فيديو تم نشره على اليوتيوب من برنامج ”في العمق”، وفيه يظهر المفكر الفلسطيني أثناء الاستراحة، طالباً ـ تحت الهواء ـ من المذيع السعودي ”علي الظفيري” عدم ذكر الأردن والبحرين في تحليلاته والتركيز على سورية حيث اشتهرت كلمة ”الظفيري” وقتها لضيفه بشارة: ”بيّض صفحة المؤسسة”. فضيحة مدوية اعتبرها الكثيرون بالنسبة لوزن ”بشارة” وأخلاقيته كمثقف عربي معروف جعلت الكثيرين ينتبهون إلى انتهازية العديد من المثقفين العرب الذين تم شراؤهم بأموال النفط العربي مقابل تغيير مواقفهم السياسية والتبعية نهائياً لأجندات هذا المال ومآربه في المنطقة.

”المحللون السياسيون” والصفة منهم براء، يمنحون المتابع العربي مؤشرات على مكونات فوضاهم ودوافعها وأهدافها، وإلا كيف سنفهم أن ”عرضحالجي” أو سارق أو مارق أو شاذ أفاق، يتحول بمعية الفضائيات إلى محلل ”استراتيجي” يجيز استحضار العفاريت الزرق لتساعده في رسم خارطة وطن على مزاجه وبألوانه المفضلة، طالما أن الرسم سيضمن له خازوقاً في كرسي المستقبل، ويضمن له أيضاً المزيد من الثراء وأوراق اللعب، وبعض الاستشفاء من عقد وفوبيات مالها من آخر.‏

إن هذه التحليلات تدور في حلقة مفرغة لأنها تبحث في تفاصيل وجزئيات الأزمة العربية فتخلص إلى تصور حلول آنية، توفيقية، ترقيعية مبتسرة، باهظة الكلفة، عديمة الجدوى، ومتناقضة في أغلب الأحيان، تزيد من استفحال الأزمة، هذا إن خرجت إلى حيز التنفيذ وأبصرت النور.
إن كل ما قيل، ويقال، وسوف يقال في هذا الصدد صحيح، ومنطقي، ويمكن لأي تفكير سليم أن يتقبله، باعتبار حقيقة وجود المخططات الاستعمارية التي تستهدف المنطقة من جهة، وكوننا مستهدفين من جهة أخرى، هذه حقيقة، والباقي مجرد تفاصيل تختلف حسب كيفية النظر إليها.
ولكن الحقيقة الثابتة أيضاً أن أزمتنا تكمن في أننا كشعب عربي، وأنظمة، ومنظمات، ومؤسسات ندعي أننا نعرف من نحن كما نعرف الأخطار التي تتهددنا. إلا أن الممارسات العملية في الفعل ورد الفعل تظهر أننا لا نعرف من نحن ولا ماذا نريد، أو ما الذي يتهددنا، في حين الآخرون يعرفون أننا لا نعرف، وفي نفس الوقت يحتاطون لأي احتمال صحوة نتمناها، ونملك أسبابها، ولكننا لا نعرف الطريق إليها.

 

والمتابع للفضائيات التي تتزعم الربيع العربي، يستطيع اكتشاف مدى سطحية وجهل الكثير من التحليلات السياسية لهؤلاء المحللين، ومدى إسهامها بتشويه الوعي وإحلال واقع لا وجود له إلا في أذهان أصحابه محل الواقع الحقيقي، سواء المتعلقة بالأسباب أم فيما يتعلق بالتضليلات التي تضمنتها حول وهم القوة المزعوم وخدعة التفوق، لدرجة أن انساقت عشرات الجماهير وراء هذا الوهم الذي يتأسس على تصورات هوامية ذات بعد فصامي يحل التصور محل الواقع الحقيقي. فهل هذه التحليلات مشكِّلة للوعي أم مشوهة له؟ والأخطر من هذا أن بعض هذه التحليلات يأتي في إطار التبريرات التي هي أشد تضليلاً وتشويهاً للوعي الأمر الذي يقود إلى استمرارية استنساخ الوعي المشوه، ويقلل من أمل انبثاق وعي جديد.

فما الذي يمكن أن يفعله ”المحللون” عرب الربيع العربي، الذين يمتطون اليوم حصان الثورة لكي يطمئنوا إلى استمرار تدفق المال النفطي إلى جيوبهم؟ لا شيء غير التركيز على شحذ أفكارهم وإجهاد أنفسهم لكي تبقى تلك الأفكار في أعلى مستويات التوثب والثاقبية. والواضح أن آخر همومهم ما قد يقوله العقل السليم عن فكرتهم. لأن أول تلك الهموم هو الاطمئنان إلى استمرار تدفق المال النفطي إلى جيوبهم. واطمئنانهم مرجعه إلى كون من يمدونهم بالمال لا يعرفون القراءة، وإن كانوا من القارئين فإنهم يسأمون سريعاً ويعودون إلى مباهجهم المعتادة المعروفة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد: هل كل من حمل رتبة عسكرية في جيش، أو شغل وظيفة مدنية في دولة، هو مفكر أو باحث أو محلل استراتيجي؟.

وهذا يدفعنا إلى إعادة التساؤل بصيغة أخرى، من هو المحلل السياسي؟ وهل هناك توصيف مهني في أي من البلدان العربية لمهنة إسمها المحلل السياسي؟ أم أنها أصبحت مهنة من لا مهنة له، ومهنة المرشحين المحتملين لمناصب سياسية معينة، ومن ثم فإن إبرازهم على الأقنية الفضائية جزء من عملية التلميع ومحك للولاءات في إطار صناعة الشخص!؟

 

وفي الواقع ليس عندي إجابة عن مثل هذه التساؤلات، ولكن ظهور كم كبير من هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم تسمية ”محلل سياسي” أو ما يشبه ذلك ممن يعبرون عن إيديولوجيات معينة، ومن تكون إحدى العينين على الكاميرا والأخرى على نظام ما يجعلنا نثير مثل هذه التساؤلات. 

والمتتبع للأحداث السياسية يمكنه أن يصنف من يطلق على نفسه تسمية محلل سياسي ضمن أصناف ثلاثة:

 

الأول: المحلل السياسي الذي يعبر عن رأي نظام ما من الأنظمة السياسية أو يمثل أيديولوجية معينة دون أن يكون في موقع ما (بعد) ضمن دائرة النظام.

 

الثاني: المحلل السياسي بحكم الموقع في مركز أو جهة قد تكون حكومية أو غير حكومية الطابع، وهؤلاء غالبيتهم في أوربا وأمريكا وقلة قليلة منهم في الوطن العربي.

 

الثالث: ينتمي لإطار علمي ـ ثقافي ما امتهن مهنة التحليل السياسي مستمداً منهجيته من الأطر التي ينتمي إليها، وقد تكون نتاجاً جانبياً لعمله الأصلي، أي يمكن اعتبارها هواية وقت الفراغ.

 

ويمكن إضافة صنف رابع يجمع بين كل هؤلاء بدرجات مختلفة. يضع رِجلاً داخل النظام والرِجل الأخرى خارجه ويعمل في مركز مستقل ظاهرياً، ومقولب بشدة داخلياً وينتمي في الوقت نفسه لإطار ثقافي معين فهو خليط من كل هؤلاء وربما يكون الأخطر من بين هذه الفئات الأربعة.

 

إن رغبة الإنسان في الحصول على المعرفة ليست محدودة. والفضول الذي يدفعه لتقصي الأخبار والأحداث يمثل دافعاً من الدوافع الإنسانية، الذي تعرف وسائل الإعلام كيفية استغلاله بالشكل الأقصى. وتقود الثغرات في المعلومات أو نقص المعرفة عند الإنسان إلى رغبة ملحة في التقصي لسد ذلك التوتر الناجم عن عدم المعرفة. ولعل ذلك ينطبق بصورة خاصة على الأحداث العالمية، السياسية منها بشكل خاص، في عصر الانفجار النووي المعرفي الذي تكاد آثاره تطال كافة أرجاء الأرض.

 

والمحللون السياسيون هم أولئك الأشخاص الذين امتهنوا مهنة سد الثغرات المعرفية في مجالات متنوعة، وتقديمها على صورة عصارة جاهزة لأولئك الراغبين بالحصول عليها، بغض النظر عن الدوافع الكامنة خلف ذلك، أو عن الكيفية التي سيتم فيها توظيف سد الثغرة هذه. وللسياسة سحرها الخاص، لما لها من تأثيرات تنعكس على حياة الأفراد بشكل مباشر وغير مباشر، ولما يكتنفها من غموض وحجب للأسرار يجعل الإغراء باختراقها معرفياً (أو معلوماتياً) لا يقاوم، ويعطي ذلك الذي ينجح باستقرائها إحساساً واهماً بمشاركته في صنع الحدث لمجرد معرفته به.

 

ويمكن بطريقة هشة تقسيم الناس إلى قسمين:

 

الأول، صانع السياسة (أو واضع  السيناريو التنفيذي)، وهؤلاء هم السياسيون  وأصحاب القرار المخولون بطريقة ما لرسم سياسة معينة. والثاني، يتمثل دوره في السماح للفئة الأولى سواء مكرهاً أو عن طريق الانتخاب باتخاذ القرارات ورسم السياسات نيابة عنه. والمحللون السياسيون أو الإعلاميون بصورة عامة ينتمون للجزء الثاني. إلا أنهم قد ينتمون للقسم الأول أحياناً أو يمثلون الجسر بين القسمين.

 

وبسبب الغموض الذي يكتنف عمل الفئة الأولى فإن مهنة ورغبة الناس في معرفة ما يدور وراء الكواليس واستباق الحدث قبل حدوثه دفعت بعض الأشخاص إلى جعل التحليل السياسي مهنة يمكن استثمارها وأصبحت مهنة التحليل السياسي يمكن التخصص بها وفق أسس وقواعد معينة، موضوعها الأحداث الماضية الغامضة التي ما زال الغموض يكتنفها و الحاضر الذي هو أشد غموضاً والتنبؤ بالأحداث المستقبلية.

 

وتسعى هذه المهنة إلى الاستنتاج والاستقراء والتشخيص والتفسير والتنبؤ، إلا أنها  ليست صانعة للحدث أو موجهة له و لا تتحمل مسؤوليته، سواء سار بهذا الاتجاه أو ذاك. والمحلل السياسي شخص يواجه لغزاً كبيراً عليه أن يجد الحل له من مجموعة من الوقائع المتناثرة والغامضة والتي لا يتوفر حولها الكثير من المعلومات، ومن مجموعة من التصرفات الشبيهة في الماضي والحاضر. ويمكن تشبيه عمله بالشخص الذي عليه تركيب لوحة فسيفساء كبيرة، لا تتوفر عنها لديه إلا بعض الجوانب وعليه إكمال الجوانب الأخرى من تلقاء نفسه بناء على ما توفر له من معلومات. فقد يركب بعض القطع في مكان ما لتبدو له بأنها صحيحة وفي مكانها المناسب فتؤلف جزءاً من المشهد العام يبدو منطقياً للوهلة الأولى، إلا أنه لو تم النظر إلى اللوحة من الأعلى، من المنظور الكلي لتجلى لنا أن هذه التركيبة لا تتناسب مع المنظر العام، وهو اجتهاد لا يمكن عده صحيحاً أو خطأً بحد ذاته، إلا أنه قد يكون مشكِّلاً للوعي ومعدلاً له أو مشوهاً له في دائرة معقدة من التأثيرات المتبادلة ذات آثار بعيدة المدى على الأداء السياسي أو الوعي السياسي للأفراد في مجتمع من المجتمعات.

فمجال التحليل السياسي له رجالاته الذين يؤدّونه بجدارة، ويقومون عليه بكفاءة، ومن أراد أن يخوض في هذا المجال يجب أن يلتزم بمعاييره التي يتحتم التمسك بها واحترامها من كل محلل أو باحث أو مفكر إستراتيجي. وفي هذا السياق نذكّر بأهم هذه المعايير التي ينبغي أن تتوفر في الباحث أو المحلل الاستراتيجي، والتي لا يجوز التغاضي عنها، أو تجاوزها أو إسقاطها أو إعفاء أي مفكر استراتيجي من استحقاتها.

وهذه الصفات التي ندرجها أدناه يفتقر إليها كل المحللين الذين تستضيفهم ”الجزيرة” أو ”العربية” أو أخواتهما في الرضاعة، على هوائها، لتشريح الوضع العربي:

ـ يجب أن يتوفر في المحلل الاستراتيجي مؤهلات علمية وشخصية، تجعله قادراً على تحليل الوضع الاستراتيجي لبلد ما بموضوعية وشفافية. فالتحليل الاستراتيجي ليس هواية، بل هي كفاءة علمية وتحصيل أكاديمي، لا يقْدر عليه إلا من كان مؤهلاً، ويملك رصيداً ضخماً من الثقافة والخبرة والإطلاع.

ـ لابد أن يكون المحلل الاستراتيجي فقيهاً في الشأن الذي يتناوله. والفقه بالشيء لا يقف عند حدود المعرفة السطحية به، بل الإحاطة بكل جوانبه، والقدرة على تفسير ظواهره وتحديد مساراته ومسبباته، والوقوف على العوامل المحفّزة أو المانعة لوقوعه، ولماذا تم الحدث على هذا النحو دون ذاك، وما هي النتائج التي ترتبت على وقوعه بكل دقة وأمانة.

 ـ والمحلل الاستراتيجي ليس منجّماً ولا متنبئاً ولا عرّافاً، إنما هو خبير في موضوع البحث، يملك لكل استنتاج يسوقه سنداً موثوقاً يدعم استنتاجه ويبرره. فكم من محلل على الجزيرة قال إن سقوط الدولة في سورية مسألة وقت، والوقت لا يتعدى شهراً أو شهرين، ومر أكثر من عام فسقط المحلل، وظلت سورية صامدة.

ـ على الخبير الاستراتيجي ألا يحمل أفكاراً مسبقة مطلوب منه إثباتها أو تأكيدها، كما عليه أن يكون نزيهاً محايداً قدر الإمكان (رغم معرفتنا أن حياد المحلل مسألة نسبية). كما يجب عليه أن يعطي الموضوع حقه، فينظر إليه من زوايا عدة، ويُبرز ماله وما عليه. كما ينبغي أن يتجنب طرح الأفكار المسبقة، حتى لا يأتي التحليل مثقلاً بمعلومات يريدها المحلل أو معد البرنامج التلفزيوني، على حساب الموضوعية والحياد، ذلك أن حشر الأفكار المسبقة في التحليل يدمر موضوعيته، ويغتال المصداقية والشفافية المطلوبة في المحلل الاستراتيجي.

ـ على المحلل الاستراتيجي العربي الذي يخاطب الرأي العام العربي، أن يكون أكثر الناس حرصاً على الأمن القومي العربي، وأكثرهم تمييزاً بين العدو والصديق، وأكثرهم تمسكاً بالثوابت القومية، لكونه أكثر الناس إطلاعا على الأخطار المحدقة بالوطن العربي، ومخططات الأعداء الرامية للنيل من وحدته وتماسكه وصموده. لذا لا ينبغي أن يفرط بالأمن القومي، إرضاءً لرغبات القناة المستضيفة، وهو متى فعل ذلك سقط كمحلل، وأضحى بوقاً مأجوراً ليس إلا.

ـ ينبغي على المحلل الابتعاد عن اتباع أسلوب التحليل حسب الأماني، لأن هذا الأسلوب لا يعكس الرؤى الواقعية، بل يعبّر عن عاطفة المحلل، أو أماني القناة المستضيفة، فالتحليل الاستراتيجي هو نتاج بحث مرهق، وتحرٍ مضنٍ عن الحقيقة، وتدقيق مجهد في كل رقم يستخدمه المحلل، وتحقيق موثق لكل قول يستشهد به.

ـ على المحلل الاستراتيجي أن يكون مواكباً للقضية المطروحة، ملماً بتفاصيلها وتطوراتها المستجدة، ويمتلك المهارة المطلوبة لربط أحداثها وبالشكل الصحيح، وتقدير الموقف على نحو دقيق، بما يخدم هدف التحليل، ثم الخروج بعد ذلك بالاستنتاجات التي تأتي في أغلب الأحيان واقعية سليمة. فليس كل من حفظ بضع جمل رنانة في المجال العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، يكررها في كل حين، هو محللٌ استراتيجي.

ـ حتى لو توفرت الشروط الواردة أعلاه في المحلل الاستراتيجي، مع ذلك ينبغي ألا يجزم بحدوث تطور من نوع معين في المستقبل، بل عليه أن يترك هامشاً للمفاجآت المحتملة، لأن الخبير متى قطع بحدوث أمرٍ خلال فترةٍ زمنية محددة، ولم يحدث هذا الأمر بعد انقضاء الأجل، سقط هذا المحلل وعليه ـ من الناحية الأدبية على الأقل ـ أن يتوارى عن الأنظار، لا أن يبدأ بسوق الأسباب التي أدت لعدم حدوث ما توقع.

تلك هي أهم الشروط الواجب توفرها في المحلل الاستراتيجي، لكي يكون خبيراً أو مفكراً أو محللاً بالمستوى اللائق.

لكن ـ مع شديد الأسف ـ إن المعايير التي تضعها ”الجزيرة” وأخواتها للمحلل الاستراتيجي تختلف تماماً عما أدرجنا، ونلخص معاييرها بالأتي:

ـ أن يكون ذا وجه تلفزيوني مقبول ولسان طليق (أي حائزاً على البريستيج المطلوب)، لأن ذلك يلعب دوراً في التأثير على نفسية المتلقي.

ـ أن يكون خبيراً على المقاس القطري، لإجراء تحليلات حسبما تهوى قناة الجزيرة. وأن يقتنع بما يمليه طاقمها، وأن يقوم بدوره ـ خلال التحليل ـ بإيجاد المسوغات المناسبة لتسويق هذه الإملاءات.

ـ أن يكون قد حمل رتبة عسكرية رفيعة، أو تمتع بصفة سياسية من أي نوع.
ـ أن يحفظ عبارات جذابة ومصطلحات معاصرة وجمل بليغة لاستخدامها أثناء الحوار، بهدف خداع المتلقي، وإيهامه برفعة مستوى وشأن المحلل.

ـ وإذا توفرت لدى الخبير مهارات ذاتية إضافية يمكن توظيفها لتعزيز تحليلاته واستنتاجاته، كالخبرة في مجال الحاسب الإلكتروني ورسم الخرائط والمخططات الخاصة بالموقف، وشرح التفاصيل التي تريدها الجزيرة، فإن ذلك سيكون بصمة خاصة، يضيفها المحلل إلى رصيده.

أخيراً، أن يقنع المحلل في نهاية المقابلة بمبلغ عشرة آلاف دولار، ولا يطلب زيادة على هذا المبلغ المتواضع”.

في الختام نقول: هذا هو حال المحللين الاستراتيجيين في قناة الجزيرة وأخواتها، وهذه مواصفاتهم. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تستضيف قناة ”الرأي والرأي الآخر” وأخواتها محللين يملكون رؤى تختلف عما هو مطلوب قطرياً؟!

الجواب في غاية السهولة: لأن ذلك لا يخدم السياسة المشبوهة للقناة، ولا يدعم إستراتيجيتها الموضوعة أمريكياً وصهيونياً لتدمير عناصر القوة والمنعة والصمود لدى الأمة العربية، ويتعارض مع الجهود المبذولة لتحقيق أهداف الأعداء، ممثلين بأمريكا والكيان الصهيوني، الطامحين في تجزئة الأمة وإضعافها، ووأد كل أمل للشعب العربي بتحقيق المنعة، وبناء القوة الذاتية، التي تعيد للعرب مجدهم الغابر، الذي كان على الدوام يضيء العالم بنور العلم، ورسوخ الحقيقة.

 

الهوية الثقافية العربيّة وبركان تكنولوجيا الإعلام…؟ بقلم: مصطفى قطبي

 

من أرشيف رؤية

إنّ الفكرة القائلة بأنّ تكنولوجيات الإعلام تجعل أمر تجاوز المكان ممكناً، كانت المحور الأساسي للدراسات التي سعت إلى كشف العلاقات القائمة ما بين الإعلام والهويات الوطنية. ويشير الدارسون إلى أنّ الصحف، والمجلات، والأفلام، والراديو، والتلفزيون كانت جميعها مسئولة عن جلب وجذب وجمع الكثير من الجماهير المتعددة والمتفرقة والمتباعدة، بحكم المكان والجغرافيا واللغة والعرق والثقافة والدين. وذلك عن طريق إرسال ثقافة عامة لكل شرائح المجتمع وفئاته ضمن حدود الدولة ـ الوطن، الإعلام يزيل الفروقات والاختلافات التي تجعل الثقافات بعيدة عن بعضها الآخر.

 

إن تعايشت الثقافات المختلفة (ودائما بطريقة غير سهلة) تحت نظام حكم سياسي، أنشئ من قبل الدولة ـ الوطن، فإنّ الإعلام يخيط ثقافة وطنية مهيمنة من الأجزاء الثقافية المتفرقة للوطن، ويصيغ هوية ثقافية جامعة، أو هكذا يتوقع منه، حفاظاً على سيادة الدولة واستقرارها وأمنها. وذلك أنّ عملية تشكيل الأوطان هي جزء من الإجراءات العامة المتعلقة بالتكتيل الثقافي وجمهرته، وجعله عنواناً لتجميع الجماهير ضمن الدولة ـ الوطن حول ثقافة موحّدة، وهذا ما يؤديه الإعلام.

 

إنّ المدّة التي يمكن إطلاق عليها الوطنية الموجّهة من قبل الإعلام، كانت مدّة نماء وتطور الإعلام الجماهيري، ومن تمّ أدّت إلى إيجاد جمهور من المستمعين والقراء والمشاهدين ليس فقط جماهيرياً بل أيضاً وطنياً. هذه النظرة يشترك فيها الكثير من الدراسات خارج نطاق الاتصالات والإعلام.

 

ترى النظرية المختلطة للاتصال أن سعي العالم الثالث إلى إيجاد نوع من التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع دفعه إلى تبني النظامين الرأسمالي والاشتراكي. ولكن التوازن بين الرأسمالية والاشتراكية لم يمض على وتيرة واحدة في العالم العربي، بل لقد أصبحت تجارب هذا العالم تحتوي على خليط من النظم السياسية والاتصالية والاجتماعية والمتضاربة في أكثر الأحيان.

 

وهذا ما ينعكس على طبيعة الولاء للهوية الوطنية في كل قطر عربي، ويرسم صورة عن ماهية الهوية العربية، وإجراءات تشكيلها وإعادة تشكّلها. وهناك شكوك مشابهة يمكن طرحها حول ما إذا كان الإعلام المتخطي للحدود القومية، وما يتبعه من محتويات وتكنولوجيا وصناعات إعلامية، سيؤدي إلى تفريخ ثقافات متخطية للحدود الوطنية، وثقافات ما بعد الوطنية.

 

هناك الكثير من المواقف التي استنتجت أن عولمة الإعلام تعيد رسم الحدود الثقافية المحددّة وطنياً، وتضعف من الخرائط الثقافية والخطط المرسومة وطنياً ومحلياً، أو حتى تجعلها عديمة الفائدة أحياناً.

 

إن العولمة كما هو معروف عنها ضغط للزمان، وتحطيم للمكان، وتقليص للمسافات، والتخطي عبر الحدود القومية، ترى وكأنها الصفة الرئيسية للعالم الراهن. وبطريقة ما، فإن عولمة الإعلام الإلكتروني أدى إلى تمدّد أساسي للإجراءات الأولى القائمة على احتواء المسافات والأمكنة الجغرافية، لتطويعها وجعل أمر التحكم فيها ممكناً وسهلاً.

 

وإن الإجراءات الحالية لعولمة الإعلام الإلكتروني تقوم على الأسس نفسها، وتصل إلى النتائج نفسها، وهو تقديم أكبر قدر ممكن من الجماعات الثقافية العالمية على حساب تلك المحلية. إن تكنولوجيا الإعلام الحديثة قادرة على أن تفصل المكان عن الهوية، وتقفز فوق الحدود الثقافية والسياسية وتزيد من ضعف الشعور بالانتماء المرتبط بالمحلي والوطني، وتعمل على تقويضه وتنسج هويات غير متعلقة بالحيز المكاني، وتقلل من شعور الانتماء إليه.

 

فالتحولات التكنولوجية قد غيرت جذرياً حدود المكان وما يتعلق به من قضايا اجتماعية وظواهر ونظم. ولقد أثار النقطة هذه التيار التكنوـ المتشدد، حيث إن الجماعات المنفصلة عن بعضها الآخر أساساً بواسطة المكان تميل إلى إنشاء تجمعات وجماعات تطوير روابط اجتماعية تجمع فيما بينها أبعد من المحلي والوطني، وذلك إذا تواصلت فيما بينها تكنولوجياً، واستهلكت وتعرضت للرسائل الإعلامية نفسها.

 

إن ضغط عاملي الزمان والمكان يؤدي إلى إنشاء وعي جديد، وحينها تنفصل الحدود عن الهوية، ولا يعودان متحالفين.

 

بالنسبة لتيار ما بعد الحداثة، فإن الأمر المحيّر بالنسبة للوطنية ـ استحالة حصرها وشبكها ضمن نطاق الحدود الجغرافية ـ يتجذر من الحقيقة أن الإعلام قد قلّل من شأن عنصر المكان كوعاء ومحتوى للهويات الوطنية. فاستمرار هويات الشتات غير المحصورة بالحدود الوطنية قدمت الدليل الواضح والملموس على أنه في نطاق العولمة، فإن الإعلام العالمي يتجاوز تعريف الهويات، ونظم الحياة التي تتجاوز حدود الدولة والهويات الوطنية.

 

إن الهويات المشكلة بعناية، والمصوغة حسب قوالب الدولة والمدمجة بعناية كانت موجودة في الماضي، وكانت حالات تاريخية غير سوية، وهي نتاج ورمز من رموز ونتاجات الحداثة. وهذه الهويات في طريقها إلى الزوال نتيجة التحولات الثقافية والإعلامية.

 

إن رحيل الحداثة وحلول التجزئية الثقافية يجعل من المستحيل تحقيق الآمال بإقامة ثقافات وطنيّة موحدة. والتناغم الثقافي تقمّص الواقعية المتكاملة للحداثة وهذا المشروع بات تحقيقه مستحيلاً نتيجة التدفق المتعدد والمتواصل للمعلومات، والتي تمر عبر الحدود الوطنية والصعوبات الحاصلة لجعل الحدود الثقافية مغلقة بإحكام.

 

فسيناريو نهاية العصر من عمليات التشتيت وديناميكيات الإبعاد عن المركز تشير إلى أزمة ثقافة الحداثة وتعبّر عن نهايتها، والتي كانت الوطنية إحدى نماذجها ونتاجاتها. فالمفهوم الحداثي للجماعات والتجمعات الوطنية يفهم ككل ثقافي متكامل، والذي يستمر ويبقى على مرّ الزمن ويتحدى الخصائص المتغيرة دوماً، والسريعة الزوال للثقافات الوطنية. بالمقارنة مع الإمبريالية الثقافية، فإن الإستنتاج هو أنه لا يوجد هناك توحّد ثقافي حاصل من الوجود العالمي للإعلام الغربي، مهما كان نوعه، أو أي نوع من التشابه الثقافي. أما تيار ما بعد الحداثة فإنه يقيّم بإيجابية وتفاؤلية التعدّدية والتجزئية للهويات.

 

وبعيداً عن الاختلافات النظرية ما بين ما بعد الحداثة وجدالات الإمبريالية الثقافية، فإنهما معاً يضعان في المقدمة الدور الأساسي لتكنولوجيا الإعلام في صنع الحدود الثقافية. وهما بهذا يغلقان على الجدالات القائمة حول تكنولوجيا الإعلام وأثرها في التنميات الثقافية.

 

وعن طريق دمج سهولة الوصول إلى المعلومات وإتاحة الإعلام واستمرارية التعرض له مع الهوية، وآثار ذلك فيها وفي تشكّلها، نصل إلى استنتاج قوي حول الآثار الثقافية الحاصلة من التكنولوجيا:

 

إن التوزيع الوطني والعالمي لتكنولوجيا الإعلام وتوسّعه وازدياد استهلاكه، له نتائج مؤثرة في تشكّل الهوية للثقافات الوطنية والعالمية. إن تقدم تكنولوجيا الإعلام يسهّل نشوء وقيام وعي جديد، أي التعرف على روابط عامة تبلورت في هويات وطنية ومتخطية للحدود الوطنية. فالإعلام الاتصالي يقدّم وعياً حول الأماكن البعيدة والعوالم الشاسعة، ومن ثمّ يؤدي إلى ولادة وعي ثقافي ومعرفة ثقافية جديدة.

 

إن مشكلة أساسية للاتجاهات القائمة على التكنولوجيا والمتعلقة بصنع الحدود الثقافية هي: معادلة الإتاحة الإعلامية، والتعرض للإعلام، مع الأخذ بالحسبان المشاعر المشتركة للتجمعات والجماعات الثقافية. ذلك أن الوعي بالأحداث الحاصلة بعيداً  والأماكن البعيدة والثقافات المختلفة، والذي يصبح سهلاً بواسطة التعرض للإعلام، لا يعني بالضرورة إقامة التجمع والمساهمة في تكوينه، ولا تتم ترجمته فوراً إلى روابط للوحدة داخل التجمع، أو لصنع الهوية الوطنية أو المتخطية للحدود الوطنية.

 

إن الإشكال هذا نابع من الخلط ما بين الوعي والهوية لاستيعاب وامتصاص مجموعة من جمهور الإعلام مجهّز بالتكنولوجيا، مع مجموعة أخرى تشترك بحس التجمع الثقافي. وقد يشاركه الجمهور/ المستمعون/ القراء/ المشاهدون مع غيرهم، بعيدين عنهم، عندما يتعرضون معاً للإرسال الإعلامي، وللأحداث المرسلة إليهم عن طريق الإعلام، وينمّون وعياً، وأن آلافاً من المشاهدين غيرهم، أو حتى ملايين هم يشاهدون الصور ذاتها، والبث ذاته، ويتعرضون للإرسال عينه، أو يقرؤون الصحيفة ذاتها، وهم أبعد من محيطهم المباشر، هذا الوعي بجمعية التأثير، ووحدانية الإرسال أو الإعلام، يجعلهم يشعرون بالانتماء وينمي عندهم الحس بالهوية. إلا أن تشكّل الهوية لا يمكن عزوه إلى هذا الوعي فقط.

 

إن العلاقة ما بين الإعلام والهوية والمجال، تحتاج إلى أن توضع ضمن مجال البناء الثقافي، جاعلة التكنولوجيا جزءاً من الإجراء الهادف إلى بناء المجموعة عوضاً عن العامل الدافع ـ التعويذة التي تفتح أشكالاً جديدة من الوعي وتحديد الهوية. لذلك فالإعلام قد يلعب دوراً حيوياً، ولكنه يكاد يكون الآلة التي تعمل على صنع الروابط العامة.

 

فاللغة المشتركة والماضي المشترك والدين الواحد، والتقاليد المشتركة، هي من أهم العناصر المساعدة للمجموعات والجماعات على الوجود والاستمرار والاستقرار وهي من أهم ظواهر الوحدة الوطنية والهوية الوطنية، والهويات الثقافية الجامعة. إلا أن الأسئلة الآتية تثير بعض الإشكاليات المتعلقة بالإعلام والهوية.

 

هل التكامل الاقتصادي مترافقاً مع الإعلام وما يحتويه من الأخبار والصور المنتجة والموزعة إقليمياً يؤدي إلى وطنية إقليمية؟

 

هل إن إشراك الناس معاً في تجمعات متخيّلة وذلك من خلال الاستهلاك اليومي للإعلام، يغذّي وعياً جديداً؟

 

هل لنا أن نتوقع العولمة الاقتصادية والعولمة الإعلامية بتغيير جذري لمركزية المكان في تشكيل الهويات في المجتمعات والمجموعات البشرية؟

 

حتى ومع وجود الخلفية المشتركة، فإنّ التكامل الإقليمي النامي والمغذّي بواسطة السياسات الاقتصادية وتطور الإعلام، قد لا يكون ذلك كافياً لإنتاج هوية متخطية للحدود الوطنية تستقطب العواطف الوطنية والاختلافات. فإنّه يفترض ألاّ يتوقّع الكثير من طاقات الإعلام المرئي والمسموع في التأثير في الهويّة في المحيط المتخطّي للحدود الوطنية.

 

إنّ التأكيد على أنّ وجود الإعلام المتخطّي للحدود الثقافية يقلّل من تعقيد مسألة تشكّل الهوية، ويحوّل قضية تشكّل الثقافات الوطنية والعالمية إلى سؤال إعلامي.

 

وإذا أخذنا قضية الهوية، فيجب دراسة كيف استطاع المواطنون التعرف على الروابط الثقافية والمحافظة عليها. والناحية الأساسية هنا، هو تأسيس الهويات ضمن العلاقات والاتصالات الإنسانية والاجتماعية، وليس خارجها.

 

فالنشاطات التواصلية تؤلف فيما بين المشتركين فيها والظرف الذي يعتقدون أنّه سائد فيما بينهم. وبناء على هذا، فإنّ الهويّات الوطنية تتطلب ـ كما الهويات المتخطيّة للحدود الوطنية ـ عملا تواصلياً، والذي يفهم على أساس أنّه عمل تأسيسي وتكويني. وهذا يختلف عندما نحدّد مفهوم الاتصال على أنّه معلومات، وهو تحديد يشير إلى نظرات مقنّنة وموّحدة، ترى أنّ نشوء الثقافات الوطنية والعالمية يحصل عندما تبث وسائل الإعلام المعلومات وتقيم النقاشات والحوارات مع الأشخاص كأعضاء من ضمن المجموعة الثقافية.

 

وبناء على قوّة الوطنية أو ضعفها، وبناء على الأدبيّات الكبيرة التي توثق جهود المؤسسات القديمة لتمتين روابط المجموعات الوطنية، فإنّه يصبح واضحاً أنّ دور الاتصال الحيوي والهام هو كمؤسّس ومكوّن أكثر من كونه فقط ممارسات معلوماتية، وهذا الذي يؤثر في الهويّات الوطنية. ويبدو أنّ الأمر هذا صعب التطبيق على حالة الهويات المتخطيّة للحدود الوطنية.

 

إنّ عولمة الاتصال الجماهيري مترافقاً مع توسّع الأسواق العالمية ضخّم وكبّر التوزيع العالمي للمعلومات. فمعرفة تكنولوجيا المعلومات والإعلام ومؤسساتها تستطيع الوصول إلى أبعد من المحلّي أمر مهم، ولكنه ليس كافياً لحساب كيف يمكن للهويّات العالمية وما بعد الوطنية أن تنشأ.

 

إنّ الإعلام وتكنولوجيا المعلومات تربط المسافات وتردم الهوّة الفاصلة بينها، وتغذي نموّ التآلف بين المجموعة، وتساعد على نمو نوع جديد من الوعي، ولكن تشكيل الهوية يتطلب فوق هذا، إجراء معقداً للتشكّل الثقافي. ومن تمّ فإنّ تفسيراً حول الاتصالات ذات التوجهات الوسائطية كجزء من ديناميكيات ثقافية وسياسية أوسع يجب أن يدرس ويؤخذ في الحسبان عوضاً عن أن ترى الهويّات الثقافية كناتج فقط من التطورات الإعلامية.

 

فالتكنولوجيا الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام إن لم يحكمها عقل متطور، تصبح عديمة الجدوى. فإننا نلاحظ مثلا: أن التقنيات المستعملة لدى بعض البلدان العربية هي من أحدث ما هو متوافر في أسواق الدول الصناعية، والعرب من أكثر المستهلكين لها في العالم، حتى غدت بعض المحطات الإذاعية والتلفزيونية العربية مَعارض لأحدث وأضخم ما هو متوافر في العالم.

 

ويبدو أننا نحتاج إلى مفهوم موسع للمواطنة يشمل كيف يقوم المواطنون بتنمية المشاعر بالعضوية السياسية، ويقومون بتطوير هويّاتهم الوطنية المتراكمة والمتسرّبة في جذورهم تاريخياً، أبعد من السياسات المنظمة.

 

فالمواطنة لا يجب ألاّ تحصر فقط ضمن النموذج الكلاسيكي من الارتباط بالروابط السياسية والهادفة إلى التأثير في سياسات الدولة، إن مفهوماً معدّلا عن المواطنة يجب أن يأخذ في الحسبان أيضاً، كيف ينمّي الناس الروابط الثقافية في المجتمعات والجماعات المحلية والوطنية من خلال التفاعلات اليومية، وكيف يطوّر المواطنون عواطف الانتماء للمجتمعات السياسية من خلال الاشتراك في مجموعة من شبكات الاتصال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

 

فحتى يكون المرء مواطناًً، فإن ذلك لا يرتبط مباشرة فقط بالحقوق التي أعطته إياها الدولة، التي ولد ضمن حدودها، ولكن يرتبط أيضاً بالممارسات الاجتماعية والثقافية والسياسية والتي تعطي حساً بالانتماء، وتجعل من أولئك الذين يشتركون في لغةٍ واحدة ونظم متشابهة من التنظيم ومن إشباع حاجاتهم، يشعرون بالتميّز من غيرهم من المجتمعات.

 

وبشكل عام، فإنّ عولمة الإعلام، تؤدّي بأشكال الروابط الاجتماعية المحلية والخبرات الوطنية إلى الاختناق والاضمحلال، كما أنّها في الوقت نفسه لا تؤدي إلى ترسيخ وتمتين الثقافات المتخطية للحدود الوطنية.

 

إنّ فكرة أنّ الفضاءات والأماكن لا توجد في المجرد، ولكن تمّ بناؤها ثقافياً، يساعد في الحدّ من الادعاءات القائلة بأنّ الهويات الوطنية ماتت وذهبت أشلاء تذروها الرياح نتيجة العولمة واللامركزية المكانية الظاهرة في الخبرات الإنسانية. ويبدو أنّنا نسرع في الاستنتاج أنّ ضغط الزمان والمكان هو من خبرات ما بعد الحداثة.

 

إنّ أهمية المكان في إجراءات بناء الوطن، أو في نشوء الهويات المتخطية للحدود الوطنية لا يمكن التقليل من شأنه: فالمكان أو الفضاء ليس مفهوماً جغرافياً فقط، ولكنه يبنى من خلال عملية صنع الحدود الثقافية. أكثر من هذا، فإنّ استمرارية تعريف الأوطان المعاصرة في علاقتها مع الأوطان الأخرى المجاورة، تقف حاجزاً في وجه الهويّات المتخطية للحدود الوطنية، كما أنّ استمرارية الهويات الوطنية عن طريق الإلغاء للأوطان الأخرى يجعل من الصعوبة تخيّل احتمال أن تتكامل تلك الأوطان مع بعضها الآخر، كجزء من مجتمعات إقليمية أو حتى محلية.

 

فالسؤال هو: على أيّة أسس يمكن للمجتمعات المحلية أو الإقليمية أو العالمية أن تبنى عندما تقوم الأوطان ليس فقط بالمقاومة لتبقى على قيد الحياة، وحتى لا تزول، بل لتبقى معارضة سلبياً للأوطان الأخرى؟ أي بكلمات أخرى، هل لا تقوم الأوطان وتبقى إلاً بالمجاهدة والصمود؟ وهل على الثقافات كي تستمر وتزدهر أن تجابه ثقافات أخرى وتصمد؟ وهل لازال مبدأ القوة هو المعين الأساس للبقاء؟ وماذا عند ذلك عن بناء وتشكيل الهويات الوطنية؟.

 

إنّ عملية تعزيز المجتمعات الوطنية عن طريق الشعور بالخطر من المجتمعات الأخرى، وطموحاتها، يؤدي إلى إبعادها عن بعضها الآخر، وإلى الإساءة إلى بعضها الآخر، وإلى التقليل من احترام الإنسان للآخر ماضياً وحاضراً. ويبدو هذا من الخلافات على الحدود، وإعادة رسمها وتحديدها مرات ومرات.

 

ولا يبدو أنّه يوجد بديل مساوٍ لنموذج بناء الوطن، والذي يستطيع تشكيل الهويات الوطنية بكفاءة وفعالية. فإن بنيت الحدود الثقافية بناء على الاختلاف، فمن ذا الذي يشمل أو يعزل في الهويات الإقليمية أو العالمية؟ وضد من يمكن أن تصوّر هوية وطن ما؟ وبناء على أي فروقات مميزة يمكن أن تبنى هوية ثقافية ما؟ ومن أين ننشئ ثقافة عامة متخطية للحدود الوطنية؟ وما الذكريات التاريخية والطقوس، والحياة المشتركة التي يجب أن تقام لإقامة الهوية الوطنية؟ وكيف يمكن لنا صياغة سياسات العزل والضم، سياسة ألـ ” نحن ” وألـ ”هم” وما لنا ”لنا” وما لهم ”لهم”؟ وما الخطوات اللازمة للمرور والوصول إلى المجتمعات المتخطيّة للحدود الوطنية؟

 

فالطاقات التكنولوجية المتفجرة لا تؤدّي بشكل آلي إلى إنشاء أشكال جديدة من الوعي والهوية. فوجود فضاء عالمي وعام إعلامي ليس مترادفاً مع الاهتمامات والثقافات والهويات المشتركة.

 

إنّ احتمال المشاركة الحوارية والرمزية بين الأوطان والشعوب والجماعات تبدو مجمعة وغير عملية، في عالم معولم يعتمد على المشاركة أكبر من المواطنة ”المنتقاة” و ”المصفاة” بواسطة التطورات المحلية والوطنية. والانفجار الواسع في تكنولوجيا المعلومات والإعلام، وفي عالم ينقسم إلى قسمين: مفعم بالتكنولوجيا ومتخم بها وآخر محروم منها.

 

إنّ تكنولوجيا الإعلام تمدّ الجسور عبر المسافات، وترمّم الفراغات فيها، وتسهم في إيجاد وعي جديد، ولكن عملية تشكيل الهوية تستلزم فوق هذا إجراءً أكثر تعقيداً عن طريقه يتم تحريك الجماهير وتكاملها، وبذلك توجد الهويات وتستمر، لكنها لا تمحى ولا تستأصل، ولا تجعل من المكان ذا أهمية في عملية تشكيل وتفسير الهويات الوطنية والمحلية، إلاّ أنّ الحاجة ماسة إلى دراسات لتفسير وتحليل كيف أنّ الإجراءات الثقافية والسياسية، كأعمال تواصلية واتصالية تؤسّس للهويات، وتوجد الأحاسيس المتداخلة حول المكان والانتماء العامّ المحلي والعالمي للهوية الثقافية والوطنية.

 

إلى متى يستمرّ الجفاء والعداء بين الجارين المغرب والجزائر…؟   بقلم: مصطفى قطبي

 

من أرشيف رؤية

أكتب هذا المقال للتاريخ، ليس خوفًاً ووَجَلا من حساب على صمتٍ نرفض قبوله، بل ليكون رسالة نرسلها من حاضرنا هذا للمستقبل، ليقرأها من يقرأها في لحظة مستقبلية، سواء أكانت تلك اللحظة هي الساعة القادمة أو بعد يومين، أو بعد قرن أو دهر من الزمان، وليستنتج ذلك القارئ مرّة أخرى أن التاريخ المغربي والجزائري لم يمت، لأن روح الإنسان المغربي والجزائري لم تمت، بل إنها تتشبث بإرادتها وبقدرتها على صنع هذا التاريخ.

 

أشعر أنني بالكتابة للتاريخ كما أفعل الآن مثل من يبعث رسالة إلى المخلوقات المجهولة في الكون الفسيح عن أن هناك كائنًاً إسمه الإنسان يشاركهم الوجود في الكون الفسيح: هنا أنا أبعث رسالة للمستقبل أنّ الشعب المغربي والجزائري شعبين حيينّ كريمين، يَقبَلون الخير ويُقبِلون عليه ويرفضون الشر والفساد ويعاقبون عليه، وأنهم بخير لأنهم أحياء قادرون على حمل الأمانة التي تنوء عن حملها الجبال، وهي إرادة التغيير.

 

لابد أن نعترف أنّ الأزمات التي تندلع بين الأمم والشعوب لا تأتي فجأة من السماء، ولم تنبت من الأرض كالطفيليات دفعة واحدة، وإنما هي نتيجة أفعال وأعمال وأحداث تاريخية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو جغرافية.

 

وأصول الأزمة في العلاقات المغربية الجزائرية ميداناً يحتاج إلى شجاعة كبيرة وموضوعية عالية، لكثرة الألغام والقنابل الموقوتة فيه. فالعلاقات المغربية الجزائرية ساءت كثيرا مع مجيء الاستعمار، وازدادت سوءا مع رحيله، ولم يستطع السياسيون في البلدين التحرر من بقايا الاستعمار ومشاكله، ولا تجاوز الأزمة، والعودة إلى أصول الأزمة هو عين الصواب لفهم أي مشكلة، فكيف إذا كانت المشكلة عويصة تولدت عنها مشاكل أخرى مثل العلاقات بين المغرب والجزائر.

 

ويمكن اعتبار الأزمة المغربية الجزائرية النموذج الأمثل في هذا الباب، إذ تتفاعل العوامل الجغرافية والتاريخية والسياسية وتتداخل وتتشابك وتتقاطع كلها خلال مسافات زمنية تتباعد وتتقارب، اندلعت خلالها أزمة تلو أخرى من حرب إيسلي إلى حرب الرمال (1844 ـ 1963) وما زالت تداعياتها حاضرة وبكل قوة في مسيرة العلاقات بين الشعبين الشقيقين.

 

وإذا كانت العلاقات الدولية تطبعها صراعات خاصة بين بلدان الجوار التي تتطاحن على مشاكل الحدود، فالمغرب والجزائر لم تخرجا عن هذه القاعدة. فالعلاقات بين المغرب والجزائر مرتبطة بقضايا تاريخية وأخرى تتعلق بتدبير الجوار أو في إطار المنافسة واختلاف التصور حول بعض القضايا الهامة التي تعرفها المنطقة كالإرهاب والهجرة غير الشرعية وغير ذلك.

 

صحيح أن البلدين الشقيقين بينهما تاريخ طويل من الجفاء والعداء، لكن توتير العلاقات إعلامياً، في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية التي تفرض التنسيق والتعاون في جميع المجالات، يأتي لأسباب غير إعلامية تروم صب الزيت على نيران العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين.

 

وتظهر تجليات التأثير السالب للإعلام في السياسات الخارجية، التي بات من الواضح أنها تدور في أفلاك المنابر الإعلامية للبلدين الجارين، التي لم تستطع الخروج من ذهنية العداء والعداء المضاد، وتتعامل من منطلق فرضية ثابتة تكاد تكون صنماً إعلامياً، تفيد أن المغرب والجزائر لا يمكن أن يكونا إلا في وضع العداء والصدام.

 

وأصبح مؤكدا أن المغرب والجزائر الذين يجمعهما الكثير ويؤهلهما إلى علاقات أكثر عمقاً وثماراً على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وان التعاون بينهما ممكن وبشكل سريع إذا تركتهما لوبيات الإعلام ولم توتر علاقاتهما الثنائية، بشكل يكاد يصبح خطا تحريرياً ثابتاً.

 

وهنا لا تجد من يقول أن على المغرب والجزائر الاستفادة من تاريخ الدول الغربية التي تتحد وتتكاثف اقتصادياً وأمنياً دون اكتراث لملفات التاريخ التي تلم العديد من الحروب الكونية والأحقاد التاريخية بين القوى الغربية.

ومع كل هذا وذاك، فلابد أن قطار المغرب والجزائر سيتلمس سكة انطلاقة جديدة تصالح البلدين الشقيقين، مع مشروع تنتظر تحقيقه منذ القدم، بعد أن تقاسمت ذكرى المقاومة الجماعية للاستعمار لكنها فشلت في ربح رهان الوحدة والتنمية بعد تأسيس كياناتها المستقلة.

لكن قبل كل شيء، فلا بد من قراءة تحليلية ونقدية متحررة من رواسب الماضي ونزعة التعالي، للأحداث التاريخية التي أدت إلى حدوث هذه الأزمات لتستفيد منها أجيال الحاضر الموكل إليها بناء مستقبل الشعبين.

ويرى المراقبون أن نفخ الروح في جسد دول المغرب والجزائر الشقيقين، لم يعد اختياراً، بل ضرورة حتمية تقتضيها تحولات السياق الإقليمي والدولي. فالصمود في زمن الأزمة البنيوية للاقتصاد العالمي ومواجهة تداعيات الأوضاع الأمنية والسياسية الانتقالية في مرحلة ما بعد الربيع العربي، ولاسيما أخطار الانهيار الأمني في منطقة الساحل والصحراء بات رهناً بإرساء إطار تفاوضي وتكاملي وتضامني بين المغرب والجزائر.

فالبلدين تواجههما مشاكل وقضايا موحدة ومشتركة، أليس تاريخهما ضاربا في أعماق الزمن؟ ولا يمكن حل هذه القضايا والمشاكل بدون التعاون والتآزر، وأي تأجيل لا يمكن إلا أن يجعلها تتفاقم مع الزمان، على رأس هذه القضايا: قضية التنمية البشرية التي تعطلت، وقضايا التطرف الديني والهجرة السرية، باعتبارهما مشكلتين طارئتين، والأمازيغية بصفتها قضية ثقافية واجتماعية. إنها قضايا جوهرية، ولا تستأهل أي تأخير، وليس بخوض الحروب الإعلامية… يمكن مواجهتها. 

 

وكل ما يتمناه كل مغربي وجزائري شريف وعاقل ومحب لوطنه ولشعبه، أن تطوى الصفحات الماضية السوداء وتفتح صفحات جديدة بيضاء. لكن متى سيتحقق ذلك؟

 

سيتحقق عندما يتحمل المفكرون والمؤرخون والمثقفون النزهاء، من مغاربة وجزائريين قبل غيرهم من السياسيين والعسكريين، ورجال المال والأعمال مسؤوليتهم التاريخية والوطنية، لردم الهوة التي تصطنعها السياسة عندما لا توظف لخدمة الأجيال القادمة، لابد من  عقد حوارات فكرية وتاريخية مشتركة لاستخلاص الدروس والعبر من هذه الأزمات التي عطلت مسيرة البلدين الإنمائية، وأضرت بالمصالح الحيوية للشعبين.

 

وعموماً، فإن الشعبين المغربي والجزائري تربطهما أواصر لا يمكن للملف السياسي أن يطمسها بالمرة، فهي عميقة ومتجذرة في الثقافة والقرابة، ولا أدل على ذلك من وجود تعايش مستمر خصوصاً بالمناطق الحدودية رغم أن الحدود مغلقة، ما يفسره على سبيل المثال مستوى الاقتصاد الموازي بهذه المناطق.

 

أمرَكة الإسلام السيّاسي… وشيطنة الحركات الإسلامية…؟   بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

تتعدد التصورات حول مستقبل الحراك الجماهيري العربي، بعد أن ركبت موجة هذا الحراك دول الغرب، لتغيير منطلقاته الديمقراطية في مواجهة الاستبداد والبؤس الاقتصادي والفساد المالي، إلى توظيفات وتحالفات خارجية نلحظها من خلال مجريات الأحداث وما رافقها من حملات إعلامية تضليلية متنوعة ومتناقضة دبرها الغرب للتلاعب بالمصير العربي، مجنداً بعض القوى على الساحة العربية، وفي طليعتها قوى الإسلام السياسي المتحالف معه.

لقد تبلورت ما يمكن أن توصف بصفقة القرن، وهو اللقاء بين الولايات المتحدة الأميركية وأوساط إسلامية باتت تعرف بالإسلام الأميركي، هذه الصفقة التي تتجسد في أكثر من مظهر على أرض الواقع، سواء من خلال سياسة القوى الإسلامية التي تسلمت السلطة في تونس أو ليبيا أو باتت مسيطرة في مصر والمغرب أو من خلال ما تنشره العديد من المراكز الإلكترونية والفضائيات الموالية للأميركيين وللإسلام الأميركي التي تروج لهذا اللقاء وتتحدث عما تسميه الديمقراطية، إضافة لما تبثه من برامج هابطة ثقافياً وأخلاقياً وفنياً.

فالتحالف الليبرالي الغربي مع الإسلام السياسي ليس بجديد، وإنما هو قديم وجذوره راسخة منذ بدايات القرن المنصرم، حيث وظفت تنظيمات إسلامية نفسها في خدمة المشروع الاستعماري البريطاني والفرنسي، الذي أوجد الكيان الصهيوني، وهي تعيد الكرة من جديد بعد أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية الوريث الشرعي للاستعمار الغربي برمته، وهذا لا يعني التغافل عما ألحقته الأنظمة التي رفعت شعارات القومية العربية من أذى للشعب العربي، نتيجة أنانياتها وتصرفاتها وممارساتها الديكتاتورية، المموهة بشعارات العروبة. ومع هذه الممارسات الخاطئة والمدانة، علينا ألا ننكر الثمن الباهظ الذي دفعته الحركات القومية العربية لتؤكد عبر تاريخها الحديث والمعاصر الهوية القومية، وخصوصية هذه الهوية في التلازم بين العروبة والإسلام، مما مكن المجتمع العربي من تعزيز وحدته القومية الديمقراطية، التي لابد مصطدمة مع الإسلام السياسي المصاب باللوثة الأمريكية الصهيونية، حتى يكون إخراج المجتمع العربي خارج دائرة التلاعب بمصيره من قبل من أصيبوا بشهوة السلطة، تحت أي شعار، وحتى لا يخرج الشعب العربي عن هويته وموقعه.

لقد نشأت الحركات الإسلامية في معظم الدول العربية في فترة الاستعمار الذي فرض سيطرته على الوطن العربي خلال الانتداب البريطاني والفرنسي عليه، وكان الهدف من نشوء هذه الحركات الحفاظ على الدين الإسلامي والعودة إلى الأصول، والخوف من انتشار هيمنة الفكر العلماني الذي كان الاحتلال يحاول فرضه على جميع المناحي العربية، ومن هنا فرضت هذه الجماعات نفسها على الساحة السياسية وعلى المستوى العالمي.

فنشأت في مصر حركة الإخوان المسلمين وتأسست نواتها الأولى في عام 1928م على يد الشيخ (حسن البنا) وتكونت أول هيئة تأسيسية للحركة عام 1941م وبهذا نشأت حركة إسلامية معاصرة هدفها تحكيم الكتاب والسنة وتطبيق شريعة الله في شتى مناحي الحياة، والوقوف بحزم أمام سياسة فصل الدين عن الدولة.

أما التيار الإسلامي في فلسطين، فله مسميات أخرى ترجع إلى ما قبل عام 1948م حيث تعتبر حماس نفسها امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقبل إعلان الحركة عن نفسها عام 1987م كانت تعمل على الساحة الفلسطينية تحت اسم (المرابطون على أرض الإسراء).
وأصدرت حماس بيانها الأول عام 1987م إبان الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في الفترة بين 1987م وحتى عام 1994م ثم صدر ميثاق الحركة في آب عام 1988م. إن حركة حماس ليست على خلاف مع اليهود لما يخالفونها به في العقيدة بل خلافها معهم لأنهم يحتلون فلسطين، ويرفضون حق عودة من هجروهم إبان بداية الاحتلال، وأن إسرائيل هي الملزمة أولاً بالاعتراف بحق الفلسطينيين بأرضهم وبحق العودة، وفي أواخر السبعينيات من القرن العشرين ظهرت في بعض الدول الإسلامية أيضاً مثل هذه الحركات منها طالبان في أفغانستان، وعلى إثر هذه الحركات ظهر تنظيم القاعدة.
أما في الطرف الآخر من العالم فقد نشأ ما يسمى (جبهة مكافحة الإرهاب) وتترأسه أميركا، وهذا الإرهاب في اعتقادها هو بحد ذاته متأصل بالإسلاميين، وهنا بدأت الحرب الشعواء على كل ما يمت للإسلام بصلة، وتم إنشاء قواعد عسكرية أميركية في دول عربية عدة متمركزة في مناطق إستراتيجية كالبحر الأحمر والخليج العربي، وكان تفجير برجي التجارة العالمية في أميركا يوم 11 أيلول عام 2011م التسويغ والذريعة لحملة أميركية أممية على خلفية تلك الأحداث حيث ربطت (عضوياً) بين الإسلام والإرهاب.

شنت واشنطن ومعها أوروبا حربها ضد جميع الأحزاب الإسلامية ومنها حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحماس في غزة، وتنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، وبحجة مكافحة الإرهاب، كونت ثقافة محاربة الإسلام والحركات الإسلامية حتى داخل الدول العربية، وكذلك كان احتلالها لأفغانستان والعراق جزءاً من خطة مكافحة الإرهاب، كما ساندت أميركا والغرب إسرائيل في حصارها المؤلم لغزة بهدف شل حركة حماس والقضاء عليها لأن الحركة في نظرها هي رأس الإرهاب.
ولكن بعد استلام الجماعات الإسلامية اليوم لمقاليد الحكم في مصر وتونس عن طريق الانتخابات، اعتبرت أميركا أن حزب الإخوان المسلمين في مصر هو جزء لا يتجزأ من دعائم النظم الدستورية، وسيكون له ثقل في الوجود الإقليمي، ولحماية عرابينها اليهود والصهاينة أسرعت أميركا، ووضعت أيديها بأيديهم، وهي من كانت تسمهم بالإرهاب، وتدفع المليارات لتحاربهم، وللحفاظ على ماء وجهها طلبت باستحياء من الجماعة الإسلامية في مصر أن تراعي حقوق المرأة، وكل هذا كرامة لعيون إسرائيل، ولتبقى مصر الدرع الحامي لإسرائيل، ولتمدها بالغاز الذي بيع لها سابقاً بأبخس الأثمان. وعلى ضوء ذلك أرسلت الخارجية الأميركية مبعوثها مساعد وزير الخارجية (وليم بيرنز) بعد شهور من الدراسات والتصريحات والأخذ والرد ليكتمل منظورها عن حركة الإخوان المسلمين في مصر، وهكذا تم اللقاء التاريخي بين عودة الإسلام وحزب الإخوان المسلمين هذا اللقاء المريب، وهنا لا يسعنا إلا التفكير أن أميركا التي استسلمت لمصالحها وسلمت لعدوها اللدود، فهل ستعطي الأمان والأمن لحركة حماس وتعترف بها كحركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي؟
الوقائع لا توحي بذلك فهي تزداد شراسة وإصراراً في توجيه الرأي العام وحثه على محاربة حركة حماس الإسلامية، بذريعة أنها تقاوم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لذلك تعتبرها جماعة دينية متطرفة إرهابية لا حق لها في الدفاع عن حقها المشروع، واعتبرت مقاومتها للاحتلال إرهاباً متشدداً يقضي على الأبرياء والمدنيين.

هذه هي سياسة الكيل بمكيالين، فعندما تصحو المصالح الأميركية في المنطقة فهي تتحالف مع ألد أعدائها، وعندما يصل الأمر لإسرائيل، فهي تعتبر الجماعة الإسلامية المقاومة لها إرهاباً، فأميركا المتشدقة بالديمقراطية العالمية، هي نفسها المساندة للاحتلال وقتل الأبرياء بحجة الحرب على الإرهاب.

فالأميركيون يفاوضون طالبان وإن كانوا يبولون علناً على جثثهم، وطالبان تبتسم للأميركي
طالما صار الوصول للسلطة مجدداً بضمانة أميركية… والأميركيون يريدون إقامة الصلوات على مدار اليوم في المساجد المصرية، طالما أن الإخوان هم من سيؤمون الصلاة… والأميركيون يريدون من القرضاوي المزيد من الفتاوى المضحكة التي تدعو للجهاد في دمشق للوصول الى المسجد الأموي، فيما نؤجل جهادنا من أجل المسجد الأقصى حتى يوم القيامة… والأميركيون فرحون بالغنوشي الذي صرخ  ”فلسطين لا تهمنا”  لأن المهم أن نقيم الصلاة في مواعيدها في تونس. والأميركيون مرتاحون للوجه السمح والمبتسم لمصطفى عبد الجليل الذي سيعزز النسل في ليبيا للتعويض عن آلاف القتلى بالسماح بتعدد الزوجات… والأميركيون مرتاحون لعمر البشير طالما رفع عصاه بالموافقة على تقسيم السودان، وتكريس شريعته الإسلامية الخاصة بالسودان رغم تأوهات حسن الترابي… والأميركيون مسرورون لأن إسماعيل هنية إستقبل إستقبال الأبطال في تركيا وتونس وإن كان لافتاً أن أي مسؤول مصري لم يستقبل الرجل الذي يبدو أنه لا يزال يفضل أن يكون خطيباً في أحد مساجد غزة… والأميركيون مرتاحون للخطاب الطائفي والمذهبي في لبنان ويرعون كل التحركات التي يشهدها شمال لبنان والوجوه الملتحية التي ترفع علم القاعدة في شوارع طرابلس وتصل الى شوارع صيدا، فيما الريال القطري صار سيد العملات.

إن التّيّار الديني (الأخواني) الذي برز بشكل لافت على السّطح منذ ما سمّي بالرّبيع العربي، والذي يجري الاشتغال عليه لتقديمه كبديل (جماهيري)!! يمتدّ على الرّقعة الوجدانيّة للناس، وعلى صفحة الأحداث، فهو يتقدّم عبر صناديق الاقتراع التي تحوّلت إلى فخّ للإيقاع، لا إلى إجراء يأتي بعد التّمهيد، والتأهيل، وهو ما يصرّ عليه الغرب، كصيغة يسير على خطاها، عارفاً بالنتيجة التي سيتمخّض عنها فرز الأصوات، بحكم عمله القائم على الحفر والنّخر.

إنّ الفكرة السّابقة تحرص على الإشارة إلى أنّ الشغل على ما هو سياسي له الأفضليّة، كمركب وكطريق، عند مَن نعني، فهذه الحركات الإسلامية تعمل منذ زمن لاستلام السلطة بهدف إقامة ”شرع اللّه” كما يعلنون، غير أنّ مسألة العلاقة بين الهدف والوسيلة هنا تعترضنا بقوّة، فهل من الشرعي والجائز أن نًُساير الصهاينة من أجل الوصول إلى سدّة الحكم؟!‏‏

هذا الذي نقوله ليس افتراضاً، وثمّة شيء منه ماثل على أرض الواقع، لأنّ كلّ صمت عن جرائم العدوّ، وكلّ تغييب لما يقيمه على الأرض، متابعاً إنجاز مشاريعه في تغيير معالم ما هو فلسطينيّ، وهو عمليّاً في مراحله الأخيرة من هذا المشروع… أيّ صمت، أو تجاهل، أو تغليب لما يجري هنا على ما يجري هناك، هو خدمة مقدَّمة لذلك العدوّ، الذي حين ننصرف عنه ولو لحظة واحدة فإنّنا بذلك نقدّم له وسائل وأدوات التّمكين، والتّجذّر، والاستمرار، ومن يتابع ما هي عليه الحركة، أو الحركات (الاخوانيّة) في الوطن العربي سيجد أنّهم بدؤوا بتقديم أوراق اعتمادهم للصهيونيّة، وللغرب الدّاعم لها، وحاميها الأكبر، حتى قبل أن يصلوا إلى مواقع السّلطة.

فقيادات (الأخوان) على اختلاف تسمياتها كانت، ومازالت تقيم في الغرب معزّزة، مكرَّمة، محميّة، وذلك بإسم حماية الديموقراطية، واحترامها، والغرب، على العموم، وكما نعرف فإنّه لا يقيم ملاجيء للمضطهَدين، وللباحثين عن الحريّة، فهو، في بنيته العمليّة والعقليّة غرب الربّح، والربا، وتأليه الذهب والمال، وما من عمل يتّجه إليه إن لم يجد فيه منفعة ربحيّة، ربويّة، والعمل على بعض السياسيّين ليس أقلّ استثماراً ماليّاً من العمل في آبار النّفط، ونعتقد أنّ ما حدث في ليبيا هو من أقرب الأدلّة وأصدقها على ما نقول.‏‏ ولكي لا يظلّ الكلام معلّقاً على مشجب التّحليل نذهب مباشرة إلى بعض الأقوال المتداولة بهذا الشأن:‏‏ برهان غليون رئيس مجلس اسطنبول يصرّح أنّه إذا وصل إلى السلطة في سوريّة فسوف يقطع علاقته بحزب اللّه، وبإيران، وبحماس، وسوف يستعيد الجولان سلماً!! وهو بشخصه، وبما يُراد له أن يمثّله الآن لا يتكلّم كفرد أكاديمي صاحب عدد من المؤلَّفات، لأنّ هذه المواصفات لا تؤهّل كلّ من يحملها إلى إطلاق التّصريحات، فهو يُطلقها بإسم معارضة ارتأت أن يكون هو رئيساً بما له من مسحة ليبراليّة، واختبأت، ليس كثيراً، وراءه كحركة أخوانيّة تشكّل عصب ذلك التّنظيم فهو يقدّم أوراق اعتماد الجميع لعواصم الغرب، ولتلّ أبيب بإسمه وموقعه، وبإسم الجماعات التي يتألّف منها مجلس إسطنبول الأردوغاني.‏‏

هذا الموقف من المفيد جدّاً ربطه بما صرّح به الشيخ القرضاوي مفتي الدّيار القطرائيليّة، رافعاً صوته من ليبيا الجريحة المدمّرة، معلناً بُشراه لعواصم الغرب التي لا تقوم لإسرائيل قائمة لولاها بأنّ الحركات الإسلاميّة التي حقّقت أغلبيّة في الانتخابات التي جرت في عدد من الأقطار العربيّة سوف تكون (عاقلة) مع الغرب ومع إسرائيل.‏‏

راشد الغنّوشي الذي تستمع إلى فهمه للإسلام، على ضوء تحوّلات العصر ومعطياته، أو تقرأ مقابلاته، أو كتبه، قد لا تختلف معه كثيراً فهماً، وتنظيراً، وأهدافاً كبرى، ولكنّه ما إن حقق حزبه في تونس أكثريّة انتخابيّة وتقلّد مقاليد الحكم، حتى بدأت تصدر عنه تصريحات ليست بعيدة عن تقديم أوراق الاعتماد لذلك الغرب، ولم يكن حسن التّرابي السّوداني أفضل حالاً.‏‏

أما في مصر، فأحد قادة (الأخوان) أعلن قبل أن تترسّم السلطة في مصر بأنّ جماعته يحترمون ”المعاهدات الموقّعة”، وهو يشير تخصيصاً بذلك إلى معاهدة كامب ديفيد.‏‏

إنّ الرّوحيّة التي يعمل عليها هؤلاء، في الحقل السياسي هي روح الدّهماء التي لا تقدر على التّفريق الحقّ، ولكنّها تنتصر انتصاراً جاهليّاً بحتاً، فتقتل، وتحرق، وتغتصب، وتمثّل بالجثث، وثمّة مَن يمدّها بالفتوى أنّ هذا هو (الجهاد)!! أمّا فلسطين، وتحريرها، وما يجري لها ولأهلها فهي مرفوعة على الرفّ، لا بل وثمّة الكثير من رسائل التّطمين بشأنها لقادة ذلك الكيان…‏‏ هي صيغة جاهليّة في الفهم والسّلوك والأهداف، ولا علاقة لها بالإسلام السّمح الذي عرفنا منه أنّ مَنْ قَتَلَها فكَأنّما قَتَلَ النّاسَ جميعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنّما أَحْيا النّاسَ جَميعاً، فأين هذا من ثقافة التّقطيع والتّمزيق والتّشويه المنتشرة من قندهار إلى الجزائر، إلى الصّومال، إلى العراق، إلى اليمن، إلى سوريّة؟!!‏‏ أؤكّد لو أنّ شيوخ وقادة هؤلاء كانوا يؤمنون بأنّهم مسؤولون ذات يوم، عمّا فعلوه، بين يد ربّ العالمين، لا ربّ هذه الطّائفة ولا تلك… لو كان عندهم ذرّة من الإيمان بذلك لكانوا في غير هذا الموقع...‏‏

فالشعارات ذات الطابع الديني الأخواني التي أيدتها قوى استعمارية، لا بل قامت بنفسها بانتقائها وتنسيقها وإرسالها عبر وسائلها المختلفة (الإعلامية والسياسية والثقافية والدينية التحريضية…) إلى فئات تتخذ من المساجد تحركاً لها مشكّلة غطاء لعمليات إرهابية مسلحة ما كانت ـ أي هذه الشعارات والتحركات ـ لتنجح لولا توفير الدعم المالي والوجيستيكي لها… وكانت قطر المأوى الحقيقي لكل حركات التطرف الديني، من القاعدة إلى حركة طالبان، وصولاً إلى الإخوان المسلمين، فكيف نفهم تلك المصالح السياسية لقطر مع الإخوان المسلمين؟.

يشكل تواجد الإخوان المسلمين في قطر أمراً لافتاً، ودلالات الوجود كثيرة، هذا التواجد الذي بدأ بعد مغادرة عقول من الإخوان المسلمين مصر إلى قطر، وكان أشهرها الشيخ يوسف القرضاوي حيث وجدوا في قطر أرضا خصبة للممارسة ونشر أفكارهم ”الإصلاحية”، المتسمة في نهاية المطاف بطابعها الإخواني، لذالك كانت المساعي القطرية لجمع الإخوان والأميركيين إلى طاولة واحدة ولأول مرة مثمرة، وبطبيعة الحال حكام قطر يلعبون على التناقضات بشكل كبير، فكان المشروع الأميركي لمصلحة الكيان الإسرائيلي، وبجهود قطرية، بدأ يخرج للنور ويتحقق عبر خطين متوازيين، الأول هو مشروع ”النهضة” يديره القطري الدكتور جاسم سلطان، وهو رجل محنك ملتزم بتعاليم الإخوان المسلمين ومطبق لها، الذي يرجع له الفضل باختراعه للخط القطري الإخواني الذي قد لا يصطدم مع خط الجماعة في سورية ومصر والأردن، والخط الثاني الذي تولته المهمة القطرية في المخطط ”الأميركي ـ الإسرائيلي” هو ”أكاديمية التغيير” عبر زوج ابنة الشيخ يوسف القرضاوي وهو منفذ مهم لما ينظر له ويضعه جاسم سلطان، من خطوط فكرية ومنهج للتغيير المراد أميركياً ولمصلحة الكيان الإسرائيلي.

ولا يمكن تجاهل أن القطريين سمحوا للإخوان باستخدام صحرائهم كالمخيمات الدعوية، ويجتذبون من أماكن عديدة أنصارهم للتدريب العسكري وللتعبئة الايدلوجية، لكنهم حين فهموا جيداً قوة الانترنت، قاموا بنصب مخيماتهم على شبكة الانترنت ومدوا خيوط شبكتهم عبرها. ولا يتجاهل ذلك التدريب أيضاً استعمال أدوات إعلامية معينة مثل، شبكة الجزيرة، وموقع إسلام أون لاين، وموقع الجزيرة توك، وقناة دليل الفضائية. ويستعمل الإخوان في تسهيل عملياتهم المالية بنك قطر الإسلامي حيث يتم تحويل الأموال لحساب بنكي لـ”أكاديمية التغيير” وهي التي تتولى تنظيم التدريب إدارياً، دون رقابة مالية على تلك التحويلات أو متابعتها.

استغلت قطر كونها الأكثر قرباً للشعوب العربية من تركيا من ناحية العرق، مستمدة نفوذها الافتراضي في العالم العربي من خلال إعلامها من تركيا، وكونها أكثر طواعية للأميركان من تركيا، فكان الشيخ القرضاوي الذي يحظى بقبول شعبي وإسلامي كبير في العالم العربي، بعد أن صدرته الجزيرة وامبراطوريات الإعلام كعالم وفقيه متنور ومعاصر، وقادر على وضع تشريعات فقهية تمهد الطريق أمام سيطرة الإخوان من قطر التي تباركها أميركا وترضي الكيان الإسرائيلي.
ويتبادر لذهن المتلقي كيف يمكن لقيادات الإخوان المسلمين أن يكونوا جزءاً من المشروع الأميركي وأن يعقدوا الصفقات مع أعداء تاريخيين للمسلمين والعرب، وتنطلق الإجابة ببساطة، أنه وضمن فكرة البراجماتية السياسية التي ينتهجها الإخوان فهم جزء من هذا السيرك السياسي، الذي بدأته قطر والتي عقدت صفقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، رغم أداء الجزيرة المناصر للفلسطينيين، وكما ناصرت تركيا ما تسمى الثورة السورية، وأباحت لنفسها قتل الأرمن والأكراد، والقاسم المشترك في كل ذلك ليس إلا ‘المصلحة” بعيداً عن كل مفاهيم الدين والإسلام وحتى السياسة. فالمتأسلمون الجدد منزعجون من أي حديث عن القومية العربية، والمقاومة العربية، ويربطون ما بين مفهوم القومية وهوية أنظمة عربية محددة، ويعتبرون ان هذه القومية فشلت وان البديل المنطقي هو الإسلام السياسي وفق المصطلحات الجديدة لمرحلة ما بعد المحافظين العرب الجدد الذين ظهروا على ساحة التشرذم العربي خلال السنوات العشر الماضية. أما خبزهم السياسي والأيديولوجي فهي الفتنة السنية ـ الشيعية التي تحدث عنها كيسينجر مراراً عام 1974، وترجمها المحافظون الجدد مع إحتلالهم للعراق.

ومع تنامي الميديا الجديدة التي يتقاسمها الوهابيون والليبراليون الجدد!… فالمتأسلمون الجدد ثقافتهم تقوم على تجذير صراع عرقي عربي ـ فارسي له أسس مذهبية متخلفة تسوقها عشرات الشاشات والمحطات والصحف بثقافة وهابية مشفوعة بالفتاوى والتشريعات التي أساسها الجنوح الى سلفية تشن حرباً لا هوادة فيها ضد الآخر.

فويل أمة فيها مثل هؤلاء، وويل لإسلام فيه هؤلاء، يسقطون من حسابهم القدس والأقصى… يحللون ويحرمون على هواهم… شيوخ الفتاوى طوع إرادتهم، القرضاوي أفتى بقتل الليبيين والسوريين: ”ومالوا إن يقتل القتلة ثلث السوريين أو نصفهم ” لترتاح إسرائيل وأمريكا، يقول الجنرال باراك: ”سقوط نظام الرئيس بشار الأسد يصب في خدمة إسرائيل، ويجعلها أكثر أمناً”.

لقد انتظمت السعودية وقطر في المشروع الأمريكي الصهيوني لتقطيع العرب، والإجهاز على العروبة لقاء حفاظ أمريكا وإسرائيل على عروشهم العاهرة، من أراضيهم دخلت الجيوش الأمريكية إلى العراق، و بمعرفتهم وتشجيعهم ومباركتهم حاصر الإسرائيليون غزة، وقصفوها باليورانيوم المخصب، و الأمر نفسه في عدوان إسرائيل على لبنان، وفعلوها مع ليبيا، و يتفاخر حمد الفاسق بمشاركته الناتو في قتل الليبيين وتدمير ليبيا. حمد والفيصل يريدان تكرار تجاربهم العاهرة مع سورية… ومن غير حياء وخجل يدعوان إلى ضرب سورية، وتسليح القتلة، متى كان هؤلاء مع سورية؟! متى كانوا مع العرب والعروبة، ومع القضية الفلسطينية ؟!!… تاريخياً… أنظمة النفط كانت وراء كل ما أصاب سورية من تآمر وحصار وعدوان وضغوط في الماضي والحاضر… ووراء كل هذا الانهيار في حال الأمة.

ليتهم خجلوا من أنفسهم أمام وزير الخارجية الروسي في القاهرة عندما ذكرهم بالقضية الفلسطينية، وبما يجري للقدس وغزة التي يتساقط فيها الشهداء بالعشرات يومياً… نعم… هم قلقون، ولكن ليس على السوريين، ما يقلقهم اليوم هزيمة عملائهم بفضل تماسك الشعب السوري الذي كشف المؤامرة وأدرك أن أعداء اليوم هم أعداء الماضي، والخلفيات والأبعاد لم تتغير… إنهم ركائز الغرب الاستعماري في الجغرافيا العربية.

وتبقى سياسة المصالح التي تتبع على مستوى العالم وفي كل مراحل التاريخ مفهومة لحد ما، ونتقبله ضمن قواعده أو نرفضه، لكن المهم هو ألا ننساق خلف تلك اللعبة السياسية التي تشبه السيرك في محتواه، ويجب أن ندافع عن فكرة ألا تكون الشعوب مطية وأن تتحول تلك البراغماتية السياسية إلى فرس آخر الزمان ولا راحلة للمستقبل سواها.

الآن يلعن الشعب العربي من يسلم البلاد للإخوان المسلمين والسلفيين، ممن تبلور انتصارهم من خلال تحالفهم مع الغرب، ونجحوا في أول انتخابات حدثت بعد ثورات الوطن العربي، هذه الثورات التي لم يكن للإخوان المسلمين والسلفيين التابعين لهذا التحالف أي دور مهم فيها، لأنهم لم يظهروا في الصورة الثورية إلا أفراداً، حتى غابت الحساسية بينهم وبين الأنظمة الراحلة.

إنها الكارثة في أن يختار الوطن العربي نظرية من نظريات الإسلام السياسي ليبني من خلالها دولة أو يقيم سلطة، ثم بأي منظور يمكن أن يكون هذا الاختيار إذا حدث؟ هل سيكون بمنظور إسلام القاعدة، أم بمنظور إسلام طالبان، أم بمنظور إسلام الإخوان المسلمين، أم بمنظور إسلام السلفيين، أم بمنظور إسلام حزب العدالة والتنمية، أم بمنظور القبائل المتصارعة في الصومال..؟ منظورات كلها تحرم الفن والسياحة، وهي مصابة بشهوة السلطة، وتطالب استحواذها، بواسطة الارتباط والتبعية واستخدام العنف، وكل هذا يقلق المجتمع، ويثير الريبة والخوف على المستقبل، إذ كيف سيبنى المستقبل بزمن قد فات؟.

ليس من الضروري أن يكون صحيحاً ما نسمعه من دعوات لإعادة الخلافة، أو تطبيق نماذج متعددة من الدول الدينية، لكن من الطبيعي التحسب للمخاطر، والعمل الجدي مع القوى اليسارية والقومية الموجودة على الساحة العربية لمواجهة هذه المخاطر بإقناع الجماهير ببرامج عمل مستقبلية ديمقراطية، يطالب بتطبيقها هذا الحراك العربي الناجح على الأرض العربية، مبتعدين بذلك عن الوقوع في أحابيل ديمقراطية مضللة، تجبر المجتمع على أن يكون أسير ثقافة متعلقة بالسلوك والملابس، بدلاً من أن تكون متعلقة بمعالجة الهموم الاقتصادية والانفتاح على الحداثة.
من المفيد أن ننبه إلى ما يعنيه مصطلح الدولة المدنية الشائع اليوم، والمستخدم على الساحة العربية السياسية، سواء أكان هذا الاستخدام من قبل الإسلاميين، أم كان من قبل العلمانيين، على أنه مصطلح محلي ابتكره منظرو الإخوان المسلمين للتعبير عن حقيقة الدولة الإسلامية، ويرجعه بعضهم إلى دولة المدينة التي أقامها الرسول (ص) في المدينة المنورة، وإذا كان الإسلاميون يعنون به الدولة الإسلامية صراحة، فإن بعض العلمانيين يعنون به الدولة العلمانية مواربة، وفي الحالتين هو مفهوم شائع عن غاية من قبل العلمانيين والإسلاميين على السواء، فالعلمانيون استخدموه كبديل عن مصطلح العلمانية الذي يتجه في الثقافة العربية باتجاه الإلحاد، بينما الإسلاميون يرفضونه لأنه مناهض للدين. الأهم من كل هذا أن التحالف الغربي الصهيوني الرجعي يصعد من هجماته، مستهدفاً القوى القومية واليسارية والمعتدلة في الحراك الجماهيري العربي، تنفيذاً لنظرية البنتاغون في الصدمة والرعب، وقد اتخذ هذا التحالف من الجماعات الإرهابية رأس الحربة لممارسة التخويف والقتل والتدمير العشوائي لتدمير البلاد العربية، وصولاً إلى تنصيب سلطة سياسية تحقق أهدافه ومصالحه، تسدد فواتير تكاليفها من رصيد الثروات الوطنية، وبواسطة المتبرعين من الدول النفطية، حتى يكون الالتفاف على هذا الحراك الجماهيري، وهذا ما يفسره خطاب المتأسلمين، ويكفي هنا أن نذكر بما قاله فيلتمان مساعد وزير الخارجية الأمريكية في زيارته الأخيرة إلى لبنان، من أن الولايات المتحدة ترحب بوصول الإسلاميين المتشددين إلى السلطة في دول الربيع العربي، حتى لو كلف ذلك شلالاً من الدماء.

إذن نحن أمام هجمة عالية الموج يمثّلها هؤلاء (الأخوانيّون)، في السياسة، كما في الفكر، وإذا كانت السياسة الآن هي ذات الحضور الأقوى، فإنه لن يطول الأمر حتى نقرأ بعض الكتب التي تتحدّث عن (شرعيّة) ما فعلتْه هذه الجماعة، وسيكون ثمّة مناظرات، ومحاضرات، ومنابر للتّرويج إلى هذه الشّرعيّة التي نالت رضى مَن أسّس لها وأفتى، وبذلك يُصادرون من خلال منابرهم الرسميّة الجديدة أن يكون لإسلاميّين آخرين رأي جدير بالإستماع، وهذه البنية الماضويّة في عقليّة (الأخوان) بنية مركزيّة في أساس تكوينهم الفكري، وبينهم وبين إسلاميين آخرين من الشواسع والفوارق ما يلفت الانتباه، فهم ليسوا أحفاد الشيخ الأفغاني، ولا محمد عبده، ولا علي عبد الرّازق، بل هم تحديداً أحفاد تشدّد سيّد قطب، ويتقاطعون جوهريّاً مع (الوهّابيّة) التي أنتجت كلّ ذلك الكمّ من التّكفيريّين والإرهابيّين.‏‏

إنّ خطورة هذا الملمح لا تأتي من مضامينه فقط بل من (الشّرْعنَة) التي يخلعونها عليها، فهي وحدها الشرعيّة، وما عداها غير شرعيّ، وهذا يتنافض مع أسس الديمقراطية التي يُرَوَّج لها اليوم بضخّ إعلامي كبير، يضاف إلى ذلك أنّ رؤيتهم تُلغي أيّ رؤية إسلاميّة أخرى تخالفها، وهذا إقصاء لا يتقبّله العقل النّزيه، فشعوب العالم تعترض على الاقصاء السياسي الذي ليست له أي صفة دينيّة، لتقع في منطقتنا العربيّة، عن معرفة، في فخّ الإلغاء باسم (الشّرع)!!، لمجرّد أنّ صاحب هذا الرأي أو تلك الفتوى معدود من رجال الدّين!!‏‏

أميركا بين فنتازيا الإرهاب المتطرف والمعتدل…؟ بقلم: مصطفى قطبي

 

 من أرشيف رؤية

 تدعي الإدارة الأميركية اليوم بأنها تتزعم حلفاً دولياً لمكافحة الإرهاب، وتحت هذا الهدف أصبحت تبتز معظم دول العالم لتقديم كل ما لديها من معلومات وإمكانات لمساعدة أميركا في النجاح بمهمتها، على اعتبار أن مكافحة الإرهاب يجب أن تتصدر أولويات الدول والحكومات، ذلك لأن الإرهاب لا يهدد الأفراد والجماعات والدول، ويبيح سفك الدماء فقط وإنما ينشر الخراب والدمار ويعطل عمليات التنمية ويعوق تنفيذ الخطط ويزيد من وطأة الفقر حول العالم.

 

وعلى الأرض فقد أكدت الوقائع بما لا يترك مجالا للشك، أن الذي أطلق ”طالبان” في أفغانستان إبان الحاجة إليها، هو الذي أطلق ”الدواعش” بمختلف مسمياتها في منطقتنا العربية من باب الحاجة لوجودها، تلك هي الحقيقة التي أطلقتها السيدة ”هيلاري كلينتون” في كتابها الجديد ”خيارات صعبة” مؤكدة أن الولايات المتحدة من أطلق ”داعش” وبالتالي من يرعاها، اللهم إذا كان الممول عربي كالعادة، فنكون أمام حقيقة أوضح. وتبقى الانعطافة الحاسمة في موقف واشنطن من ”داعش” الجريمتان الوحشيتان اللتان ارتكبتهما ”الدولة الداعشية” بقطع رأسي صحفيين أمريكيين والتهديد بقتل ثالث بريطاني، ثأراً من الضربات الجوية الأميركية ضد مقاتليها في العراق.

 

إن قيام أمريكا بتجمع دولي لمكافحة الإرهاب ليكون مبرراً لحروب أمريكا الجديدة، يوضحه ما كتبته رتدشادتيل” عن زعامة القرن الواحد والعشرين والذي أقرها المحافظون ومفادها: ”لا يمكن استعادة زمام المبادرة بعد نهاية الحرب الباردة وتأمين زعامة مديدة في القرن الواحد والعشرين إلا بعملية عسكرية إمبراطورية يتم من خلالها احتلال العراق وأفغانستان ومن ثم سورية وإيران والوصول إلى صفقة سياسية في الشرق الأوسط يكون فيها لإسرائيل اليد الطولى في هذه المنطقة”.

 

كل هذا يفهمه الجميع، لكن ما لا نستطيع فهمه هو هذا التزايد الكبير في عدد الإرهابيين، وإعادة توزعهم على دول جديدة، وزيادة عدد العمليات الإرهابية، واشتداد فظاعتها، على الرغم من أن إدارة بوش”، وإدارة ”أوباما” فعلت كل ما صنع الحداد في استباحة الدول والشعوب بحجة محاربة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين.


إن من يتابع تطورات الأزمة السورية
والعراقية… يدرك بشكل قاطع بأن أميركا لا تحارب الإرهاب إلا إذا كان الإرهابيون يهددون مصالحها بشكل مباشر، وأنها على استعداد كامل بالتحالف مع الإرهابيين ومع دولة ”داعش” وأخواتها إذا ارتكب هؤلاء إجرامهم ضد الآخرين، وربما تسوّق أعمالهم كبطولات لابد منها لتحقيق الديمقراطية… وإلا ما معنى أن يكون مجلس التعاون الخليجي والغرب في مقدمة الداعمين للعصابات التكفيرية بالمال وبالسلاح، وبالغطاء السياسي؟ وهم يعلمون كما تعلم أميركا التي ترسم مواقفهم بعناية فائقة، بأن تلك المجموعات التكفيرية الذي تم تصنيعها بإيعاز أميركي هو فقط ليقدم الغطاء السياسي للمجموعات الإرهابية التي تمارس الإجرام بحق الشعوب على امتداد الأرض العربية (تقتل، وتسرق، وتخرّب، وتفخخ، وتفجر…) دون أي وازع أخلاقي.

والمراقب للعلاقة المشبوهة بين دولة ”داعش” والولايات المتحدة يحار في أمره وتأخذه الظنون بعيداً، فتارة تبدو ”داعش” وكأنها العدو الأول لواشنطن، تهاجم مصالحها وتقتل مواطنيها تيسعى لإفشال مخططاتها حول العالم، وتارة تبدو وكأنها الصديق الأول لها، فكل نشاطاتها الإرهابية وأعمالها التخريبية تصب في خدمة الولايات المتحدة ومشاريعها في المنطقة والعالم، بحيث إذا أرادت الولايات المتحدة محاصرة بلد أو التدخل في شؤونه الداخلية حضر هذا التنظيم ونشط بقوة وراح يهدد باستهداف المصالح الأميركية ممهداً الطريق أمام آلة العدوان الأميركية لتأتي وتساعده كما يجري اليوم بشأن الأزمة في سورية والعراق، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا ”الداعش”  لم يقدم على أي عمل يمس المصالح الصهيونية منذ نشأته حتى اليوم، بل إن نشاطاته في لبنان والجولان السوري المحتل وشبه جزيرة سيناء المصرية تصب دائماً في خدمة الكيان الصهيوني، فاستهداف المقاومة اللبنانية أو الجيشين العربيين السوري والمصري لا يمكن أن يخدم سوى طرف واحد هو العدو الإسرائيلي.‏

المفارقة الصادمة في هذه العلاقة أن الولايات المتحدة ما تزال تضع هذا عصابة ”داعش” على لوائحها الإرهابية في الوقت الذي تتحالف فيه مع الدول والأنظمة التي ترعاه

واليوم نجد الولايات المتحدة واقعة في نفس المأزق، فالمجموعات الإرهابية التي تقاتل في سورية والعراق والتي ينتمي معظمها إلى جبهة النصرة وإلى تنظيم ما يسمى دولة العراق والشام ”داعش”، تحظى بدعم حلفاء واشنطن في المنطقة تركيا وقطر، والغريب في الأمر أن الولايات المتحدة تستهدف تنظيم ”داعش” وتصفي قياداته في العراق بينما في سورية تقدم له كل أنواع الدعم!

ويبدو في ظاهر القول أن هناك اتفاقاً أمريكياً غربياً تاماً على أهمية محاربة الإرهاب ومعاقبة داعميه، إلا أنه بالنظر إلى مغزاه وتفاصيله نجد أن العقل الغربي المستعمِر (بكسر الميم) فصَّلَ محاربة الإرهاب وآلية الدعم وفق ما يناسب مقاس توجهاته ويحقق أهدافه الاستعمارية، وهذا ما بدا من خلال:


أولاً: رفض العواصم الغربية التعاون مع سوريا المكتوية بالإرهاب، والإصرار على استمرار الدعم المالي والتسليحي للعصابات التي تمارس الإرهاب ضد الشعب السوري، ولتبرير ذلك ولإكسابه صفة الشرعية دائماً ما يحاول الداعمون إعطاء تعريفات خاصة من عندهم لآفة الإرهاب باللجوء إلى فرز الجماعات الإرهابية وإطلاق توصيفات ومسميات عليها وتقسيمها بين جماعات إرهابية متطرفة، وجماعات إرهابية ”معتدلة”، حيث كان لافتاً الاعتراف الصريح للرئيس الفرنسي ”فرانسوا هولاند” بأن بلاده أرسلت شحنات سلاح إلى العصابات الإرهابية في سوريا والتي يسميها بـ”المعارضة”، وكذلك الإصرار والتأكيد من قبل ”أوباما” على مواصلة الإدارة الأميركية دعم وتسليح العصابات الإرهابية التي يسميها ”المعارضة المعتدلة”.


ثانياً: مراوحة القول عن ملاحقة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ”داعش” في سوريا بين رفض توجيه ضربات ضد التنظيم، وبين احتمال مد الضربات من العراق وحتى سوريا، حيث كان الموقف الأول الرافض لوزير الخارجية الفرنسي ”لوران فابيوس” مؤكداً أن بلاده تدعم ما أسماها ”المعارضة المعتدلة”، والموقف الثاني ذو الاحتمالية لكل من وزير الدفاع الأميركي ”تشاك هاجل” ورئيس أركان الهيئة المشتركة للجيوش الأميركية الجنرال ”مارتن ديمبسي” مؤكدَيْنِ أن المعركة مع هذا التنظيم الإرهابي طويلة.

ومن يدقق في هذين الموقفين يجد لا تناقض بينهما، وإنما هما منسجمان تماماً، من حيث الموقف من ما يسميه الغرب ”الإرهاب المتطرف” الذي يمثله ما يسمى تنظيم ”داعش” في العراق، و”الإرهاب المعتدل” في سوريا والذي تمثله ”جبهة النصرة والجبهة الإسلامية والجيش الحر وغيرها”، وبالتالي مقتضيات مد الضربات إلى سوريا إن تتطلب ذلك فستكون من أجل تقدم ”الإرهاب المعتدل” على ”الإرهاب المتطرف”.

والحقيقة الثابتة أنه لو كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً في محاربة الإرهاب، لما غضت الطرف عنه في سورية، ولما استبعدت دمشق من الائتلاف الدولي الذي تعمل على تشكيله ضد ”داعش”، رغم علمها أن الحرب على الإرهاب لن تكون ناجعة ما لم تتم بالشراكة مع سورية، وبالاستفادة من خبرتها العسكرية والأمنية الكبيرة في هذا المجال

فهل ثمة قاعدتين واحدة صديقة للأميركيين وأخرى عدوة لهم أم أن هناك قطبية مخفية في العلاقة بين الإرهاب الذي تمارسه ”داعش” وأخواتها وبين الإرهاب الذي تمارسه الولايات المتحدة…؟!

خلال فترة حكم الرئيس الأميركي السيئ الذكر ”بوش” الابن وظفت واشنطن ورقة القاعدة واستثمرتها إلى الحدود القصوى وكان من نتيجة ذلك حربان مدمرتان في أفغانستان والعراق، وخلال الحكم الحالي لأوباما لم تستغن واشنطن عن هذه الورقة بل فعلتها بشكل مختلف، أي بدل الصراع المباشر مع المجموعات الإرهابية وما يعنيه ذلك من تكاليف وخسائر كبيرة، ذهبت إلى الدفع بالدواعش ومشتقاتها للقتال على جبهات اختارتها واشنطن بنفسها أي سورية والعراق ومصر واليمن…

ولا يغيب عن البال أن تركيا وقطر  تدعم التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق من أجل تمزيق هذين البلدين عبر إشعال نيران الفتنة الطائفية بين أبنائهما، ولا يخفى على أحد التحالف القائم بين هذه الأنظمة وبين الولايات المتحدة، بمعنى آخر لو أرادت الولايات المتحدة فعلياً القضاء على هذا التنظيم لضغطت على حلفائها وأمرتهم بوقف دعمه وتمويله ووقف تسلله إلى داخل سورية والعراق، وهذا لم يحدث برغم استهداف التنظيم لسفيرها في ليبيا.‏

فهل هي محض صدفة أم أنها حقيقة تلخص التحالف القائم بين إرهاب واشنطن وإرهاب تنظيم ”داعش” وأخواتها من المجموعات الإرهابية…؟!

للإجابة على السؤال، كان لابد لنا أن نستأنس بشهادة الكاتبة الأميركية (بوني كريستيان) المسؤولة في منظمة الشباب الأميركية اليسارية حين تتساءل بدورها حول دعم الولايات المتحدة لمجموعات إسلامية كثيرة في الشرق الأوسط وهي التي كانت تعتبر الإسلاميين خطراً إرهابياً على أميركا والعالم.

 

فتحت عنوان ”إدارة أوباما تقول إنها تحارب الوحوش الإرهابيين وهي التي تخلق المزيد منهم” تقول كريستيان: إن منظمة القاعدة التي يفترض أنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة تحولت إلى ”منتجة لمنظمات إرهابية أكبر منها وأكثر عدداً من قواتها بفضل قواعد اللعبة الأميركية في الشرق الأوسط”، وتكشف أن واشنطن صمتت على استيلاء منظمة ”داعش” للأسلحة التي صدرتها واشنطن للجيش العراقي فازدادت العمليات الوحشية لداعش في العراق فمن الذي يضمن ألا تقع أسلحة دول صديقة وحليفة لأميركا في المنطقة بأيدي هذه المجموعات المسلحة نفسها؟

 

فحين تجد واشنطن أن مثل هذه النتيجة ستخدم مصالحها فلن تتردد بالتخلي عن حلفائها وأصدقائها وحين تزداد النقمة الشعبية ضد بعض الحكام المتحالفين معها يصبح من مصلحتها خلق فوضى ودماء لكي تستبدلهم بآخرين من الموالين الجدد لها لمنع وصول حكام يعملون لمصلحة شعوبهم وليس لمصلحة أميركا..

 

فقد سمحت واشنطن باستبدال ”مبارك” وهي التي طلبت منه الخضوع والاستقالة لكي تمهد طريق الفوضى الخلاقة في ساحة الثورة المصرية واستلام الإخوان المسلمين المصريين للحكم رغم اعتراض الجيش، وهي التي أبعدت أمير قطر حمد ورئيس وزرائه بعد فشل دوره ضد سورية والولايات المتحدة لم تستنفد خططها لتقسيم ليبيا ولذلك خلقت حروباً مجانية داخلية بين معظم المتحالفين معها داخل الساحة السياسية الليبية لتدميرهم جميعاً ثم تقسيمهم كما تشاء والولايات المتحدة هي التي طلبت بمشاركة بعض حلفائها استقالة علي عبد الله صالح الرئيس اليمني وتنصيب نائبه لاستكمال مشروعها في تقسيم اليمن ومنعه من الاستقرار والقرار المستقل.

 

وها هي تسعى الآن لاستخدام قادة الأكراد في شمال العراق بطريقة الفوضى حين تتعهد بإرسال السلاح إليهم لمحاربة ”داعش” بينما هي تطلق ”داعش” ضد كل العراقيين وتمتنع عن إرسال السلاح للجيش العراقي..

 

فمن الواضح أن ”أوباما” يريد التحكم بقواعد لعبة الحرب الداخلية في العراق من خلال خطة يسيطر فيها من الجو ويوزع من خلالها مصادر القوة النارية على أي طرف ضد مصلحة الطرف الآخر في الساحة العراقية وكأن ”أوباما” يريد أن يرسم الحدود لدولة ”داعش” ويوجهها حين يرغب لتقتل وتدمر في المكان الذي يتناسب مع خطته في تقسيم العراق وتفتيت قدراته وتاريخه بهدف تحويله إلى إمارات صغيرة تحقق مصالحه في العالم العربي والإسلامي في المنطقة.

 

فالسياسات التي تتبع لدى الإدارة الأميركية، تتخذ أشكالاً مختلفة ومتعددة تحت غطاء محاربة الإرهاب، وهذا يستدعي تسخير جميع المنظمات والهيئات الدولية، الأمم المتحدة ـ مجلس الأمن و... لخدمة المشيئة الأميركية، وبنظر الولايات المتحدة الأميركية كل من يغرد خارج السرب يصنف ويوضع في خانة مساندة الارهاب.‏ فالولايات المتحدة تريد إيهام العالم أن ”داعش” يشكل خطراً أممياً ولا مفر من محاربته لكن بشروط واشنطن وليس بشروط الأمم المتحدة، أي بعيداً عن كل المواثيق الدولية وأهمها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وما تقرره الشعوب.

 

فأمريكا تبحث اليوم عن حلف يوفر التمويل أولاً، ثم يمارس هذا الحلف ضغوطاً دولية لتنفيذ الأجندة الأميركية في المنطقة بحجة ”الحرب على الإرهاب” ويمهد كذلك لحرب طويلة جداً بشر بها ”أوباما” في حديثه عن السنة والشيعة وهو الحلم الأميركي الصهيوني القديم المتجدد الذي لم ينجح من خلال الحرب على سورية ولعله ينجح من خلال ”الحرب على الإرهاب” كما تريدها واشنطن!

ان ازدواجية المعايير ومحاولة التوظيف السياسي للإرهاب لم ولن يعود تجارة رابحة لمن راهن على الاستثمار فيه،‏ فالإرهاب لن يبق تحت السيطرة بل سيرتد على مصنعيه ومصدريه وسيضرب في وسط الدار غير آبه بكل التحذيرات والتهديدات بكشف الأوراق والإفصاح عن مكان الولادة والرعاية والاحتضان وهو ما أفصحت عنه الصحافة الغربية وبعض الساسة الأمريكيين في كتاباتهم ومذكراتهم…

إن إرهاب ”داعش” وملحقاتها والتطرف ليست تنظيماً محدداً بقدر ما هو فكر وطريقةً تفكير وذهنية ثقافية يمكن أن تنشأ حيث يتوفر المناخ الفكري والثقافي والتربوي والإعلامي، من هنا تأتي أهمية أن يدرك الجميع أن المعالجة والمواجهة للإرهاب يجب أن تنبع من اتباع استراتيجية عالمية واضحة ومحددة لمكافحته وتجفيف منابعه وتعقب تنظيماته وتشكيلاته المسلحة حيثما كانت وتواجدت لأنها محكومة باستراتيجية الحركة من مكان إلى آخر وحيث تستدعي الحاجة والمصلحة لمشغليهم ومستثمريهم على ساحة الصراع الدولي وهو ما يلاحظه كل متابع للإرهاب العابر للحدود.‏

وللأسف المأسوف عليه، أنّ المنطقة العربية اليوم أمام مرحلة جديدة من الفوضى والحروب والإرهاب لا مكان فيها للجيوش، ولا للدول بمعناها الحقيقي، مرحلة تختلف عن تلك السابقة، مرحلة يمكن أن نسميها مرحلة ”التدمير الذاتي”، وهذا ما أكدت عليه بكل صراحة ووضوح ودون أدنى مواربة ”هيلاري كلينتون” حين قالت ”لن يكلفنا غزو العرب شيئًا بعد اليوم، إنهم سيقضون على أنفسهم بأيديهم”.

 

فإذا كان حرث الأرض أنجزه المجندون العرب تحت كذبة ”الجهاد” في أفغانستان، وفتح الطرق أمام الاستعمار الأميركي لآسيا، فإن المجندين الداعشيين الجدد وتحت أكاذيب ”الجهاد والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة” و”التستر بالإسلام” هم ذاتهم اليوم من يحرث الأرض العربية أمام كيان الاحتلال الصهيوني والقوى الامبريالية الاستعمارية الغربية المتحالفة استراتيجياً مع الكيان الصهيوني، لتنفيذ المشروع الصهيو ـ غربي، لإعادة رسم خريطة المنطقة وتمزيقها إلى كيانات طائفية متناحرة، وتوزيع ثرواتها، وتتربع على عرشها المستعمرة الكبرى المسماة ”إسرائيل” الممتدة من النيل إلى الفرات.

 

والحال: إن العالم أمام ظاهرة إرهابية خطيرة وتمدد غير مسبوق لها باتت تهدد المجتمعات الإنسانية وتحاول رسم خرائط صراع لم تكن قائمة في أكثر مناطق العالم حساسية وأهمية اقتصادية وجيوسياسية، ما يعني أننا أمام خطر وجودي غير مسبوق يستدعي مواجهة حقيقية ولا نمطية في أساليبها وصيغها وطبيعتها العسكرية التي يجب أن تتجاوز كل ما هو قائم أو حاصل من حسابات سياسية أو تحالفات إقليمية وغيرها؟‏

 

بيت القصيد: أليست ”داعش” نازية القرن الحادي والعشرين؟ ومحاربتها والقضاء عليها وأخواتها من جذرها ومشيمتها الوهابية هو فرض عين على كل إنسان…!

فبين الإرهاب والظلم توجد علاقة قويةً وصلة وثيقة منذ قديم الأزل فحيثما وُجِدَ الظلم سيولد الإرهاب وبحسب القاعدة الفيزيائية القائلة: لكلِّ فعلٍ ردُّ فعل يساويه في القوّة ويعاكسه في الاتجاه، فكلما زاد ضغطُ الظلم المتمثل بدول الاستكبار والاستبداد على المستضعفين كلما نما الإرهاب وتكاثر أثره، ولن يُنهى الإرهاب أو يحدّ منه إلا العودة إلى العدل والإنصاف على مستوى الأفراد والشعوب.‏ وكل اليقين، أن الإرهاب ودوله والظلم وأهله إلى زوال.

 

أين المستعربون من تهويد القدس وتدنيس المقدسات…؟ بقلم: مصطفى قطبي

 

من أرشيف رؤية


بينما يتم دفع المنطقة والأمة العربية إلى المنزلقات والمهاوي، وحرائق الاقتتال والفتن والتطاحن فيما بينها في استغلال ممنهج لعامل التباين الطائفي، نرقب على الشاطئ الآخر حيث القضية الفلسطينية وفي قلبها القدس امتطاء صهيو ـ أميركي لهذا الراهن العربي المحترق والمكتوي بنيران الطائفية والمماحكات السياسية لرسم وقائع جديدة تستهدف مدينة القدس المحتلة وقلبها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، سيراً نحو تحقيق الأحلام التلمودية بإقامة ”كيان يهودي” احتلالي تكون القدس له عاصمة أبدية موحدة.

 

وربما من الواقعي والمفيد أن نقرأ ونعيد قراءة قول الإرهابي موشيه يعلون ”بوغي” وزير الإرهاب الصهيوني الذي قال: أعتقد أنه لا يوجد اليوم زعيم عربي يزعم مثلا أن القضية الفلسطينية هي لب المشكلات في الشرق الأوسط، فالذي يشغلهم تهديدات إيران وداعش والإخوان المسلمين”.

 

ما يجري من عدوان يومي ممنهج بحق المسجد الأقصى من قبل شرطة الاحتلال ومستوطنيه تخطى كل عدوان سابق وكل ما يمكن تخيله منذ احتلال القدس سنة 1967، حيث يتعرض المسجد الأقصى بكافة مرافقه الإسلامية منذ عدة أيام لهجمة احتلالية شرسة غير مسبوقة، أصيب فيها عشرات المصلين والمرابطين في الأقصى، أطلق فيها الاحتلال كمية كبيرة من النيران والقنابل، والاحتلال الإسرائيلي هو الاحتلال الوحيد في العالم الذي يعمل لكافة أذرعه ”الأمنية والشرطية والسياسية” ضمن عدوان ممنهج على الأقصى أمام مرأى ومسمع العالم بعد أن انتقلت حكومته من مرحلة السرية في العدوان إلى الاعتداء العلني.

 

إن التطرف الإسرائيلي يتزايد يوماً بعد يوم دون تصنيف محدد للجماعات اليهودية التي تمارسه، بل إن نتنياهو أراد أن يؤكد وجوده في خلفية الصورة كمحفز للمقتحمين والمدنسين للحرم القدسي على الاستمرار في فعلتهم النكراء وذلك ببيانه الذي تزامن مع عملية الاقتحام والاستفزاز والتدنيس وقال فيه ”شهدنا مؤخراً أحداثاً شملت رشق الحجارة والاضطرابات والعنف. يجب أن نرى ما هو حجم القوات وما هي القدرات التي يجب أن نستعملها والخطوات التي يجب أن نتخذها من أجل ضمان السلامة العامة في القدس”.

 

وهو بذلك يعطي تفويضاً مفتوحاً لاستمرار عمليات الاستفزاز والتدنيس والاستباحة للحرم القدسي ويصدر أوامره لقوات الاحتلال لحماية المتطرفين وتشجيعهم، بمعنى آخر إن المتطرف نتنياهو يريد صب المزيد من الزيت على النار دخل المسجد الأقصى، وهذا في بُعده يتطابق مع ما أكد عليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو أن الحكومة الإسرائيلية هي من تقوم برعاية وتشجيع اعتداءات المتطرفين الإسرائيليين في المسجد الأقصى، وأنه ”في كل يوم نجد هؤلاء المتطرفين يحاولون بكل الوسائل الدخول إلى المسجد الأقصى من خلال فرض أمر واقع وهو تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً بحجة أن لهم نصيبًا فيه”.

 

إذن المخطط الإسرائيلي حسب التصريحات الإسرئيلية، هو تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً، ما يعني بسط السيادة الإسرئيلية على المقدسات الإسلامية في تعدٍّ سافر على هذه المقدسات تبدأ باقتحامات جماعية وصلوات يهودية لفرض أمر واقع جديد على الأرض، وهو ما يعني في نفس الوقت إنهاء وصاية وإشراف الأردن على المسجد الأقصى بموجب القانون الدولي واتفاقية السلام المبرمة بين الأردن وإسرائيل…

 

ولهذا فإن انتزاع الولاية على القدس الشرقية من الأردن، ليست شيئاً مثيراً للدهشة ولا يبدو أنها مثيرة للغيرة والانتصار للمسجد الأقصى وللشعب الفلسطيني، في زمن عزت فيه النخوة والشهامة والكرامة والكبرياء، وأصبحت مختنقة بأدخنة العمالة والنذالة والخسة والتواطؤ والتبعية والقبول بوظيفة خادم عند سيد صهيوني مارق على القانون والشرائع الدولية وطابخ للمؤامرات وصانع لحفلات الدم المجنونة بحق الأبرياء العرب والمسلمين.

فقد تعود الصهيوني ومن ورائه الأميركي وعودانا على اصطياد الفرص واقتناصها وسرقتها، وللتاريخ في ذلك دروس طوال تصل حد المعلقات، لكن التغير النوعي الحاصل الآن هو أن فرصاً تم صنعها في مطابخ الاستخبارات ومراكز الدراسات الغربية لتجربتها في مختبر ما يسمى ”الشرق الأوسط الكبير”، لا عجب إذن اليوم أن نجد هذا الذي يسمونه (ربيعاً) وقد تحول إلى موسم يومي لتدنيس الأقصى وتهويده وخنقه بمزيد من المستعمرات…

بل والأنكى ما كشفته دراسة ”صهيونية” مؤخراً عن حجم الدعم والحماية الذي توفره حالياً حكومة الاحتلال الصهيوني للجماعات اليهودية المتطرفة الفاعلة من أجل هدم الأقصى وقبة الصخرة وبناء الهيكل الثالث المزعوم، وهو الأمر الذي ينصرف إلى كارثة كبرى ومخطط محكم لركوب الانشغال العربي والدولي لفرض أمر واقع جديد في المدينة المقدسة قد يستيقظ العالم عليه غدًا أو بعد غد.

لقد جاءت تلك الدراسة لتحذر من انفجار ”برميل بارود” ستصيب تبعاته المنطقة والعالم، ولنا أن نتساءل: عن أي برميل بارود أقوى في أثره وأدوى في انفجاره مما كشفته الأرقام بأن نحو 15 ألف يهودي دنسوا الحرم القدسي العام الماضي؟ وأن حركة الاستيطان في القدس شهدتها انتعاشة تاريخية لم تشهدها على مر تاريخ الصراع، وهي مسألة لا نلوم فيها الصهيوني بقدر ما نلوم فيها الغفلة العربية والتهافت على فتات الموائد الأميركية والعجز عن بلورة موقف موحد وقوي.

وفيما يتبنى العرب خيار ”المفاوضات” مع مغتصبي الأرض والمقدسات والحقوق، من دون أي خيارات أخرى، ويضعون كل بيضهم في ”سلة أمريكا” التي ترغمهم على تقديم المزيد من التنازلات المجانية، توجه حكومة التطرف الصهيوني صفعتين من العيار الثقيل إلى الفلسطينيين، فالمؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تواصل تنفيذ المخططات التهويدية في مدينة القدس الشريف وبخاصة المواقع الإسلامية الأثرية، وتعمل من دون توقف لإحداث انقلاب في هوية المدينة العربية، وفي الوقت نفسه تؤكد على تكريس احتلال غور الأردن باعتباره حسب زعمها يلبي الاحتياجات ”الأمنية” للكيان الصهيوني الإرهابي.

 

الصهاينة اتخذوا كل الاجراءات لهدم المسجد الأقصى المبارك، لبناء ما يطلقون عليه ”كنيس الخراب” ويستبقون الضربة القاضية باقتسام المسجد للصلاة بين ”المسلمين واليهود”، وهو ما نشهد له دلالات وعلامات كثيرة، وأقلها إقامة ”صلوات تلمودية” في ساحات الأقصى، كما فعلوا من قبل في المسجد الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل.

 

وحسب ”الأساطير اليهودية” فإن بناء ”كنيس الخراب” يقربهم مما يسمونه ”بخلاص اليهود” حيث تتحدث الجماعات اليهودية عن ”نبوءة” مفادها أن حاخاماً إسرائيلياً يدعى ”جاؤون فيلنا” عاش في العام 1750م، وكتب يومها متنبئاً ـ كما يزعمون ـ بأن يوم البدء في بناء الهيكل الثالث المزعوم هو اليوم الذي يلي إعادة افتتاح ”كنيس الخراب”، وقد أعلنت الجماعات اليهودية المتطرفة البدء الجدي والفعلي بالإعداد لبناء ”الهيكل” على أنقاض المسجد الأقصى المبارك، وأعدت حجارة خاصة قالت إنها أساس بناء ”الهيكل” وتم تغليفها بالأعلام الصهيونية ووضعها على شاحنة خاصة بالقرب من باب المغاربة بانتظار نقلها إلى داخل المسجد الأقصى، يذكر أن اليهود أطلقوا اسم ”الخراب” على الكنيس المراد تشييده للدلالة على خراب ”الهيكل”، وعلى إمكانية تجسيد ”الأسطورة” على أرض الواقع.


فالوقائع المادية على الأرض، ونتيجة لعمليات التهويد المتواصلة، تشير بأن رموز التهويد باتت تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، بخاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وبالقرب من أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك، وهناك عشرات الكنس، بدأت تمتد وتزداد في غرب المسجد الأقصى المبارك، وأصبحت جميعها تشكل سلسلة على شكل دائري حول المسجد الأقصى من كل الجهات، وبدأت تزداد وتقترب من المسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام، وتشكل أجواء استيطانية يهودية، خانقة حول المسجد. وقد بنيت على عقارات وأوقاف إسلامية ومساجد استولت عليها المؤسسة ”الإسرائيلية” بعد الإحتلال ”الإسرائيلي” للقدس الشرقية عام 1967.


كما كانت المؤسسة ”الإسرائيلية” قد صعّدت في الفترة الأخيرة من بناء هذه الكنس في مواقع قريبة من الأقصى، إضافة لوجود مخطط ”إسرائيلي” لبناء أكبر كنيس يهودي في العالم بتكلفة 40 مليون دولار فوق المدرسة (التنكزية) الإسلامية التاريخية والتي هي جزء من المسجد الأقصى، وقد تم إقرار مخطط هذا الكنيس في زمن حكومة شارون.


ومع ذلك، وبصرف النظر عن مشروعية التصدَي للأساطير التوراتية التي عملت الصهيونية على تحويلها إلى وقائع تاريخية تثبت ما يسمى ”الحق الإلهي” لليهود في الأراضي المقدسة، وبعيداً عن مواقف بعض العرب والمسلمين الذين يساهمون، عملياً، في تنفيذ المخططات الصهيونية من خلال صناعة أنموذج ”إسرائيلي” جديد لـ”الجهاد” وتوجيه طاقاتهم وقدراتهم لتدمير سورية والعراق وشعبيهما، فإن الصعود إلى ما يسمى ”جبل الهيكل” لم يعد شعائر دينية لليهود الحريديم فقط، بل أصبح تظاهرة سياسية تؤشر إلى إلغاء الفرق بين ما يسمى الصلة الدينية والسيادة السياسية، وترمي إلى إقرار حقائق على الأرض.

 

وتحت ظلال ذلك، تم الانتهاء من إعداد المخططات الهيكلية لبناء ما يسمى ”الهيكل الثالث”، وإقامة ورشة عمل جمع الحجارة الخاصة ببناء الهيكل، بعد هدم الأقصى، والذي سيعقبه، وفق المؤمنين بـ”المعتقدات المسيانية”، اندلاع ما يطلقون عليه حرب يأجوج ومأجوج التي سيتخللها ظهور المسيح ثم يتم بناء الهيكل الثالث المزعوم الذي سيمتد، وفقاً للمخططات، نحو الشمال على حساب الحي الإسلامي في المدينة المقدسة.

 

إذاً المعركة متواصلة في القدس المحتلة، وعناوينها تزداد يوماً بعد يوم، وتتنوع بين محاولات وسياسات تهويد وتدنيس المدينة ومقدساتها، وحتى مقابرها التاريخية، وأسماء شوارعها وأحيائها، والتضييق على الصامدين من أهلها المقدسيين، وتصعيد وتيرة العدوان عليهم، من خلال سياسة العزل، والاعتداء الجسدي واللفظي، وسحب الهوية، ومصادرة أملاكهم وزرعها بالمستوطنات، وقد أخذت معركة القدس أبعاداً جديدة، عندما دخلت المواجهة المفتوحة، في ساحات المسجد الأقصى المبارك، وقبة الصخرة، مرحلة الاشتباك غير المتكافئ بين الفلسطينيين العزل، وجنود الاحتلال المدججين بالسلاح…

 

فأين ”الجهاديون والإخوان والثوار والدواعش”؟ أين ”الانتحاريون وطلاب الشهادة في سبيل جنات العدن وحور العين”؟ أين القرضاوي والظواهري والبغدادي وأشباههم من تجار وسماسرة الدين والدم؟ والأهم أين حراس المحميات والقواعد الأميركية في ممالك وإمارات الرمال المتحركة من أصحاب العروش المتهالكة والكروش المتخمة؟ بل أين البهلوان الأميركي وأسطوانته الببغائية حول السلام والدولة الفلسطينية المنشودة؟

 

نعم أين هؤلاء مما يجري في الأقصى؟ أين هم وأعلام إسرائيل ترفع وترفرف فوقه؟ وقطعان المستوطنين تدنس حرماته كل يوم؟ والحفريات الإسرائيلية تدك الأساسات من تحته ومن حوله وتذيب صخوره بالمواد الكيماوية؟ لماذا لا يدعون لاجتماع طارئ لمجلس الأمن؟ أو يحشدون لمؤتمر أصدقاء الشعب الفلسطيني والأقصى؟ والأهم لماذا لا يعلن مفتي الناتو وإخوانه ”الجهاد”’ نصرة للفلسطينيين ولاسترجاع حقوقهم المغتصبة؟

 

لقد ظهر المستعربون الجدد وأدواتهم ومشغلوهم على حقيقتهم، بعد أن تكشفت أوراقهم، وافتضحت عوراتهم الخلقية والأخلاقية، وظهر ما في إنائهم الآسن من أفكار هدامة وظلامية عفنة وكلام لا يعدو كونه مزايدات خطابية منمقة وإنشائية شكلية خاوية من أي مضمون جوهري أو حراك حقيقي.‏

 

فالموقف العربي من القدس المناصر للحق الفلسطيني في عاصمته الأبدية يتأتى فقط من محور المقاومة في زمن الرداءة. وكل من يراهن على الجامعة العربية بأنها قد تدعم صمود القدس فهو واهم، فهي لم تنفذ أي التزام من التزاماتها تجاه القدس وبخاصة التزامات القمة الثانية والعشرين التي عقدت في ليبيا عام 2010 والتي أقرت تخصيص 500 مليون دولار لدعم صمود القدس، ولم يصل منها شيئاً.

 

لا يمكن لممالك ودويلات ومشيخات النفط والغاز التي تنفذ وتسهّل طبخة الربيع العربي المشؤوم، أن يكون لها أدنى دور يمكنه أن يعرقل أو يمنع مشروع قانون إسرائيلي لتقسيم الأقصى، ولذلك ليس غريباً أن تتوالى بصورة لافتة للنظر عمليات التدنيس للمسجد الأقصى وعمليات التهويد في القدس المحتلة، ويردد في الآن ذاته المحتلون الصهاينة: دعهم ”أي العرب” يذبحون بعضهم بعضاً، فقد وفروا علينا كل شيء، ونكتفي فقط بالتفرج عليهم دون التدخل أو التعليق،  لذا لا غرو أن تعلن جماعة ما تسمى ”الائتلاف من أجل الهيكل” عن تنظيم فعاليات تدنيسية تهويدية في القدس المحتلة، أو ما تطلق عليه زعمًا ”خراب الهيكل”، وذلك بهدف الدعوة إلى إعادة بنائه (الهيكل المزعوم) على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.

 

مأساة الشعب الفلسطيني وقضيته أن معظم الدول العربية والجامعة العربية تجمع (المال) وتوظف جدول عملها السياسي لاستهداف دول عربية تقف ضد المشروع الصهيوني، ولم تبدأ بعد دول النفط والغاز بوضع خطة توظف الأموال فيها والدعم لحماية أقدس مقدسات المسلمين في مدينة القدس المحتلة. وبالمقابل يجد هؤلاء العرب أنفسهم مسخّرين في خطة سياسية أميركية ـ إسرائيلية تحقق لإسرائيل التوسع في مشروعها الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني ومقدسات أمة عربية وإسلامية. وهذا ما يؤكده نتنياهو حين يطالب العرب جميعاً وليس الفلسطينيين وحدهم بالاعتراف بيهودية الدولة التي اغتصبت فلسطين بغرض تهويد كل مقدساتهم الإسلامية والمسيحية في وطنهم التاريخي.

 

إن سماح كيان الاحتلال الإسرائيلي لليهود المتطرفين باقتحام الأقصى الشريف هو فعل إجرامي، لم ولن يكون الجريمة الأولى والأخيرة، وإنما يأتي في إطار السلسلة المتواصلة من عمليات التدنيس والتهويد الصهيونية الممنهجة ضد المسجد الأقصى، وبينما تستمر هذه الاعتداءات غير المسبوقة يتم سوق الفلسطينيين إلى مفاوضات تحت حراب الاستيطان والتهويد، وكل إرهاصاتها تشير إلى أنه يراد منها أن تكون اللحظات الحاسمة والمصيرية في ترتيب نهائي وبرعاية أميركية لصالح الاحتلال الصهيوني، يعلن فيها النهاية الحقيقية للقضية الفلسطينية، بحيث تتحول إلى ذكرى جديدة كذكرى النكبة وإحراق المسجد الأقصى وإحراق الحرم الإبراهيمي وغيرها، ومما يلاحظ أن هناك سباقًا نحو الزمن لاستغلال الراهن العربي المتضعضع تحت ضربات الفوضى الأميركية الخلاقة للوصول إلى الهدف الصهيو ـ أميركي المنشود.

 

ومن المهم في هذا السياق توفير الدعم لأبناء القدس للحفاظ على عقاراتهم وممتلكاتهم المجاورة للحرم القدسي الشريف، ومساعدتهم للصمود وتحمل المشقات والمعاناة وعدم الاستسلام، ورفع مستوى الوعي السياسي والديني لدى الشباب والشعوب العربية والتأكيد لهم على أهمية حماية هذا المكان المقدس من أي اعتداء قادم.


هي معركة وجود وبقاء يخوضها المقدسيون ومن ورائهم الفلسطينيون بالنيابة عن بقية الأمة لحماية مقدساتهم والوقوف في مواجهة آلة التغول التهويدية التي لم تترك حجراً إلا وعملت على نهبه ونسبته إلى تاريخ مزيف من الوجود اليهودي في فلسطين المحتلة، وإلى أن يدرك العرب والمسلمون وبقية الشعوب ما يجري لتلك المقدسات والمحاولات الجارية للاستيلاء عليها، يظل العبء الأكبر ملقى على عاتق المقدسيين والفلسطينيين بشكل عام، وهي مسؤولية لا يتم بها تشريفهم إلا مع القيام بها على أكمل وجه، لكن ذلك لا ينتقص من مطالبهم تجاه توفير الحد الأدنى من الدعم المعنوي والمادي، وهو بالمقابل حق وواجب على أبناء العرب والمسلمين وليس تفضلاً أو تكرماً، فمسوؤلية حماية أولى القبلتين وثالث المساجد المقدسة لدى المسلمين هي مسؤولية عامة ومشتركة، ولا يجوز التعويل في فيها على ردات فعل أو تصرفات فردية، مهما كانت مهمة أو مؤثرة.

 

تغيير الأنظمة العربية… مصلحة غربية صهيونية!     بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

ليس جديداً نفاق الغرب فيما يطرح من شعارات وعناوين لمواقفه وسياساته في قضايا العالم،  فلم نعرف عن مواقف ذلك الغرب سوى الرياء والمداورة، إضافة إلى المساواة بين الضحية والجلاد، هذا إن حاول الإنصاف، لكنه سرعان ما يظهر وجه الامبريالي الاستعماري بشعارات فارغة المضمون، وبالأخص عندما يتحدث مسؤولوه عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير للشعوب، تلك المفاهيم التي أفقدت معانيها الحقيقية!.

يكشف الموقف الأوروبي من الحراك على الساحة العربية، عن حقائق ومعضلات، من الحقائق أن الارتباك كان هو السائد في المرحلة الأولى من تعامل القارة العجوز مع ما يحدث في جنوبها، ومن الحقائق أيضاً أنها سرعان ما استعادت زمام المبادرة وسارعت إلى التحرك، محاولة الإسهام في توجيه بوصلة الأحداث لتحقيق مصالحها، أما المعضلات فربما كان أهمها السؤال الذي برز في بداية الأحداث: كيف توفق أوروبا بين مصلحتها مع الأنظمة الحاكمة التي اعتادتها وخبرتها، وكل الكلام الجميل الذي تردده ليل نهار عن حقوق الإنسان وحرياته، وهو ما تجلى لاحقاً في مواقف متناقضة، صراخ وسلاح ضد ليبيا وسورية، وصمت مخجل عن البحرين، وتردد مقيت بشأن اليمن، ناهيك عن ”إشادة” بالإصلاحات الجارية في دول الخليج، التي تسجل المستوى الأعلى في احترام الإنسان وحقوقه، على ما يرى رجال من أمثال أوباما وهولاند وكاميرون.!

 

تبين لنا الصراعات الحاصلة في ليبيا وسورية كيف تعمل الديمقراطيات الغربية على دعم الإرهاب بالتعاون مع حلفائها: المملكة العربية السعودية وقطر، وكيف تثير الحروب الأهلية في دول تنعم بالسلام متحولة إلى ديمقراطيات جانية ترتكب الجرائم بحق الإنسانية بهدف تحقيق مآرب جيوـ استراتيجية لصالح نخبتها الليبرالية، وكل هذا أمام جمود الرأي العام لديها. ويمكننا تفسير موت الرأي العام الغربي بشكل جزئي إلى قوة العقيدة التي تعمل على تركيبة الإيديولوجية الديمقراطية ونفوس هؤلاء المستفيدين من منافعها: وهي عقيدة عصمة الديمقراطية.‏

فوفقاً لهذه العقيدة لا يمكن أن تعمل الديمقراطية الغربية بشكل خاطئ إذ جميع سلوكياتها مستوحاة من شكل من أشكال الرعاية التي تحول الجريمة إلى عمل بطولي، وإلى حرب للاستيلاء على الموارد الطبيعية لدولة ما بإقحام الدول في حروب تحت تسمية تحقيق الحرية للشعوب ومن ثم جر تلك الشعوب إلى انتخابات تسيطر هي عليها تحت تسمية التعبير عن حرية الشعوب كما هو الحال في العراق، السودان وليبيا. حين تتساءلون حول مقدار براءة قادة الغرب بشأن بعض الأمور (مثل أحداث 11 أيلول، العراق، ليبيا وسورية) وتجسيدهم للديمقراطية وقيمها المفترضة تجدون أن المدافعين عن هذه العقيدة (أي عصمة ديمقراطيات الغرب) يطلقون خلفكم محققيهم المكلفين بفرض احترام عقيدتهم، وبالتالي منح الديمقراطيات الغربية نوايا سيئة في علاقاتها الدولية، وبالتالي الاعتراض على هذه العقيدة يعني تعريض النفس لتصبح هدفاً لإعدام إعلامي.

أما تساؤل الشعوب الغربية حول دوافع قادتهم هذا يعني توجيه أصابع الاتهام لهذه العقيدة وخطر اتهامهم بالتهتك (لأنك تتهم بالهذيان، معاداة السامية وأمريكا …) وحين تفكرون بأن نخبة هذه العقيدة ترتكب جرائم ضد الإنسانية بشكل متكرر ستفقدون احترامكم لهذه العقيدة وستجتذبون نقمة السلطة وحراسها. فالرأي العام الغربي الغارق في عقيدة العصمة الديمقراطية دون أن يدري تجده مستعداً للدفاع عن المحقق الذي يجد فيه الرجل النزيه والمدافع عن القيم الديمقراطية كما يرى فيه حامياً للقانون والشرعية. فعلى سبيل المثال أي شخص يتجرأ ويواجه هذه العقيدة التي أثارت الصراع ضد ليبيا وسورية ويسلط الضوء على تسليح الغرب للإرهاب المتطرف الذي هو خلف الفوضى السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والإنسانية التي تعيشها هاتان الدولتان، ستوجه إليه أصابع الاتهام مباشرة على أنه يدعم هاتين الدولتين. وهذه العقيدة الغربية في عملها هذا تعمل على إسقاط أنظمة ليحل محلها طغاة وهابيون يخدمون النخبة الغربية قاتلة البراءة وصانعة الحروب. ولا يخطر ببال قراء الصحف اليومية: لوموند، الغارديان والنيويورك تايمز الشك في أسلوب عرضها للأحداث والتي تصور الإرهابيين السوريين على أنهم مناضلون من اجل الحرية، فيما أغلب هؤلاء ليسوا سوريين إنما (أردنيون، عراقيون، ليبيون، تونسيون، باكستانيون، ومن جنسيات عديدة أخرى) يحاولون فرض الشريعة عن طريق الإرهاب الجماعي ويدافعون عن السلفية والوهابية ورؤيتهما المعتمة عن الإسلام، حيث يذبحون بشكل منظم كل من لا يشاركهم وجهة نظرهم وكل من ينتمي إلى أقليات دينية مُمتثلين في ذلك لأوامر من تركيا، والعربية السعودية وقطر والولايات المتحدة وأخيراً يحملون ألوان تنظيم القاعدة.‏

وأكثر من ذلك فإن المصلحة السياسية التي اتضح مع الوقت والتجربة أنها تتناقض بصورة كاملة مع  الديمقراطية في المجال العربي، اختلطت في وقت ما بالدوافع الإنسانية الدنيا، وهو ما اتضح في موقف برلسكوني مثلاً من ليبيا، الذي انتقل من تقبيل يد القذافي إلى المشاركة في حرب الناتو، أو موقف ساركوزي الذي خلط، كأي طاغية شرقي، بين أموره وصفقاته الشخصية ومصالح فرنسا العليا ليقود الناتو باتجاه ليبيا.

والحق فإن الهواجس الأوروبية من نتائج الحراك العربي تتعدى ذلك إلى مسائل عدة، لعل أهمها: ملف الطاقة وقضية النفط وتداعياتها وتأثيراتها على القرار الأوروبي، ومشكلة اللاجئين وملف الهجرة، وبخاصة في ظل الأزمة المالية العالمية وتصاعد خطاب اليمين المتطرف، وإذا كان التوسع في ذلك يحتاج إلى بحث مستقل، فيكفي أن نسجل ما لاحظه المتابعون من أن فرنسا سارعت مع إيطاليا وعدد من الدول الغربية إلى التفكير في إلغاء اتفاقيةشينغن” التي تسمح بحرية السفر بين الدول الأعضاء فيها، كي لا ينتقل اللاجئون العرب من دولة لأخرى.

والآن، العصر هو عصر التضليل السياسي والإعلامي، ذلك أن التقدم التقني في وسائل الاتصالات والشبكات العنكبوتية وإعلام الفضائيات اخترق كل الحواجز بين دول العالم وشعوبها، وأصبح بالإمكان إطلاق كذبة لكي تصبح عند ملايين الناس حقيقة. وفي مقدمة الأكاذيب التي تتردد الآن أكذوبة حرص المجتمع الدولي على تحقيق الديمقراطية في منطقتنا العربية، وعلى حقوق الإنسان العربي، وتوفير الحماية للمدنيين.

والسؤال: هل الغرب فعلاً يهدف إلى تحقيق هذه الشعارات التي يرفعها، أم إن الأمر مجرد ستار للتدخل الأجنبي وتدويل الأزمات العربية؟

الوقائع على الأرض تفيد أن السعي لتدويل الأزمات الداخلية العربية هو الهدف، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة معظم الدول العربية إلى حال الوصاية الأجنبية عليها والهيمنة على مقدراتها وهذا ما جرى في ليبيا حيث فرضت عليها وصاية حلف الناتو، وقبلها كان السودان، حيث فرضت عليه سياسة ”العصا والجزرة” عبر ضغوط وقرارات دولية حتى استجاب لفصل جنوب السودان عن شماله، وتحت مظلة ما يسمى القرارات الدولية تم احتلال العراق… إذاً من المحيط الأطلسي، حيث جرى تدويل قضية الصحراء المغربية، إلى الخليج العربي المدول فعلاً من خلال القواعد العسكرية الجاثمة على أراضيه، مروراً بالسودان والصومال في العمق الإفريقي، أصبح التدخل الأجنبي حالة عامة في الوطن العربي… الآن، وبنشاط ملحوظ تجري المحاولات لتدويل الأوضاع في اليمن وسورية ولبنان من جهات لها مصلحة في ذلك.

الوقائع تشير إلى أن حلف الناتو يسعى سعياً محموماً للهيمنة العسكرية على منطقة الشرق الأوسط لنهب ثرواته الطبيعية من بترول وغاز وغيرهما، ما يساعد الولايات المتحدة في المنافسة الجارية مع الصين وغيرها من الاقتصادات الصاعدة، وعلى الوقوف في وجه روسيا عبر حرب استباقية ضدها لمنعها من استعادة نفوذها الدولي ودورها في الشرق الأوسط… فحلف الناتو يراهن، بل يعمل على استغلال المتغيرات العربية وتجييرها لمصلحته، بما يحقق مشروعاً أميركياً أوروبياً، يشمل عموم منطقة الشرق الأوسط، تُورَّط فيه تركيا ودول إسلامية وعربية، ما يساعد على محاولات إضعاف إيران وروسيا إقليمياً ودولياً، وعلى بسط الهيمنة على المنطقة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، ويفرض التطبيع من الدول العربية مع إسرائيل مع إنهاء كل ما يمت للمقاومة بصلة.
وتترافق وقائع مشاريع التدويل هذه مع وقائع عربية مؤلمة داخل بعض المجتمعات العربية من حيث انتشار وباء الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية وضعف المناعة في الجسم العربي لمقاومة هذا الوباء.

وتأتي هنا أيضاً وقائع إسرائيلية جسدها خطاب ”نتنياهو” الأخير أمام الكونغرس الأميركي الذي حاز تصفيقاً حاداً من الحضور جميعاً، عندما تحدث عن لاءاته المعروفة: لا لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، لا للعودة إلى حدود عام 1967، لا لتقسيم القدس التي ستبقى العاصمة الموحدة والأبدية للدولة اليهودية، لا لوقف الاستيطان، وأشار إلى أن الشارع العربي ـ حسب زعمه ـ آخذ في التحرك ضد حكوماته المحلية وليس ضد إسرائيل.

علاوة على ذلك، هناك وقائع إسرائيلية أخرى تتمثل في سعي إسرائيل المتواصل منذ عقود لدعم خلق دويلات طائفية في المنطقة العربية، كما حدث عندما قامت دولة سعد حداد في جنوب لبنان، وقيام دولة جنوب السودان مؤخراً، واستمرار المحاولات لتقسيم العراق، بعد أن أصبح الكيان الكردي واقعاً ملموساً على الأرض، وكذلك النشاط المحموم داخل مصر في محاولات لتقسيمها، ذلك أن وجود ”دويلات” طائفية دينية في المنطقة يساعد على حل معضلات إسرائيل الداخلية والخارجية، ويحقق شعار يهودية دولة إسرائيل أو ”إسرائيل دولة لليهود”.

في الوقت نفسه، فإن وجود مثل هذه الدويلات الطائفية الدينية في المنطقة على النحو الذي حصل بعد اتفاقية سايكس بيكو في مطلع القرن العشرين ونشوء دول عربية جديدة سيؤدي إلى نشوء صراعات بين هذه الدول، ودفعها إلى الاستعانة بالخارج وطلب النجدة، والتدخل لنصرة دولة على أخرى، وإلى إقامة تحالفات مع إسرائيل ومع دول أجنبية أخرى، كذلك حينما تنشأ مثل هذه الدويلات سترافقها مساع للتسابق على زيادة أعداد التابعين لكل طائفة أو مذهب، ما يفتح الباب أمام مشروع توطين الفلسطينيين في بعض الدول العربية، وبذلك تتم تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للمخطط الإسرائيلي القديم الجديد.

وفي ضوء ذلك كله، ستواصل إسرائيل بناء المستوطنات في القدس والضفة الغربية، مع زيادة ضغوطها على فلسطينيي 1948 لتهجير أكبر عددٍ ممكنٍ منهم إلى الدويلات التي ستنشأ وفق مخططات التقسيم التي جئنا على ذكرها، ومنها جعل الأردن الوطن الفلسطيني البديل مع بعض أجزاء الضفة الغربية.

إذاً، فالمشروع الإسرائيلي ما زال وسيبقى يراهن على صراعات عربية ـ عربية وعلى صراع عربي ـ إيراني على الصعيد الإقليمي، لأن مثل هذه الصراعات في الداخل العربي وعلى المستوى الإقليمي من شأنها صيانة أمن إسرائيل، وضمان تحقيق مشروعها التوسعي الاستيطاني، ومن شأنها أيضاً إنهاء نهج المقاومة لهذا المشروع ومن ثم يصبح العدو هو العربي الآخر، أو الإيراني، وبحيث ينسى العرب قضيتهم الأولى، قضية فلسطين.

وفي معمعة التضليل الإعلامي الغربي، فالمواطن الغربي لا يريد أو لا يستطيع أن يصدق سوى قادته ووسائل إعلامه التي يمكنها في هذه المرحلة التلاعب وإخفاء الحقائق عنه وهذا الفكر أقوى من هذا المواطن ومن دفاعه المناعي النفسي ويعارض العقيدة التي انغرست في تربيته البرجوازية منذ نعومة أظفاره. لأنه بحال أقر أنه بإمكان هذا التلاعب قد يصل إلى فقدان سماته وإلى الشك في طبيعة الديمقراطية الحقيقية لنظامه السياسي سيشهد سقوط جميع معتقداته في الفضيلة من اساسها.‏ فالتعرف على جرائم نخبة الغرب سواءً كانت جرائم سياسية أو جرائم إعلامية تتطلب الخروج عن الذات وعن المركزية الغربية ليفكر بأن الآخر ليس بالضرورة أن يكون بربرياً. ويفهمون أن قادتهم وإن تم انتخابهم ديمقراطياً لكن يمكن أن تكون أياديهم متورطة. لا يمكن لمحققي العقيدة (أي عصمة العقيدة الأوروبية) الارتقاء أبعد من غشاوتهم دون ان يفقدوا أيمانهم بنظامهم، ودون ان يفقدوا جميع المكاسب الشخصية التي قد يحصلون عليها من وجودهم وسط سلم دفاعهم عن عقيدتهم.‏ هذا ولا يمكن أن تحصلوا على أجوبة شافية من المستفيدين من العقيدة، فهم لا يكرهون شيئاً أكثر من الحقيقة، ذلك لأنهم لا يمتلكون ضميراً أخلاقياً فهم يستغلون الحروب ولا يستحقون من جانبنا حتى الحوار لأنهم هؤلاء هم من يُطلق عليهم الأطلسيين.‏

إن ما يوحّد النخبة السياسية، الثقافية والمالية الغربية هذه الإيديولوجية الأطلسية التي لا تحتمل الاعتراض إلا في الأمور الثانوية. فإذا كان من الممكن أن يتصادم رجال السياسة أو صحف اليمين واليسار حول الاجهاض وإلغاء قانون عقوبة الموت إلا انهم سيتوصلون دائماً إلى الإجماع حين يتعلق الأمر بالدفاع عن أسس الأطلسية. فهم سيجمعون للدفاع عن المعاهدات الأوروبية التي لم تعمل سوى على المذهب الليبرالي الذي فرضته واشنطن، ويجمعون أيضاً لتحالف الغرب مع الإسلام للأصوليين بهدف توجيه الربيع العربي لخدمة المصالح الخاصة لنخبتهم مدعين الدفاع عن قيم عصر التنوير.‏

فالغرب لم ينحرف قط عن طبيعته ولا استراح من وظيفته الاستعمارية وهو هائج يقتل وهو مهزوم يقتل، في صحوة يحقد وفي غفوته يعيد إنتاج الحقد حتى صارت دماء الشعوب ورسالات السماء ومنابع النور في العالم هي الأماكن المفضلة للهوس الغربي الاستعماري. وفي دورة الزمان الآثمة التقى الغرب بالصهيونية وهي موجته المستترة وهو خادمها الأمين وصارت القرون الحديثة مرتعاً لأخطر مغتصبين في التاريخ هما الغرب والصهيونية، ولم يكن ذلك كافياً في مشروعهما الموحد وكان لابد من ثالثة الأثافي وهي مجرد ملحقات وتوابع لكنها تملك دوراً مميزاً في النذالة وطاقة متجددة في وأد القيم ومطاردة الأنبياء والصالحين وتقبيل يد الجلاد وخيانة الشقيق والصديق، وكانت أنظمة الأعراب في جزيرة العرب هي المسند الرخيص الثالث من منظومة الغرب والصهيونية والأتباع في الداخل العربي.‏

وبدأت اللعبة الماكرة تتوطد ثم تنبعث على أسس الحقد الكامن القديم وفي اتجاه يراد فيه وله أن يصبح الحر عبداً والعبد سيداً أميراً أو شيخاً أو ملكاً. وفي أعماق الحقد تتدافع وتتلاطم موجات الهيمنة الغربية الصهيونية والتي مازالت تؤهل الأعراب لفعل الاغتيال بطريقة الاقتناص والاختلاس، والليل العربي بهيم وقد أرخى سدوله على كل أفق واصطادوا في الطريق أدلاء ومتطوعين، فرغوا أنفسهم لممارسة أقذر دور في حياة البشر أجمعين، وكان من الواجب على كل عربي طبيعي أن يكتشف ولو بصورة متأخرة أن الذيل في الداخل العربي يتحول إلى موكب من العباءات والخسة المموجة والألوان التي لا تستطيع أن تخفي تحتها ذلك الصنم القديم الذي تحول إلى تقاليد متجردة ورغبة متدفقة في وضع الإنسان والطاقة تحت تصرف الأجنبي والغريب، وللمنظومة الهمجية الثلاثية ارتجاجاتها وقدرتها على الطوي والانتشار وقد استحوذت في ذاتها صفة الليونة ومقدرة التشابه من الظاهر وتقمصت من الأفعى قدرتها على الالتفاف على ذاتها ووضع الرأس في موضع الذيل وبسط الذيل حتى حدود الرأس ووظيفة الرأس.‏

نعم هكذا صار المشهد العربي الراهن، فالرأس هناك في واشنطن وباريس وأنقرة والذيل بجوار المقدسات الإسلامية والمسيحية وعلى ضفاف الخليج وفي استطالات كالبؤر الشاذة بعضها صار إسمه تونس الغنوشية والبعض الآخر صار إسمه مملكة الأردن، والذيول العربية هذه ليست ملحدة كافرة فحسب بل هي الإلحاد والكفر بذاته، ونحن لا نجد إنساناً ملحداً ولكننا اليوم نعثر على مشيخات وإمارات وممالك بنيت في أصل الإلحاد وتوطدت فيه واستمتعت بمواهبها عبر دوائره فصار قتل الشقيق وظيفة دائمة لهؤلاء الحكام وأتقن هؤلاء الدهاقنة المقنعون بالعباءات وبالعقال دون العقول فن إنتاج الجريمة بطابقيها المادي والمعنوي وفي اللغتين الإنجليزية والعربية وتنفس الغرب والصهيونية معاً الصعداء فها هم يقعون على كنز لا يقدر بثمن.‏

إن هناك أعراباً يقتلون العروبة وإن هناك مسلمين يغتالون الإسلام وإن هناك متخلفين يجففون الحضارة بإسم التقدم التكنولوجي، وكان لابد لهذا الدور عبر هذه المواصفات من مهام يكون صداها على وسع الكون ويكون مداها على امتداد التاريخ في أزمنته وعصوره، وحدث ما لم يكن في الحسبان، فإذا الأعراب عبيد الغرب وخدمه والمروجون لسمومه ومخدراته وانحرافاته الفكرية وغرائب الطباع والأفكار وأنماط السلوك التي اقتبسوها من حقيقة الصهيونية العالمية و دهاليز الأساطير اليهودية التلمودية، وما كان الدور مفاجئاً ولكنه انكشف بلا حياء أو تردد في هذه الأيام، فإذا آل سعود وآل ثاني وآل خليفة وأسماء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان هي التي تقود معركة الاغتيال الكبير والتزوير الأكبر في التاريخ العربي والعالمي المعاصر.‏

باختصار، هذا هو حال الأمة العربية الآن، أي انجرارها نحو مشاريع إقليمية ودولية مشبوهة، مع الافتقار إلى أي رؤية عربية مشتركة، أو مشروع عربي قومي يملأ الفراغ الحاصل في المنطقة، حيث المراهنات العربية على الخارج ما زالت هي السائدة. وعلى سبيل المثال، فقد راهن زعماء عرب على الأوروبيين في مطلع القرن العشرين، لمساعدتهم في التخلص من الحكم العثماني الذي كان يمارس سياسة التتريك والعنصرية، ولكن في نهاية المطاف وبعد أن قدَّم العرب المساعدة للأوروبيين، فوجئوا باقتسام المنطقة العربية وفق مخطط سايكس بيكو، وبمجيء استعمار جديد هو الاستعمار الغربي، وها هم العرب الآن يراهنون على الخارج من جديد، ويعيشون مرحلة جديدة من الاستقطابات الدولية والإقليمية في ظل غياب متواصل لمشروع عربي مشترك ولإرادة عربية واحدة، بل في ظل وجود حالة من التردي العربي لا مثيل لها في التاريخ الحديث… في ضوء ذلك كله، لا بد من التأكيد على أن الديمقراطية السليمة والصحيحة هي التي تقوم على وحدة وطنية شعبية، وعلى ترسيخ الولاء الوطني، وعلى التمسك بالانتماء العربي وبالهوية العربية، وعلى رفض كل أشكال العنف والطائفية والتدخل الأجنبي… هذا هو الرد المطلوب على الحالة العربية السائدة وما فيها من ظواهر دخيلة، أبرزها محاولات التقسيم وخلق الفتن الطائفية والصراعات الأهلية، وطلبات التدويل والتدخل الأجنبي التي ازدادت في الآونة الأخيرة تحت مظلة ما يسمى حماية المدنيين وحقوق الإنسان.
إن أساليب ترويج الأكاذيب والادعاءات المضللة والتضليل الإعلامي والسياسي الذي يمارس بتقنية عالية، كل ذلك لم يعد خافياً على أحد، لأن ما يحدث على أرض الواقع يدحضه، ويوضح أهداف ومرامي من يقف وراءه ترجمة للمثل الشعبي القائل: ”إن حبل الكذب قصير”.

 

Exit mobile version