قناة الجزيرة من الإيديولوجية الإخوانية إلى تقسيم الدول العربية!                                                  بقلم: مصطفى قطبي

 

من أرشيف رؤية

لقد غدت الحرب الإعلامية التي نشهدها اليوم هي الحرب الأكثر فتكاً والأقل خسارة بالنسبة للدول التي تستخدمها والأسرع تأثيراً على الشعوب المستهدفة. ولمعرفة هذه الحقيقة فإن من خطَط للسيطرة الاستعمارية على العالم العربي بشكل خاص، وضع الإعلام في قمة أسلحته وفوق بقية الأسلحة الحربية المتنوعة، لأن التحكم في ردود فعل الرأي العام يشكل أحد شروط شن الحروب الكبرى لفرض الهيمنة الصهيو ـ أمريكية وتحقيق رغبتهم الكبرى في شرق أوسط جديد وفق معايير الأصولية اليهودية والتكفير الوهابي لمسح الآخر والسيطرة على ثروات العالم، ومن هنا تكمن العلاقة المأزومة بين نظام عالمي قمعي وآخر، وبين تلك العلاقة التبادلية بين موت الأخلاق وبؤس النظام العالمي (المتحضر) الذي أدخل المجتمعات البشرية في دائرة الشك والفوضى والعبث والدوران حول قطب واحد، لأن القوة في القرن الواحد والعشرين لن تكون في المعايير الاقتصادية أو العسكرية، ولكنها تكمن في خزائن المعرفة، و خطورة الأمر يكمن فيمن يمتلك أدوات هذه القوة لتحقيق مآرب وأهداف خاصة لنشر معلبات إعلامية جاهزة وغسل عقول البشر للتحكم بهم واستغلالهم لأهداف اقتصادية أو سياسية أو آيديولوجية.

 

ففعل الكلمة أشد وقعاً من فعل الرصاصة، وقد لجأت الدول الاستعمارية والدول العميلة والمعادية لمصالح الشعوب، ذات المجتمعات المستقرة إلى فتح قنوات مشبوهة لضخ الرسائل الإعلامية الموجهة إلى مجتمعات وشعوب ودول محددة، لإضعاف وحدتها الوطنية ونخر مجتمعاتها، والانقضاض عليها وتفتيت كياناتها من خلال الترويج لأفكار بالية وإيقاظ نعرات طائفية والنفخ في أتون الفتن المذهبية وتأليب أبناء المجتمع الواحد ضد بعضهم البعض. والدليل الصارخ على وقاحة تلك الأقنية وضلوعها في التضليل هو ما نراه اليوم من ممارسات وتنفيذ للدور المعادي، ما تقوم به قناة الجزيرة القطرية التي تمثل رأس الحربة الصهيونية.

إن كل من يشاهد محطة التضليل الإعلامي (الجزيرة) القطرية منذ بداية أحداث (الربيع العربي) يدرك فوراً وبلا تردد أن للجزيرة وأخواتها وظيفة مخابراتية، فالطريقة الهستيرية لتغطية الجزيرة للأحداث وتحول مقدمي البرامج والمذيعين إلى (مقاتلين إرهابيين) يقومون بمهمة واضحة بنشر الفوضى وإشعال الحرب الأهلية وتعمد عدم إطفاء نيران الحرب الأهلية، التي كانوا هم المحرضين عليها، وتخليهم الصريح عن كل قواعد المهنة الصحفية مثل الموضوعية النسبية والحياد، مما يؤكد أنها كانت مشروعاً مخابراتياً صرفاً، اعتمدت أحقر عمليات الكذب والتزوير والتشويه لما يحدث ليس من أجل إسقاط أنظمة بل من أجل تضليل الرأي العام ودفعه في دهليز مسدود عمداً تنفيذاً للمخطط الصهيوني الذي لم يعد خافياً على أحد.

فقد أصبح من الواضح اليوم أن التغطية الإعلامية التي تقوم بها قناة الجزيرة للأحداث التي تجري في العالم بشكل عام وللأحداث التي تجري في الدول العربية بشكل خاص، ليست تغطية موضوعية أو مهنية، ولا تحقق الحد الأدنى من شعار الرأي والرأي الآخر الذي ظلت تسوقه منذ انطلاقتها في العام 1996، بل إن الأمر يتعدى ذلك ليتناقض مع ميثاق العمل الصحفي للقناة نفسها والذي تنشره على موقعها الإلكتروني، وتدعي الالتزام به دليلاً على مهنيتها وتأكيداً على مصداقيتها.

فهل كانت قناة الجزيرة الفضائية ومثيلاتها خديعة للعرب فعلاً؟ وهل كانت هذه القنوات فعلاً جسراً للعبور إلى العقل العربي لفكفكة ثناياه وخلاياه العروبية، وإعادة ترتيب أولويات عروبته والأسس التي يقوم عليها وصولاً لعقل متبلد لا حراك فيه ولا إحساس يتقبل مصافحة عدوه التاريخي كنوع من الاتكيت واللياقة والكياسة؟!... لنسف كل نفس عروبي ممانع مقاوم يرفض التطبيع بكل أشكاله والجسور الممهدة له لتمرير المؤامرات والخيانات ودس الدسائس!

لسنا هنا لنذكر أمثلة على ذلك (فالحقيقة كالشمس لا يستطيع أحد أن يحجبها) ولسنا هنا أيضاً من باب الهجوم على القناة، ولكننا سنحاول استعراض معلومات عن قناة الجزيرة، ونحللها بهدف الوصول إلى جزء من حقيقة القناة ودورها السابق والحالي. هي إذا مجموعة من الأسئلة المنطقية حولها ونترك الإجابة للقارئ، وسوف نسلط الضوء على بعض من ممارسات الجزيرة التي شكلت خطراً حقيقياً على الأمة العربية، وتلاعبت إلى حد كبير بعقل المشاهد العربي. ولا بد في البداية من الاعتراف بتلك الحرفية الكبيرة التي يؤدي بها كل العاملين في قناة الجزيرة عملهم، وليس المهنية الكبيرة، إذ أن هناك فرقاً بين الحرفية والمهنية. فبينما تعني الحرفية إتقان الحرفة وصولاً إلى الإبداع فيها في بعض الأحيان، تعني المهنية أن تكون حرفياً مع مراعاة الأخلاق والصدق في العمل.

وبالعودة قليلاً للوراء، وبالتحديد إلى ”حصريات” الجزيرة لتغطية الأحداث الساخنة في العالم التي تتركز في المنطقة العربية والشرق الأوسط على وجه الخصوص، كتغطية الجزيرة لوقائع الاحتلال الأمريكي للعراق منذ لحظة إشعال فتيل الحرب في الـ 2003، واحتكارها تزويد وسائل الإعلام العربية والعالمية بالبث الحي، إلى تغطية وقائع الحرب على لبنان في الـ2006، إلى حرب غزة في الـ 2008، إلى امتلاكها حصرية تغطية معظم الأحداث الرياضية الهامة على المستوى الدولي الذي لم يكن بريئاً، ولم يكن خدمة للقضايا العربية وتسخيراً لها أبداً، بل كان كمن يدس السم بالعسل ويضع الكحل في العين ليعميها!  إلى أن أتى ما يطلق عليه الربيع العربي، وطريقة التعاطي معه عبر مسميات ربيع الثورات العربية، وحديث الثورات العربية بتسخير شاشاتها لتأمين تغطية موتورة حاقدة مملوءة بالتحريض والتلفيق والتزييف والتضليل والانتقائية وغياب الموضوعية بانحياز سافر فاضح أطاح بميثاق الشرف والمهنية والحياد الذي تدعيه، وداسه بالأحذية، فبدا ما نشاهده له علاقة بكل شيء إلا الإعلام، وسط دهشة المتابعين والمشاهدين والمهتمين، ما استدعى منهم الفرملة وإعادة النظر بحقيقة ما يعرض ويبث ليكتشفوا خديعة الجزيرة الكبرى والأجندات المرسومة التي لم تكن يوماً إلا مطية وممراً للمشروع الأمرو ـ صهيوني في المنطقة العربية بمواجهة المشروع القومي العروبي الممانع حماية لإسرائيل وأمن إسرائيل، والسيطرة على منابع النفط والثروات العربية، والموقع الجيوسياسي الذي يميز هذه المنطقة من العالم.

فجزيرة قطر ليست دولة بترولية ثرية ـ وإن كان الغاز المسال هو مصدر دخلها الأول ـ مثل السعودية أو الكويت لتتحمل كل هذا الإنفاق الخرافي على قناة الجزيرة بدون أي هدف. فأمير قطر له علاقات قويه جداً بأمريكا، وهو واحد من أفضل أصدقائها (أتباعها) وحلفائها في المنطقة وقد تجسدت هذه الصداقة (التبعية) في إقامة أكبر قاعدة عسكريه أمريكية في المنطقة في قطر والرجل لم ينكر أبداً علاقته القوية بالكيان الصهيوني الأمر الذي يجعله يقيم مكتب للتمثيل التجاري لإسرائيل في قطر بدون أي مبرر وله تقريباً زيارات سنوية للكيان الصهيوني كما نعلم.

 

فهل ينفق الرجل كل هذه الأموال ليقيم وينشئ قناة إخبارية يمكن أن تعمل بحق ضد حلفائه وأصدقائه في واشنطن وتل أبيب؟

 أما القول أن رغبة أمير قطر في إنشاء قناة تهتم بالديمقراطية في قطر وغيرها، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدعي إنسان أن صاحب قناة الجزيرة يؤمن بحريه الكلمة وحرية الإعلام، وأنه كلف نفسه كل هذا الإنفاق لخدمة ذلك، فهو أمير قطر أي أن نظام الحكم أميري ملكي، الأمير فيه يحكم حكماً مطلقاً، لا وجود لمجلس شعب أو نواب ولا وجود لأي رقابة شعبية على إدارته هو أو حكومته لشؤون بلاده، بل ولا يجرؤ أحد من شعبه أن ينطق بكلمة عنه أو عن أسرته على الرغم من معرفتنا كيف تولى أمور الحكم؟ وما هي الصراعات التي نشأت داخل العائلة الحاكمة؟ وكيف تم تصفية الكثيرين من العائلة الحاكمة إن لم يكن جسدياً ففكرياً وعن طريق الإلغاء والإقصاء والحبس والإقامة الجبرية والإبعاد؟ وكثير منا يعرف دور الشيخة موزة في إدارة شؤون الإمارة ورسم علاقاتها خصوصاً مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فالكلمة الحرة الوحيدة التي يؤمن بها هي كلمة نفاق أو كلمة كاذبة تنفي عنه ما هو فيه، وأتصور أن وضع حرية الكلمة في قطر وحرية الإعلام في قطر أوضح من أن ينخدع أحد فيه، سيما وأن لا خبر عن داخل قطر منذ نشأة الجزيرة.

 

ومن منطق قراءة ما تذهب إليه محطة الجزيرة، أسجل العديد من النقاط التي أتمنى أن تعجب من يَطرب للجزيرة وشفافية الخبر حين يطل علينا مذيعوها وكأنهم يحاربون في قاعدة السيلية.

 

أولا: لقد أنجزت الجزيرة مهمتها الأولى بأن نقلت الصورة التي تريد أمريكا ومعها الاتحاد الأوروبي وغدت طرفاً مصدقاً تبنى على أساسه التقارير… وكم سمعنا من أمريكا وأوروبا أن الجزيرة كاذبة وبخاصة في الموضوع الفلسطيني واللبناني…

 

 ثانياً: نجحت المحطة في إظهار هويتها السياسية بعد سنوات طويلة من التخفي وراء شعارات كبيرة… أقنعت فيها الشارع أنها صوت الحقيقة.

 

 ثالثاً: تمكنت الجزيرة من توسيع دائرة مراسليها حول العالم ولكن هذه المرة بلا حدود وأعطت للمراسل حق الكلام حتى الثمالة… ودون أن يدخل في دورات تؤهله لذلك… فكل مراسل له الحق في الاتصال متى شاء ومتى رغب والخط لا يقطع إلا في حالة واحدة أن يخرج عن المتفق عليه.

 

رابعاً: علمتنا الجزيرة أن لغة الأرقام تنبع من حالة الود والخصام… فالسعودية والبحرين لا يعدان… أما سورية واليمن ومصر فتحت المجهر.

 

 خامساً: أظهرت المحطة كم الحب الذي تختزنه للشعوب العربية إلى درجة أنها نسيت أو تناست أن تغطي الكثير من الأحداث الفلسطينية والانتهاكات الصهيونية اليومية… وهذا بحد ذاته سؤال مشروع لمن يرى فيها منبراً حراً يناصر قضايا الشعوب العربية.

 

 سادساً: قد يكون للجزيرة جمهورها العريض الذي يرى عكس ما نراه، ولكن لن يطول الوقت حتى تؤكد لهم عكس ما يعتقدون وبخاصة أنها بدأت بحربها على رموز الممانعة وتهكمها على دول الممانعة.

 

 سابعاً: من يتابع الصحافة الصهيونية فسيجد قلة بل ندرة بالمقالات التي كانت تهاجم الجزيرة وأصبحت اليوم مرجعاً للقناة العاشرة، ومن يشكك بذلك فليتابع القناة الصهيونية العاشرة.

ثامناً: دون أن تقصد جعلتنا نفتش في مفرداتها عن أسباب انفلاتها من عقالها، والبحث في سياسات لدول عربية قدمت نفسها على أنها تخدم قضايا الأمة وتحاول أن تكون متوازنة لدرء الشبهات.

 

 تاسعاً: ما دامت الجزيرة حريصة كل هذا الحرص على القضايا العربية، فلماذا لا تفتح ملف القواعد الأمريكية في الخليج، ودور قاعدة السيلية في قطر ودورها في الحرب على العراق والعلاقات السرية والعلنية مع الكيان الصهيوني والمكاتب التجارية.

 

إن مقولات الجزيرة من مثل (الإعلام المحايد، والباحث عن الحقيقة)، هي أكاذيب صرفة. ولا يمكن تخيل إنفاق مبالغ طائلة لمجرد تقديم الحقائق، وهي نسبية على كل حال، فأي إعلام له هدف ورسالة محددة. ويعرف كل من عمل في الإعلام هذه الحقائق، كما يعرف أن المقولات المشار إليها، نظرية تماماً، ويتداولها الإعلاميون وأساتذة الإعلام، بوصفها ذاك.

 

لكن من يعمل في الإعلام، يعرف أيضاً أن هناك قواعد مهنية يجب مراعاتها، عند صوغ وتقديم الرسالة الإعلامية، كي تكون مقنعة وتحقق الهدف منها. ودون ذلك تصبح الرسالة على درجة عالية من الفجاجة، وتتعجل الوصول إلى الهدف بأية طريقة. وإذا كانت الوسيلة الإعلامية التي تقدم الرسالة على هذا النحو، قد بنت حضوراً لدى المتلقي فإنها تصبح أداة خطرة، بقدرتها على تمرير الأكاذيب بكونها حقائق منتهية، وهذا هو حال (الجزيرة). حيث تصر أنها مهنية وهي التي أغفلت عن قصد وأغمضت العين عن الذي يجري في البحرين وبأمر من حمد رئيس الوزراء القطري… وتقول لنا إنها مهنية.

 

فعلى مدى سنوات نشاطها سارت (الجزيرة) على خيط دقيق في تغطية الأحداث في دول الخليج العربي، فدولة قطر عضو في مجلس التعاون، لكن ذلك لم يمنع، ولمرات من تركيز حملات إعلامية، متصلة بـ(النكايات) بين الدول الخليجية. وهذه قصة طويلة، ليس مجال الخوض فيها الآن.
عند بدء التحركات الشعبية في البحرين، تعاملت (الجزيرة) مع الحدث. ولكن مع القرار الخليجي، بإرسال قوات عسكرية إلى مملكة البحرين، عمدت (الجزيرة) إلى نوع خاص من التغطية: التجاهل الكلي لما يحدث داخل المدن والقرى البحرينية، وتناول الوقائع من خلال الموقف الرسمي لدول مجلس التعاون، والذي سلك مسلكاً تصعيدياً ضد طهران، واعتبر التحرك الشعبي في البحرين، نوعاً من (الفتنة المذهبية).

 

(لا يحق للبحرينيين) هي العبارة التي تختصر تعامل (الجزيرة) مع الحدث الذي يدور على مقربة جغرافية منها. فلا ثورة هنا، ولا تنظير لكيفية إدارتها، ولا توضيح لطبيعة التدخل العسكري الخليجي في البلد الصغير، كما أن تشويهاً كبيراً قد لحق بمطالب من تحركوا مطالبين بالإصلاح، وبدور سياسي في بلادهم. إنه (الرأي والرأي الآخر) في أحد تجلياته القصوى، وفق (استراتيجية الجزيرة) القطرية.

 

و”الجزيرة” بهذا تمارس الميكافيلية في أوضح صورها، من خلال التضليل والخداع وبث الأكاذيب ما دام ذلك يحقق لها الشهرة وإثارة الجماهير والضغط على الحكومات وابتزازها، الأمر الذي أدى إلى التأثير على علاقة قطر بالبلدان العربية، لمسؤوليتها عن القناة وما تبثه، رغم زعمها بأنها تبث برامجها بحرية تامة ومن دون رقابة، لكن من الواضح أنها تعتمد حرية انتقائية.

 

فالحرية ليست رفاهية مطلقة، بل هي التزام ومسؤولية، ولذلك فعلى من يتحمل أمانتها أن يتحلى بصفات عليا، أولها إدراك خطورة الكلمة وأبعادها وتأثيراتها، بخاصة في فترة حرجة كالتي تمر بها أمتنا، بدءاً باحتلال العراق عام 2003 مروراً بتقسيم السودان والعدوان الأطلسي على ليبيا والفوضى في مصر وتونس واليمن وانتهاء بالمؤامرة على سورية من قبل الولايات المتحدة والصهيونية العالمية وعرب الجنسية وبضمنهم (حكام قطر والسعودية)، لكن ”الجزيرة” والقائمين عليها يشاركون في هذه المؤامرة مسخرين  الكلمة والصورة لقتل المواطن العربي وتحريك بؤر الإرهاب، دون أن يدركوا  أن ”الجزيرة”، والقنوات المماثلة، لن تستطيع حجب الحقيقة طويلاً، وليس لعمر التاريخ حد.

 

وبما أن قناة الجزيرة قناة قطريه أقامها حاكم قطر، وينفق عليها بأموال قطر، فالمنطق أن يكون الشأن القطري على قمة أولويات قناة الجزيرة. ذلك أن للإعلام دوراً مهماً في الرقي بمستوى الدول وفي تحقيق قدر من الرقابة والشفافية وغير ذلك. ولكن منذ أنشئت قناة الجزيرة لم يحدث أن تعرضت في أي من برامجها إلى ما يحدث في قطر، موقف غريب حقاً فهل هو ناتج عن أن القائمين على قناة الجزيرة يرون أن دولة قطر أصغر وأضأل من أن يهتم بها متابعو برامج الجزيرة؟ أم أن قطر تحولت إلى جنة حقيقية على الأرض حيث العدالة والحرية وتكافؤ الفرص والمساواة وتوزيع الثروات، وحيث لا يوجد مشكلات تحتاج إلى أن تلقى عليها قناة الجزيرة الأضواء؟


أتصور أنه لا هذا ولا ذاك، فقطر دولة عربية ولها الكثير من المواقف التي قد نتفق معها أو نختلف معها ولكنها مواقف تستحق أن تناقش على قناة الجزيرة والشأن الداخلي في قطر يهم كل عربي باعتبارها دولة عربية شقيقة مثلما يهمنا أمر ليبيا والسودان والصومال وجزر القمر وكلها دول عربية ولكن أتصور أن هناك خطاً أحمر على قناة الجزيرة ألا تقترب أبداً من الشأن الداخلي في قطر، وقناة الجزيرة حريصة على التقيد بهذا الخط الأحمر، فكل العاملين بها يدركون حقاً ما قد يحدث إذا فكروا مجرد التفكير في تجاوز هذا الخط الأحمر الذي فرضه صاحب القناة، وبذلك لا يكون هناك أي مجال للحديث عن أن الانتصار لحرية الكلمة وحرية الإعلام كان أحد أسباب إنشاء قناة الجزيرة.

 

اِن دولة قناة الجزيرة، تحاول وبسلاح ”الجزيرة” تغيير الخريطة السياسية للمنطقة برمتها، ومصادرة القرار السياسي لقوى وَجدت نفسها مربوطة بخيط هذه الإمارة الصغيرة، ومعلقة في فضاء جزيرتها، فإما أن تنصاع وتعلن الطاعة (وتأخذ المال والدعاية) وإما بالإمكان إسقاطها بسهرتين تلفزيونيتين تحريضيتين. ويبدو أن حكام تلك ”الجزيرة” الإعلامية، انهمكوا في الدور تماماً، لدرجة أنهم يتصرفون في المنطقة الآن، كقوة عظمى. قوة قوامها: محطة تلفزيونية ومليارات لا تحصى من الدولارات، ورصيد يبلغ صفراً من الديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان.

 

أي أن الحراك العربي الذي بدأ لأجل الديمقراطية والحرية والمشاركة في القرار السياسي، ولأجل أن يكون المواطن العربي حراً كريماً في بلده، يراد له أن ينتهي عند عرش هذا الأمير النفطي أو ذاك، وهم التابعون أصلاً لقوى الصهيونية العالمية، ولا يملكون قياد قرارهم السياسي، ويقال لنا الآن، أن إعلامهم يعمل لمصلحة الشعوب وحريتها وكرامتها. هؤلاء الذين يُعتبر انتقادهم من قبل أي مواطن في بلادهم جريمة لا تغتفر، ومن الكبائر التي لا كفارة عنها سوى القتل أو السجن أو النفي. لا بل إنهم يحرّمون التظاهرات شرعاً في بلادهم وفي هذا فتاوى شهيرة وواضحة.

 

تعتمد (الجزيرة) في تغطياتها أسلوبا يعرف بـ(الإشباع). وهو يعني من الناحية النظرية، الإحاطة بالخبر من كافة جوانبه، والذهاب نحو مناقشة كافة التفاصيل المتعلقة به. وقد حافظت على ذات الأسلوب في تعاملها مع تغطية الأحداث في سوريا، وحيث لم يكن هناك (حدث) يمكن تمطيطه والنفخ به، أحلت (الجزيرة) مكان (الإشباع الخبري)، إشباعاً من اللغة التحريضية والأكاذيب، وإن لم يكن هناك حدث بالمرة، جرى اختراعه، ومن ثم إشباعه بذات الأسلوب، فالمئات آلاف، والآلاف عشرات الآلاف، ومن ثم الصراخ والصراخ، عل أحداً يصدق.


ويمكن الافتراض استناداً إلى ما قدمته وتقدمه (الجزيرة)، أن المطلوب كان الوصول بالأكاذيب إلى استدعاء التدخل الغربي البشع الذي استدعته أكاذيب (الجزيرة) في ليبيا، وهللت له القناة على نحو ما تقدم. وبات من المعروف (ولعله كان مدركاً ومعروفاً منذ زمن) أن استهداف سوريا، هو استهداف لمواقفها الوطنية والقومية، وهو استهداف لخط المقاومة والممانعة، وفيه الكثير الكثير من محاولات الثأر للهزائم التي ألحقتها قوى المقاومة والممانعة بالمشروع الصهيوني، والمخططات الأمريكية.

 

فلسنا في جملة من يتوهمون أن في وسع الخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة، ـ وهو خطاب إيديولوجي ـ أن يكون خطاباً ”موضوعياً” و ”محايداً” ومنزهاً عن أي انحياز. ولكن بين ”الحياد” الكامل و (المستحيل) والانحياز السافر المفضوح مسافة غير قابلة للاختصار.

 

فقناة الجزيرة لا تخفي ميولها القرونوسطية ذات اللون الواحد الذي لا يمكن للمرء الخطأ حوله: فهي معادية للفكر القومي العربي وإن تبدي بعض ما تقدمه على أنه عروبي بشكل ما ولكنه في حقيقة الأمر ليس إلا من منظور إيديولوجي يحلم في عودة بسراب ”الخلافة العثمانية” البائدة.

أما اليوم فقد تبين للمواطن العربي تجييشها الذي لا يصب في مصلحة أحد إلا مشروعها القرونوسطية الذي لو تحقق فلن يحصد سوى المزيد من تشرذم وتابعية الشعوب العربية للآخرين غربيين كانوا أم ”عثمانيين جدداً” أم تتاراً مستجدين أم مماليك مستنسخين. ولم يعد خافياً علينا اتخاذ (الجزيرة) للقرضاوي أباً روحياً لها، وهذا ما يبرهن ويثبت معطيات قرونوسطية (الجزيرة) فهو الذي شرّع الاغتيال السياسي في أكثر من مرة، ومنها حين شرعن اغتيال القذافي وبشار الأسد وثلث الشعب السوري…

 

فالقرضاوي واحد من الذين شاركوا بكل وقاحة وصلابة في صنع المؤامرة الاستعمارية في قتل العرب فيما يسمى بالربيع العربي المصنوع في دهاليز وكالة المخابرات الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي وضع لبناته ”شمعون بيريز” واضعاً من نفسه داعية، يصول ويجول في خطاباته الرنانة معلناً وصايته على حقوق المسلمين جنباً إلى جنب مع أمير قطر، في مسرحية أمريكية بسلب هوية الإنسان العربي في القرن الواحد والعشرين، وهو بذلك لا يختلف عن الصهاينة في قتل العرب في فلسطين.

 

فقد بات أمر الشيخ ”يوسف القرضاوي” مفضوحاً في الشارع العربي ككل، بعد أن كشفت تدخلاته السافرة الأخيرة في الشؤون الداخلية للعديد من الدولة العربية، عن أنه يخطب وفقاً لأجندة النظام القطري وحلفائه من جماعة الإخوان المسلمين، لا وفقاً لأجندة وطنية تقوم على الحرية والعدالة والمساواة. ولن ينس له الإماراتيون تدخله في شأنهم الداخلي وتحريضه العالم الإسلامي ضد الإمارات بسبب ما تردد عن طردها لسوريين تظاهروا دون تصريح من الدولة، ولن ينس له السوريون دعوته الطائفية حين قرر تحويل ثورتهم إلى حرب طائفية بين السنة والعلويين الذين يمثلهم النظام، وغير ذلك من التدخلات السافرة، مستغلا الدين وتأويله للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وفقاً لمستلزمات جماعة الإخوان وحلفائها في النظام القطري.

 

تناقض واضح يكشف أن انتقائية الشيخ لا علاقة لها بالدين أو الدفاع عنه وعن معتنقيه، ولكن موجهة سياسياً وفقاً لأجندة انتمائية وتمويلية إخوانية وقطرية، فهو كما أصبح واضحاً للعيان يعمل ويتاجر بالدين لحساب من ينتمي إليهم ومن يموله، وهذا يفسر تطابق موقفه مع النظام القطري من التدخل الفرنسي في مالي، فرنسا التي دعاها للتدخل العسكري إلى ضرب ليبيا وسوريا، يرفض تدخلها الآن داعماً ومسانداً وحامياً لتنظيم القاعدة والتنظيمات التابعة والمنشقة عنها في جمهورية مالي، والتي كان بعضها يحمي نظام القذافي.

 

فإذا ما عدنا إلى مرجعية فتاوى ”القرضاوي” زعيم أبواق الغواية والفتنة وزبانيته، لوجدنا أنه قد حسم أمره وأخذ خياره في الوقوف إلى جانب صف أعداء الأمة، والتحق بنواطير رأس مال الحقبة النفطية، وتحالف مع غزاة الوطن العربي وعلى سبيل المثال حين أجمعت حركة التحرر العربية منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي على رفض الانضمام لحلف بغداد، أصرت مرجعية هذه الفتاوى على العمل مع حلف بغداد، والتحالف مع قوى الغرب الرأسمالي المستغل بحجة أنها قوى كتابية تقف في مواجهة الاتحاد السوفييتي الكافر الذي يتزوج فيه الأخ من أخته (على حد زعم هذه المرجعية)، وكان أن حملت عناصر هذه المرجعيات السلاح في مواجهة حركة التحرر العربية دون خجل أو استحياء، وازدادت شراسة في مواجهة قوى مقاومة الوجود الصهيوني على الرغم من معرفة هذه المرجعيات له بأنه غزو إحلالي لأولى القبلتين وثالث الحرمين وأرض الإسراء والمعراج والصراع مع هذا الغزو هو صراع وجود وليس صراع حدود…

 

أعرف أنه يمكن للكثيرين أن يتطوعوا للدفاع عن ”القرضاوي” ورفض كلامي، لا لشيء يستحقه الرجل، ولكن فقط لأنه رجل دين، والبعض يؤمن أن رجل الدين له حصانة أو قداسة، ولكني أقول وبعد كل الأخطاء القاتلة من مفتي الناتو، لم يعد له حصانة ولا قداسة، أرفض إلباسهما لأي فرد من المجتمع، ذلك أني أومن أن لا أحد فوق النقد والمسائلة، ومن أراد الديمقراطية وبناء مجتمع مدني فعليه أن يعرف أن الأمور لا تستقيم مع أحد فوق القانون، بمن فيهم رجال الدين، وإلا رجعنا إلى العصور الوسطى التي لا عودة لها مهما افتعل المجرمون من مسوغات دموية لعودتها.

قناة الجزيرة قناة ناطقه باللغة العربية فقط حتى وقت قريب في كل برامجها وهو ما يعنى أن المستهدف لها هو المتلقي العربي وليس أحداً سواه وهو ما يؤكد حقيقة أنها ليست قناة لنقل وجهة النظر العربية إلى الآخر، وليست قناة للدفاع عن الحقوق العربية أمام الآخر بل هي قناة عربية للعرب فقط، ويبدو جلياً من نوعية البرامج التي تقدم والتي كانت تستهدف النزاعات بين الدول العربية، والخلافات داخل الدولة الواحدة بين طوائفها وعرقياتها وحتى بين التوجهات الفكرية وبين أصحاب المواقف السياسية ضمن الدولة الواحدة، وهو الأمر الذي لم يترك أثراً إيجابياً على المواطن العربي في أي دولة كان. ثم جاء ما يسمى بـ(الثورات العربية) وكانت الطامة الكبرى حيث رأينا الحقائق تشوه والأخبار الكاذبة تنتشر والتحريض الداخلي وغياب الرؤى والحلول.

 

يقول ”مايكل وولف” الإعلامي الأمريكي المعروف في مقال له بعنوان ”حد الجزيرة”: إن الإعلام الأمريكي لديه رغبة جامحة في الجزيرة ومراسليها، لأنها تستخدم الأساليب التي يستخدمها التلفزيون الأمريكي، والأهم من ذلك أن الجزيرة عملت كمصدر معلوماتي ثمين للأمريكيين، وتفوقت في ذلك على المحطات الإعلامية الأمريكية نفسها، وزودتهم بمعلومات قيمة من ساحات الحرب. ويتابع مايكل وولف” بأن الإدارة الأمريكية تطمح في أن تصبح الجزيرة محايدة بالمعنى الأمريكي، بحيث يقتصر عملها على نقل الرؤية الأمريكية للأحداث، وتعمل إدارة الجزيرة من أجل الوصول إلى هذه الغاية. ويختم ”مايكل وولف” مقاله بقوله: إن قناة الجزيرة في طريقها إلى أن تصبح جزءاً من ماكينة الأمركة ولا سبيل لنجاحها، كما يقول وولف، إلا بتحولها إلى أداة تعمل على تحويل المشاهد العربي بشكل مضطرد إلى مستهلك جشع ومتلق لا يفكر!

 

فقناة الجزيرة انفضح أمرها، وأصبح أدائها الإعلامي مثل لوحة فسيفسائية جديدة من تركيب للألوان عجيب وهجين: من التعتيم الكامل على ما يجري في بلد، إلى التشديد الكامل على ما يجري في ثان إلى التحريض على نظام في بلد ثالث وهكذا دواليك، والضحية في هذا كله هي الرسالة الأصل: الخبر هكذا يتحول الخبر إلى موقف سياسي: بحجبه هنا وبتضخيمه هناك. بل هكذا يقع إنهاء الخبر من الأساس والتعويض عنه بالوقف السياسي.

 

فالكيل بمكاييل أصدق وصف لـ ”فلسفة قناة الجزيرة”، فهي هنا ثورية تبز الثوريين أنفسهم وتملي عليهم الخيارات والشعارات، وتخلط بين حابلهم ونابلهم، فتستضيف منهم النبيل والنظيف، مثلما تستضيف منهم من أجمع القوم على طويل خدمته لإسرائيل، وهي محافظة ورجعية تلوذ بالصمت على شرائع القرون الوسطى، ولا ببنت شفة تنبس عما يجري وراء ستار التعتيم المطلق، وما أغنانا عن القول أن الانتهازية والنفاق جوهر أية سياسة تكيل بمكاييل: في السياسة أو في الفكر أو في الإعلام، إذ هي تفتقر إلى أي مبدأ أو وازع أخلاقي يعصمها من السقوط المعنوي وفقدان الصدقية التي هي رأسمال السياسة والإعلام في عالم اليوم.

 

انكشفت (الجزيرة)، وانتهت مرحلة طويلة من التواطؤ، في التعامل مع هذه الوسيلة الإعلامية. ومع الانكشاف صار بالإمكان الإجابة عن كثير من الأسئلة التي كانت لغزاً محيراً، وأنتجت لمرحلة طويلة التواطؤ الذي أشرنا إليه.والسؤال الذي يطرحه أي مواطن عربي اليوم على إعلاميي قناة الجزيرة، ونعرف أنه ليس بمقدوركم الإجابة عنه ولو استعنتم بكل خبرات وإمكانات سادتكم وموجهيكم هو:

 

إلى أين تريدون الوصول بما تقومون به من تحريض على الفتنة وقتل الأبرياء، وتزييف الوقائع والافتئات على الحقيقة وفبركة الأحداث وتلفيق الاتهامات الباطلة ضد شرفاء الأمة العربية ومقاوميها الأحرار، وحماية الجماعات الإرهابية المسلحة وتغطية جرائمها الوحشية بادعاءات كاذبة مازلتم مصرين على نشرها وتكرارها والصراخ من هولها حتى بحّت حناجركم وانتفخت أوداجكم ومزقت سراويلكم و….؟


الشيء المخجل أنكم لم تخجلوا من أنفسكم أيها القادمون من بلدان المغرب والمشرق العربيين إلى قناة النفط والغاز الفضائية على الرغم من معرفتكم بأنكم تكذبون وتلفقون وتخدعون على حساب كراماتكم وأخلاقكم، لكنها ضريبة البحث عن الغنى والثروة ولن نقول الشهرة لأن أسماءكم وتاريخكم وعملكم صارت اليوم في الحضيض كما هو حال الجزيرة التي تعملون فيها، وستكتشفون حين تنجلي الحقائق قريباً وتجدون أنفسكم منبوذين على هامش الحياة الإعلامية العربية الشريفة والنظيفة والمعافاة، ومرفوضين في أوطانكم الأصلية والبديلة من الجميع حتى أقرب الناس إليكم، لأنكم كنتم صوت هذه القناة الطارئة والساقطة في ظلام الحقد والخيال بشرّ أعمالها وسيئ مواقفها، وستكتشفون كم كان الثمن الذي دفعتموه من كراماتكم ومستقبلكم ووجودكم غالياً ولن تسترجعوا شيئاً من أنفسكم وأحلامكم التي أضعتموها ركضاً وراء سراب خادع أغراكم به ممولو تلك القناة.

 

ألم تسألوا أنفسكم حين لهثتم نحوها: لماذا لا يوجد عاملون في تلك القناة من أبناء قطر التي أنشأتها إلا نادراً؟ ولماذا تعتمد فقط على المرتزقة (الأجانب) كما يسمونكم؟

 

إذا وجدتم الإجابة الصحيحة فستعرفون مدى المكابرة التي تستمرون فيها، وسترون من بعيد المصير الأسود الذي ينتظركم، وكل ما نأمله ألا يكون قد فات الأوان على التراجع عن الخطأ والعودة إلى الفضيلة التي طعنتموها كثيراً.


وما يحيرنا أيها المسؤولون والعاملون في تلك القناة أنكم بعد كل الفضائح التي غطتكم من الرأس إلى القدمين وعرت قنواتكم من كل شيء لم تستحوا، ما يعني ببساطة أنكم وقناتكم غائبون عن الوعي، ومن لا يستحي يفعل ما يشاء كما يقال، ولسنا بصدد تعداد هذه الفضائح لأن المشاهدين العرب في كل مكان يحفظونها عن ظهر قلب.

 

فنحن الآن لا نتحامل على قناة الجزيرة، لكننا نريد كشف الحقائق والدعوة إلى أخذ الحيطة من إعلام الجزيرة الموجه، وأن يدرك هؤلاء القائمون على محطة الجزيرة، بأنه كان لدينا فلسطين واحدة جريحة، وبفضلهم وفضل سياساتهم صار لدينا أكثر من بلد عربي جريح، ألم يسألوا أنفسهم من المستفيد الأول من نشر الفوضى في عالمنا العربي؟ ولماذا لم تلعب قناة الجزيرة دوراً إيجابياً يعود بالنفع على الأمة العربية وتلاحمها مادامت قناتهم تهتم بمصالح الأمة العربية وشؤونها بحسب ما يقولون، كأن تعمل على دفع الشباب للتظاهر والمطالبة بالوحدة العربية وفك حدود الدول العربية فيما بينها، وأن تشحن الشعوب للتظاهر لإيقاف الاستيطان في فلسطين وتحرير القدس الشريف المحتل.

 

فمعركتنا القادمة نحن مثقفي هذه البلاد العربية مع (الجزيرة) التي طلّقت الروح المهنية وامتهنت التجييش، وأعطت لنفسها حق الوصاية على الشعوب وعلى حاضرنا ومستقبلنا.

قناة الجزيرة… وصناعة الإرهاب في مصر…!                                                                               بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية 

في الأسابيع الأولى، وبعد حركة تصحيح مسار الثورة الذي شهدته مصر في 30 حزيران، بدا الأمر لكل المتتبعين أن الحرب ستكون في جزء كبير منها حرباً إعلامية وأن معركة الصورة ستكون أهم بكثير من معركة الرصاص. معركة الصورة بدت جديدة على الشعب المصري، وخصوصاً مع دخول إمبراطورية قطر الإعلامية في خضم المعركة، حيث تمتلك النفوذ السياسي والمالي.

في أي معركة عليك أن تتابع ما الذي يزعج عدوك وردة فعله تجاهه، وليعلم الكثيرون أن المعركة الآن هي لمعاقبة الشعب المصري أكثر منها لمعاقبة القيادة المصرية، لأن الشعب المصري بالكامل اختار الوقوف مع الوطن.

هي لعبة إعلام قذر ومأجور، وإرهاب إعلامي موصوف لاستهداف مصر في إطار ماكينة الحرب النفسية، والدلائل كثيرة، والحقائق واضحة أمام من أراد أن يحكم ضميره. فمنذ بدء المؤامرة على مصر، وماكينة إعلام ”الجزيرة” التابعة للنظام القطري المتآمر على مصر، يواصل فبركة الروايات والأكاذيب واختلاق ونسج شتى القصص الملفقة التي تستهدف مصر، حيث بات الإعلام التابع للأجندات الأمريكية والصهيونية في المنطقة يروج للمصطلحات التي تنطق بها ألسنة المسؤولين فيها والناشطين تحت مظلتها في عملية تعميم واضحة يمكن للمشاهد الفطن أن يكتشف من دون عناء أنها حرب نفسية إعلامية مدفوعة الثمن وبملايين الدولارات لم ير العالم مثيلا لها.


والمتابع لقناة ”الجزيرة”، ولاسيما خلال نشرات الأخبار التي تأتي دائماً على رأس الساعة، يرى كيف أن هذه القناة تضع الحدث المصري في مقدمة أولويات المشاهد مقارنة بالأحداث التي تخص دولاً أخرى، وتعطيه الحجم الأكبر من التغطية والتركيز عبر إضافة الأخبار المفبركة والتقارير المفخخة من أجل تسويق أمور بصورة متواترة بالشرح والنشر ضمنياً أو علنياًَ لتحقيق ما خطط له مسبقا، كالمطالبة ”بعودة المعزول ”مرسي” أو التدخل الخارجي، وفي المقابل تعمد هذه القناة نفسها إلى التقليل من أهمية الحلول السياسية الأخرى كوقف العنف واعتماد الحوار كحل سياسي سلمي للازمة.


وحين نتحدث عن قناة الفتنة والتحريض لابد من أن نتوقف طويلا عند قناة ”الجزيرة” التي تصدرت قائمة القنوات الشريكة في سفك الدم المصري باعتبارها منبراً حراً للإرهاب وذراعا تسويقيا له، ولا أحد ينكر عليها الأدوار المختلفة التي تفننت بها لقلب الحقائق وبث الأخبار الكاذبة والمخالفة للواقع، وشن حملة من الأكاذيب لتصعيد الوضع مصر.

 

لسنا هنا لنذكر أمثلة على ذلك (فالحقيقة كالشمس لا يستطيع أحد أن يحجبها) ولسنا هنا أيضاً من باب الهجوم على القناة، ولكننا سنحاول استعراض معلومات عن قناة ”الجزيرة”، ونحللها بهدف الوصول إلى جزء من حقيقة القناة ودورها السابق والحالي.

 

هي إذاً مجموعة من الأسئلة المنطقية حولها ونترك الإجابة للقارئ، وسوف نسلط الضوء على بعض من ممارسات ”الجزيرة” التي شكلت خطراً حقيقياً على الأمة العربية، وتلاعبت إلى حد كبير بعقل المشاهد العربي. ولا بد في البداية من الاعتراف بتلك الحرفية الكبيرة التي يؤدي بها كل العاملين في قناة ”الجزيرة” عملهم، وليس المهنية الكبيرة، إذ أن هناك فرقاً بين الحرفية والمهنية. فبينما تعني الحرفية إتقان الحرفة وصولاً إلى الإبداع فيها في بعض الأحيان، تعني المهنية أن تكون حرفياً مع مراعاة الأخلاق والصدق في العمل.

 

فجزيرة قطر ليست دولة بترولية ثرية ـ وإن كان الغاز المسال هو مصدر دخلها الأول ـ مثل السعودية أو الكويت لتتحمل كل هذا الإنفاق الخرافي على قناة الجزيرة بدون أي هدف. فأمير قطر له علاقات قوية جداً بأمريكا، وهو واحد من أفضل أصدقائها (أتباعها) وحلفائها في المنطقة وقد تجسدت هذه الصداقة (التبعية) في إقامة أكبر قاعدة عسكريه أمريكية في المنطقة في قطر، والرجل لم ينكر أبداً علاقته القوية بالكيان الصهيوني، الأمر الذي يجعله يقيم مكتب للتمثيل التجاري لإسرائيل في قطر بدون أي مبرر، وله تقريباً زيارات سنوية للكيان الصهيوني كما نعلم.

 

فهل ينفق الرجل كل هذه الأموال ليقيم وينشئ قناة إخبارية يمكن أن تعمل بحق ضد حلفائه وأصدقائه في واشنطن وتل أبيب؟

 

أما القول أن رغبة أمير قطر في إنشاء قناة تهتم بالديمقراطية في قطر وغيرها، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدعي إنسان أن صاحب قناة ”الجزيرة” يؤمن بحريه الكلمة وحرية الإعلام، وأنه كلف نفسه كل هذا الإنفاق لخدمة ذلك، فهو أمير قطر، أي أن نظام الحكم أميري ملكي، الأمير فيه يحكم حكماً مطلقاً، لا وجود لمجلس شعب أو نواب ولا وجود لأي رقابة شعبية على إدارته هو أو حكومته لشؤون بلاده، بل ولا يجرؤ أحد من شعبه أن ينطق بكلمة عنه أو عن أسرته على الرغم من معرفتنا كيف تولى أمور الحكم؟ وما هي الصراعات التي نشأت داخل العائلة الحاكمة؟ وكيف تم تصفية الكثيرين من العائلة الحاكمة إن لم يكن جسدياً ففكرياً وعن طريق الإلغاء والإقصاء والحبس والإقامة الجبرية والإبعاد؟ وكثير منا يعرف دور الشيخة ”موزة” في إدارة شؤون الإمارة ورسم علاقاتها خصوصاً مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فالكلمة الحرة الوحيدة التي يؤمن بها هي كلمة نفاق أو كلمة كاذبة تنفي عنه ما هو فيه، وأتصور أن وضع حرية الكلمة في قطر وحرية الإعلام في قطر أوضح من أن ينخدع أحد فيه، سيما وأن لا خبر عن داخل قطر منذ نشأة ”الجزيرة”.

 

إن مقولات ”الجزيرة” من مثل (الإعلام المحايد، والباحث عن الحقيقة)، هي أكاذيب صرفة. ولا يمكن تخيل إنفاق مبالغ طائلة لمجرد تقديم الحقائق، وهي نسبية على كل حال، فأي إعلام له هدف ورسالة محددة. ويعرف كل من عمل في الإعلام هذه الحقائق، كما يعرف أن المقولات المشار إليها، نظرية تماماً، ويتداولها الإعلاميون وأساتذة الإعلام، بوصفها ذاك.

 

لكن من يعمل في الإعلام، يعرف أيضاً أن هناك قواعد مهنية يجب مراعاتها، عند صوغ وتقديم الرسالة الإعلامية، كي تكون مقنعة وتحقق الهدف منها. ودون ذلك تصبح الرسالة على درجة عالية من الفجاجة، وتتعجل الوصول إلى الهدف بأية طريقة. وإذا كانت الوسيلة الإعلامية التي تقدم الرسالة على هذا النحو، قد بنت حضوراً لدى المتلقي فإنها تصبح أداة خطرة، بقدرتها على تمرير الأكاذيب بكونها حقائق منتهية، وهذا هو حال ”الجزيرة”.

 

و”الجزيرة” بهذا تمارس الميكافيلية في أوضح صورها، من خلال التضليل والخداع وبث الأكاذيب ما دام ذلك يحقق لها الشهرة وإثارة الجماهير والضغط على الحكومات وابتزازها، الأمر الذي أدى إلى التأثير على علاقة قطر بالبلدان العربية، لمسؤوليتها عن القناة وما تبثه، رغم زعمها بأنها تبث برامجها بحرية تامة ومن دون رقابة، لكن من الواضح أنها تعتمد حرية انتقائية.

 

وبما أن قناة ”الجزيرة” قناة قطريه أقامها حاكم قطر، وينفق عليها بأموال قطر، فالمنطق أن يكون الشأن القطري على قمة أولويات قناة الجزيرة. ذلك أن للإعلام دوراً مهماً في الرقي بمستوى الدول وفي تحقيق قدر من الرقابة والشفافية وغير ذلك. ولكن منذ أنشئت قناة ”الجزيرة” لم يحدث أن تعرضت في أي من برامجها إلى ما يحدث في قطر، موقف غريب حقاً…

فهل هو ناتج عن أن القائمين على قناة ”الجزيرة” يرون أن دولة قطر أصغر وأضأل من أن يهتم بها متابعو برامج ”الجزيرة”؟ أم أن قطر تحولت إلى جنة حقيقية على الأرض حيث العدالة والحرية وتكافؤ الفرص والمساواة وتوزيع الثروات، وحيث لا يوجد مشكلات تحتاج إلى أن تلقى عليها قناة الجزيرة الأضواء؟


أتصور أنه لا هذا ولا ذاك، فقطر دولة عربية ولها الكثير من المواقف التي قد نتفق معها أو نختلف معها ولكنها مواقف تستحق أن تناقش على قناة ”الجزيرة” والشأن الداخلي في قطر يهم كل عربي باعتبارها دولة عربية شقيقة، مثلما يهمنا أمر ليبيا والسودان والصومال وجزر القمر وكلها دول عربية، ولكن أتصور أن هناك خطاً أحمر على قناة ”الجزيرة” ألا تقترب أبداً من الشأن الداخلي في قطر.

 

وقناة ”الجزيرة” حريصة على التقيد بهذا الخط الأحمر، فكل العاملين بها يدركون حقاً ما قد يحدث إذا فكروا مجرد التفكير في تجاوز هذا الخط الأحمر الذي فرضه صاحب القناة، وبذلك لا يكون هناك أي مجال للحديث عن أن الانتصار لحرية الكلمة وحرية الإعلام كان أحد أسباب إنشاء قناة ”الجزيرة”.

 

اِن دولة قناة ”الجزيرة”، تحاول وبسلاح ”الجزيرة” تغيير الخريطة السياسية للمنطقة برمتها، ومصادرة القرار السياسي لقوى وَجدت نفسها مربوطة بخيط هذه الإمارة الصغيرة، ومعلقة في فضاء جزيرتها، فإما أن تنصاع وتعلن الطاعة (وتأخذ المال والدعاية) وإما بالإمكان إسقاطها بسهرتين تلفزيونيتين تحريضيتين. ويبدو أن حكام تلك ”الجزيرة” الإعلامية، انهمكوا في الدور تماماً، لدرجة أنهم يتصرفون في المنطقة الآن، كقوة عظمى.

 

قوة قوامها: محطة تلفزيونية ومليارات لا تحصى من الدولارات، ورصيد يبلغ صفراً من الديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان.

 

أي أن الحراك العربي الذي بدأ لأجل الديمقراطية والحرية والمشاركة في القرار السياسي، ولأجل أن يكون المواطن العربي حراً كريماً في بلده، يراد له أن ينتهي عند عرش هذا الأمير النفطي أو ذاك، وهم التابعون أصلاً لقوى الصهيونية العالمية، ولا يملكون قياد قرارهم السياسي، ويقال لنا الآن، أن إعلامهم يعمل لمصلحة الشعوب وحريتها وكرامتها.

 

هؤلاء الذين يُعتبر انتقادهم من قبل أي مواطن في بلادهم جريمة لا تغتفر، ومن الكبائر التي لا كفارة عنها سوى القتل أو السجن أو النفي. لا بل إنهم يحرّمون التظاهرات شرعاً في بلادهم وفي هذا فتاوى شهيرة وواضحة.

 

فنحن لسنا في جملة من يتوهمون أن في وسع الخطاب الإعلامي لقناة ”الجزيرة”، ـ وهو خطاب إيديولوجي ـ أن يكون خطاباً ”موضوعياً” و ”محايداً” ومنزهاً عن أي انحياز. ولكن بين ”الحياد” الكامل و (المستحيل) والانحياز السافر المفضوح مسافة غير قابلة للاختصار.

 

فقناة ”الجزيرة” لا تخفي ميولها القرونوسطية ذات اللون الواحد الذي لا يمكن للمرء الخطأ حوله: فهي معادية للفكر القومي العربي، وإن تبدي بعض ما تقدمه على أنه عروبي بشكل ما، ولكنه في حقيقة الأمر ليس إلا من منظور إيديولوجي يحلم في عودة بسراب ”الخلافة العثمانية” البائدة.

أما اليوم فقد تبين للمواطن المصري تجييشها الذي لا يصب في مصلحة أحد إلا مشروعها القرونوسطية الذي لو تحقق فلن يحصد سوى المزيد من تشرذم وتابعية الشعوب العربية للآخرين غربيين كانوا أم ”عثمانيين جدداً” أم تتاراً مستجدين أم مماليك مستنسخين.

 

ولم يعد خافياً علينا اتخاذ ”الجزيرة” لـ ”القرضاوي” أباً روحياً لها، وهذا ما يبرهن ويثبت معطيات قرونوسطية ”الجزيرة” فهو الذي شرّع الاغتيال السياسي في أكثر من مرة، ومنها حين شرعن اغتيال ”القذافي” و”بشار الأسد” وثلث الشعب السوري… واليوم الدور على القيادة والشعب المصري…

 

فـ”القرضاوي” واحد من الذين شاركوا بكل وقاحة وصلابة في صنع المؤامرة الاستعمارية في قتل العرب فيما يسمى بالربيع العربي المصنوع في دهاليز وكالة المخابرات الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي وضع لبناته ”شمعون بيريز” واضعاً من نفسه داعية، يصول ويجول في خطاباته الرنانة معلناً وصايته على حقوق المسلمين جنباً إلى جنب مع أمير قطر، في مسرحية أمريكية بسلب هوية الإنسان العربي في القرن الواحد والعشرين، وهو بذلك لا يختلف عن الصهاينة في قتل العرب في فلسطين.

 

فقد بات أمر الشيخ ”يوسف القرضاوي” مفضوحاً في الشارع العربي ككل، بعد أن كشفت تدخلاته السافرة الأخيرة في الشؤون الداخلية لمصر، عن أنه يخطب وفقاً لأجندة النظام القطري وحلفائه من جماعة الأخوان المسلمين، لا وفقاً لأجندة وطنية تقوم على الحرية والعدالة والمساواة، مستغلا الدين وتأويله للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وفقاً لمستلزمات جماعة الأخوان وحلفائها في النظام القطري.

 

تناقض واضح يكشف أن انتقائية الشيخ لا علاقة لها بالدين أو الدفاع عنه وعن معتنقيه، ولكن موجهة سياسياً وفقاً لأجندة انتمائية وتمويلية إخوانية وقطرية، فهو كما أصبح واضحاً للعيان يعمل ويتاجر بالدين لحساب من ينتمي إليهم ومن يموله. وإذا ما عدنا إلى مرجعية فتاوى ”القرضاوي” زعيم أبواق الغواية والفتنة وزبانيته، لوجدنا أنه قد حسم أمره وأخذ خياره في الوقوف إلى جانب صف أعداء الأمة، والتحق بنواطير رأس مال الحقبة النفطية، وتحالف مع غزاة الوطن العربي.

 

أعرف أنه يمكن للكثيرين أن يتطوعوا للدفاع عن ”القرضاوي” ورفض كلامي، لا لشيء يستحقه الرجل، ولكن فقط لأنه رجل دين، والبعض يؤمن أن رجل الدين له حصانة أو قداسة، ولكني أقول وبعد كل الأخطاء القاتلة من مفتي الناتو، لم يعد له حصانة ولا قداسة، أرفض إلباسهما لأي فرد من المجتمع، ذلك أني أومن أن لا أحد فوق النقد والمسائلة، ومن أراد الديمقراطية وبناء مجتمع مدني، فعليه أن يعرف أن الأمور لا تستقيم مع أحد فوق القانون، بمن فيهم رجال الدين، وإلا رجعنا إلى العصور الوسطى التي لا عودة لها مهما افتعل المجرمون من مسوغات دموية لعودتها.

فقناة ”الجزيرة” انفضح أمرها، وأصبح أدائها الإعلامي مثل لوحة فسيفسائية جديدة من تركيب للألوان عجيب وهجين: من التعتيم الكامل على ما يجري في بلد، إلى التشديد الكامل على ما يجري في ثان إلى التحريض على نظام في بلد ثالث وهكذا دواليك، والضحية في هذا كله هي الرسالة الأصل: الخبر هكذا يتحول الخبر إلى موقف سياسي: بحجبه هنا وبتضخيمه هناك. بل هكذا يقع إنهاء الخبر من الأساس والتعويض عنه بالوقف السياسي.

 

انكشفت ”الجزيرة”، وانتهت مرحلة طويلة من التواطؤ، في التعامل مع هذه الوسيلة الإعلامية. ومع الانكشاف صار بالإمكان الإجابة عن كثير من الأسئلة التي كانت لغزاً محيراً، وأنتجت لمرحلة طويلة التواطؤ الذي أشرنا إليه. والسؤال الذي يطرحه أي مواطن عربي اليوم على إعلاميي قناة الجزيرة، ونعرف أنه ليس بمقدور إعلاميي قناة ”الجزيرة” الإجابة عنه ولو استعانوا بكل خبرات وإمكانات سادتهم وموجهيهم هو:

 

إلى أين تريدون الوصول بما تقومون به من تحريض على الفتنة وقتل الأبرياء، وتزييف الوقائع والافتئات على الحقيقة وفبركة الأحداث وتلفيق الاتهامات الباطلة ضد شرفاء الأمة العربية ومقاوميها الأحرار، وحماية الجماعات الإرهابية المسلحة وتغطية جرائمها الوحشية بادعاءات كاذبة مازلتم مصرين على نشرها وتكرارها والصراخ من هولها حتى بحّت حناجركم وانتفخت أوداجكم ومزقت سراويلكم و….؟


الشيء المخجل أنكم لم تخجلوا من أنفسكم أيها القادمون من بلدان المغرب والمشرق العربيين إلى قناة النفط والغاز الفضائية، على الرغم من معرفتكم بأنكم تكذبون وتلفقون وتخدعون على حساب كراماتكم وأخلاقكم، لكنها ضريبة البحث عن الغنى والثروة، ولن نقول الشهرة لأن أسماءكم وتاريخكم وعملكم صارت اليوم في الحضيض كما هو حال ”الجزيرة” التي تعملون فيها…

 

وستكتشفون حين تنجلي الحقائق قريباً وتجدون أنفسكم منبوذين على هامش الحياة الإعلامية العربية الشريفة والنظيفة والمعافاة، ومرفوضين في أوطانكم الأصلية والبديلة من الجميع حتى أقرب الناس إليكم، لأنكم كنتم صوت هذه القناة الطارئة والساقطة في ظلام الحقد والخيال بشرّ أعمالها وسيئ مواقفها، وستكتشفون كم كان الثمن الذي دفعتموه من كراماتكم ومستقبلكم ووجودكم غالياً ولن تسترجعوا شيئاً من أنفسكم وأحلامكم التي أضعتموها ركضاً وراء سراب خادع أغراكم به ممولو تلك القناة.

 

ألم تسألوا أنفسكم حين لهثتم نحوها: لماذا لا يوجد عاملون في تلك القناة من أبناء قطر التي أنشأتها إلا نادراً؟ ولماذا تعتمد فقط على المرتزقة (الأجانب) كما يسمونكم؟

 

إذا وجدتم الإجابة الصحيحة فستعرفون مدى المكابرة التي تستمرون فيها، وسترون من بعيد المصير الأسود الذي ينتظركم، وكل ما نأمله ألا يكون قد فات الأوان على التراجع عن الخطأ والعودة إلى الفضيلة التي طعنتموها كثيراً.


وما يحيرنا أيها المسؤولون والعاملون في تلك القناة أنكم بعد كل الفضائح التي غطتكم من الرأس إلى القدمين وعرت قنواتكم من كل شيء لم تستحوا، ما يعني ببساطة أنكم وقناتكم غائبون عن الوعي، ومن لا يستحي يفعل ما يشاء كما يقال، ولسنا بصدد تعداد هذه الفضائح لأن المشاهدين العرب في كل مكان يحفظونها عن ظهر قلب.

 

فنحن الآن لا نتحامل على قناة ”الجزيرة”، لكننا نريد كشف الحقائق والدعوة إلى أخذ الحيطة من إعلام ”الجزيرة” الموجه، وأن يدرك هؤلاء القائمون على هذه المحطة، بأنه كان لدينا فلسطين واحدة جريحة، وبفضلهم وفضل سياساتهم صار لدينا أكثر من بلد عربي جريح.

 

ألم يسألوا أنفسهم من المستفيد الأول من نشر الفوضى في عالمنا العربي؟ ولماذا لم تلعب قناة ”الجزيرة” دوراً إيجابياً يعود بالنفع على الأمة العربية وتلاحمها مادامت قناتهم تهتم بمصالح الأمة العربية وشؤونها بحسب ما يقولون، كأن تعمل على دفع الشباب للتظاهر والمطالبة بالوحدة العربية وفك حدود الدول العربية فيما بينها، وأن تشحن الشعوب للتظاهر لإيقاف الاستيطان في فلسطين وتحرير القدس الشريف المحتل.

 

فمعركتنا القادمة نحن مثقفي هذه البلاد العربية مع ”الجزيرة” التي طلّقت الروح المهنية وامتهنت الفتنة والتجييش، وأعطت لنفسها حق الوصاية على الشعوب وعلى حاضرنا ومستقبلنا.

لا تقارب ديني بين المذاهب بدون تقارب سيّاسي…؟                                                      بقلم: مصطفى قطبي

 من أرشيف رؤية

لقد اصطنع الاستعمار الغربي كل المبررات السياسية لتدخله في شؤون المشرق والمغرب العربيين، وطور أساليبه من عقيدة دينية صلبة إلى حملات عسكرية وغزو فكري وحروب نفسية، وصاغها في النهاية بنظرية سياسية واقتصادية واجتماعية، وفلسفها بكل ما لديه من فكر وثقافة جاعلاً مصطلح (الاستعمار) عقيدة وطنية لأوروبا، محاولاً بثها في أذهان الشعوب الأخرى على أنها حق طبيعي لشعوب أوروبا الراقية المتفوّقة في نشر رسالة الحضارة بين الشعوب المتخلفة لإنقاذها من ظلام القرون الوسطى. ومن ثم فإن مبادئ التمدين الجديد تحمل إلى البشرية قيمَ الاستعمار الأخلاقية ومُثلَه الإنسانية التي يجدر بالأقوى أن يطبقها على الأضعف.

هذا ما اعتمده الاستعمار الغربي مدركاً أهمية إضعاف الوعي الوطني وقتل الشعور القومي، ولا أدلَّ على خطورة هذا المخطط من المشاريع التي طبقها الماريشال (ليوتي) الفرنسي في المغرب العربي إذ قال: ”إن على الغرب أن يجعل العربي المراكشي أجنبياً عن العربي الجزائري، وأجنبياً عن العربي التونسي والليبي والمصري والسوري والعراقي”، منادياً بخلق جنسيات جديدة بين العرب تتميز بالخلاف بين المذاهب الإسلامية في كل بلد عربي، ودعا إلى وجوب إبراز هذه المذاهب وتطويرها بحيث يتحوَّل العرب من القومية العربية أو الرابطة الإسلامية إلى طوائف إسلامية متناحرة.

فوسط أمواج المد (تسونامي) لما يسمى ”الربيع العربي” انقلبت اليوم وتغيرت مواقف المنتسبين إلى راية الإسلام والمتبوئين رتبة ”علماء” فأضاعت حرمة الدماء والأخلاق والأعراض والأرض والدين، وانتهكت انتهاكاً غير مسبوق، كان من نتيجته اصطفافات طائفية ومذهبية مقيتة، أججتها وسائل الإعلام المشبوهة والفتاوى والخطب، فحُرِّفت فريضة ”الجهاد” عن سبق إصرار وترصد والتي تقوم على رفع الظلم عن المسلمين، وإزالة مظاهر الظلم والاحتلال عن أراضي المسلمين إذا اغتصبت، وهي فريضة في حكمها وأسبابها وأهدافها يستحقها اليوم الشعب الفلسطيني. إلا أن ما يؤسف له وما يؤلم، أنها تم حرفها لتكون أداة لقتل المسلمين بعضهم بعضاً، فامتشق الذين غرِّرَ بهم وخُدِعوا بهذا التحريف سيوفهم ليقطعوا بها أعناق أشقائهم في العقيدة والدم، وبالتالي أضحى الصراع مذهبياً مدمراً مقيتاً، بعد أن كان الصراع الأوحد هو الصراع العربي ـ الصهيوني، وأن لا عدو سوى العدو الصهيوني.

ومن مفرزات الخطورة أن التخطيط الأمريكي المتراكم وبمعاضدة من العالم الغربي برمّته تقريباً جعل من الضحية العربية تتصارع مع ذاتها وتعتدي على ذاتها، بل حدثت محاولات جدية لجعل الصراع ضمن المكونات الدينية للمنطقة العربية، وحتّى ضمن مكونات الدين الإسلامي، وأخطر أدواته التي ”تعمل” بغية إشعال وتأجيج (فتنة) إسلامية إسلامية تتمثل بفضائيات ومحطات تلفزيونية متفرغة للبحث في إشكاليات حساسة يزخر بها التراث الإسلامي وإبراز الأمور الخلافية واستثمارها للتحريض والاقتتال والفتنة… فلم يشهد التاريخ العربي ولا حتّى مسيرة وسائل الإعلام كلّها عبر التاريخ مرحلة من التحريض الطائفي الديني كما هو موجّه إلى العالم العربي اليوم.

والفضيحة قائمة بوجود أقمار صناعية خاصة بالبث الفضائي توافق على بث قنوات متخصصة بالفتن الطائفية والدينية… والأكثر فضائحية هي الأنظمة والدول التي تسمح لفضائيات متخصصة بالفتنة الدينية العمل على أراضيها، بل وتدعمها وتؤمن لها الكوادر والأموال والميزات والمغريات وتوظّفها كأداة من أدوات التآمر والاعتداءات على الآخر… إنّه انحطاط قيمي غير مسبوق ولا يمكنه أن ينتج إلا عن أنظمة زاد انحطاطها السياسي والأخلاقي وصولاً إلى تخصصها بصناعة الفتن الدينية!

اللافت فيما يتعلق بدراسات الحوار ”الإسلامي ـ الإسلامي” ميل معظم البحوث والمداخلات إلى الارتكاز على المشكلات المذهبية، بوصفها المنصة الظرفية لمشكلات الحوار الإسلامي ـ الإسلامي نفسه، وبطبيعة الحال فإن هذا المنحى من المعالجات والمقاربات سيعاود استهلال المراحل التاريخية السابقة التي كانت تربط باستمرار أزمة العقل الإسلامي بأزمة الفقه والأدلجة وعلم الكلام، وفي هذا السياق ستظل محنة الحوار عالقة في فخ الاجتهاد وأطواره ساحبة معها ذيول النصوص وتأويلاتها وانقساماتها لينتهي الأمر بنا إلى تعطيل الحوار وإغلاق نوافذه، لأننا ببساطة انطلقنا بمنهجية الحوار من أدوات المشكلة دون أي اهتمام بأدوات التغيير التي لا معنى لمفهوم الحوار في غيابها.

ولئن كنا لا نملك أن نماري في أن حالات عدة من إخفاق مشاريع التقريب بين المسلمين قد سُجلت في تاريخ الحوار فليس لنا أن نتجاهل أن مصادرة فكر التغيير الاجتماعي واستبعاد المثقف عن عملية التغيير قد جرّت حواراتنا الفقهية والكلامية إلى مزيد من السجال العقيم المتسلط بأحكامه المسبقة بين سلطوية النفي وسلطوية الإثبات وبذلك بقيت إشكاليات الحوار وأسئلته مطابقة لذهنيات التفكير المذهبي وقائمة عليه، ومن ثم تراجعت قضايا الوحدة والحرية والثقافة والتنمية على حساب المقولات المذهبية، وهي مقولات كان بإمكانها أن تثري تطلعات الحوار وآماله، فيما لو انطلقنا بتوظيف تراكماتها لمصلحة قضايا الوجود والمصير، فتتكامل مع قوى التغيير في أمتنا العزيزة بدل أن تخوض فجاعة الصراع مع المذاهب الدينية المخالفة، أو المذاهب الأيديولوجية النقيضة.

الحوار الإسلامي ـ الإسلامي نحو صياغة جديدة:

هل يعيد الحوار الإسلامي ـ الإسلامي صياغة نفسه؟ فيبتدئ من نقد الواقع الراهن لمحاكمة تاريخيه وماضيه بدل أن يبتدئ من نقد الموروث ويستغرق فيه ليتنصل في النهاية من مواجهة العصر وتحدياته. فإذا أردنا أن يقاس الحوار بمنجزاته فلا بد من استحضار هذا السؤال لتحديد الحوار الحضاري لحوارنا وتفهم معطياته لنقدم من خلاله الفرص الجديدة لبناء الذات ومواجهة التحديات. ذلك أن أي حوار يتورط في معركة المغالبات المذهبية هو حوار خاسر لأنه حوار بين كتب السلف الصالح وليس حواراً بين عقولنا نحن ومواجعنا نحن.

لذلك فإن أي تنظير لموضوعية الحوار الإسلامي ـ الإسلامي خارج ميدان النهوض الثقافي والاجتماعي المقاوم لاستلاب الهوية وخارج النهوض السياسي المقاوم للاحتلال الإسرائيلي لأرضنا العربية الإسلامية هو حوار ناقص مبستر وعاجز عن الاستمرار في الزمان والتاريخ لأنه يفصل إسلام الفكر والعقيدة عن وظيفته الربانية في الشهودية على الناس والتاريخ. ومن إهمالنا الواضح لمحددات الحوار وموضوعيته وأولوياته وقعنا في واحدة من أعظم المفارقات الساخرة، ففي الوقت الذي تمادى فيه علماؤنا ومفكرونا ومثقفونا في التحاور مع الاستشراق وفي الوقت الذي سقطنا في شبكة التحاور مع الصهيونية كان دخان الحروب الداخلية بين المسلم والمسلم يحجب أبصارنا عن المجازر التي ترتكبها إسرائيل يومياً.

ومن المؤسف المؤلم أن المقاومة التي تحصّنا بها لعدة أجيال تكاد تتبدد في هذا المدى الغائم من لا موضوعية الحوار الغائب أو المغيب. وأغلب الظن أن الحوار الذي أخطأ وجهته وساريته منذ أن طرد آخر عربي مسلم من غرناطة عام 1492م قد انتهى بنا إلى هذه الحروب الخادعة فيما بيننا لتمنعنا رغم أنوفنا من خوض حربنا الحقيقية وربما الوحيدة على أرض فلسطين، لنجد أنفسنا ونحن في بدايات القرن الواحد والعشرين جاهزين تماماً للالتحاق الكامل بمراكب الغرب عبر وسيطه الصهيوني.

ترى ألا يستفزنا هذا الواقع المرير إلى البحث عن وظيفة الحوار وفق التصور القرآني للإنسان والحياة، ليتمحور العقل الإسلامي حول تحليل المشكلات الأساسية لمجتمعاتنا المتنوعة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فنستدرك ما فاتنا من أسباب النهضة والكرامة بدراسة نقدية شاملة لمكامن التخلف الحقيقي في البلدان الإسلامية كافة والتي تتشابه ظروف تخلفها على الرغم من تعدد مدارسها الفقهية ومذاهبها الدينية؟.

لذلك يبدو لي أنه من الضروري فض الاشتباك بين الحواريات المهتمة بتطوير الوعي المذهبي ونقديات التراث وبين الحواريات المهتمة بنقد نظريات التنمية والخيارات المتاحة في ظل الهيمنة الاستعمارية. وإذا كان من الوارد هنا إرجاع مأزق الحوار الإسلامي ـ الإسلامي إلى اعتماده على مسلمات التراث كمادة أساسية لموضوعاته، فإن هذا الخطأ المنهجي لا يبرر التقاعس الثقافي والسياسي عن الاهتمام بتطوير الاهتمام بالجانب التنموي من الحوار، ولعل أبرز ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن رفض تمطيط المشكلات من الماضي إلى الحاضر والدعوة إلى تعميم عادة الحوار بين المثقف والسياسي والديني، يجب أن يتمثل بطريقة إيجابية تنطلق من مجانبة التشكيك ونبذ الخصومات المجانية بين قوى التغيير في مجتمعنا المتصدع. لأن افتراض سوء النيات سواء التقييم لأوضاعنا العامة، وافتراض سوء التقدير لأي حلول مقترحة لن تخدم إطلاقاً أغراض الحوار ومنطلقاته.

ومن نافل القول أن أشير هنا إلى أن التحولات الجذرية والعميقة، التي شهدها عالمنا الإسلامي بعد سقوط نظام الجامع والخلافة تتطلب الوقوف على وعي المساواة بين المؤسسة الدينية ومؤسسات المجتمع الأهلي لمعالجة قضايانا الحياتية بعيداً عن لعبة التصادم بين المواقع والأدوار لأن معركة التحرر من أخطبوط التبعية لاقتصاديات العالم الجديد وسياساته تخص الواقع الإسلامي كله على اختلاف اتجاهاته ومواقعه.

من هنا نسجل أن الحوار الإسلامي ـ الإسلامي ما لم يحسم أمره في بلورة مفاهيم الحرية والتعدد وحق الاختلاف ووعي التمايز والتنوع المحسوم بعقيدة التوحيد سيظل حواراً سكونياً لا يتجاوز ذاته إلى الآخر، ففي غياب مفهوم الحرية والحرية السياسية بالتحديد غابت الأعمال النقدية وارتمينا من وراء الشعور بالغبن الاجتماعي والاضطهاد الرسمي في قعر الانغلاق على خصوصيات الذات المذهبية أو الحزبية، ومن هذا الخندق بدأنا نخوض معركة الإصلاح والتغيير بسيل جارف من الممنوعات والمحرمات في ضوء فتاوانا المستندة إلى نظرة أحادية لمشكلات المجتمع الإسلامي فقلنا بوجوب قتال الطائفة الممتنعة عن الشريعة وقلنا بتحريم دخول البرلمان والأحزاب الوطنية وقلنا بتكفير الحاكم المبدل لشرع الله دون أن نبذل أي جهد يذكر في مجال الوعي التطبيقي للنصوص الشريفة، أو في تحديد مصطلحاتنا الشائعة، كمصطلحات الفقه والشريعة والحاكم والمنكر والطائفة والمواطنة ”لا تبقرن بأيديكم بطونكم فثم لا حسرة تغني ولا جزع”.

تجديد وظائف الحوار:

وقد يؤخذ على مشروع البحث عن وظيفة الحوار الإسلامي ـ الإسلامي في دائرة الدعوة إلى الانخراط في مشروع الداخل الإسلامي المتنوع والمتعدد مذهبياً وسياسياً، إشكالية التأخر الزمني، بمعنى أن هذه الدعوة سابقة لأوانها إلا أنني لا أرى أننا بمقدار ما نوفق في حسم إشكاليات العلاقة بين الإسلام ومعارضيه في الداخل سنقترب كثيراً من حسم إشكاليات العلاقة بين الإسلام ونفسه انطلاقاً من حرص القرآن الكريم على خط الاتصال بالآخر، كموضوع للهداية الربانية ليضيء من خلال ذلك أهمية الجدل والتعارف بعيداً عن لجاجة العناد الذي لا يحترز من الكذب والبهتان والافتراء وبعيداً عن لغة الازدراء بجهود الآخرين وتضحياتهم في بناء الأوطان والمجتمعات، لأن من شأن هذا المستوى من المناقضة في الجدال أن يعمق حالة الانفصال الداخلي وتوسيع شروخاته وتناقضاته لا يرجى معه أمل من آمال الأهداف المشتركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومجابهة أي عدوان خارجي بوجه عام عسكرياً، وسياسياً، وثقافياً ومن حقنا أن نبحث عن معيارية ما ومرجعية ما في هذا العصر الذي يتعرض فيه كل شيء للتسييس والاستغلال.

ومن حقنا أن نتساءل من أين ننطلق؟ من السياسة لضبط أجهزتنا الدينية والسياسية أم من الدين لحمايته من أبنائه؟

لابد أن نعترف أن الحوار بين المذاهب والجهود المبذولة للتقريب بينها كانت تتكسر دائماً على صخرة الخلافات السياسية، لكن ورغم ذلك، فإن المسلم العادي لا يشعر بالخلافات الموجودة بين المذاهب بدرجة القسوة نفسها التي تصور أحياناً في وسائل الإعلام، بل إنه يمكن اعتبار الجانب الأكبر من هذه الاختلافات سياسية الطابع والدوافع حتى وإن توارت خلف الدين.

وإذا جنبنا السياسة وبحثنا داخل الحوارات التقريبية نفسها سنجد أن أغلبها لم يكلل بالنجاح لأسباب عضوية كما يقول المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب منها أن التجارب المهمّة لم تؤمن آليات متابعة دقيقة وناجعة، فمشروع المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية استطاع أن يجمع كبار علماء المسلمين لكن ظلت التوصيات التي صدرت عنه مجرد حلم ينتظر التحقيق. كذلك افتقد مناخ الحوار للثقة والرغبة المتبادلة في أوقات كثيرة.

إذ إننا وبسبب فقدان الضوابط والمعايير في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية ظلت أزمة الحوار الإسلامي ـ الإسلامي مجالاً سائباً يخترقه المرتزقة من رجال الثقافة والدين والسياسة. فالسنوات الماضية بما شهدت من تقلبات وانعطافات مهمة في العالمين العربي والإسلامي دفعتنا إلى إعادة تفحص مفهوم الحوار ووظيفته كيما نقف على شروطه الموضوعية برؤية واضحة المعالم والأهداف.

فهل أخطأت بعض الأنظمة في تقليل شأن الإسلام العقيدة والفكر حيث افترضت بلا وعي أن الدين هو مجرد عنصر تكميلي من مئات العناصر المكونة للأفق السياسي؟

وهل أخطأنا نحن بشعار استحالة التعايش بين الأنظمة والحركات الدينية فاعتبرنا أن المجتمعات الإسلامية لا يمكن أن تكون نموذج الغرب المسيحي الذي فرض العلمانية مبدأ وفلسفة، ولا حتى نموذج اليابان حيث تتكامل الروحانية البوذية مع البراغماتية الاقتصادية دونما توتر أو صدام؟

لقد أشار القرآن الكريم إلى ظاهرة الخبث في الجماعة الإسلامية الأولى واعتبر الامتحان ضرورة لتصفية الواقع المخلط لتمييز الشخصية الخبيثة من الشخصية الطيبة. فقال سبحانه: ”ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء”. العمران 179.

لذلك وبغض النظر عن الأخطاء التي احتملناها صواباً، فالحقيقة المرة أن حروبنا الداخلية كانت من أبشع الأخطاء التاريخية الحديثة لأن سفك الدماء المجانية لم يحقق إطلاقاً قيمة التمييز بين الخبيث والطيب.
قال رسول الله (ص) في وصيته الخالدة لأصحابه معترضاً على إلحاحهم عليه بممارسة هذا الأسلوب تجاه المنافقين: ”فكيف بالعرب إذا قالت إن محمداً يقتل أصحابه؟”.

فكيف نسقط هذا الجدار المصطنع في حين سميناه نقلاً عن الإعلام الغربي التنويريين والظلاميين؟

إذن لقد قمنا بعملية استنساخ كربوني واضح لعوامل الانحطاط في الماضي والحاضر دون أن نلتفت إلى أن تمسك الذهنية الإسلامية بنقل الماضي ومحاكاته جعلها عاجزة أو قاصرة عن مواجهة تحديات الواقع. كما أن الذهنية العلمانية التي لجأت إلى نقل الفكر الغربي ومحاكاته دون دراسة ودون تحديد الجوهري والثانوي منه ما جعلها عاجزة هي الأخرى وفاشلة عن تأمين الحد الأدنى لرفاه أمتنا ووحدتها وتقدمها. صحيح أن أشياء كثيرة قد امحت من قسماتنا وملامحنا، من خصائصنا وخصوصيتنا غير أن ذلك لا يسوغ شعورنا بالإحباط وحتى لا تستثمر الاختلافات فيما بيننا لمصلحة مشروع المتوسطية الجديدة يجب أن نحدد وظيفة الحوار وآفاقه من واقع حياتنا ومن واقع الاعتراف بتطويع الاختلاف وترويضه لمصلحة أهدافنا العليا في الحياة، ولمصلحة عروبتنا، وأقول عروبة عند هذا المنعطف الحرج من مصيرنا لأن العروبة هي العنصر الأثقل في إسلامية حوارنا ووحدتنا.
فهل ينجح الاستنفار الإسلامي الآن لدعمها في تحرير القدس الشريف؟ نكون قد تجاوزنا فعلاً وحدة الحبر على الورق، ووحدة الجامعة العربية، ووحدة منظمة التعاون الإسلامي، إلى أرضية اختبار هذه الوحدة وتحدياتها في الموقف التاريخي من مستقبل القدس الشريف على جبل أبو غنيم. هذا لو أردنا أن تعيش مهمومة بهموم جيلها وتاريخها.

وبهذا الوعي سيصبح الحوار الإسلامي ـ الإسلامي قاعدة صلبة للحوار المسيحي ـ الإسلامي وامتدادها إلى الحوار الإنساني ـ الإنساني. وبهذا الوعي نكون قد ساهمنا فعلاً من جهة أخرى بإعادة تفسير وتركيب المفهوم النبوي لحديث الفرقة الناجية بتفسير كينونتها ومضمونها بشهود الأمة وشهدائها وثقاتها الأحرار بعيداً عن التفسير المذهبي الطائفي النرجسي الضيق المحدود.

إن القرآن الكريم والمتمعن فيه ليجد أنه أوجد منهجاً فكرياً في التعامل مع الرأي والحوار الهادف، ليتوجب علينا دراسته واستقاء الأبحاث منه والتمعن في حيثياته وأصوله وذلك تجلى في العديد من المواقف القرآنية والقصص التي سردها الوحي الشريف لتحمل العبر وأصول التعامل مع المواقف التي يسودها الاختلاف وتحتاج الى الوقوف عند تفاصيلها المجمعة والتحليل العميق لذلك يوجد أن الرأي السديد والحوار الجاد هو قوة لا عنفية مضادة استخدمت لقلب موازين القوى الظالمة وتفعيل الشراكة المدنية والإدارة البشرية الجامعة وقد حدد ذلك المنهج الرباني خمسة مقومات علمية منهجية تضبط الرأي والحوار في المجتمع وهي:

1ـ التعاضد والتناصر بين أمة المسلمين فيما يخدم الاسلام ورفعته وقضاياه.

2ـ تأكيد الحق على الباطل مهما بلغت قوى الباطل وتأثيره وانجراف المجتمع من خلفه,.,

3ـ منع الانجراف الأعمى والتبعية نحو من هم دون وجه الحق وعلى غير نهج الحق,.,

4ـ عقلانية الرأي وموضوعية الحوار، وعدم النظر للمصلحة الذاتية وتغليبها.

5ـ بعد النظر في قضايا الأمة وعدم تسخير الرأي وتوجيه الحوار لخدمات جزيئيات آنية في أمر المجتمع وقضاياه…

إننا في الحقيقة لابد أن ننطلق من التكريم الرباني الشريف الذي حملته الآية الكريمة الدالة ”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا”.

فالوسطية هي وسطية العقل والقياس والفعل والسلوك والرأي الذي يصدر من توازن بين ما نريد وما يحكمنا من قيم إسلامية واجتماعية وما يرنو اليه المجتمع من تجاوز لمشكلاته ورسم لمسار أهدافه، فعلينا أن ننهج من الوسطية منهجاً قويماً نرسخه أولا في ذواتنا الإسلامية والاجتماعية ومن ثم نبذره في سياق الأهداف والتوجهات التربوية لنسقطه لاحقاً على النسق السياسي والاقتصادي وما يلحقهما من أنساق تشكل السقف الاجتماعي.

ولا يخفى على إخواننا وأبنائنا في المؤسسات والحركات الإسلامية أن الإسلام لا يمنع المسلم من إثبات وجوده ما دام هذا الإثبات مستنداً إلى الاعتراف بحق الآخر في الوجود وحقه في الاختلاف. بيد أن أزمة المقبول والمرفوض من الخلاف ستظل عالقة في أزمة التنابذ بالنصوص الشرعية في حوارات عقيمة تنطلق من احتكار الحقيقة المطلقة وتحتمي بشرعية التخطئة والتصويب بغطاءات دينية. ولكن في غياب الاختلاف الذي لا يصنع الخلاف، ترتكب المؤتمرات الإسلامية والحوارات الإسلامية ورطة الخلط بين مفهوم الاختلاف كمصدر للثراء الفكري ومفهوم الخلاف كمصدر للتباغض والقطيعة المعرفية، وتدمير الذات والهوية.

وحتى الآن لا يزال هناك من يرى في العالم الإسلامي أن ”لا خير يرجى” لتبقى ”الأمة الإسلامية مستعصية على الإجماع”، وأن لا تقارب دينياً بين المذاهب ولا أفق مرجواً لأي حوار مرتقب ما لم يسبقه تقارب سياسي.

لهذا أصبح التكامل والتنسيق بين العلماء ضرورة ملحة، لا ريب أنه يقوي رسالة الإسلام ويسمح بتوحيد الفتوى في فروع كثيرة ما يوحد الأمة ويحصنها من سيل الفتاوى المضللة والمشبوهة والمفتنة التي أساءت للإسلام وشوهت صورته، وأعطت صورة مغايرة، سواء لأعداء الإسلام أو الراغبين في معرفة حقيقة الإسلام. كما أن توعية المسلمين بالقوانين والأحكام الشرعية المستجدة على ضوء القضايا المستجدة، أمر مطلوب حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، وهناك وسائل وطرق كثيرة لنشر هذه التوعية.

ألم نرتكب في الماضي خطأ فادحاً بتقسيم وجودنا السياسي إلى تقدمي ورجعي، ثم اتضح لنا بعد سلسلة فجائعية من الهزائم أن هذا التقسيم لا معنى له على الإطلاق. ثم ارتكبنا خطأ مماثلاً بتصنيف وجودنا الفكري والثقافي إلى ديني وعلماني. وفي ظل الحوار الإسلامي يرتكب أفكاره الملتبسة بتجاوزه لوظيفته التي لا يمكن فصلها عن عالمية الإسلام فضلاً عن مشكلات الحضارة وقضايا الإنسان…

 

لماذا يُكرّم المبدع العربي… بعد وفاته…؟                                                                     بقلم: مصطفى قطبي

 

من أرشيف رؤية

ظاهرة تكريم المبدعين ظاهرة ثقافية وسلوك حضاري في حياة أي مجتمع كونه يحفز ويحافظ على التوازن الفكري والنفسي للنخب المثقفة من شعراء وأدباء وفنانين تشكيليين، غير أنه وبحسب ما تمليه ذهنيات تأبى التغيير ولا تريد تخطي أشياء ما عادت نافعة ولا لائقة سواء لشريحة المبدعين أو للحراك الثقافي ككل، وهي متفشية في الوطن العربي، لا يعترف بالمثقف والمبدع إلا إذا تمدد في قبره وتأكد أنه لن ينهض أبداً… عندها يفزع الكل ويجري أولو الأمر من مسؤولين وقائمين على الشأن الثقافي لإقامة احتفاليات التكريم وتنظيم الملتقيات والندوات على شرف رحيل المبدع، فكأنما يعربون عن فرحتهم بمغادرته الحياة وتخلصهم منه…

 

وإن كنا لا نعارض تكريم المثقفين الراحلين لما يحمله من عرفان لأعمالهم وما أضافوه للحقل الثقافي والمعرفي، فإننا نتساءل مع جل المثقفين والمبدعين: متى نقلع ونكف عن هكذا حرمان وتنكر وتجاهل للمثقف فقط لأنه موصوم بالحياة ويعاني من شبهة الحاضر ونجري لتبجيله والاحتفاء به فقط لأننا تأكدنا أنه ما عاد هنا… مات وغاب عن الوجود؟

 

اِن ظاهرة تكريم المبدعين وذكر خصالهم الحميدة بعد موتهم لم تكن حكراً على الثقافة العربية، إنما هي عقلية عربية، فالموت عند الإنسان في الثقافة العربية يرتبط بالكمال، وعليه أعتقد أن هذه الامتدادات التراثية أثرت على السلوك الثقافي وهو أننا لا نحتفي بالتجارب إلا إذا مات صاحبها، وهذا الأمر يجب تجاوزه من خلال إعادة علاقتنا بالحياة إلى مجراها الطبيعي وأن نكون أبناء الحياة وإذا جاء الموت كنا أبناء الآخرة، أما أن نكون أبناء الموت قبل أن يأتي ونكون سفراؤه بالحياة وهو لم يكلفنا بذلك أمر غريب وبشع، بالمقابل لا يمكن أن نقول عن التكريم سوى أنه تقليد طيب مهما كانت نوايا القائمين عليه لأنه يدخل في ثقافة الاعتراف وعليه لابد من تكريسه في مشهدنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والإعلامي، علينا أن تكون لنا الجرأة وأن نعترف بالتجارب الجيدة والجادة مهما كانت حتى وإن لم توافق مزاجنا الفكري، وعلينا أن نعترف بالجيد حتى نخلق نوعاً من التراكم والإمداد والتواصل.

 

ولا يختلف كثيراً عما يحصل حالياً مع بعض المبدعين وأصحاب الفكر، والذين يعمون أعينهم تحت وطأة ضوء خافت لتأليف كتاب تاريخي وثائقي مهم أو للكتابة عن أديب يستحق الوقوف عنده، وتفنى عظامهم على بسط يتيمة ترسم نقوشها على أجسادهم ثم يموتون عليها ويدفنون تحتها دون أن يدري أحد بهم أو يعيرهم أدنى اهتمام.

 

وفي ظاهرة غريبة نسمع أن فنانين ومبدعين عرب كرموا في الخارج بدول عربية وأوربية بينما يقومون بدور مزمار الحي الذي لا يطرب ببلدهم… و إذا أتينا لمعاناة الأدباء والكتاب نرى المشكلة أكثر تعقيداً وأشد إيلاماً، فربما تكون مقولة أن القارئ هو من يمنح الكاتب انتشاره صحيحة، حينما يتم الترويج لهذا الكاتب بالشكل الذي يستحقه.

 

أمّا حجة أن شعبنا العربي لا يقرأ في زمن تغلبت فيه الصورة على الكتابة ليست دقيقة، بل إن صحوة ثقافية تسود مجتمعنا بعد ابتذال الصورة وعدم تعبيرها. كما لن نقول إن الأدب الأصيل اللافت للانتباه ذهب مع الريح، بل يجب أن نسأل كيف لأديب يفترش البساط ويلتحف السماء أو السقف القرميدي أن يحقق انتشاراً لرواياته ويوزعها بآلاف النسخ وبتكلفة باهظة حتى يُعرف، وهنا تبرز مسؤولية الحكومات العربية وغيرها في البحث عن المبدعين، وتكريمهم بتحويل كتاباتهم إلى أعمال سينمائية ودرامية تلفزيونية.

 

اِن التراجع والانحسار الذي حدث على المستوى الثقافي العربي، جعل المثقف في حالة يرثى لها، نحن مصابون بالانكسار، كل ما في واقعنا يسيطر عليه أشباه المثقفين الذين يتيوؤون مناصب في مجالات مختلفة في هذه الحياة لا سيما في مجال الإبداع الثقافي، المثقف عندما يصاب بالترف الفكري أي يصبح لديه كماً معرفياً وحشداً للمعلومات في مخيلته وهذا الترف يستخدمه للممارسة اليومية للتعبير عن هموم شعبه وعن محيطه، وإن لم يستطع أن يعبر عن ذلك فهو يمتلك آلة تعطيل الحركة والتفاعل والحيوية والتواصل ويمتلك من القدرات، آلة التآمر لجعل المثقفين الحقيقيين في موقع هامشي، لأنه يخشاهم وهو يعرف أنهم الأحق بمنصبه وأنهم الحق في أن يتبوؤوا المكانة التي يستحقونها في وجدان الأمة

 

حين نقول إننا متخلفون فهذا ليس وصفاً شعرياً، إنما نمط علاقة الناس فيما بينهم لأننا لسنا منفتحين على العالم وعلى ذواتنا، وحين نتكلم عن الأمراض والأوبئة التي تعشش بدواخلنا فإني لا أحمّل الناس مسؤولية ذلك إنما أحمّل الأزمة الشاملة التي تمر منها الأمة العربية، ولهذا أقول إن التكريم الذي يأتي بعد الموت يعتبر انتقاصاً من قيمة المبدع، ولا يقدم هذا التكريم أي إضافة للمكرم الراحل، لأنه في حكم الغائب ولا يرى ولا يحس بطعم ولذة تكريمه لا من بعيد ولا من قريب.

 

فالمبدع إجمالاً يعيش حالة انهزام مستمرة وحنين دائم إلى وطنه وإلى حالة مجتمعه، فهو يحتاج إلى مساعدة ومساندة الآخرين له، وحالة المبدع في الوطن العربي تنذر بالخطر إذ هناك من لا يتوفر على على قوت يومه ويستدين أموالاً حتى يتمكن من الاستمرار في هذه الحياة، وهناك الكثير من الحالات التي تعاني من ضيق العيش وتحيى حياة الضنك والفقر، رغم أن المبدع يفرط في صحته ويستهلك طاقته ويتآكل داخلياً، كل ذلك في سبيل إنتاج مادة فكرية تستعمل كمرجع يستمد منه حلولاً لتساؤلات تطرحها التنمية البشرية والاقتصادية…

 

لذلك نرى أنه من الضروري من القائمين على الهيآت الثقافية والفنية في الوطن العربي أن يهتدوا إلى تكريم المبدعين قبل أن تغلق جفونهم ويغادرون عالم الأحياء ويلتحقون بعالم الأموات لأنه حينها لا يجديه التكريم نفعاً ولا ضراً، فالتكريم بالنسبة للمبدع وهو حي يزيد من قيمته ويضاعف أعماله وطاقته مما يمكنه من مواصلة إنتاجه وعطائه.


وأخيراً وليس آخر، صدق أوغست كونت حينما قال: ( الرجال العظام ينالون الخلود الذاتي بعد موتهم عن طريق تكريم الأجيال المتلاحقة لهم) في محاولة منه لتبيان أننا لا يجب أن نحيل واجب التكريم والجزاء إلى اللاهوت، بل يجب أن نبدأه نحن.

 

وأقول: (ما أجمل أن ينال العظام الخلود الذاتي قبل موتهم أيضاً، وحينها لا بأس من الأسف عليهم بعد وفاتهم لا بسبب تقصيرنا نحوهم بل لفقدانهم فحسب).

 

وَداع رمضان… وخوارج هذا الزمان…؟! بقلم: مصطفى قطبي

 

كثيراً ما ندعو إلى تجنب جلد الذات، وعدم النظر إلى الأمور بشيء من التشاؤم، ونصر على الاستعانة بالتفاؤل لتجنب بعض بوادر الإحباط التي تطل برأسها هنا أو هناك، ومع ذلك فإن من عدم الحكمة تجاهل الواقع، وما قد يعتريه من ضعف أو تخاذل حيال بعض الأمور المهمة، وعالمنا العربي والإسلامي وهو يودع شهراً كريماً، ويستقبل عيداً سعيداً، حريّ بأن تشمله الفرحة، وتعم ربوعه البهجة، ويملؤه السرور من أدناه إلى أقصاه.

لكن هل تنسجم هذه المشاعر مع معطيات الواقع؟ وهل ينسينا العيد هذا الواقع؟ أم نستفيد منه في محاسبة النفس والاعتراف بالأخطاء والعمل على تجاوز الإحباطات والمعوقات؟ التي تفرض على الواقع العربي والإسلامي من الداخل والخارج.

وحتى تكتمل فرحة العيد لابد لنا من وقفة مع النفس ومع الواقع، بعد أن فقدت أعيادنا أو كادت بهجتها الحقيقية وسرورها الأنيق الذي كنا ننعم به فيما سبق من بواكير العمر وسنواته الأولى، وما نشهده هذه الأيام من فرح طفولي بالعيد، لا يعبر عن فرحة شاملة، بل هي فرحة محدودة نحاول ألا يفقدها الصغار كما فقدها الكبار، الذين يدركون عمق مأساة الواقع العربي والإسلامي، وهي مأساة لها أكثر من وجه، وإن كانت نتائجها واحدة، وابتداء بما يعانيه الفرد في ذاته، وما يفرض عليه من إحباطات في مجالات كثيرة، ومروراً بما تتعرض له الأوطان على أيدي المارقين من أبنائها، ووصولا إلى ما يحاك ضد الأمة من مؤامرات في الخفاء والعلن، كل ذلك لا يبقي لفرحة العيد مكاناً، ولا لبهجته فرصة لتأكيد الوجه المشرق للعيد كما يجب أن يكون.

ليس هناك من مصيبة أكبر من أن العنف والدماء وإزهاق الأرواح ـ وأغلبها بريئة ـ في سوريا والعراق ومصر وليبيا وتونس واليمن وغيرها، يجري بإسم الدين والتعصب الطائفي. ونتساءل: كيف صام هؤلاء الذين يتبنون العنف، أيّاً كان، لتحقيق هدف سياسي؟ وكيف فجروا وقصفوا وحتى ـ يا للبشاعة ـ ذبحوا وهم يهتفون بإسم الله؟

فالخسائر الجسيمة في الأنفس البريئة وعمليات التهجير وفقد الأحبة والأوطان والممتلكات وغياب الأمن والاستقرار والجراح في الأنفس والأجساد بلغت حداً لا ينبغي السكوت عنه وتجاوزه، هذا فضلا عن مخاطر التقسيم والصراعات الطائفية والأهلية والتدخلات الأجنبية في هذه الدول بخاصة.

وفي موقف آخر ورأي مغاير وسلوك مناقض وعمل يتعارض مع سابقه يفتي البعض ويحرض ويدعو إلى الفتنة وإلى تكفير أخوة لهم من المنتمين إلى الدين الإسلامي ممن يتحدثون باسمه ويحملون هويته، ويشاركونهم الإيمان والشهادتين والصلاة والصوم والزكاة وأداء فريضة الحج؟ بل وأكثر من ذلك فهم أبناء وطن واحد، أي يشتركون في المواطنة والإنسانية ولهاتين المفردتين من السعة في حجم المسئولية والقيم والعمل المشترك ما يؤدي في حالة تجاهلهما وتجاوزهما وإلغاءهما من القاموس العام إلى ضياع الوطن وانهيار مؤسساته وافتقاد الأمن والاستقرار وإدخال المجتمع في نفق من الصراعات الطائفية والمذهبية والحزبية والأيديولوجية ما تؤدي إلى ما نراه اليوم في الصومال وسوريا والعراق ومصر ودول عربية أخرى تسير وفق مؤشرات كثيرة إلى ذات المنزلق الخطير والنفق المظلم.

هل يمكن أن نطلق على هذه الدول أو الإمارات أو المذاهب المتناحرة والمتصارعة فيما بينها والتي تفوح روائح الموت والكراهية والتعصب والدعوات إلى المزيد من القتل والتناحر من سلوك وأفعال وأقوال وتصرفات القادة والساسة والثوار وبعض العلماء ومن يسير في ركابهم، وتحول السيارات المفخخة والأسلحة المتطورة فيها البشر إلى أشلاء والمساجد والمنازل والمنشآت القائمة إلى أكوام من التراب فتدمر وتهدم وتسفك من الدماء ما لم يقم به الأعداء الذين نحملهم جميع مصائبنا وإحباطاتنا وتخلفنا وضعفنا، هل يمكن أن نطلق عليها بالأمة العربية أو الوطن العربي؟ ومن هو الممثل الحقيقي والمتحدث الرسمي بإسم هذه الأمة لو سلمنا بأن الإسم قائم وصحيح ويمثل رمزاً لا يمكن التنازل عنه والتسليم بزواله وانتهاءه؟

للأسف نعم، هناك من يظن أنه بارتكاب أعمال العنف في البلاد المشتعلة حاليّاً، وغيرها من بلاد المسلمين وغير المسلمين، إنما يقترب من باب الله مجاهداً ونصيراً. هؤلاء في الأغلب حفظة لا يفقهون ما يحفظون من دجل سياسي تسربل بالدين على مر السنين. تعود تلك السنين إلى بداية دولة الإسلام قبل عشرات القرون. لكن يصعب مناقشة هؤلاء، والذنب الأكبر على من لقنوهم ونشروا بينهم تلك الأفكار الدموية مستغلين الجهل والفقر وحمية الشباب الذي لا يعرف سبيلا إلى باب الله فيؤمه إرهابي فاسق في الأغلب إلى باب الشيطان.

 

لقد اختلط الديني بالدنيوي، وغلبت السياسة وعلاقات القوى على الأخلاق واستغلال الشعائر وتفسيرات الآيات والأحاديث لخدمة أغراض سياسية ـ دنيئة أحياناً أو جيدة أحياناً أخرى، حسب زاوية نظرك وتأثيرها عليك (التأثير الدنيوي طبعاً). ونتساءل بكل هدوء:

من الكافر هنا ومن المسلم؟ من الذي ما زال على سنة محمد صلى الله عليه وسلم ومن الذي انحرف عنها؟ من بيده القول الفصل ومن هو المخول في إصدار الحكم والقادر على جمع هذه الآراء والمذاهب والأفكار والأشخاص في صعيد واحد وعلى كلمة سواء؟

ولو سلمنا بأن الحق والاستقامة والتمسك برسالة الإسلام كما نزلت على رسول الإسلام تأكدت واجتمعت في مذهب من المذاهب فأي قوة أو معجزة ستتمكن يا ترى من إقناع المذاهب الأخرى بالتحول عنها إليه بعد أكثر من ألف وثلاثمائة من انتسابها واستمرارها وبقائها على المذهب التي هي عليه؟

وما هو الحل لهذه المعضلة التي تواصلت واستمرت عبر قرون من الزمن؟ هل هناك من علاج أجدى وأنفع وأفضل وأصلح من التعايش السلمي والقبول بالآخر والإقرار والاقتناع بأن الخلاف في الرأي وفي الممارسة وفي مجالات التفكير مسألة طبيعية وصحية بين البشر ظلت وستستمر ما بقي الإنسان وعلينا أن نؤسس لثقافة إنسانية حضارية تستوعب مختلف الآراء وتجرم وتحرم استخدام القوة والشحن وبث الفتن لتطويع رأي أو مذهب على الآخر؟

هل المطلوب والمبتغى أن يلغي الواحد منا الآخر وأن يفنيه عن بكرة أبيه ليظل هو مستفرداً بالوطن والسلطة واتخاذ القرار؟ وهل يمكن أن يتحقق ذلك ونحن في صراع متواصل وحروب مدمرة تهدأ وتشتد منذ أكثر من ألف سنة؟

تبدو صورة الوضع في العالم العربي قاتمة ولا تلوح في الأفق بوادر انفراج للازمات التي تعيشها الشعوب العربية. فالاتحادات والمشاريع والمرئيات والتوصيات المطروحة والمقترحة والمعتمدة على الورق تأتي في إطار التعاون المشترك وتحقيق الغايات والأهداف، أصبحت في مهب الريح لا أحد يتذكرها أو يعيرها اهتماماً، فالكوارث والصراعات والانزلاقات التي تحل بالبلدان العربية الواحدة تلو الأخرى عزلتها عن محيطها العربي بل وأشغلتها حتى عن مجتمعها الداخلي الذي يعاني ويلات الحروب والفقر والملاحقة والتمزق النفسي والاجتماعي ولن نتوسع في استعراض مآسي الجهل والتخلف والضياع الثقافي والاختراق الأمني والانهيار الأخلاقي لأنها أصبحت من المسلمات وحالة مستعصية لا يمكن الفكاك منها في عالمنا العربي حيث وصل الحال بالمواطن العربي أن يعيش في حال من الرعب والخوف الدائم من القتل والسعي إلى تأمين نفسه وتوظيف وقته وجهده وإمكاناته ما استطاع إلى ذلك سبيلا لحماية أسرته ونفسه من الموت، وانشغلت كل بلد أو مدينة أو فئة بهمومها ومشاكلها وقضاياها ومصالحها.

إذن فالأمر لا يتطلب جهداً سوى قراءة التاريخ بعين لا تغشى عليها ظلمة العقل الذي ”يحفظ ولا يفهم” لتكتشف أنه حتى ما قبل صراع الأمويين والعباسيين وما بعدهم كان المصحف يرفع على السيف على طريقة ما يفعله الإخوان الآن (الإسلام هو الحل). ويزخر تاريخنا بشيوخ ومفتين و”علماء” يوصفون من قبل مناوئيهم السياسيين بأنهم ”علماء السلاطين” ـ أي من يلوون روح الدين لأغراض الدنيا. وفي الجانب الآخر هناك من هؤلاء وأولئك بذات القدر والتوجه.

فمَن مِن العلماء أو المؤسسات الدينية أو القادة أو الساسة يمكننا أن نأتمنه وأن نسلمه قيادة الأمة والمتحدث بإسمها وأن نرى فيه ما يمثل سماحة الإسلام وعظمته ومصالح المنتمين إليه في ظل هذه الفوضى الهائلة والكم الكبير من الفتاوى التي تطرح والمبادرات التي تطلق والشعارات التي ترفع والتي تهدم أكثر مما تصلح وتثير الفتن وتشحن العقول بدلا من أن تصلح النفوس وتدعو إلى المحبة والتآلف والتآزر بين أبناء الأمة وتعيق أي حراك أو جهد يسعى إلى إخراج الأمة من هذا المأزق الذي تعيشه والذي يدعي فيه الواحد ما ينقضه الآخر في طرفة عين؟

فلا نرى إلا سيوف تقطع الرقاب وتئد الحياة وتحول بياض المستقبل إلى سواد حالك، من يملك حق الإجابة على هذه الأسئلة الواسعة والمتشعبة والشائكة التي تخص حياة ومستقبل وواقع الأمة، هل هم العلماء أم المؤسسات الدينية أو الساسة والقادة؟

من يلتفت اليوم إلى حال الأمة ومن يشغله واقعها المؤلم ومن يسعى ويعمل على لم شملها والدفاع عن حقوقها؟ هل يفيد البكاء والعويل والصراخ والقول والكتابة شيئاً، هل تجد أذناً صاغية قادرة أو ترغب في الفعل الإيجابي والعمل على تحقيق الأهداف والغايات الكبرى التي ظلت على مدى أكثر من نصف قرن شعارات نرددها في وسائل الإعلام وفي اجتماعاتنا ومؤتمراتنا المتواصلة؟

وهذا يعني أننا في حاجة إلى سياسة جديدة بعد رمضان لمواجهة التحديات التي تفرض نفسها على المجتمع لتحصين الجماهير. فينبغي أن تضعنا الصورة القاتمة للمشهد العربي والإسلامي، أمام مسؤوليتنا كعرب ومسلمين، كقادة وساسة وبرلمانيين، علماء ومثقفين وإعلاميين وفاعلين، أن نعمل ليلا ونهاراً وأن نسعى ونتحرك بكل إمكاناتنا وقدراتنا وقوانا لرأب الصدع وإصلاح ذات البين وتفعيل الحوار وتبيان ما يجمع ويوحد ويقرب، علينا أن نشكل لجاناً وأدوات تواصل وأن نوظف كل الوسائل والآليات لتحقيق الغايات والأهداف الكبرى، أن نستنهض الهمم للمساهمة والمساعدة في إغاثة إخواننا ومساعدتهم والوقوف بجنبهم، علينا أن نقوم بكل عمل وفعل وقول فيه خير وصلاح ورفعة وعلاج لمشاكل ومآسي وأحزان هذه الأمة، علينا أن نسير وننطلق ونتوجه في هكذا طريق بدلا من الشحن الطائفي والمذهبي والفتاوى التي تبيح القتل وتدعو إلى الكراهية والتعصب وتعمق الفتنة والانقسام والانشطار وتنشر الجهل والتخلف والتي تمثل سلاحاً مدمراً يلتهم كل عمل صالح وجهد طيب ومبادرات مخلصة وأمل تحمله قلوب تدعو وتسعى لتحقيق المصالح العليا لهذه الأمة. فتحقيق النهوض والتطور والإصلاح، والاهتمام بالإنسان وتحقيق الرخاء والازدهار هو الذي يعطي للأوطان تميزها واستقرارها ويهيئ لمستقبل أفضل.

في نهاية عمله الخلاق يقودنا البروفيسور المصري د. حسن حنفي إلى أن الوحدة العضوية بين الدين والعلم والثقافة هو شرط التقدم الاجتماعي والنهضة الشاملة، حتى لا تزدوج الشخصية القومية بين نموذجين العلم والدين، وننسى الثالث وهو الثقافة، ولا تكثر برامج العلم والإيمان، وتقل البرامج الثقافية، لذلك قال ديكارت ”أنا أفكر إذن أنا موجود”، ولذلك أيضاً قال القدماء ”العقل أساس النقل وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وأن الحكمة هي ما يقتضيه النظر بحسب طبيعة البرهان”…

فهل من مكان لهذه المنظومات الفكرية الذهبية في زمن الثورات الهوجاء التي لا يدرى إلا الله وحده من وراءها وما هو جل مبتغاها…؟

وكل عام وعيدكم سعيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

يوم الأرض والمتاجرة بالقضية الفلسطينية… !؟ بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

يحيي الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل والشتات الذكرى الثامنة والثلاثين ليوم الأرض، وسط آلة استيطانية شرهة تلتهم وتهود وتخنق وتزنق وتشرد وتغتال، آلة تمثل رأس حربة لتصفية الشعب الفلسطيني وقضيته، ويمثل جدار الفصل العنصري واحداً من ذيولها المتعددة ليتغول بهدف طرد أصحاب الأرض الأصليين، وزنقهم في مساحات ضيقة ليقضوا اختناقًاً.

تكتسب ذكرى يوم الأرض” بعداً مختلفاً عند (اللاجئين) الفلسطينيين في مخيمات الوطن والشتات بما تجسده من معاني النضال والتشبث بالأرض وحق العودة. وبما تمثله من ذكريات الحب والحنين بين الأرض وصاحبها، تلك الأرض التي طالما اشتاقت لحبات العرق من جبين من حرثوها وغرسوها طوال سني عمرهم، يرتبط (اللاجئون) بين سنوات لجوئهم الممتدة عبر ستين عاماً كنتاج للتهجير القسري من ديارهم وأراضيهم عام 1948، وهبّة الثلاثين من آذار عام 1976 التي تصادف ذكراها هذه الأيام كامتداد للعدوان الممنهج وكعنوان بارز لنضال الشعب الفلسطيني بخاصة والعربي بعامة وتمسكه بوطنه وأرضه.

 

ولقد جرى العديد من المحاولات الإسرائيلية لتوطين المهجرين الفلسطينيين في أماكن لجوئهم حيث بدأ الاحتلال بعد حرب 1967، في طرح مشروعات توطين (اللاجئين) المهجرين من أراضيهم، وذلك لأنه يعدّ أن عودة (اللاجئين) المهجرين إلى أراضيهم التي اغتصبت سنة 1948 تهدد كينونته وأمنه وعدّه مشروعات التوطين حلاً لمشكلة الأمن الإسرائيلي.

 

من جهة ثانية ينكر ما قام به من مجازر وتهجير السكان قسرياً وعد الأنظمة العربية هي المسؤولة عن مآسي هؤلاء (اللاجئين) المهجرين ولاعتقاد الكيان الصهيوني بأن الفرصة سانحة أمامه لفرض حلول لقضية (اللاجئين) المهجرين بسبب الضعف العربي والانحياز والدعم الأمريكي والدولي إلى جانبه.

اليوم، وبعد 38 عاماً، على ذلك اليوم الخالد في النضال الوطني الفلسطيني، جرت مياه كثيرة وسالت دماء غزيرة وشهدت المنطقة أحداثاً جساماً، تجعل من الضروري والهام الوقوف على واقع القضية الفلسطينية والكشف عما حدث فيها من أخطاء، وتصويب مجرى النضال الوطني الفلسطيني، بما يتناسب والتحديات التي يواجهها الواقع الفلسطيني، والذي أدى إلى تراجع القضية الوطنية الفلسطينية على غير صعيد، ما يتطلب مراجعة نقدية جريئة إلى كل ما آلت إليه القضية الفلسطينية.

حيث زاد من صعاب ما تتعرض له الواقع العربي المتراجع ومتاهاته، وقبل أن يفرض على الشعب الفلسطيني اتفاقيات جديدة أكثر خطورة من اتفاقية أوسلو وملحقاتها، في ضوء تصاعد سياسات القتل الإسرائيلية، وانفلات إجراءات الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، والخطر المحدق بالقدس، من خلال طرد سكانها وإحاطتها بالعديد من المستوطنات، في محاولة محمومة لخلق وقائع جيو سياسية على الأرض. والوقائع والمعطيات الإسرائيلية ـ الأمريكية  تشير إلى ذلك بوضوح.

ولتقريب الصورة أكثر، لا بد من الربط بين الدور الذي لعبته إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ”الصغير” والدور الحالي الذي تلعبه إدارة الرئيس باراك أوباما حول ملف الصراع العربي ـ الصهيوني، حيث ملأت إدارة الأول الفضاء ضجيجاً وفرقعات إعلامية بأنها على أعتاب فتح مبين ينهي الصراع ويرسي السلام الشامل، وذلك حين أعلنت عن خطة ”خريطة الطريق” وأتبعتها بأطروحة قيام دولتين فلسطينية وصهيونية تعيشان جنباً إلى جنب، وما أعقب ذلك من رسالة الضمانات من بوش ”الصغير” إلى مجرم الحرب ”أرييل شارون” إلى اجتماعات ومؤتمرات كان أشهرها مؤتمر أنابوليس للسلام.

 

أما إدارة الرئيس باراك أوباما فتدلف اليوم إلى أتون ملف الصراع بالحماس ذاته والهدف نفسه، ولكن بصيغ ومصطلحات أخرى وهي ”حل الدولتين” و”اتفاق الإطار”.


إذن، هناك تكامل في الالتزام بتنفيذ ثوابت السياسة الأميركية وبخاصة فيما يتعلق بملف الصراع العربي ـ الصهيوني، حيث إن هذا الالتزام يتبدى في صورة مواقف أميركية ـ صهيونية مشتركة، فحديث أوباما عن إمكانية تعديل حدود عام 1967م وتبادل الأراضي بين الجانبين الفلسطيني والمحتلين الصهاينة، والاعتراف بما يسمى ”يهودية” كيان الاحتلال الصهيوني، وتعويض اللاجئين الفلسطينيين مقابل عدم عودتهم، وكذلك وضع القدس المحتلة، ليس جديداً، وإنما هذه المواقف والتوجهات نادى بل عمل عليها الرئيس السابق جورج بوش ”الصغير”، وأثارت حفيظة الشعب الفلسطيني لما تنطوي عليه من مؤامرة لشطب القضية الفلسطينية.


الجديد في الأمر هو أن الولايات المتحدة تعمل الآن على استثمار فوضاها ”الخلاقة” وتفشي الإرهاب في المنطقة وسيطرته تحديداً على الدول العربية الفاعلة والمؤثرة، وكذلك استثمار ”الحرد” لدى بعض القوى العربية الناشئ عن المراهقة السياسية، في التعجيل بترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم مصلحة حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني، ويضمن له البقاء والأمن، ولذلك ليس مصادفة أن يأتي الإفصاح عن تفاصيل ”اتفاق الإطار” الذي أعلنه جون كيري وزير الخارجية الأميركي كقاعدة للتفاوض…

 

حيث كشف المبعوث الأميركي لمفاوضات السلام الفلسطينية ـ الصهيونية مارتن إنديك عن خطوط عريضة للاتفاق الإطاري من بينها اعتراف متبادل وترتيبات أمنية، وتعويضات لكل من اللاجئين الفلسطينيين واليهود، والاعتراف بما يسمى ”يهودية” كيان الاحتلال، والسماح لما يتراوح بين 75 في المائة إلى 85 في المائة من قطعان المستوطنين بالبقاء في مستوطناتهم في الضفة الغربية، وإقامة منطقة عازلة أمنية عند الحدود بين الأردن والضفة الغربية، أي منطقة غور الأردن، وسيتم بناء جدار جديد في هذه المنطقة ووضع أجهزة استشعار وستستخدم طائرات من دون طيار وذلك بتمويل أميركي.

 

ومن ينظر اليوم إلى واقع حال الضفة الغربية يجد أنها أصبحت محتلة بالكامل، ولذلك فإن الحديث عن بقاء 75 في المائة إلى 85 في المائة من المستوطنات في الضفة الغربية تحت السيادة الفلسطينية هو خداع محض، فهو مجرد طعم ليقبل الفلسطينيون بمضامين اتفاق الإطار التصفوي، وحين تبدأ مفاعيله على الأرض سيجد الفلسطينيون أيديهم خالية من أي شيء، ذلك أنه لم يبقَ من الفلسطينيين سوى 10 في المائة في الضفة، أي أن الغالبية الكاسحة والعظمى لقطعان المستوطنين، فمن يسود من؟ فضلاً عن أنه من الوارد اللجوء فيما بعد إلى استفتاء أو إلى البحث عن وسيلة ما بحيث بموجبه أو بموجبها يتم رفض السيادة الفلسطينية، أو ممارسة تطهير عرقي وعنصري لطرد الفلسطينيين الذين يمثلون 10 في المائة.

 

 

ولذلك، وفي ظل هذا الراهن المعيب والمؤلم يبقى الأسف تعبيراً غير قابل للصرف المعنوي، وندب الحظ على مواقف بعض الوسطاء الدوليين في الصراع العربي ـ الإسرائيلي من تبنيهم في خطابهم السياسي المواقف الإسرائيلية، بل والتدخل لدعم التوجهات الإسرائيلية التي غالباً ما تتخذ لتغيير هوية الأراضي والمدن الواقعة تحت الاحتلال والمحاولات التي تستهدف القدس المحتلة الآن بتغيير هويتها الفلسطينية (العربية والإسلامية) هي أبلغ الشواهد على ذلك، حيث يكرس كيان الاحتلال الإسرائيلي احتلاله المدينة المقدسة، وإعلانها عاصمة أبدية له وتدنيس المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهدم أساساته، وتوالي هذا التدنيس وسط حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي وتحت مسمع ومرأى المتاجرين بالقضية الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني.

 

ولهذا فإن مناقشات الكنيست الإسرائيلي لانتزاع الولاية على القدس الشرقية من الأردن، ليست شيئاً مثيراً للدهشة ولا يبدو أنها مثيرة للغيرة والانتصار للمسجد الأقصى وللشعب الفلسطيني، في زمن عزت فيه النخوة والشهامة والكرامة والكبرياء، وأصبحت مختنقة بأدخنة العمالة والنذالة والخسة والتواطؤ والتبعية والقبول بوظيفة خادم عند سيد صهيوني مارق على القانون والشرائع الدولية وطابخ للمؤامرات وصانع لحفلات الدم المجنونة بحق الأبرياء العرب والمسلمين.

إذن، نحن أمام خطأ تاريخي ومفصلي بتصفية القضية الفلسطينية تلعب فيه قوى عربية دوراً بارزاً، مثلما لعبت ولا تزال في تدمير دول عربية لخدمة طرف واحد وهو كيان الاحتلال الصهيوني عدو المنطقة كلها، ما لم تحصل معجزة تنتشل المنكوبين من الفلسطينيين والسوريين والعراقيين وغيرهم من بين براثن المتآمرين والعملاء.

يوم الأرض، يوم انتفاضة الدماء لحماية أرض الأجداد، يوم  نهاية الحلم الصهيوني بترويض أهلنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948، عبر أدوات القمع تارة وعبر الإغراءات تارة أخرى فانتفض أهل الدار، بالدماء معلنين أن الأرض لنا، ولن تُسرق منا ولن تُزور بأسماء من اختراعات حاخامات الصهاينة… وفي هذه الأيام يتصدى المواطنون الفلسطينيون لاعتداءات قطعان المستوطنين المستمرين في عدوانهم الظالم والاستيطان المستشري في الضفة الغربية والقدس المحتلتين.

أياً يكن الأمر، نحن أمام وضعية جديدة للحراك الشعبي الفلسطيني… نحن أمام يقظة عربية وإسلامية جديدة… عنوانها الأرض، هذه اليقظة قد تتطور وتتصاعد، وقد تنتكس وتتراجع… نقطة البدء في تطوير هذه الظاهرة التي تهز أركان الحلم الصهيوني القائم على الاستيطان والتهويد وتغيير معالم المدن العربية الفلسطينية، تبدأ من فلسطين والفلسطينيين أنفسهم، وقبل غيرهم، ولقد أظهرت الجماهير الفلسطينية في الداخل والشتات، ولاسيما في الضفة الغربية، استعداداً تاماً لاستعادة ”غضبها الذي لم يهدأ إلا ليثور من جديد”…

فيوم الأرض هو يوم الحقوق الثابتة غير القابلة للتفاوض، وهو يوم الهوية، وحق الفلسطيني بالتحرر الوطني، وتقرير المصير بالإرادة الوطنية الخالصة، وهو يوم يجب أن يتم فيه تجديد الذاكرة العربية التي أخذتها سياسات المتآمرين على قضية العرب الأولى فلسطين إلى فضاءات تعطي فيها كيان العنصرية والاستيطان الفرص الكافية للمزيد من الاستيطان والتهويد وضم الأراضي دون أي مقاومة بحجة عدوٍ آخر صار أكثر خطورة على حياة العرب ومستقبلهم من الصهاينة والغزاة ومشاريعهم الشرق ـ أوسطية التفتيتية للأمة العربية جغرافياً وتاريخاً.

نعم يدخل يوم الأرض في هذا العام إلى فضاءات التحول العربي المريبة التي لم تعد جادّة في تذكرِ فلسطين، والأراضي التي تحتلها إسرائيل. لا تذكّر القدس وهدم المسجد الأقصى المزمع، ولا التهويد وإقامة الدولة اليهودية مع حرمان الفلسطينيين من دولتهم الوطنية اللازمة أسوة بشعوب الأرض، وكل الذي تصر على تذكره هو حقوق الإنسان العربي في نظامه العربي، وكذبة الديمقراطية المبحوث عنها والحرية، والربيع العربي الذي حصل من أولى مهامه هدم الدولة الوطنية العربية، وإدخال العرب في أجواء الانقسامات الداخلية، والحروب الأهلية، وتجريف ثرواتهم في خضم ذلك.‏

هذه هي ـ مع الأسف ـ أجواء العرب الراهنة، فهم قد أدخلوا منذ بداية 2011 إلى فضاءات تم تصويرها بأنها فضاءات تجديد النظم العربية، والتوجه نحو أهداف الأمة في التحرر الوطني، والقومي، والإنساني، ولكن ما حصل الآن على ضوء ربيع تونس، ومصر، واليمن، وليبيا، هو أن نزاعات داخلية حول تركيب النظم الجديدة لن تؤدي إلى التوافقات على تركيبها، بل الظاهر أن النزاعات المسلحة من ليبيا حتى اليمن تنذر بما نبّهت إليه القوى العربية غير المرتبطة بالمخطط الصهيوأميركي حين نبهت من أخذ مسألة الربيع حجة لنسف الجغرافية الراهنة للعرب، جغرافية سايكس ـ بيكو، واستبدالها بكيانات قبلية، وطائفية، وعرقية، ودينية، لن تعود معها وحدة الأمة الجيو ـ تاريخية لأكثر من قرون من الزمان وستكون أكثر خطورة من سايكس ـ بيكو.‏

اليوم نحيي الذكرى الـ 38 ليوم الأرض، يوم فلسطين، يوم الوطن… ذكرى نجددها كل عام لنقول مع الشعب الفلسطيني: نحن هنا، فلسطين أرضنا وسنعود إليها.

والشعب الفلسطيني بكامله يشعر بأنه صاحب حق، ومن ثم فهو يتحمل كافة الصعاب، ويواجه المآسي بصدر مفتوح وعزيمة لا تلين، يدفن شهداءه على مذبح الحرية، سواء أولئك الذين يسقطون في سجون الاحتلال الصهيوني أو بين أحضان أرضه وترابه ومقدساته ودوره، مستمداً من هؤلاء الشهداء العزيمة والحافز، متخذاً منهم القدوة في التضحية والفداء وبذل الأموال والأنفس رخيصة في سبيل الوطن واسترداد الحقوق، ما يعطي وقوداً لا ينضب يقف خلفه كرم إلهي ولطف خفي يرسله المولى جلت قدرته إلى هؤلاء المرابطين والمرابطات بأن جعل أرحامهن خزاناً ضخماً من الوقود البشري بتخريج جيوش الحق التي تدافع عن الحق وتكافح من أجل البقاء والذود عن الأرض والعرض والكرامة والشرف والمقدسات.

حيث تظل أرض فلسطين المحتلة أولى بهذا الوقود وهذا الرباط وهذه السواعد في زمن خنعت فيه الإرادة، وشوّهت فيه المبادئ والقيم، وميّعت الكرامة والعزة والإباء، وضرّجت المصالح بدماء الأبرياء، وتوجرت بحقوق الإنسان والأعراض والأرض.

واليوم نحن أحوج ما نكون ليوم للأرض، يوم للوطن في كل بلداننا العربية وليس في فلسطين فقط لأن رياح الانقسام والتشرذم وتفتت الأرض وضياعها، تعصف بنا جميعاً، والمأساة أنها رياح عربية بتنا مع استمرار عصفها بنا نخجل أمام فلسطين وقدس أقداسها، فما عسانا نقول لها في ذكرى أرضها المقدسة المحتلة.

بقي أن نشير إلى أن الشعب العربي بعامة، والفلسطيني بخاصة، كان يتمنى على القمة العربية المنعقدة مؤخراً في الكويت، أن تخصص جزءاً من وقتها للحديث عن الأرض العربية المغتصبة، والبحث في السبل الكفيلة باستعادتها، لا أن تساعد العدو الصهيوني على السيطرة على المزيد من الأرض العربية، على نحو مباشر أو غير مباشر، وتقسيم المقسّم وتفتيت المفتت من أرضنا العربية…

 

ولن يلتمس الشعب العربي لزعاماته المتكلسة أي عذر بسبب موقفها البائس من قضية ما هو محتل من أراض عربية، ولاسيما أن أغلبيتها ساهمت في قتل كل دافعٍ عند مواطنيها يدفعهم لمواصلة الكفاح والجهاد في سبيل استعادة الأرض العربية المحتلة، كما أنها حاربت حركات المقاومة الوطنية والإسلامية التي نذرت نفسها للدفاع عن الأوطان واستعادة المحتل منها…

 

والحقيقة أن هناك مئات الآلاف من الشبان العرب الغيارى الذين ينتظرون اللحظة المناسبة للانطلاق لتحرير أرضهم وتطهيرها، بيد أن انطلاقتهم هذه مرهونة بوجود قيادة مخلصة تُسوّي صفوفهم لتسلك بهم طريق الكفاح والتحرير.

 

حوار مع الدكتور/مصطفي الفقي

 

من أرشيف رؤية

صدق الراحل جمال حمدان الذى كان محقا فى كتاباته و التى أشار فيها إلى عبقرية زمان كان ( تفاعل الزمان و المكان ) مشيرا إلى موقع مصر الجغرافى وتراكم الإبداع و عمق الحضارة الأنسانية و التى تركت بدورها بصمة قوية على الإنسان المصرى بصفة عامة و الفقهاء السياسيين و الدبلوماسية المصرية بصفة خاصة حيث أبدعوا و حظيوا بالتقدير و الأحترام ..

فوسط كل هذه الأحداث التى تمر بها مصر يظهر لنا دائما كمصريين شعاع فيه نور الأمل من خلال بعض الأشخاص المتميزين و الذين منحهم الله القدرة أن يكونوا مبدعيين و باقيين و محفزين و دكتور مصطفى الفقى أحدا هؤلاء الأشخاص و قد شرفت جريدة الربيع العربى بأجراء هذا الحوار مع أحدا أبناء مصر و الخارجية المصرية المفكر السياسي الدكتور مصطفى الفقى و هذا هو نص الحوار :

 

س١ـ دكتور مصطفي الفقي ترى ما هى مشكلة التيار الليبرالى فى مصر ؟ و هل من الضرورى لنجاح أى نظام ..  أن يكون نظام دينى ..  نظرا لطبيعة هذا النظام القائم على السمع و الطاعة ؟ وكيف ترى سيادتكم عوامل النجاح لقيام حزب مدنى قوى في مصر ؟

 

ج١ـ على ما أتذكر تجربة حزب الوفد فى الفترة الليبرالية ١٩١٩ ـ ١٩٥٢ كان لهذا الحزب جذور قوية ربما هى الوحيدة فى تاريخ الحركة الحزبية فى مصر أن ظهر حزب من أسفل ألى أعلى .. و ليس العكس و بالتالى لا يستطيع أحد أن يقول أن المصريين لا يؤمنون بالفكر الليبرالى أو بالأحزاب المدنية ..  أما الحزب الديني فأعتقد أنه مدعاة للإنقسام  و التفرقة فهو و يفرق ولا يجمع .. و يؤدى ألى نظرات ذات طابع طائفى و قد يؤدى إلى إنتكاسات حقيقية لأن قيام حزب على اساس دينى مثل محاولة خلط المياه بالزيت .. فالدين سائل نقى طاهر و السياسة فيها الآلعيب وتربيطات و مؤمرات فهى لزجة كالزيت و خلطهما أمر خطير جدا و غير مستحب و أنا أظن صادقا أن حركات الإسلام السياسى التى ظهرت فى القرن العشرين أساءت للإسلام الحقيقى و خلفت مخاوف و طرحت صراعات لم يكن لها أن تظهر لولا ذلك التهديد الذى شعر بها الآخرون من الأسلام .. وقبل ذلك كان الأسلام فى حالة قبول عام .

 

س٢ـ منذ قديم الأزل مصر دولة رائدة لها وزن وثقل فى الشرق الأوسط و المنطقة العربية ترى سيادتكم ما هو الدور الذى يجب أن تقوم به الخارجية المصرية و القيادات السياسية الحالية لإستعادة الدور المصرى مرة آخرى خاصة و أننى لمست بنفسى مدى تقدير و حب الكثير من أبناء الوطن العربى  لمصر و دورها المحورى فى المنطقة ؟

 

ج٢ـ الدبلوماسية المصرية يجب أن تقوم على فلسفة و توظيف الدور المصرى لخدمة المصالح العليا لمصر .. يعنى قضية العروبة ليس قضية هولامية بلا معنى لا بل طريق له إتجاهين تعطى و تأخذ .. والعلاقات مع الدول الأفريقية يجب أن تعطى لها أهمية أكثر مما هى عليه الآن .. وكذلك دبلوماسية دول حوض النيل ..   وأصبحت مسألة حتمية الآن إستخدام العنصر الثقافى فى العمل الدبلوماسى فأصبح هذا أيضا أحد الأدوات الهامة لدى العلاقات الدولية الثقافية  منذ أن ظهر صراع الحضارات و منذ أن ظهرة العولمة إلى غير ذلك من التعريفات ذات الطابع الثقافى .

من هنا فأن دور مصر دور قوى جدا خاصة أن فيه دبلوماسية إسلامية .. و دبلوماسية بحر متوسطية .. و دبلوماسية عربية .. و لا تعارض بين هذه جميعا و لكن يمكن خلق سبيكة تعبر عن هوية مصر و شخصيتها و هذا ما كان مفتقدا فى حكم الأخوان المسلمين و هذا أحدا أسباب المخاوف التى كنا نشعر بها لطمس الهوية المصرية خلال فترة حكم الرئيس السابق مرسي .

 

س٣ـ دكتور مصطفى الفقى دائما يقاس الحجم السياسى للدولة بعدة عوامل منها القوة الأقتصادية.. و عدد السكان .. و القوة العسكرية  ..و أيضا التعليم .. و هو شق هام جدا لنجاح أى أمة وهناك دول أصبحت لها دور فى المنطقة العربية رغم عدم أمتلاكها أى من تلك المقومات فيما عدا الثراء المادى فقط ترى ما هى الأسباب و هل أنقلبت الموازين أم أن هذا دور وقتى و مرحلى ؟

 

ج٣ـ أنا أعلم لمن  تشير تحديدا أو أستطيع أن أقول لك أنها أدوار مرحلية مرتبطة بثروة زائدة .. و بدور مرسوم لها كجزء من مخطط كبير لم يقطعوه هم و لا أعتقد أنهم سوف يستطيعون أن يحققوا شئ يعنى قل ما تشاء .. و لكن مصر فى النهاية .. حتى و هى فى حالة الكبوات هى الرائدة و القائدة و الأقوة و الأعظم في المنطقة العربية والإسلامية .

 

س٤ـ منطقة الشرق الأوسط منطقة مليئة بالمشاكل و التطورات السياسية المتقلبة و السؤال الأن أننا دائما نرجع هذا الضعف و الهوان لنظرية المؤامرة من الغرب هل هناك فعلا مؤامرة ؟ أم أن المشكلة فينا نحن كشعوب عربية ؟

 

ج٤ـ لا أستطيع أن أقول أن نظرية المؤامرة غير موجودة .. و لكن لا يجب عند التحليل أن نستسلم للتفسير التآمرى للتاريخ ..  انت تقول أن هناك مؤامرة مثلما تذهب للطبيب و تسأله عن مرض لا يستطيع هذا الطبيب تشخيصه مثل هذه الأجابات العامة غير دقيقة فى التحليل السياسى  و الأهم هو أن نفكر بطريقة مختلفة فإذا كان هناك من يتآمر فيجب نحن ايضا أن نتآمر ..  ومن له أجندة .. يجب أن يكون لك ايضا أجندة .. المشكلة أنك تجلس و تندب حظك و لا تفعل شيئا هذه هى المشكلة الحقيقة و مثلما يقولون أيضا أن إيران لها أجندة فى الشرق الأوسط فهذا أمر طبيعى أيضا و السؤال الأن أين أجندة مصر و أين أجندة الخليج ؟ و أين الأجندة العربية ؟ عموما هذه أمور يجب وضعها فى الأعتبار

 

س٥ـ دور دول الخليج فى مساعدة مصر و تحديدا المملكة العربية السعودية و الكويت و البحرين و الأردن و دولة الأمارات العربية المتحدة و دعم مصر ماديا و سياسيا بعد ثورة ٣٠ يونية ما تعليق سيادتكم عل هذه الدور و ماذا تود ن تقول فيه  ؟

 

ج٥ـ هناك مصالح عليا مشتركة ..  دول الخليج كانت تعلم أن ما كان يجرى فى مصر كان يمثل خطرا تلقائيا عليها أيضا ..  و يعلمون أن تدمير الهوية المصرية سوف يفتح باب يصيب دول الخليج  ذاتها بالضرر ..  فالإخوان المسلمين جماعة لديها تصور و مشروع فى المنطقة ككل ..  و لم يكن يستهدف فقط عملية إحلال السلام مع أسرائيل مع الشروط الأسرائيلية و لكن أيضا كان يسعى إلى تأمين  آبار البترول و التدخل فى تلك المناطق رغم أن هذه المنطقة و هى منطقة الخليج قد قدمت لجماعات الأخوان المسلمين أكبر التضحيات و المساعدات و آوت قيادتهم منذ العهد الناصرى .. و لذلك كان إستقبال دول الخليج لما جرى فى ٣ يولية إستقبالا إيجابيا و حافلا للغاية و تجسد فى البيان العاجل للملك عبد الله ين عيد العزيز عاهل السعودية بعد أقل من ساعتين من بيان الفريق أول عبد الفتاح السيسى

 

س٦ـ هل أنت متفائل بالمستقبل فى مصر أم أننا ما زلنا فى مرحلة الخطر داخليا و خارجيا ؟

 

ج٦ـ أنا متفائل بطبيعتى و لكن لا يجب أن نعيش نشوة اللحظة .. و متصور اننا حققنا ما لا يمكن أن يضيع .. و يمكن أن تفلت منا إيجابيات اللحظة و يحدث ما لم يمكن أن نتوقعه

و لذلك أنا أطالب و بشدة بضرورة الحذر و اليقظة ووضع رؤية شاملة ومتكاملة للمستقبل يدركها الجميع و يلتفت عليها الجميع و أطالب بوحدة القوة الوطنية ليبرالية أو يسارية أو قومية أو ناصرية فيجب أن تكون كلها على أرض واحدة

 

س٧ـ ما هى نصيحتك للرئيس المصرى القادم لمصر ؟

 

ج٧ـ أن يركز على أمرين إبعاد المخاطر الخارجية على مصر فى ملف حوض النيل و ملف تعمير سيناء و على الجانب الآخر أن يراعي قضية العدالة الأجتماعية فثورة ٢٥ يناير إنطلقت من غياب العدالة الأجتماعية ورفع المصريون صور عبد الناصر فى المظاهرات لأنه يجسد أمامهم العصر الوحيد لإحترام العدالة الأجتماعية و محاولة السعى نحوها

 

و فى نهاية الحوار أتوجه بالشكر للمفكر السياسي الدكتور مصطفى الفقى على هذا الحوار و مساحة الوقت الذى أتاحها لنا للحديث  معه ..  باعثا للأمل بأن نشهد إستقرار للأوضاع فى مصر وأن تكون قفزة سياسية و أقتصادية كبيرة لكى تستعيد مصر ريادتها فى المنطقة كقوة أقليمية لا يستهان بها ولا يمكن أغفال دورها فى المنطقة العربية بأكملها .

 

ويبقي عزيزي القارئ أن تتعرف في سطور عن السيرة الذاتية  للمفكر السياسي الدكتور / مصطفي الفقي  :

 

مصطفى الفقي (و. نوفمبر1944) سياسي مصري من كوادر الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم سابقا، ولد بمركز المحمودية محافظة البحيرة في سبتمبر 1944. درس بمدارس دمنهور الاعدادية والثانوية. حصل على بكالوريوس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة عام 1966. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن عام 1977. ثم التحق بالسلك الدبوماسي فعمل في سفارتى مصر ببريطانيا والهند. كما تم انتخابه عضوا بمجلس الشعب.

  • أمين عام المجلس الاستشارى للسياسة الخارجية.
  • أمين معهد الدراسات الدبوماسية.
  • سفير مصر بجمهورية النمسا.
  • سفير غير مقيم لدى جمهوريات سلوفاكيا وسلوفينيا وكرواتيا (1995 – 1999).
  • مندوب مقيم لمصر لدى المنظمات الدولية في العاصمة النمساوية فينا مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمات الأمم المتحدة لمدة أربع سنوات.
  • عمل سكرتيرا للرئيس محمد حسني مبارك للمعلومات بين عامي 1985، 1992
  • قام بالتدريس في الجامعة الأمريكية، وأشرف على عدد من الرسائل العلمية.
  • قنصل مصر في “لندن” ثم سكرتير ثان السفارة المصرية (حتى عام 1975).
  • عمل مباشرة مع الدكاترة بطرس بطرس غالي وأسامة الباز ونبيل العربي وعمرو موسى وأصدر “الكتب البيضاء” التي تدور حول تاريخ الدبلوماسية المصرية خصوصاً والعربية عموماً.
  • مستشار للسفارة المصرية في “الهند” (حتى عام 1983).
  • أستاذ للعلوم السياسية في أقسام الدراسات العليا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة لمدة تصل إلى خمسة عشر عاماً (1979 – 1993)
  • مدير معهد الدراسات الدبلوماسية (1993 – 1995)
  • أحد المتحدثين في الجلسة الافتتاحية للمنتدى الاقتصادي الدولي في “دافوس ” بسويسرا في يناير سنة 1995 (تولى تقديمه السيد ريمون بار رئيس وزراء فرنسا الأسبق)
  • عضو مجلس الشعب عن انتخابات سنة 2005 عن دائرة دمنهور وقد أعلن سقوطه في بادء الأمر ثم أعلن فوزه بعد ذلك، وثار لغط كبير بسبب شهادة المستشارة نهى الزيني التي أيدها نادي القضاة و137 قاضيا[1] بأن إجمالي عدد الأصوات كان لصالح منافسه د. جمال حشمت المرشح عن جماعة الاخوان المسلمين ويعمل الدكتور مصطفى الفقى رئيس للجنه العلاقات الخارجية بمجلس الشورى.
  • له مقالات دورية في الصحف المصرية والعربية الكبرى في الثلاثين عاماً الأخيرة إلى جانب الدوريات الأجنبية وإعداد الموسوعات الدولية الشهيرة.
  • أشرف وناقش أكثر من 35 رسالة جامعية للدكتوراه والماجستير في الجامعات العربية والأجنبية.
  • كتب مقدمة عشرات الكتب المتخصصة في العلوم الاجتماعية والآداب ومناهج البحث (ومنها مقدمة كتاب (الرد) للدكتور كورت فالدهايم رئيس دولة النمسا وسكرتير عام الأمم المتحدة الأسبق وذلك بناءً على طلبه)
  • عضو في الوفد المصري الرسمي لكل مؤتمرات القمة العربية والأفريقية والدولية (1985 ـ 1992)
  • رئيس الجانب المصري في الاجتماعات التحضيرية للجان المشتركة بين مصر والدول العربية (99 ـ 2000)
  • متحدث أمام مجلس العلاقات الخارجية (نيويورك ـ أكتوبر 2003)
  • عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ (2004) وعضو اتحاد الكتاب منذ (2006) وعضو المجمع العلمي المصري والذي تأسس عام 1798 منذ (2007) وعضو المجلس الأعلى للثقافة منذ (2007) وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ومقرر لجنة الفكر الإسلامي منذ (2008) ـ عضو مجلس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة منذ (2008)
  • رئيس مجلس إدارة جمعية الصداقة المصرية ـ النمساوية منذ (1999)
  • عضو المجلس المصري للشئون الخارجية منذ (2001) وعضو في معظم الجمعيات المتخصصة في مصر.
  • عضو عامل في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية “بلندن” منذ (2008)
  • نائب رئيس جمعية “وادي النيل” للعلاقات المصرية السودانية منذ (2008)
  • عضو الهيئة الاستشارية “لمؤسسة الفكر العربي” (2002-2004) ـ (2010 ـ ) وعضو “المنتدى العربي” – الأردن منذ (1998)
  • ممثل الشباب المصري إلى “الجزائر” (احتفالات عيد الاستقلال ونقل رفات الأمير عبد القادر الجزائري إلى وطنه) يونيو (1966)
  • مستشار – السفارة المصرية في “نيودلهي” (1979 ـ 1983)
  • رئيس الجامعة البريطانية في مصر (فبراير 2005 ـ أبريل 2008)
  • عضو لجنة الشرق الأوسط في اتحاد البرلمان الدولي (2005) ـ عضو اللجنة الاستشارية لاتحاد البرلمان الدولي الخاصة بالأمم المتحدة ممثلاً وحيداً للدول العربية (2008)
  • اشتغل بالشؤون العربية والفكر القومي منذ أن كان رئيسًا لاتحاد الطلاب في الجامعة حتى الآن وله دائرة علاقات واسعة مع المسئولين العرب والمفكرين والمثقفين في معظم العواصم العربية

 

ترشيحة لمنصب الامين العام لجامعة الدول العربية[عدل]

  • أعلنت وزارة الخارجية المصرية رسميا ترشيح الدكتور مصطفى الفقي لمنصب الأمين العام للجامعة العربية، خلفا للأمين العام عمرو موسى، الذي تنتهي ولايته منتصف أيار/ مايو 2011 ولكن حصل على المنصب نبيل العربي بعدما سحبت قطر مرشحها في مقابل ان تسحب مصر ترشيح مصطفي الفقى.

جوائزه[عدل]

مؤلفاته يكتب في عدة صحف منها الأهرام والحياة اللندنية…كماان له عامود خاص في جريدة المصري اليوم كما ان له عدة مؤلفات منها 1…الرهان على الحصان 2…العرب الاصل والصورة 3…الرؤية الغائبة 4…تجديد الفكر القومى 5…من نهج الثورة إلى فكر الإصلاح .

 

حوار مع السباحة نجوى غراب

من أرشيف رؤية

المرأءة المصرية على مر العصور و الأزمنة قد تميزت بالعطاء اللا محدود ..والإنسان إبن البيئة و هى تفاعل عنصرى الزمان و المكان

فلو طالعنا تاريخ الحضارة

المصرية لوجدنا أنها كانت من أقدم الحضارات فى تاريخ البشرية و أننا أول شعب كانت له حكومة مدنية و لأننا بلد زراعى فالإنسان المصرى بطبيعته مرتبط بالأرض جغرافيا و بالسماء عقائديا

 

و لقد شهدت المعابد و الآثار الكثير من هذه المعانى وكان التميز الذى أختصت به المرأءة و أيضا تعبير و ترجمة عن فكر وحكمة الرجل فالمجتمعات الناجحة أن يكون للمرأءة دور مميز و بصمة قوية و واضحة فالكثير من الشخصيات العامة و المؤثرة فى حياتنا سواء كان رجلا أو إمرأءة ظهروا إلى الحياة و أنجبتهم مصر و التى يشيد إليها دائما بأنها بلد ولادة قادرة على الأنجاب المتميز .. و كان الإحترام الذى أبدته المجتمعات البشرية تجاه المرأءة هو سمة لحياة المصريين و نحن هنا أمام نموذج يجسد كل هذه المعانى حيث أننا بكل الفخر و التقدير و الأعجاب نقدم تجربة حياة لسيدة مصرية قد حققت الشئ الكبير و تفوقت فى المجال الرياضى ..

 

و الحكمة تقول أن العقل السليم فى الجسم السليم بمعنى أن المجتمع الرياضى يكون أمامه فرص التفوق و التقدم بشكل يغرى و يعجب الآخرين و إن كنا نعيش هذه الأيام فجوة بين الأجيال أو إنفصال بينها قد كانت له أسباب متعددة لكننا فى محاولة لبث الثقة و زرع الأمل نود أن نقدم هذه الصورة الحية كتجربة باعثة على الأمل أن التفوق الرياضى قد حصلت صاحبته على ما تستحقه من تقدير عالمى لكننا لا ننسي أيضا أن شعبنا و وطننا و شعبنا بمعنى مصر و المصريون قد تحدثت الدنيا عنهم بشكل إيجابى و مشرف و كانت تجربتها هدية من السماء لأن تفتح نفوس و عقول أجيال من الشباب قد يأست أو ضلت الطريق وأذا كان النجاح لا يأتى صدفة فأنه بالتأكيد يأتى لمن يستحقة …

و نحن فى الشرق أو فى مصر تحديدا يبدأ العد التنازلى لا أنشطة و حركة الأنسان عند يبلغ سن ال٦٠ و الذى نعرفه عادة مصطلح سن المعاش لكننا فى الغرب و هذا هو الجميل فى الأمر أن الحياة تبدأ بعد الستين و ضيفتنا هنا نسعد بأنها جسدت لنا هذا المعنى ..  فهى تعتز و تفتخر بأنها تجاورت هذا السن بمراحل و لكنها تبدو دائما فى قمة التألق و العطاء و الأنفتاح فى الفكر حيث أنها أكدت بتفوقها أن العقل الأنسانى مثل البارشوت يعمل عندما يفتح

عزيزى القارئ أنها دعوة للإنفتاح و الأخلاق من منطلق الرياضة حيث تدعوكم السيدة/ نجوى غريب لأن تشاركوها هذه الرحلة حيث تسعى من خلالها و نحن معها على أن نثير الهمة و ندعو الأمل فى وسط جيل الشباب و من حسن الحظ أننا تعودنا على مسؤولين و قادة رحلوا عنا و كانت الصحة هى الثمن بينما نعيش الآن مع رئيس رياضى وجه رسالة للأمة من خلال ظهوره فى وسائل الأعلام يمارس رياضة بالدراجة ..  و هى رسالة تؤكد للشعب أهمية أن يخلع ثوب الكسل و ينطلق للأمام بروح رياضية عزيزى القارئ يسعدنا أن تشاركنا هذه الرحلة مع السيدة/ نجوى غريب لنتأمل و نتعلم ..

 

س١ـ أن الصورة الذهنية التى يعرفها العالم عن مصر تتجسد فى القوة الناعمة و هى كل ما يقدمه الإنسان المصرى من أبداع سواء فى مجال الفن أو الرياضة أو الثقافة أو التعليم حضرتك تميزت فى مجال الرياضة و الفن هل لكى أن تتحدثى فى هذا السياق ؟

 

ج١ـ أهلا بيك و انا سعيدة بأجراء هذا الحوار أنا أسمى نجوى يوسف غراب عمرى ٧١ عاما و لدى ٣ بنات و ٤ أحفاد و حفيدى الأكبر عمره ٢٥ عاما و أحفادى الآخرين ١٦ و ١٣ عاما ثم آخر العنقود حفيدتى ٣ سنوات  ..و حاليا أنا على المعاش منذ حوالى ١١ عاما و كنت قبل ذلك أعمل مدرسة للغة الفرنسية و عند خروجى على المعاش رفضت الجلوس في البيت وصممت على عمل شئ مفيد لى و أحبه فى نفس الوقت و هى رياضة السباحة و أيضا أنا أعشق فن الرسم بالزيت حيث درسة الرسم فى  معهد ليورنالدو دافنشى .. و تخصصت فى موضوع الرسم فى شئ معين و هو رسم الخيول العربية الأصيلة .. حيث كان والدى رحمه الله لديه هواية تربية الخيول و تدريبها و بالذات الخيول العربية و كان رحمه الله ضابط بوليس فى عهد الملك و كان أيضا بطل دولى فى رياضة الفروسية و بما أننى كنت إبنته فكان يشرح لى كل شئ عن جمال الخيل العربى و أنا فى نفسى كنت أعشق ركوب الخيل و بعد وفاة والدى رحمه الله بدأت أتخصص فى رسم الخيول العربية الأصيلة و من هنا كانت البداية .

و بالنسبة للسباحة فقد كنت أهوى منذ الصغر رياضة السباحة و حصلت على العديد من البطولات المحلية و الدولية الفردية و تخصصت فى سباقى ٥٠ متر و ١٠٠ متر

 

و بالنسبة لبطولة الأساتذة أو بطولة العالم لهذا العام فهى تعتبر ثالث بطولة عالم لى و من المعروف أن الذى يشترك فى بطولة العالم لا يقل عن ٩٠٠٠ سباح من جميع دول العالم و حصلت فى هذه البطولة على المركز الحادى عشر على العالم … و لا أستطيع أن أوصف لك مدى سعادتى بفوزى بهذا المركز حيث أن سعادتى تكمن بأننى مصرية حصلت على هدا المركز فى هذا  السن وسط عمالقة من السباحين و سعادتى لا توصف إنه ذكر فى البطولة أننى من مصر و أنا أفتخر أننى مصرية و أحب بلدى بشدة .

 

و لكى أصل لهذا المستوى فكنت أتحمل مصاريف كبيرة كنت اتحملها لوحدى من جيبى الخاص و كنت سعيدة بهذا و بالمناسبة كنت فى لقاء مع سعادة وزير الشباب و الرياضة فى مصر و قال لى تحبى مصر تعمل لكى إيه ؟ فقلت له معالى الوزير أنا مصر إدتنى أجمل أيام حياتى و هذا هو الوقت الذى أعطى لبلدى ولا أخذ منها و أشكرك جدا يكفى فرحتى و سعادتى أنهم قالوا عند تسليمى الميدالية أننى مصرية فهذا شئ كبير جدا .

 

و حصلت على أكثر من ٣٧ ميدالية دولية غير الميداليات بطولة العالم و كل بطولات فرنسا أدخل فيها أحصل دائما على المركز الثانى أو الثالث و الحمد لله هناك تقدير دائم من دولة فرنسا لى و أثناء حكم الرئيس المعزول محمد مرسى كنت أصر على السفر رغم كل التحديات و رغم أننى أعلم أنه ضد نشاط المرأءة و الحمد لله أن ثورة ٣٠ يونية جاءت و أنقذت مصر من خطر تقسيم الدولة على يد المتشددين .

 

س٢ـ ينظر العالم الخارجى للمرأءة العربية فى العالم العربى أنها لا تأخذ حقها هذا الكلام قد يكون فيه جزء من الحقيقة أو قد يكون فيه جزء من المبالغة و من فترة لأخرى نجد نجاحات كبيرة للمرأءة العربية بصفة عامة هل لكى أن تحكى لنا ما هى أسباب نجاحك و تميزك فى مجال رياضة

السباحة حتى نوصل هذه الرسالة للأجيال القادمة ؟

 

ج٢ـ رقم ١ للوصول لأى نجاح هى الثقافة … فأنا أحب هواية القراءة خاصة الكتب الفرنسية و فى جميع المجالات .. ثم يأتى بعد ذلك الثقة فى النفس و الأرادة و العمل بنظام كل شخص فى مجاله .. فقد كنت أهتم جدا بالتدريب والألتزام بمواعيد التدريب يوميا  حتى أصل لهذا المستوى أيضا تقدير قيمة الوقت و العمل بجد و بأجتهاد حيث أستيقظ يوميا الساعة ٦ صباحا و الساعة ٨ تماما استقل سيارتي و الساعة ٨،٤٥ أتواجد فى النادى الساعة ٩ صباحا أبدأ التمرين .

 

س٣ـ هل تتذكرى موقف حدث لكن لا تستطيعى أن لا تنسيه موقف أو موقفين فى حياتك ؟

 

ج٣ـ فى ثورة ٢٥ يناير لم تكن قد بدأت بعد و تلقيت دعوة للأشتراك فى بطولة الجمهورية فى فرنسا و دخلت هذه البطولة و كنت أول مرة أدخل هذه البطولة و حصلت على المركز الثانى على مستوى فرنسا كلها فى سباق ٥٠ متر حرة و عند تسلمى للميدالية قام كل الجمهور الموجود بالوقوف و التصفيق بحرارة لهذه المصرية تقديرا و أحتراما لها و التى حصلت على المركز الثانى على مستوى فرنسا و لن أنسي هذا المشهد طول حياتى و أخذت الميكروفون بعد تسليمى الميدالية و طلبت من الجمهور الفرنسى أن يدعو لمصر و هذا المشهد لن أنساه طول عمرى .

أنا آحب بلدى جدا و إنتمائى لمصر شديد جدا جدا وعند فتح حساب تحيا مصر كنت أول من تبرع لهذا الصندوق رغم أننى كنت على وشك السفر إلى الخارج لأحدى البطولات و كنت في حاجة للمال  فى هذا التوقيت ولكن قلت بلدى أهم و شكرت الله عز وجل أننا فى مصر تخلصنا من نظام الأخوان الذى حاول تقسيم و تمزيق مصر بكل الطرق .

 

س٤ـ ما هى الرسالة التى توجهيها لشباب مصر ؟

 

ج٤ـ أنصح كل الشباب بأن يعمل بجد ومن غير العمل لا يوجد نتيجة فالعمل و العلم هو أساس تقدم الشعوب فكل شخص فى مجاله لابد أن يعمل ولا يعتمد على الغير لابد أن يعمل

س٥ـ ما الذى فى أعتقادك تريه ينقص المرأءة المصرية ؟

 

ج٥ـ أقول للمرأءة المصرية نحن أذكى الناس  فأرجوا أن نستغل هذا الذكاء أحسن أستغلال .. والمرأءة المصرية لا ينقصها أى ذكاء بل على العكس فهى  مثقفة جدا و أرجوا من المرأءة المصرية أن تقسم حياتها ووقتها حتى تستطيع أن تمارس كل هوايتها فالبيت له

جزء و الهواية لها جزء و التعليم له جزء و الأولاد لهم جزء لكن لا أركز على شئ واحد .

 

وختاما : ن الجريدة كان لها شرف إجراء هذه المقابلة الهامة مع هذه الشخصية المرموقة ‫.. حيث أنها جاءت في الوقت المناسب لأن العالم كله أصبح مهتما بإبراز دور المرأة وإهتمت حكومات ودول العالم بالتنافس في إبراز قدرتها  وتميزها في العمل العام ‫.. وإستطاعت المرأة العربية بشكل ملموس وكبير أن تقبل التحديات وتقدم نتائج تدعو للفخر والإعتزاز ..

وإن كان 

الرجل شريكا في صنع القرار فبالتأكيد كان ولايزال وسوف يظل في أن يساعد المرأة أن تتبوأ هذه المكانة بكل ثقة وإقتدار ‫.

——

حوار مع المستشار / وليد بدوي المدير القطرى لبرنامج الأمم المتحدة الأنمائىUNDP فى جنوب أفريقيا

من أرشيف رؤية

ان الله يعلم حيث يضع رسالته …فمن الناس من أوتو قدرا من العلم والخبرة ثم جاءت الحكمة بأن يقدموا للآخريين دورا مفيدا وملموسا يستطيعون من خلاله ان يكونوا علامات مضيئة في حياتهم وحياة الآخريين … ونحن في الجريدة نسعي دائما أن نكون في خدمة القارئ العربي ونساعد في تحفيز حشد الهمم حتي نري في المستقبل اجيالا تضيف الكثير للبشرية .

ولقد سعدت جريدة ربيع العرب بإجراء هذا الحوار الممتع مع شخصية لها ثراء فكري وعلمي وبصمات ملموسة في مجال عملها علي المستويات الثلاثة المحلية والإقليمية والدولية .

وقد علمتنا الايام ان النجاح لايأتي من فراغ واذا كان المثل العربي يقول ان إبن الوز عوام… فالمعني أن التميز والتألق لضيفنا الكريم اسبابه كثيرة منها مايعود لشخصه وعلمه واجتهاده .. ولكن ايضا لايمكن ان ننسي ابدا فضل الاخرين حيث ان والده 

 هو السفير رحمه الله عبد الحليم بدوى مندوب مصر الدائم بالأمم المتحدة من  عام ١٩٨٦ إلى ١٩٩٠ و كان أيضا رئيس وفد مصر فى مباحثات طابا مع إسرائيل و شغل مناصب  مهمه عديده في الحكومة المصريه، اما جده  فهو الدكتور عبد الحميد بدوي باشا  و هو من كبار قضاة العالم و هو من وقع ميثاق الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ فى سان فرنسيسكو وقتها كان رئيس الوفد المصرى و كان يشغل منصب وزير الخارجية و بعدها تم إختياره كقاضى فى محكمة العدل الدولية فى هولندا و إستمر هناك ١٣ عام و كتاباته و الأحكام التى أصدرها لها تاريخ  معروف و مشرف. 

يسعد جريدة المستقبل أن تجرى مع الاستاذ / وليد بدوى هذا الحوار فى البداية نود أن نعرف الجالية العربية بالولايات المتحدة من هو الاستاذ / وليد بدوى من حيث سفرياتك و المناصب التى تقلدتها حتى وصلت لهذا المنصب الرفيع ؟

ج١ـ بدأت رحلتى مع الأمم المتحدة في عام ١٩٩٠ عندما أتيحت لي الفرسه بالانضمام كاحد مرشدي الامم المتحدة فى نيويورك،

و في عام ١٩٩٣بعثت الي إندونسيا في إطار برنامج Junior Professional Officer (JPO) Programme

و هو برنامج تموله عده دول مانحه و في معظم الأحيان ينضم اليه مواطنون من نفس الدول المانحة فقط يعملون لعدة سنوات في أحد منظمات الأمم المتحدة ثم بعد ذلك يمكن لهذا الشخص أن ينضم للمنظمة الذي يعمل بها اذا أتيحت فرصه عمل مناسبه او ملاءمه بعد اجراء كل الإجراءات لاختيار الشخص الأنسب لشغل هذا المنصب، اما يعود ليعمل فى إطار التعاون الدولى او التنمية او الدبلوماسية او اي مجال شبيه بذلك في بلده او خارجها،  

وقد كان لى الحظ و الشرف أن الحكومة الهولندية اختارتنى لكي انضم لهاذا البرنامج لمدة سنتين و إستمريت فى جاكرتا مع برنامج الأمم المتحدة الأنمائى (UNDP)  منذ عام ١٩٩٣ حتي عام ١٩٩٩ و خلال هذه الفترة عملت على عده ملفات قد يكون من أهمها مسانده ال UNDP  للمرحلة الإنتقالية فى أندونسيا خلال الفترة ما بين ١٩٩٨ و ١٩٩٩ عندما تنحى سوهارتو و حدث الأنقلاب و ثار الشعب على الحكومة، و في هذه المرحلة  الدقيقة  لعب ال UNDP دورا محوري و مؤثر فى التحول الدمقراطي حيث  قمنا بتنفيذ مشروع دعم العملية ألانتخابيه  وشكل هذا البرنامج نقطه تحول  هامة جداً في تاريخ هذا البلد، و تم إنجاز هذا المشروع الكبير و الناجح في وقت قياسي و تحت ظروف و تحديات كثيره، و كانت هذه أول إنتخابات ديمقراطية فى أندونسيا منذ ٥٤ عاما. 

 ثم بعد ذلك عدت للقاهرة و عملت مع برنامج الأمم المتحدة الأنمائى فى مكتب مصر حيث عملت على التنسيق بين الدول المانحة لمصر بالإضافة الى التنسيق ما بين الهيئات الأممية التي تعمل فى مصر.

و فى ٢٠٠١ و حتى ٢٠٠٧ كنت في نيويورك حيث عملت فى المكتب الإقليمى للدول العربية و كنت مسؤول على عدة ملفات  إقليمية منها موضوع مكافحة الإيدز فى العالم العربى بالاضافة الي ملف البيئة و ملف المياه، و كنت أيضاً مسؤول على الملف الفلسطينى وبرنامج الامم المتحدة الإنمائي لمساعدة الشعب الفلسطيني، و في ٢٠٠٥ إستلمت ملف إضافى و هو كبير مستشاري السياسات للمدير الإقليمى و كانت في ذاك الوقت هي الدكتورة ريما خلف هنيدى المدير إقليمى للمكتب العربى. 

و فى يناير ٢٠٠٧ إنتقلت للأردن لمكتب الUNDP فى العراق حيث استلمت منصب نائب الممثل المقيم مسؤول على هذا البرنامج الكبير ذو خصوصيات و تحديات كثيره، و مضيت عامين هناك ثم في ٢٠٠٩ عدت إلى نيويورك مرة أخرى فى مكتب العلاقات الخارجىة و الشراكات فى المركز الرئيسي و كنت مسؤول عن العلاقات  مابين الUNDP و الدول سريعة النمو و بلورة علاقات حديثة فى إطار التغيرات المستمرة  فى نظام التعاون الدولى، و فى يناير ٢٠١٤ إستلمت منصبى الحالى و هو مدير قطرى لبرنامج الأمم المتحدة الأنمائى فى جنوب أفريقيا .

س٢ برنامج الأمم المتحدة الأنمائى UNDP له علاقة بينه و بين الدول السريعة النمو فهل لكم أن تلقوا الضوء على هذه العلاقة ؟

جـ٢ ـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو شبكة الأمم المتحدة المعنية بالتنمية العالمية، وهو منظمة تدعو إلى التغيير وربط البلدان بالمعارف والخبرات والموارد بهدف مساعدة الشعوب على بناء حياة أفضل. ترتكز أنشطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على المجالات التالية الحكم الديمقراط، الحد من الفقر، منع الأزمات والإنعاش، تمكين المرأة،  مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، والطاقة والبيئة. و في هذا الاطار فعلاقة الUNDP  بالدول سريعة النمو كانت و ماذالت علاقة مبنية فالأساس علي تنمية هذه الدول، و لكن في السنوات الاخيرة حققت دول مثل الصين والهند والبرازيل انجازات إنماءية كبيرة مما ادي الى رغبة  كبيره من قبل دول نامية اخري من الاستفادة من هذه الخبرات والحلول الإنماءية، فكان علينا في ال UNDP اعادة النظر في علاقاتنا مع هذه الدول  لإيجاد أليات و سبل لنقل هذةالخبرات و الموارد البشرية و المادية من الدول سريعة النمو للأخرين، فكان لابد أن نوسع قاعدة الشراكات حتى نستطيع أن نستقطب و نستفيد من كل هذه الخبرات. 

س٣ : ماهي ورقة استرتيجية تقليل الفقر ؟

ج٣: ورقة استراتيجية الحد من الفقر هي المستندات المطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي من الدول الاقل تنميه قبل النظر في إمكانية تخفيف عبء الديون عليها او إعطاءها منح او مساعدات اخرى، و ينبغي أن تصاغ هذة الورقات وفقا لخمسة مبادئ أساسيه: يجب أن تكون قطرية، وشاملة، تحقق النتائج، ومبنيه على منظور طويل الأجل و تبني الشراكات،

س٤ـ ما هو الدور التى تقوم به الأمم المتحدة فى مجال التنمية بصفة عامة؟

ج٤ـ الأمم المتحدة و منظماتها المختلفة تقوم بأكثر من دور مهم فى مجال التنمية، علي سبيل المثال تقوم الامم المتحدة بمساعدة الدول لوضع الأهداف الأنمائية بحيث يكون هناك أتفاق دولى موحد عليها، تقوم أيضاً الأمم المتحدة بتنفيذ برامج و مشاريع محددة فى مجالات عمل كثيره لها فائدة اقتصادية و اجتماعية كبيرة، و تلعب أيضاً الامم المتحدة دورا في تعبئة الموارد لدعم المشاريع و خلق شراكات ما بين الحكومات و المجتمع المدنى و القطاع الخاص و غيرهم من حيث ان الأمم المتحدة تتمتع بقدر من المصداقية التي تتيح لها الفرصة لخلق بيئة ممكنة و ثقة بين الشركاء حينما تطرح مواضيع حساسة مثل انتهاكات لحقوق الإنسان أو غيرها. 

س٥ـ ما هو مفهوم التنمية البشرية كمفهوم حديث ؟

ج٥ـ ببساطة شديدة مفهوم التنمية البشرية هي عملية توسيع إختيارات الانسان عن طريق بناء القدرات التعليمية والخبرات للشعوب والمستهدف بهذا هو أن يصل الإنسان بمجهوده ومجهود ذويه إلى مستوى مرتفع من الإنتاجوالدخل، وبحياة طويلة وصحية. و منذ عام ١٩٩٠ يصدر الUNDP التقرير السنوي للتنمية الإنسانية و الذي يتناول مواضيع كثيرة ذات الصلة بالتنميه الإنسانية. 

 

 

س٦ـ ما هو جدول أعمال الأمم المتحدة فى أعمال التنمية لما بعد ٢٠١٥ ؟ 

ج٦ـ  تشكّل الأهداف الإنمائية الثمانية للألفية – التي تهتم بخفض الفقر بمقدار النصف و إحداث التنمية وفقا لأهداف و مؤشرات محددة، كل ذلك في موعد مستهدف هو عام 2015 – مخططا اتفقت عليه جميع  دول العالم وجميع المؤسسات الإنمائية الرئيسية. وقد حفزت هذه الأهداف جهوداً غير مسبوقة لتلبية حاجات أفقر سكان وشعوب العالم.

و في إطار المتابعة لمؤتمر القمة المعني بالأهداف الإنمائية للألفية الذي عقد فى عام ٢٠١٠ أنشأ الأمين العام فريق مهام على نطاق منظومة الأمم المتحدة معنياً بجدول أعمال الأمم المتحدة الإنمائي لما بعد عام 2015. وتولى قيادة فريق المهام الUNDP بالاشتراك مع إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية (UN DESA)، وقد طُلب إلى الفريق أن يتولى قيادة الأعمال التحضيرية على نطاق المنظومة لوضع جدول أعمال الأمم المتحدة الإنمائي لما بعد عام 2015 بدعم من جميع وكالات الأمم المتحدة وبالتشاور مع أصحاب الشأن المعنيين. و تم التأكيد على ان ينبغي أن يكون العمل المتعلق بجدول الأعمال لما بعد عام 2015 متجذّراً في تقييم تحليلي للأهداف الإنمائية للألفية كإطار، مع تحديد ما كان مجديا ومجالات التحسين، لا سيما استجابة للتحديات الإنمائية الحالية.

وفي عام 2012 عيِّن الأمين العام فريق شخصيات بارزة رفيع المستوى لإعطاء المشورة له بشأن المسائل العملية للتغلب على التحديات الإنمائية التي تعوق تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية و استند عمل الفريق إلى استنتاجات دراسة فريق مهام منظومة الأمم المتحدة كما استند أيضاً بنتائج مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (ريو + 20) الذي عقد في يونيه ٢.١٢ في البرازيل .

و قدتم رفع تقرير الفريق الرفيع المستوى والتقييم الخاص للأمين العام إلى الدول الأعضاء في جلسة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر ٢٠١٣ ويشكلان كل هذة الاطر والمشاورات والتقرير أساس للمفاوضات الحكومية الدولية بشأن إطار لما بعد عام 2015. و نحن الآن في انتظار الدّول للأتفاق على  هذة ألاهداف.

س٧ـ ما هى مهمتك فى جنوب أفريقيا تحديدا ؟

ج٧ـ أنا المدير القطرى للUNDP فى جنوب أفريقيا و مهامي تشمل أدارة و الإشراف على جميع مشاريع البرنامج و موارده و موظفيه و تعبئة الموارد  وتوسيع قاعدة الشراكات لتحقيق النتائج الإنمائية في المجلات العمل المختلفة الذي يعمل فيها ال UNDP و التي تتلاءم مع أولاويات الحكومة،

س٨ـ من هو مثلك الأعلى فى الدبلوماسية ؟

ج٨ـ الحقيقة  في عدد من الشخصيات البارزة و المرموقة  علي الساحة الدبلوماسية المصرية الذين تركوا بصماتهم و تأثيرهم علي، منهم بكل تأكيد والدي العزيز رحمة الله والدكتور عصمت عبد المجيد رحمة الله، والدكتور بطرس غالى و الدكتور نبيل العربي والسيد عمرو موسي، فهم  كلهم شخصيات عظيمة حققوا أنجازات لمصرعلي المستوى الوطني وللاقلىمى و الدولي، وشرفت بمعرفتهم جمىعاً.  

س٩ـ المستشار وليد بدوي هل تحب الرياضة ؟

ج٩-نعم احبها جداً، لما كنت صغير كنت محترف أسكواش و حصلت على عدة بطولات و كان لي الشرف فى المشاركة فى معسكرات تدريب المنتخب المصري للناشئين و في للولايات المتحدة كنت مصنف رقم ٤ على مستوى أمريكا و حصلت علي لقب بطل أندونسيا للأسكواش لعدة سنوات متتالية حينما كنت اعمل هناك. و كنت ايضاً ألعب التنس و كرة قدم فأنا أهلاوى صحيح و أحب الموسيقى أيضا 

س١٠ـ كمواطن مصرى ما هى تمنياتك لمصر ؟

ج١٠- أتمنى الأمن و الإستقرار لمصر أقتصادياً و سياسياً.    

حوار مع المحامية المرموقة / جومانة كيروز

 

من أرشيف رؤية

إن مهنة المحاماة من المهن المرموقة التى يتشرف الكثيرين أن يكون أحد محترفيها بالولايات المتحدة الأمريكية لأنها تساعد فى تحقيق العدالة و ضبط المسافات بين المؤسسات و الأفراد و المساعدة فى إستقرار المجتمعات و يحظى المتميزون من الذين إحترفوا هذه المهنة بقدر كبير من التقدير و الأحترام .

و طريق النجاح عزيزى القارئ يحتاج للصبر و الجهد و إن كان دائما كطريق العذاب يكون مفروش بالنوايا الطيبة .. و لكنها لا تكفى الشخص لان يكون ناجحا و متميزا فلا بد و أن يكون معه إصرار و حب للمهنة و صبر و حكمة البداية لم تكن سهلة على الأطلاق للمحامية المرموقة السيدة/ جمانة كيروز .. لكنها تعلمت الكثير من الحياة و هى أكبر مدرسة .. إن المرأة العربية إذا أتيحت لها الفرصة للنجاح فأنها تنجح و تتميز و تتفوق فى مجال عملها أى كان هذا المجال .

ونحن الآن أمام شخصية متميزة و ناجحة بكل المقاييس إنها السيدة المرموقة / جمانة كيروز المحامية الأمريكية من أصول عربية فهى سيدة من نوع خاص نفخر و نسعد لأن يكون لدينا هذا النموذج الناجح من السيدات العرب فى المهجر و قبل أن نغوص فى أعماق هذه الشخصية المرموقة لابد فى البداية أن نوضح للقارئ من هى  السيدة / جمانة كيروز

هى محامية أمريكية لديها مكتب محاماة من أكبر و أشهر مكاتب المحاماة فى الولايات المتحدة الأمريكية بصفة عامة وولاية ميتشجان بصفة خاصة و تعتبر جمانة السيدة الوحيدة العاملة فى مجال المحاماة الخاصة بحوادث السيارات و الأصابات الشخصية .

السيدة / جمانة كيروز حاصلة على درجة الدكتوراه فى القانون من الولايات المتحدة الأمريكية و هى عضو فى اللجنة العربية الأمريكية للعمل السياسى ( إيباك ) و مستشار فخرى فى اللجنة العربية لمكافحة التميز العنصرى (APC ) و هى عضو مجلس تنفيذى لرابطة ميتشجان للعدالة (MAJ) و أيضا هى عضو نشط فى الحزب الديمقراطى الأمريكى.

 

إن جريدة المستقبل تسعد بأجراء هذا الحوار الصحفى معها اليوم و هذا هو نص الحوار .

 

س١ـ يسعد الجريدة إن تجرى مع المهنيين العرب الأمريكان حوارات صحفية و هناك من المهنيين من تحدوا العرف و التقاليد لحبهم فى المهنة كالطب و المحاماة على مستوى العالم و كما نعلم أن مهنة المحاماة على مستوى العالم دائما ما يتميز بها الرجال و يبعد عنها النساء و ذلك لصعوبة الأحتكاك بالعالم الخارجى وواضح أن سيادتكم تقبلى هذا التحدى و قررتى إمتهان مهنة المحاماة فنرجوا أن تبدأى معنا هذا الحوار كيف بدأتى إمتهان  هذه المهنة   ؟ 

 

ج١ـ أنا درست القانون فى الولايات المتحدة  و لاحظت كيف أن حقوق الإنسان تحترم هنا و الأشياء التى شاهدتها هنا من حريات و إحترام للرأى الآخر و إحترام لآدمية المواطن الأمريكى و الحماية القانونية المتوفرة له فى التعبير عن رأيه كل هذه الأشياء شجعتنى على أن أمتهن هذه المهنة و أحترفها.

س٢ـ يقال أن مهنة الطب و المحاماة تتميز بها جاليات أخرى غير الجاليات العربية و كونك دخلتى هذا المجال فى مهنة المحاماة هل وجدى صعوبات واجهتك فى هذا المجال و كيف تغلبتى على تلك الصعوبات ؟

 

ج٢ـ سؤال رائع ..  لقد واجهتنى بالفعل صعوبات عديدة فمهنة المحاماة مهنة تاريخيا سيطر عليها الرجل و ليس المرأة بالتحديد الرجل اليهودى (AMERICAN JEWISH LAWYERS ) فأنا ليست رجل و ليست يهودية أنا إمرأة أمريكية من أصول عربية ..

 هناك صعوبات عديدة واجهتنى و إذا سألتنى كيف تغلبتى على تلك الصعوبات فلا أقول لك أننى ذكية فالكثير غيرى أذكياء .. و لكن السبب الأول لنجاحى هو إيمانى بالله و هذا هو السبب الرئيسى لنجاحى و كل الظروف المحيطة بى كانت كفيلة بعدم نجاحى فى حياتى العملية و فى هذه المهنة بالذات فأنا أمرأة عربية ليس يهودية لدى (accent ) عندما أتحدث .. ولكن  بنعمة الله و الأنجيل يقول  أن الإنسان مخلوق و لديه كل المميزات  و أنا آمنت بهذه المقولة و هذا سر نجاحى .

 

س٣ـ يبدو أن الجانب الإنسانى فى حياة جومانة كيروز طابع فى شخصيتك فهل تحكى لنا عن مواقف مرت بكى أثناء ممارستك لمهنة المحاماة غيرت من أسلوب حياتك أو إستفدتي منها لتكون عبرة للأجيال القادمة ؟

 

ج٣ـ مواقف عديدة مرت بى سأسرد منها موقف أو موقفين مرسخين بذهنى فعند إمتهانى لهذه المهنة مررت بتجارب كثيرة كانت كفيلة بإعتزالى هذه المهنة و لكن إصرارى على الوصول إلى هدفى كان كفيلا بأن أتخطى هذه الصعاب ولا ألتفت اليها فلا أحكى لك كيف كان عدم الإكتراث و عدم الأهتمام بى فى بداياتى لهذه المهنة من زملائى المحاميين كأننى غير موجودة و النظرة المختلفة التى دائما تنظر لنا كعرب مهاجرين .. و لكن عزيزى هذه النظرة إختلفت تماما عندما رأوا نجاحى و تفوقى فى مجال عملى و إصرارى على النجاح فتحولت هذه النظرة إلى نظرة إعجاب شديد بشخصى هؤلاء الزملاء المحامين هم يتصلوا بى الآن حتى أرسل لهم حالات لعملاء من مكتبى ..

 و أحكى لك قصة آخرى لا أنساها أبدا ففى أحدى المواقف الأخرى كنت فى المحكمة و كانت المحكمة مكتظة بالناس و قال القاضى من الذى يمثل الموكل هنا و رفعت يدى و قلت للقاضى أنا هنا أمثل موكلى فنظر لى القاضى و قال من أنت هل أنت محامية ؟! فقلت له نعم قال أعطنى رقم الكود الخاص بك لأتأكد وشعرت حالى فى قمت الأحراج أمام هذا الجمع الغفير من الناس فى القاعة و أثبت حضورى فى هذه القضية و منذ ذلك اليوم و هذا القاضى يكن لى كل أحترام و تقدير بل أنه بعد تقاعده صار يتصل بى و يطلب منى أرسال حالات له ..إن الإنسان يستطيع أن يعمل المستحيل بالعمل الجاد فى مجال عمله حتى يستطيع تحقيق هدفه .

 

س٤ـ ما هى أشهر القضايا التى ترافعتى فيها فى الولايات المتحدة و أشهر العملاء التى تعاملتى معهم ؟

ج٤ـ أنا محامية حوادث سيارات و بالتالى أنا أمثل الأشخاص الذين يتعرضون لحوادث أو إنزلاق أو لخطأ طبى و كل القضايا من هذا النوع و أملك مكتب فيه حوالى  من ٦٥ إلى ٧٠ موظف و حوالى ١٦ محامى يعملوا فى مكتبى لمساعدتى فى هذا النوع من القضايا .

 

س٥ـ لدينا الكثير من الجاليات العربية ليسوا مندمجون مع المجتمع الأمريكى ما هى النصائح التى تقدميها لهم فى هذا المجال ؟

 

ج٥ـ هناك للأسف الكثير من الجاليات العربية هاجروا جسديا من بلادهم و لكن لم يهاجروا فكريا و معنويا.. وأنا نصيحتى لهم أنه لا يمكنهم أن يعيشوا فى بلد آخر بدون أن تندمج و تختلط فى مجتمع هذا البلد .. أيضا أنصحهم بالأهتمام بالغة الأنجليزية .. فهي تغير نظرة المجتمع الأمريكى لك و دائما سينظر لك بنظرة إحترام و تقدير ، فهذه بلاد إستقبلتنا كمهاجرين فتحت لنا أبوابها و قدمت لنا كل المعونات لنعيش حياة كريمة فأذا أردنا العيش هنا فلابد لنا أن نندمج فى المجتمع الأمريكى و أن نحترمه و نحترم آرائه و طريقة تفكيره .

 

و فى ختام هذا الحوار المتميز للسيدة المرموقة / جمانة كيروز فإن جريدة المستقبل تتقدم لها بوافر الشكر و التقدير على أجراء هذا الحوار الصحفى و نحن نوجة تحية تقدير و أعجاب للسيدة / جمانة كيروز هذه الشخصية المتميزة التى تجمع بين العلم و الثقافة و الذكاء و التى أضافت لبلدها و لشعبها اللبنانى و العربى الشئ الكثير مما يدعوا للفخر و الأعتزاز بها ..  إن مجتمعاتنا العربية فيها الكثير من هذه النماذج الناجحة و المشرقة لنا كعرب و التى تعطى صورة حقيقية للمرأة العربية أمام المجتمع و الرأى العام الدولى 

تحية للسيدة / جمانة كيروز و مزيد من النجاح و التألق لها فى مجال عملها فى مهنة المحاماة .

Exit mobile version