الأمن والكورونا: معادلة صفرية أ.د دلال محمود

تعددت تعريفات الأمن على مدار مراحل زمنية وحقب معرفية متباينة، واقتصر لدى البعض على أمن حدود الدولة، وامتد لدى البعض الآخر من أمن الإنسان الفرد إلى أمن العالم كله. ورغم هذا التنوع يظل التعريف الأعمق والأدق هو ما قدمه القرآن الكريم في سورة قريش، الآية الرابعة، “الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”﴿٤﴾، فالأمن هو عدم الخوف، وهذا التعريف الواسع هو الأبسط للفهم ويشمل كافة المستويات.

بهذا المعنى، فإن الشعور بالخوف هو التعبير عن وجود تهديد أمني، وقد اعتاد العالم على تهديدات أمنية متكررة، كالحروب الشاملة أو المحدودة أو الأهلية، والصراعات المسلحة وصراعات المصالح والنفوذ بين الدول، وربما الأزمات النووية، وكلها تهديدات ألفتها الدول وتمسّ دولًا بعينها وأقاليم جغرافية واضحة الملامح. لكنّ هذه التهديدات الأمنية لم تعد هي الأكثر خطورة، فربما اعتيادها لم يجعلها مصدر الخوف الأكبر بين الدول والمجتمعات، وإنما ظهر في عالمنا الراهن تهديدات أمنية غير تلك التي نعهدها، تهديدات غير تقليدية، لكنها تسبب الشعور بالخوف، تجتاح الحدود السياسية للدول، وتثير الاضطراب، تهديدات يصعب السيطرة عليها، والدفاع الأساسي هنا هو الحد من مخاطرها، مثل: انتشار ظاهرة التصحر وما تسببه من أزمة في الغذاء، أو الاحتباس الحراري وما يسببه من تغيرات مناخية بتداعيات سلبية على حياة البشر، أو التلوث البيئي، أو انتشار الأوبئة والأمراض وتهديد الأمن الصحي، وهذا ما يفعله فيروس COVID-19، أو ما يعرف بفيروس “كورونا” المستجد.

كوفيد-19 تهديد أمني

قدّم البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تعريفًا للأمن، من خلال تقرير التنمية البشرية لعام 1994 في إطار مفهوم الأمن الإنساني، حيث قدم محاولة لتفسير ظواهر جديدة من التهديد الأمني، حدد أبرز خصائصها في أنها: ذات صبغة عالمية لا تقتصر على دولة ما، ومتداخلة بحيث يمكن أن يفضي أحد التهديدات إلى تهديد آخر، أو يزيد من تداعياته السلبية، ولا يمكن التعامل معها بشكل جذري، وفقًا لمفهوم الأمن التقليدي. وحدّد التقرير سبعة أنماط من الأمن وفقًا لنوع التهديدات، هي: الأمن الاقتصادي، الأمن الغذائي، الأمن الصحي، الأمن البيئي، الأمن الشخصي، الأمن المجتمعي، الأمن السياسي.

تم اكتشاف الفيروس لأول مرة في نوفمبر 2019 في مدينة ووهان الصينية، ومنذ ذلك الحين وهو يجسد تهديدًا لكافة أنماط الأمن التي عرفتها الأمم المتحدة، ويتضح ذلك فيما يلي:

1- تهديد الأمن الاقتصادي

حذّرت منظمة العمل الدولية من أنّ الأزمة الاقتصادية والعمالية التي تسبّب بها انتشار فيروس كورونا ستكون لها “تأثيرات بعيدة المدى على سوق العمل. وأعلنت الأمم المتحدة أنّ كوفيد-19 سيؤدّي إلى زيادة البطالة بشكل كبير في أنحاء العالم، وسيترك 25 مليون شخص دون وظائف، وسيؤدّي إلى انخفاض دخل العاملين. كما خسرت الأسواق المالية ما يقرب من 6 تريليونات دولار أمريكي منذ الإعلان عن انتشار فيروس كوفيد-19، وهذا يعني أن الجميع يخسر، فمع توقف النظام اليومي للعمل، ومواجهة خطر يهدد الصحة العامة، تراجعت أولويات البشر، وانعكس هذا على الاقتصاد بصورة واضحة، فقد خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخرًا توقعاتها للنمو خلال عام 2020 إلى النصف، من 2.9% إلى 1.5%. كما ارتفع مؤشر الخوف في الأسواق VIX بنسبة 231% مقارنة بعام 2018، مسببًا خسائر اقتصادية كبيرة، فالولايات المتحدة الأمريكية –على سبيل المثال- ووفقًا لأحد التقارير الاقتصادية التي نشرت بمجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية، قد تواجه عاصفة اقتصادية محتملة، يمكن أن تدفع البلاد إلى حالة من الركود، كلما ظهرت انعكاسات تفشي فيروس كورونا. فقد توقّع باحثون من الجامعة الوطنية الأسترالية خطرًا محدقًا بالولايات المتحدة في دراسة صدرت حديثًا تطرقت إلى التكلفة المحتملة من الناحيتين البشرية والمالية. مؤلفو هذه الدراسة أوضحوا أن التكلفة المتوقعة للمال المهدَر يمكن أن تصل إلى 1.7 تريليون دولار عام 2020، بسبب تفشي فيروس كورونا، ويزيد من حدة هذه الخسائر التهديدات الرئيسية الأخرى التي تواجهها، من بينها الخسائر التي تكبدتها الأسهم الأمريكية، بجانب تضرر إنتاج النفط الصخري الأمريكي نتيجة الانخفاض الكبير في أسعار النفط، بسبب التجاذب الروسي والسعودي حول إنتاج النفط وتخفيض سعره، وهذا الأمر قد يزيد من فرص الركود المتوقع في الولايات المتحدة. هذا الوضع المحتمل يرفع من مستوى الإنفاق على الديون، علمًا بأن الدين العام الأمريكي في الوقت الراهن بلغ 23 تريليون دولار، أي حوالي 107% نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ليست الولايات المتحدة وحدها المهددة اقتصاديًّا من انتشار فيروس كيوفيد-19، الصين أيضًا كانت من أكبر المتضررين، حيث تشير التقديرات إلى أن قيمة الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الصيني خلال الربع الأول من عام 2020 تبلغ حوالي 143 مليار دولار، وهو ما يعادل تريليون يوان صيني تقريبًا، وذلك على خلفية تواصل تفشي فيروس كورونا، بالإضافة إلى اضطرارها لوقف شحنات تجارية من منتجاتها المختلفة بسبب الفيروس. وتتضح ضخامة حجم الخسائر الاقتصادية من ضخامة الاقتصاد الصيني ذاته، وهو ما يعادل 16% من حجم الاقتصاد العالمي وحوالي 33.4% من حجم النمو الاقتصادي العالمي، وهو ما يجعله من أكثر الاقتصادات ارتباطًا باقتصادات الدول الأخرى، ومن ثم تتأثر هي الأخرى بالخسائر الصينية.

أما على المستوى العربي، فقد حذرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “الإسكوا” من أن فيروس كورونا المستجد يمكن أن يتسبّب بخسارة أكثر من 1.7 مليون وظيفة في العالم العربي، مع ارتفاع معدّل البطالة بمقدار 1.2%. وتوقّعت اللجنة أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بما لا يقل عن 42 مليار دولار هذا العام على خلفية تراجع أسعار النفط وتداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد.

ومن المتوقع أن يستمر تهديد الأمن الاقتصادي، سواء داخليًّا أو عالميًّا، إلى ما بعد انتهاء الأزمة، فلن يكون من السهل إعادة تشغيل اقتصاد عالمي حديث مترابط بعد انتهاء التهديد الصحي الأولي، وسيبدأ التعافي عندما يستطيع مسئولو الصحة أن يؤكدوا للناس أنه تم احتواء الفيروس التاجي الجديد وأن الحصانة من المرض الذي يسببه قد زادت، ولكن لن يكون التعافي فوريًّا، فسيستغرق استعادة مستويات التوظيف والجرد وسلاسل التوريد العادية للشركات وقتًا بعد أسابيع أو شهور من عدم النشاط، وكذلك تنفيذ ومواءمة السياسات الحكومية المصممة لجعل الاقتصاد العالمي يندفع مرة أخرى

2- تهديد الأمن الشخصي والصحي

عبر مدير منظمة الصحة العالمية “تيدروس أدهانوم غيبريسوس” عن مخاوفه حيال عدد الإصابات بفيروس كورونا، وقال إن فرص احتواء الفيروس “تتضاءل”. وفي 11 مارس 2020، قال “غيبريسوس”: “يمكن تصنيف مرض كوفيد 19 الآن على أنه جائحة.. لم يسبق مطلقًا أن شهدنا انتشار جائحة بسبب فيروس كورونا”، والإعلان عن الجائحة لا علاقة له بالتغييرات التي تطرأ على خصائص المرض، ولكنه يرتبط بدلًا من ذلك بالقلق من انتشاره جغرافيًّا. كما صرح الدكتور “ريتشارد هاتشيت”، الرئيس التنفيذي للتحالف من أجل ابتكارات الاستعدادات الوبائية، الذي تم تعيينه من قبل الحكومة البريطانية للمساعدة في تطوير لقاح؛ بأنه “عمل في جهاز الاستعدادات الوبائية لمدة عشرين عامًا.. وهذا هو أكثر مرض مرعب واجهته في حياتي المهنية”. ولم تحمل مثل هذه التحذيرات المتخصصة مخاوف مبالغة، لكنها عكست عمق الشعور بالخوف الذي سببه الفيروس في العالم. فقد أودى فيروس كورونا المستجد -حتى كتابة هذه السطور- بحياة حوالي 12965 شخصًا في العالم، وفقًا للإحصائيات الرسمية المعلنة يوم 21 مارس 2020، غالبيتها في أوروبا (7199)، ثم في آسيا (3459).

إن التحذيرات المستمرة من السفر أو التجمعات البشرية للحد من انتقال المرض، وإعلان الحجر الصحي الجزئي أو الكلي في كل الدول التي تواجد فيها الفيروس، تعكس أن الإنسان ليس آمنًا من الفيروس، كما أن تشابه أعراضه مع أمراض أخرى تزيد من حالات الارتباك والهلع السائدة، وهذا يعني تهديد الأمن الشخصي. ومع ازدياد الانتشار قد يخرج الأمر عن السيطرة كما يحدث في إيطاليا، الأمر الذي يعني تهديدًا محتملًا للصحة العامة في مثل هذه المنطقة والمناطق المحيطة بها.

3- تهديد الأمن المجتمعي

فيروس كوفيد-19 يمثل تهديدًا محتملًا للأمن المجتمعي، ليس في الدول التي تفشى فيها فحسب، بل في نطاق أوسع من المجتمعات. فقد مثل تحديًا لقيم العولمة الدافعة إلى مزيد من الترابط والتداخل بين المجتمعات في العالم، ويرى البعض أنه إذا استمرت الأزمة، فقد تنهار العولمة. وكلما طال أمد الأزمة وطالت العقبات أمام التدفق الحر للأشخاص والسلع ورأس المال، كلما أصبحت الحالة أكثر طبيعية، وستتشكل مصالح خاصة لدعمه. وقد يؤدي الخوف المستمر من وباء آخر إلى تحفيز الدعوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني، والحد من الاعتماد المتبادل بين الدول. فلن يكون الدافع وراء الانتقال إلى الاقتصاد الطبيعي هو الضغوط الاقتصادية العادية، ولكن بسبب مخاوف أكثر جوهرية، وهي الأمراض الوبائية والخوف من الموت.

من ناحية أخرى، فإن التباطؤ في النشاط الاقتصادي بسبب الخوف من فيروس كورونا المستجد يؤدي إلى تسريح العمال والركود. وبدون وظائف ودخل ثابت، سيجد الأفراد والعائلات صعوبة في دفع الخصومات المطلوبة، ومختلف الالتزامات المالية، وهذا قد يمثل أزمة اقتصادية اجتماعية بعد احتواء الفيروس قريبًا أو لاحقًا، وهذا يعني أنه من المحتمل مع زيادة البطالة أن تظهر احتجاجات شعبية على الأوضاع الاقتصادية، مع تحميل الحكومات المسئولية عنها، فقد لا تكون التدابير الاقتصادية التي تتخذها الدول حاليًّا -من تخفيض الفوائد على القروض، أو تسهيلات السداد، أو تخفيض أسعار المنتجات– كافية لحماية الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم وليس لديهم ما يتراجعون عنه والذين يفتقرون في كثير من الأحيان إلى التأمين الصحي، عندما يصبح هؤلاء الناس غير قادرين على دفع فواتيرهم، فإنهم سيخلقون مشكلات اجتماعية مهدِّدة للأمن المجتمعي.

وتُشير إحدى الدراسات الأمريكية إلى أن أولئك الذين تُركوا بلا أمل أو عاطلين عن العمل وبدون أصول يمكنهم بسهولة الانقلاب على أولئك الذين هم في وضع أفضل، فحوالي 30% من الأمريكيين لديهم ثروة صفرية أو سلبية، فإذا خرج المزيد من الناس من الأزمة الحالية بدون مال ولا وظائف ولا الحصول على الرعاية الصحية، وإذا أصبح هؤلاء الناس يائسين وغاضبين، فإن مشاهد مثل الهروب الأخير للسجناء في إيطاليا أو النهب الذي أعقب إعصار كاترينا في نيو أورليانز في عام 2005 قد تصبح شائعة. إذا اضطرت الحكومات إلى استخدام القوات شبه العسكرية أو العسكرية لقمع أعمال الشغب أو الهجمات على الممتلكات، فقد تبدأ المجتمعات في التفكك.

قد تبدو هذه الصورة شديدة التشاؤم، لكنها ليست مستبعدة خاصة مع اختلاف مستويات الوعي والتجاوب المجتمعي مع الإجراءات المتبعة في مواجهة الفيروس.

4- تهديد الأمن السياسي

يكمن تهديد الأمن السياسي بفعل فيروس كوفيد-19 في أمرين، الأول: تقييم سياسات الدول وقدرة الحكومات على استيعاب الموقف واحتواء تداعيات انتشار الفيروس داخليًّا من ناحية، وقدرتها على التنسيق والتعاون مع الجهود الخارجية إقليميًّا أو دوليًّا لنفس الغرض. هذا التقييم قد يأتي إيجابيًّا فيزيد من ثقة الشعب في حكومته، وقد يظهر ضعف الأداء فيحد من شعبيتها. على سبيل المثال، هناك اتهامات للحكومة الإيطالية بأن ضعف أدائها تسبب في خروج الأمر عن السيطرة، وتحولها للدولة صاحبة أعلى وفيات ضحايا لكورونا المستجد. الأمر الثاني: تهديد مكانة الدول، وربما التأثير في التوازنات الدولية إقليميًّا أو دوليًّا. فبينما تظهر الولايات المتحدة تسييسًا كبيرًا في هذه الأزمة، يقيم المتخصصون أخطاء المؤسسات الرئيسية، من البيت الأبيض ووزارة الأمن الداخلي إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، بأنها قوضت الثقة في قدرة وكفاءة الحوكمة الأمريكية؛ فالبيانات العامة التي أدلى بها الرئيس “دونالد ترامب”، سواء كانت عناوين المكتب البيضاوي أو تغريدات الصباح الباكر، عملت -إلى حد كبير- على بث الارتباك ونشر الشكوك، وثبت أنها غير مستعدة لإنتاج وتوزيع الأدوات اللازمة للاختبار والاستجابة.

على الصعيد الدولي، أدت الأزمة إلى إظهار الأنانية الأمريكية، ومحاولتها استثمار الأزمة لمزيد من الهيمنة، فقد كشفت أن واشنطن غير مستعدة لقيادة استجابة عالمية. وفي الوقت الذي تتعثر فيه واشنطن، تتحرك بكين بسرعة وكفاءة لاستيعاب الخسائر الناتجة عن الفيروس، بل وللاستفادة من الانفتاح الذي خلقته الأخطاء الأمريكية، مما يملأ الفراغ لوضع نفسها كقوة عالمية في الاستجابة للوباء، فهي تعمل على الترويج لنظامها السياسي الخاص الذي أمكنه فرض الالتزام بالإجراءات المشددة التي فرضت، وتقديم المساعدة المادية للدول الأخرى، وحتى تنظيم الحكومات الأخرى. ومثل هذه المقارنة قد تُغيّر بشكل أساسي من موقف الولايات المتحدة في السياسة العالمية ومسابقة القيادة في القرن الحادي والعشرين، خاصة مع جهود الصين لتحويل إنجازها في التعافي السريع من الفيروس إلى سبق يعكس قدرتها على قيادة انتعاش عالمي قادم، وربما تصحيح مسار القيادة العالمية. وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية “تشاو ليجيان” أن “قوة الصين وكفاءتها وسرعتها في هذه المعركة حظيت بتقدير واسع النطاق”. وأضاف أن الصين وضعت “معيارًا جديدًا للجهود العالمية لمكافحة الوباء”.

تدرك الصين أن توفير السلع العالمية يمكن أن يصقل أوراق اعتماد قيادة القوة الصاعدة، بينما لم تستجب أي دولة أوروبية لنداء إيطاليا العاجل بشأن المعدات الطبية ومعدات الحماية. التزمت الصين علنًا بإرسال 1000 جهاز تنفس، ومليوني قناع، و100000 قناع مرشح هوائي، و20000 بدلة واقية، و50000 مجموعة اختبار. كما أرسلت الصين فرقًا طبية و250 ألف قناع لإيران، وأرسلت إمدادات إلى صربيا التي وصف رئيسها التضامن الأوروبي بأنه “حكاية خرافية”، وأعلن أن “الدولة الوحيدة التي يمكنها مساعدتنا هي الصين”. وفي المقابل، تفتقر الولايات المتحدة إلى العرض والقدرة على تلبية العديد من مطالبها، ناهيك عن تقديم المساعدة في مناطق الأزمات في أماكن أخرى.

إن أزمة فيروس كورونا المستجد تسببت في بعض الإجراءات التي قد تكون لها تداعيات سياسية لاحقة، فبالإضافة إلى تغذية حالة التنافس بين الولايات المتحدة والصين على قيادة النظام العالمي كما سبقت الإشارة، فقد اتخذت الولايات المتحدة إجراءات سياسية قد تتحمل عواقبها لاحقًا؛ حيث حظرت جميع رحلات السفر من الاتحاد الأوروبي دون إعطاء الاتحاد الأوروبي إشعارًا مسبقًا، ناهيك عن التشاور مع الاتحاد الأوروبي حول هذا الإجراء الجذري. فإلى أي مدى يمكن أن تثق الدول الأوروبية بالولايات المتحدة مستقبلًا؟ خاصةً مع تقديم الولايات المتحدة عرضًا بقيمة مليار دولار إلى شركة أدوية ألمانية لشراء حقوق احتكار لقاح جديد للفيروس. كما أعلنت القيادة الوسطى في القوات الأمريكية تجميد انتقال جميع القوات إلى منطقة عملياتها في الشرق الأوسط جراء انتشار وباء كورونا، وأوضحت القيادة الوسطى -في بيان- أن أي قوات ستنتقل إلى الشرق الأوسط ينبغي أن تخضع أولًا للحجر الصحي في أماكن تمركزها لمدة أسبوعين قبل سفرها. وأغلب الظن أنه ستكون هناك تداعيات لهذه القرارات لغير صالح الولايات المتحدة، الأمر الذي يُثير التساؤل حول كيفية تعامل الإدارة الأمريكية الحالية أو القادمة مع هذه التداعيات.

الدفاع في مواجهة كوفيد-19: فردي أم جماعي؟

إن فيروس كورونا المستجد تهديد أمني غير تقليدي يهدد عدة جوانب من حياتنا، ورغم أن التهديد العسكري هو الغائب عن هذه القائمة من التهديدات؛ فإن هناك دورًا أساسيًّا للمؤسسات العسكرية في كافة الدول التي تُعاني من الفيروس في الدفاع ضده، في ضوء دور المؤسسات العسكرية لمواجهة الكوارث الطبيعية، من جهود طبية لتأمين التحركات، وفرض النظام، وجهود التعقيم المختلفة في محاولة لتحجيم فرص انتشار الفيروس.

لكن ربما يكون الدفاع الطبي العلاجي والوقائي المباشر من الفيروس الذي تتبعه الدول المختلفة جهدًا أساسيًّا في استراتيجية مواجهة كورونا، غير أنه مهما زاد سيظل قاصرًا؛ لأن الدفاع يجب أن يكون جماعيًّا، فكما أن التهديد جماعي على المستوى العالمي، فإن الدفاع والمواجهة أيضًا يجب أن تكون جماعية عالمية.

من الثوابت في العلاقات الدولية أن كل أزمة هي فرصة أيضًا، فكما ساهمت الحروب في إيجاد قواعد القانون الدولي لتنظيم العلاقات بين الدول، وكما أدت أزمة الصواريخ الكوبية في الانفراج الدولي بين القوتين العظميين أثناء الحرب الباردة؛ يجب أن نأمل أن يُساعد الوباء الحالي البشرية في إدراك أن هناك تهديدات أمنية تتجاوز الصراع والتنافس بين الدول، وربما يوفر الفيروس الفرصة لاختبار التطور الحضاري للبشرية، وتحديد الاختيار بين العمل الفردي القاصر أو التعاون العالمي لمواجهة الأخطار والتهديدات. فالعمل الفردي بين الدول سيؤدي لإطالة أمد الأزمة، وربما يؤدي إلى كوارث أسوأ في المستقبل.

ينبغي على الحكومات أن تُنسق داخليًّا على حد سواء لتمكين استجابات “الحكومة بأكملها”، وخارجيًّا على المستويين الإقليمي والعالمي. ويجب -في هذا السياق- تعميق التنسيق أيضًا بين الحكومة والبنك المركزي والقطاعين العام والخاص. كما يمكن زيادة تأثير هذه الشراكات، خاصة على الأسواق المالية، وتسريعها من خلال التواصل الواضح والشفاف والمتسق.

البداية يجب أن تكون بمشاركة المعلومات عالميًّا، وهذا يتطلب الثقة والكفّ عن تسييس الأزمة. يجب أن تكون البلدان على استعداد لتبادل المعلومات بشكل مفتوح وبتواضع للحصول على المشورة. كذلك، فإن جهدًا عالميًا لإنتاج وتوزيع المعدات الطبية مطلوب بشكل أساسي في ظل جهود الدفاع ضد الفيروس، بدلًا من محاولة كل دولة القيام بذلك محليًّا، وتكديس أي معدات يمكنها الحصول عليها. يمكن لجهد عالمي منسق أن يُسرع الإنتاج إلى حد كبير، ويضمن توزيع المعدات المنقذة للحياة بشكل أكثر عدالة.

وقد قامت الصين بحملة دبلوماسية قوية مع عشرات الدول ومئات المسئولين عبر الفيديو لتبادل المعلومات حول الوباء، والدروس المستفادة من تجربة الصين الخاصة في مكافحة المرض. مثل الكثير من دبلوماسية الصين، تتم جهود الدعوة إلى حد كبير على المستوى الإقليمي أو من خلال الهيئات الإقليمية. إن هذه الجهود الصينية قد تكون في أحد أبعادها دفاعًا عن اتهامها بأنها المسئولة عن انتشار الفيروس بعد أن تكتمت الأمر في الأسابيع الأولى، وقد تكون استثمارًا للتنافس بينها وبين الولايات المتحدة خاصة مع الموقف الضعيف للأخيرة. لكن بغض النظر عن الدوافع الصينية من هذه الجهود، لكنها تصلح لأن تكون نواة لبداية اتجاه للعمل الجماعي بين الدول لإنقاذ المجتمعات وحماية البشرية أكثر من حماية نفسها. فيمكن للولايات المتحدة تدارك ما فات إذا ما وظّفت قدراتها التكنولوجية والعلمية الضخمة لإيجاد حل حقيقي للأزمة، والتعاون الفعال مع الصين أو غيرها من الدول، فتجاوز الخلافات الثنائية بين الدول هو الخطوة الأولى لتعزيز الجهود الجماعية للدفاع ضد فيروس كوفيد-19.

هناك حاجة حيوية للتعاون العالمي على الصعيد الاقتصادي أيضًا. بالنظر إلى الطبيعة العالمية للاقتصاد وسلاسل التوريد، إذا قامت كل حكومة بعملها الخاص في تجاهل تام للحكومات الأخرى، فستكون النتيجة فوضى وأزمة عميقة. ومن ناحية أخرى، يصعب تخيل وقف الانتقالات بشكل كامل بين الدول، وربما الاتفاق حول قواعد صارمة ومحددة لضبط حركة الانتقالات يكون لازمًا خاصة إذا طال أمد الأزمة.

مجمل القول، إنها معادلة صفرية، وهو ما يعني ضرورة انتصار أحد الطرفين؛ إما أن تنتصر الإنسانية والبشرية وترتقي للتعاون معًا والثقة للعمل معًا وتقديم العلاج لجميع المُضارين، ليس في عالم الشمال على حساب عالم الجنوب، العلاج بغض النظر عن لون أصفر أو أسود أو أبيض؛ أو في المقابل تغليب المصالح الجزئية والفردية لتحتكر دولة أو دول محددة العلاج، وتوظفه لصالح تحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية، ومثل هذا الاحتمال يعني فوز الكورونا المستجد وهزيمة البشرية. إنها معادلة يجب أن تكون صفرية.

كيف أسهمت الرأسمالية المتوحشة في تفشِّي كورونا؟ قد نكون وصلنا لنهايتها

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قبل ثلاثين عاماً، أصبح النظام الرأسمالي متحكماً بصورة شبه تامة في العالم، وتركزت معظم موارد الكوكب بين أيدي أقل من 1% من سكانه، فماذا تخبرنا كارثة فيروس كورونا عن مدى فاعلية هذا النظام في حمايتنا من هذا الوباء العالمي؟

انهيار الأنظمة الصحية في النظم الرأسمالية
على الرغم من أن فيروس كورونا ظهر في الصين وتفشى هناك ولم ينتقل إلى أوروبا إلا منذ نحو شهر أو يزيد قليلاً، نجد أن عدد الإصابات والوفيات في القارة العجوز اليوم الإثنين 23 مارس/آذار قد تخطت 180 ألف إصابة وما يقرب من 8000 وفاة، أي أكثر من 60% من الإصابات والوفيات حول العالم، ولا يبدو أن منحنى التفشي قد وصل لذروته بعد.

الحكومة الإيطالية أعلنت قبل أسبوع أن الوضع خرج عن السيطرة، وأنها لم تعد قادرة على مواجهته وحدها، بل واتخذت قرارات لم يكن وارداً مجرد التفكير فيها مثل عدم تقديم الرعاية الصحية لمن هم فوق سن 80 عاماً، أو أن تجرى قرعة بين المصابين لاختيار من تتم تقديم الرعاية لهم، والسبب عجز النظام الصحي هناك عن مواجهة الكارثة.

الأمر ليس مختلفاً كثيراً في إسبانيا، حيث أعلنت الحكومة هناك أمس الأحد 22 مارس/آذار أن الوباء أكثر خطورة من نظيره في إيطاليا، بينما قال رئيس الوزراء البريطاني تصريحه الشهير “ودعوا أحبابكم”، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن كورونا عدو خطير، وأن البلاد في حالة حرب.

الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً تواجه نفس الكارثة، على الرغم من تفشي الفيروس هناك، لا يزال في بدايته مقارنة بأوروبا، وقد انقلبت الثقة المفرطة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قدرة بلاده على احتواء الفيروس إلى قلق واضح من تداعياته وآثاره، وبدأ يلقي باللائمة على الصين لتأخرها في الكشف عن الفيروس مبكراً، في ظل انتقادات حادة يواجهها ترامب بسبب تقليصه ميزانية الصحة العامة في البلاد منذ وصوله للبيت الأبيض مطلع 2017.

الأغنياء في وضع أفضل كثيراً
صحيح أن فيروس كورونا لا يفرق بين غني وفقير ولا أحد بمأمن من الإصابة به، فقد أصيب به مسؤولون كبار ووزراء وبرلمانيون ومشاهير سواء ممثلون أو لاعبو كرة قدم، لكن المؤكد أن هؤلاء يتمتعون بمظلة رعاية صحية هي الأفضل على الإطلاق، عكس غالبية الناس في تلك البلاد.

فداحة الوباء وسرعة انتشاره وعدم وجود لقاح حتى الآن ولا ينتظر التوصل إليه قبل عام أو عام ونصف – بحسب السلطات الصحية المحلية والدولية – تمثل عبئاً هائلاً على الأنظمة الصحية في الدول الرأسمالية المتقدمة، ما يطرح تساؤلات حول دور الحكومات في تلك الأنظمة في توفير الرعاية الصحية الجيدة لجميع المواطنين، بعد أن سيطر القطاع الخاص والشركات العملاقة التي تهدف لتحقيق الربح بالأساس وتقدم خدماتها لمن يقدر على دفع الثمن.

تقليص الخدمات الصحية الحكومية
فكرة النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي لا يرحم تتعرض للانتقاد طوال الوقت، لكن فيروس كورونا فتح “صندوق باندورا” ووضع الرأسمالية في فوهة المدفع، بحسب تعبير مايك ديفيس مؤلف كتاب “عالم الأحياء الفقيرة” و “مدينة الكوارتز”، في مقال له بعنوان “أزمة كورونا وحش تغذية الرأسمالية”.

مقال ديفيس يركز على النظام الرأسمالي المتوحش في الولايات المتحدة الأمريكية على مدى تاريخه وكيف ساهم وصول ترامب إلى البيت الأبيض تحديداً في إصابة النظام الصحي الفيدرالي بكارثة أصابته بالشلل في مواجهة وباء كورونا.

وكمثال واحد في هذا الصدد، تم تقليص ميزانية الإدارات الصحية في الولايات 21% في موازنة ترامب الأولى عام 2017، كما قام ترامب بإغلاق مكتب الأوبئة التابع للبيت الأبيض والذي كان باراك أوباما قد أنشأه عام 2014 في أعقاب تفشي فيروس الإيبولا لضمان استجابة وطنية سريعة ومنسقة بشكل جيد لمواجهة أي وباء جديد.

فرنسا تلوح بالتأميم

الواقع أن كارثة كورونا لم تعرّ فقط الأنظمة الصحية العامة في الدول الرأسمالية، بل طرحت تساؤلات تتعلق أيضاً بأوضاع العاملين في الشركات العملاقة التي تأثر نشاطها وهنا نتحدث تقريباً عن جميع المجالات، باستثناء القطاع الصحي وصناعة الدواء، وقد شهد قطاع السياحة والطيران انهياراً تاماً تقريباً، فماذا سيحدث لملايين العاملين الذين إما فقدوا وظائفهم بالفعل أو يواجهون هذا الخطر؟

وقد شهدت بريطانيا واقعة قيام أحد الفنادق بطرد العاملين فيه ليجدوا أنفسهم في الشارع حرفياً في هذه الظروف المميتة التي يمر بها العالم، وهو ما أثار موجة جديدة من الهجوم على النظام الرأسمالي المتوحش، فهل تكون خطط دعم الشركات التي تسعى الإدارة الأمريكية والحكومات في أوروبا لتنفيذها كافية لإنقاذ العاملين وأسرهم؟ أم أن تلك المليارات المقترحة – حال إقرارها – ستصب أيضاً في صالح أصحاب رأس المال وكبار المستثمرين أنفسهم؟

وزير المالية الفرنسي كان قد صرح بأن بلاده ستتخذ كافة الإجراءات غير التقليدية لضمان عدم انهيار الشركات الفرنسية الكبرى، ومنها تأميم تلك الشركات لتعود إلى ملكية الدولة، فهل تكون تلك هي الخطوة الأولى على طريق تهذيب الرأسمالية أو حتى القضاء عليها بعد أن توحشت لهذه الدرجة؟

مراجعات صادمة لفيلسوف فرنسي.. هل ستنهار أوروبا وحضارتها العريقة؟

لا يكف الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري عن إثارة الجدل في بلاده بمراجعات فكرية توصف بالمفاجئة والصادمة، من أبرزها تصريحات في عام 2015 اعتبر فيها أن الغرب هو من صنع العنف وزرع بذور الحرب على الإسلام السياسي عندما حاول فرض أفكار غريبة على منطقة الشرق الأوسط.

ويندد الفيلسوف الفرنسي -الذي يعد امتدادا لفلاسفة ما بعد الحداثة في فرنسا ويعرف بغزارة مؤلفاته التي تعد بالعشرات- بعدم كفاءة الحكومات الأوروبية في التعامل مع جائحة كورونا، ويدعو لقراءة كتب الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين الذي اشتهر بتأملاته الشخصية والتزامه العزلة حتى وفاته عام 1592م، وكذلك مشاهدة أفلام المخرج السينمائي الفرنسي جاك تاتي الذي قدم أفلاما روائية مهمة فازت بجوائز عالمية، مستعرضا موقفه من هذا الحجر الصحي الإلزامي.

متع فلسفية
وفي حوار بمجلة لوبوان الفرنسية، يوصي أونفري بقراءة أعمال الفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس -الذي يصنف كواحد من “أفضل خمسة أباطرة” حكموا الإمبراطورية الرومانية من 96 إلى 180م قبل عصر الاضطرابات وسقوط الإمبراطورية- واشتهر بتأملاته التي كتبها “إلى نفسه” ودوّنها بينما كانت بلاده تخوض حربا شرسة لم تمنعه من كتابة أفكاره التي أصبحت من أهم كتب الفلسفة الرواقية، رغم أنه لم يرد أن تخرج للعامة، ويجسد أوريليوس حلم الفيلسوف أفلاطون في أن يكون الحاكم فيلسوفا.

ويوصي أونفري كذلك بقراءة أعمال الفيلسوف والأديب اللاتيني لوكيوس سينيكا (توفي 65م) الذي كتب تسع مسرحيات تراجيدية تجسد فلسفته الأخلاقية والرواقية، وتخوض شخصياتها صراعات درامية بين العقل والعاطفة.

ويقول الفيلسوف الفرنسي إن هؤلاء الكتاب العظام يمكن اعتبارهم فلاسفة الكفاح ضد الشدائد بامتياز؛ فهم يقدّمون نصائح لمحاربة القلق والخوف والكرب والشيخوخة والمرض والمعاناة والخيانة والموت بالطبع.

ويُصنف أونفري من وجوه “اليسار المعادي لليبرالية”، وقدم في كتاباته أعمال الفلاسفة الكبار، معتبرا أن الفلسفة فن للوجود وغايتها هي السعادة عبر المتع الحسية والفكرية، ويحمل كتابه “تاريخ مضاد للفلسفة” حسا تحرريا يسعى من خلاله لتبسيط الفلسفة للعامة بدلا من احتكارها من قبل النخب الأكاديمية والمتخصصة، رافعا شعار “الفلسفة للجميع”.

الفلسفة في ازدهار بفضل جامعة الأستاذ اونفري الشعبية

التعليم والأطفال
وبخصوص ما يجب تعليمه للأطفال في إطار تنظيم التعليم عن بعد، ذكر أونفري أنه ينبغي تعليمهم كيفية القراءة والكتابة والحساب، وبالتالي التحليل والتفكير واكتساب العقل النقدي، وهي أشياء تعتبر رجعية في نظر “العدميين” الذين قدموا أنفسهم لسنوات أنهم تقدميون.

وعلاوة على ذلك، يمكن أيضا الاستفادة من هذا النهج التعليمي للقيام بما لم تفعله المدرسة حقا وهو تعليم الفن، الذي يعد مدرسة حقيقية للحساسية، بحسب تصريحات أونفري للمجلة الفرنسية.

ويتابع أونفري أنه يمكن تعليم القصائد وقراءة الشعر للأطفال، وكذلك القصص، وجعلهم يكتشفون المسرح أو الأوبرا والنصوص والكتيبات، ومشاهد العروض الذكية.

الفطرة والملل
وبخصوص الشعور بالملل خلال هذه الفترة، قال أونفري إنه لطالما تجاهل مفهوم الملل، لأن الكتب شكلت بالنسبة إليه وسيلة للخروج من جميع المآزق التي واجهتها.

واقتبس الفيلسوف الفرنسي مقولة الأديب والفيلسوف السياسي الفرنسي مونتسكيو حول الفضيلة العلاجية للقراءة حيث قال “لم أشعر أبدا بحزن لم تبدده ساعة من القراءة”. لذلك، يعتبر أونفري أنه غير قادر على تخيل شعور شخص آخر بالملل؛ فالملل يعني عدم التعامل مع أي شيء سوى نفسك، في الوقت الذي يكون فيه العالم شاسعا خارج ذواتنا.

وفيما يتعلق بالنقاش الجاري حول قبول الأشخاص الحرمان من الحرية دون تذمر، والخشية من غرامات عدم الامتثال لقواعد الحجر الصحي أو الخوف من الموت، علّق أونفري بأن ذلك يعود أساسا إلى الفطرة السليمة.

وتجدر الإشارة إلى أن أونفري سبق أن أكد في حوار صحفي سابق يوم 28 يناير/كانون الثاني أن الصين لم تكن لتتخذ قرارا بإغلاق مدينة تضم الملايين من الناس دون أسباب جدية ودون الاعتراف بوجود تهديد حقيقي.

انحدار أوروبا
وعما إذا كانت جائحة فيروس كورونا المستجد ستشكل مرحلة جديدة في “انهيار الحضارة اليهودية المسيحية” بحسب التحليل الذي قدمه في كتابه “الانحطاط”، أفاد أونفري بأن هذا الفيروس يندرج ضمن حركة الانهيار.

وتظهر الجائحة بحسب الفيلسوف الفرنسي عدم كفاءة رئيس الدولة والحكومة، فضلا عن عدم تماسك خطابات ماكرون وتناقضها (مثل الدعوة للبقاء في المنزل والذهاب للتصويت)، مما يؤدي لعدم الثقة في الرئيس الفرنسي الذي لا يطيعه أحد.

نهاية الحضارة الغربية - ميشيل أونفري

ويتابع أونفري القول إن أيديولوجية أوروبا آخذة في الانهيار، وذلك نتيجة للسياسة الليبرالية التي تبرر وضع كبار السن في ممرات المستشفيات وتركهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، كما أن الإلقاء بالفريق الطبي في “ساحة الحرب”، والعجز عن توفير أقنعة لهم أو حتى معقم كحولي لرد الأذى عنهم، لا ينذر بالسقوط ولا يعجل به وإنما يظهر بشكل كامل الطرق التي يسلكها هذا السقوط.

ويتابع قائلا إن وسائل الإعلام ترصد الموت على مدار الساعة، وتضع الفرنسيين أمام هذه المعضلة الوجودية، ولا يتعلق الأمر بمواجهة الموت بل بمواجهة العجز في مثل هذا الزمان، وفي عدم القدرة على تقديم إضافة في هذا المجال وفي مجالات أخرى.

انهيار العولمة
وفي حديثه عن إرسال الصين مليون قناع في شكل مساعدات، وكيف أظهر ذلك ضعف الأوروبيين الشديد، أوضح أونفري أن ذلك يشبه سقوط الاتحاد السوفياتي عندما توهم الغرب لأكثر من نصف قرن نجاح الإمبراطورية الماركسية اللينينية.
اعلان

وفي الحقيقة، يظهر الوباء كيف أن أوروبا -التي كانت قوة اقتصادية عالمية لمدة ربع قرن- بات من المحتمل أن تلتحق بصفوف الإمبراطوريات العالمية الكبرى التي كان مآلها السقوط، وذلك بسبب عجزها عن صنع الأقنعة للفرق الطبية التي تستقبل ضحايا الوباء.

وتعتبر إيطاليا، التي تضم نحو 60 مليون نسمة جزءا من الاتحاد الأوروبي، وهي تسجل عدد وفيات يفوق العدد الذي سجلته الصين بسبب فيروس كورونا. باختصار شديد، يقول الفيلسوف “أصبحت أوروبا العالم الثالث الجديد”.

لقد تصور الجميع، بحسب الفيلسوف الفرنسي، أن الأزمة القادمة ستكون اقتصادية بالأساس، لكن ما جعل العالم ينهار هو فيروس. وتوضيحا لسبب سوء تقدير هذه النهاية، أشار أونفري إلى أن الفيروس مرتبط باقتصاد العولمة.

وشرح أونفري رأيه مبينا أن الاقتصاد الليبرالي جعل من الربح غاية جميع السياسات ومنتهاها، وتساءل لماذا ننتج أقنعة ونخزنها؟ معتبرا أن ذلك جعل الخدمات الصحية حكرا على الأثرياء الذي يستطيعون توفير الأموال للتمتع بها.

ويتابع “لا يمكن إنكار حقيقة أن الفيروس عرّى الخيارات الاقتصادية، وبالتالي السياسة المتبعة في فرنسا انطلاقا من فاليري جيسكار ديستان رئيس الجمهورية الفرنسية من 1974 حتى 1981، إلى فرانسوا ميتران، وصولا إلى إيمانويل ماكرون”.

تجاهل العلم
في حديثه عن تجاهل الخطاب العلمي، أكد أونفري أن مصلح “العلم” لا ينبغي أن يمثل حجة تمنع أي تفكير نقدي.
وبخصوص إمكانية أن تتسبب هذه الأزمة في انفجار مدني وأخلاقي في المجتمعات الأوربية، قال أونفري أن هذه الأزمة سيعقبها تبعات ثقيلة، لكنه يؤمن بظهور غضب متزايد.

وفي الوقت الحاضر، هناك تحفظ عن التعبير عن هذا الغضب بسبب بداية الحجر، والخصام الفكري والمعنوي، والمعلومات المجزأة. لكن هذه الأزمة لن تعيد من تلقاء نفسها إحياء الروح المدنية التي دمرتها بشكل نهائي خمسون عاما من الدعاية العامة في فرنسا، بحسب الفيلسوف الفرنسي.

وفي الختام، وحول وجود أحداث تاريخية سابقة يمكن أن تلهم الأوروبيين لإعادة بناء أنفسهم، أشار أونفري إلى أنه لا فائدة من البحث في الماضي عن أسباب لفهم الحاضر، فالحاضر يعتبر كافيا بالنسبة لأولئك الذين يعملون ذكاءهم وعقولهم وتفكيرهم وفكرهم النقدي.

المصدر : الصحافة الفرنسية

السجن عدة سنوات وغرامة بالملايين لمن يحرض على خرق حظر التجول في السعودية

توعدت النيابة العامة السعودية، اليوم الثلاثاء، بالسجن الرادع والغرامة الكبيرة أي شخص يقوم بإنتاج أي مقاطع فيديو أو صور من شأنها أن تحرض على كسر حظر التجول الذي تفرضه المملكة بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد.

وقالت النيابة السعودية، في تغريدة عبر حسابها بموقع تويتر، “إنتاج صور أو مقاطع فيديو لمخالفات أمر منع التجول، أو التحريض عليه، ونشره عبر وسائل التقنية المعلوماتية، يعد جريمة كبيرة موجبة للتوقيف ويعاقب مرتكبها طبقا للمادة السادسة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية بالسجن إلى٥ سنوات وغرامة إلى٣ ملايين ريال، دون أن تطال المساءلة للمبلغين”.

كان العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، قد أصدر أمرا بفرض حظر التجول الجزئي يستمر لمدة 21 يوما، وذلك للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

وشمل القرار حظر التجول من السابعة مساء وحتى الساعة السادسة صباحا لمدة 21 يوما بداية من الاثنين 23 مارس/آذار.

عالميا، تجاوزت الإصابات بفيروس كورونا المستجد الذي ظهر لأول مرة في وسط الصين نهاية العام الماضي، 417 ألف إصابة، وأكثر من 18500 حالة وفاة، فيما تخطى عدد المتعافين 108 آلاف شخص.

وفي حين كانت أغلب الحالات مسجلة في الصين حتى منتصف الشهر الماضي، فإن مرض “كوفيد 19” انتشر على نحو متسارع في مناطق مختلفة من العالم، وبلغت الإصابات 69 ألفا في إيطاليا وما يقارب 53 ألفا في الولايات المتحدة و39 ألفا في إسبانيا، إلى جانب الآلاف في نحو 196 دولة أخرى.

 

عُطلت الدراسة في عدد من الدول حول العالم، إلى جانب إلغاء العديد من الفعاليات والأحداث العامة وعزل ملايين المواطنين. كما أوقفت عدة دول الرحلات الجوية والبرية بين بعضها البعض وفرضت أغلب الدول في الشرق الأوسط حظر تجول جزئي، خشية استمرار انتشار الفيروس.

وصنفت منظمة الصحة العالمية يوم 11 مارس/ آذار مرض (كوفيد-19) الناتج عن فيروس كورونا “جائحة” أو “وباء عالميا”، مؤكدة أن أرقام الإصابات ترتفع بسرعة كبيرة، معربة عن قلقها من احتمال تزايد المصابين بشكل كبير.

ليبيا تسجل أول حالة إصابة بفيروس كورونا

أعلن المركز الوطني لمكافحة الأمراض في العاصمة الليبية طرابلس، اليوم الثلاثاء 24 مارس/آذار، تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) لمواطن ليبي.

وقال المركز الوطني في بيان صحفي عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” إن “المركز الوطني لمكافحة الأمراض يؤكد رصد أول حالة ليبية مصابة بفيروس كورونا، بعد فحصها مختبريا من قبل المختبر المرجعي لصحة لمجتمع بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض”.

وكانت الحكومة الليبية قد اصدرت قرارا بمنع دخول وخروج الأفراد عبر جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية من وإلى البلاد، ضمن إطار تنفيذ إجراءات حظر تجوال، في سبيل احتواء تفشي فيروس كورونا المستجد في البلاد.

وصنفت منظمة الصحة العالمية، يوم 11 مارس/ آذار الجاري، فيروس كورونا المستجد، الذي أعلن عن تفشيه في الصين نهاية العام الماضي، وباء عالميا، مؤكدة أن أرقام الإصابات ترتفع بسرعة كبيرة.

الإمارات: منافذ بيع المواد الغذائية والصيدليات تعمل 24 ساعة

أعلنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع الإماراتية والهيئة الوطنية للطوارئ والأزمات، مساء الثلاثاء، أنه سيتم السماح لمنافذ بيع المواد الغذائية “الجمعيات التعاونية والبقالة والسوبرماركت” والصيدليات بالعمل على مدار 24 ساعة.

وذكرت الوزارة والهيئة الوطنية أنه يجب مراعاة ألا تتجاوز نسبة المتسوقين عن 30 بالمئة من السعة الاستيعابية الإجمالية مع المحافظة على المسافة الآمنة مترين وفق مبدأ التباعد الاجتماعي، وفقا لوكالة الأنباء الإماراتية “وام”.

ويأتي ذلك بهدف تقليل الزحام التزاما بالإرشادات الصحية والإجراءات الوقائية لمواجهة فيروس كورونا المستجد “كوفيد- 19”.

واشترطت وزارة الصحة الإماراتية وهيئة الطوارئ والأزمات في تعميم لهما اليوم بهذا الشأن “التزام القائمين عليها بإجراءات الصحة والسلامة في ضوء الإجراءات والتدابير الاحترازية التي اتخذتها الجهات المعنية في الدولة في مواجهة فيروس كورونا حفاظا على سلامة المجتمع وحياة أفراده وأمنهم الصحي”.

وجاء هذا التعميم إلحاقا بالبيان السابق الذي أصدرته وزارة الصحة ووقاية المجتمع والهيئة الوطنية للطوارئ والأزمات والذي تقرر بمقتضاه إغلاق كافة المراكز التجارية ومراكز التسوق والأسواق المفتوحة التي تشمل بيع الأسماك والخضار واللحوم على أن يستثنى من ذلك منافذ بيع المواد الغذائية “الجمعيات التعاونية والبقالة والسوبرماركت” والصيدليات وذلك لمدة أسبوعين قابلة للمراجعة والتقييم.

بعد “كورونا”.. “كارثة جديدة” تضرب إيران

لقي 12 شخصا مصرعهم وفُقد أثر اثنين في إيران من جراء فيضانات نجمت عن أمطار غزيرة شهدتها البلاد منذ الأحد، وفق ما أعلنت هيئة الطوارئ الإيرانية التي تخوّفت من تجدد هطول الأمطار الغزيرة.

وتأتي الفيضانات في وقت تعاني في إيران من تداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”.

وقال المتحدّث باسم هيئة الطوارئ الإيرانية، مجتبى خالدي، إن 11 محافظة من أصل 31 تضمّها إيران شهدت هطولا للأمطار الغزيرة.

وأضاف أن “محافظات هرمزكان، وبوشهر، وكرمان، وفارس، وسيستان-بلوشستان هي الأكثر تضررا بالفيضانات”.

وعلى الرغم من أن الأمطار انحسرت “لا تزال عمليات الإغاثة مستمرة” في المناطق المنكوبة، وفق خالدي.

وقال المتحدث: “لقد حذّرنا من موجة جديدة من الأمطار في (عدد من المناطق الغربية) السبت”.

وإيران إحدى أكثر الدول تضررا بفيروس كورونا المستجد، وقد أعلنت وفاة 1934 شخصا بكوفيد-19.

وفي شهري مارس وأبريل من العام 2019 قضى 76 شخصا على الأقل في فيضانات نجمت عن أمطار غزيرة قل نظيرها تساقطت على غالبية أراضي إيران.

وكان الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر قد صنّف ما شهدته إيران في تلك الفترة بأنه “أكبر كارثة شهدتها البلاد منذ أكثر من 15 عاما”، معتبرا أنها أصابت أكثر من 10 ملايين شخص وأدت إلى نزوح أكثر من 500 ألف.

لمواجهة كورونا.. قمة الـ20 “افتراضية” برئاسة العاهل السعودي

أعلنت المملكة العربية السعودية، مساء الثلاثاء، أن الملك سلمان بن عبد العزيز سيرأس اجتماعا عبر الفيديو مع قادة دول مجموعة العشرين يوم 26 مارس لتنسيق جهود مواجهة وباء كورونا.

وذكر بيان أن “العاهل السعودي يترأس قمة استثنائية افتراضية لزعماء مجموعة العشرين في 26 مارس لبحث سبل المضي قدما في تنسيق الجهود العالمية لمكافحة كورونا والحد من تأثيرها الإنساني والاقتصادي”.

كانت المملكة، التي تتولى رئاسة مجموعة العشرين هذا العام، قد دعت الأسبوع الماضي الزعماء للتحاور عبر مؤتمر فيديو في ظل الانتقادات بأن المجموعة تقاعست في استجابتها للأزمة العالمية.

وسيشارك أعضاء مجموعة العشرين قادة الدول المدعوة والتي تضم مملكة إسبانيا والمملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية سنغافورة وجمهورية سويسرا الاتحادية.

كما سيشارك من المنظمات الدولية منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة ومجلس الاستقرار المالي ومنظمة العمل الدولية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة التجارة العالمية.

وسيمثل المنظمات الإقليمية جمهورية فيتنام الاشتراكية بصفتها رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا، وجمهورية جنوب أفريقيا بصفتها رئيسا للاتحاد الأفريقي، ودولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها رئيسا لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجمهورية رواندا بصفتها رئيسا للشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا.

مقتل وإصابة 3 من قوات الأمن العراقية بنيران قناص فى بغداد

أفاد مصدر أمنى عراقى، اليوم الثلاثاء، بمقتل عنصر أمنى، وإصابة اثنين آخرين بنيران قناص على محطة للكهرباء شمال العاصمة بغداد، ونقلت قناة “السومرية” الإخبارية عن المصدر – الذى لم تسمه – قوله إن “قناصا استهدف إحدى محطات الكهرباء فى قضاء الطارمية شمال بغداد؛ ما أدى إلى مقتل عنصر وإصابة اثنين آخرين بجروح”.

وأشار، إلى أن “قوة أمنية طوّقت مكان الحادث، ونقلت الجثة إلى الطب العدلى والمصابين إلى مستشفى قريب لتلقى العلاج”.

رئيسا تونس وموريتانيا يؤكدان أهمية اعتماد مقاربة لمقاومة كورونا

أكد الرئيسان التونسي قيس سعيد والموريتاني محمد ولد الغزواني، أهمية اعتماد مقاربة لمقاومة فيروس كورونا، يمكن أن تكون إقليمية في مرحلة أولى على أن تصبح عالمية، لأن الأمم يجب أن تكون متحدة في مواجهة هذا الوباء العالمي.
وذكرت الرئاسة التونسية أن قيس سعيد أجرى اليوم /الثلاثاء/، مكالمة هاتفية مع ولد الغزواني تناولت الوضع العام في البلدين وفي العالم كله، وعبر خلالها الرئيس الموريتاني عن استعداده لدعم المبادرة التونسية في مجلس الأمن الدولي.
كما تناولت المحادثة العلاقات التاريخية المتميزة بين تونس وموريتانيا، وقد ذكر الرئيس الموريتاني في هذا السياق بأن تونس هي أول دولة اعترفت باستقلال موريتانيا.

ومن جانبه أشاد الرئيس التونسي بالعلاقات المتينة والعريقة المتميزة بين البلدين في مختلف المجالات، وأبدى الرئيسان حرصهما على المزيد من العمل من أجل مزيد الارتقاء بهذه العلاقات إلى ما يصبو إليه الشعبان الشقيقان.
ووجه الرئيس الموريتاني دعوة للرئيس التونسي لزيارة بلاده، كما وجه قيس سعيد دعوة للرئيس الموريتاني لأداء زيارة إلى تونس متى تسنى ذلك.

 

Exit mobile version