كيف وصلنا إلى ذروة الهراء؟ الانحيازات النفسية وراء تصديق الأفكار المغلوطة – د.هــناء عـبـيـد

 “مشكلة الحقيقة أنها ليست مريحة  وغير جذابة، فالعقل الإنسانى يبحث عن شئ أكثر تسلية وإشاعة للطمأنينة”

هنرى لويس منكن

مقدمة

إن الاهتمام الفلسفى والمعرفى بالحقيقة متجذر فى العلوم الإنسانية. فبالرغم من حداثة مفهوم ما بعد الحقيقة، فالأسئلة حول ماهية الحقيقة أو كيفية الوصول إليها، والمحددات النفسية والاجتماعية التى تدخل فى “إنتاج الحقيقة”،  هى أسئلة قديمة. يقتصر هذا المقال على مفهوم ما بعد الحقيقة فى سياقه الحديث، حيث ظهر بقوة على خارطة الاهتمامات البحثية والصحفية، خاصة فى العامين الماضيين. وبالبحث على محرك جوجل باستخدام كلمة ما بعد الحقيقة، نجد نحو 645 مليون نتيجة، رغم حداثة المفهوم. والكثير من هذه النتائج هى مقالات، وكتب، ودراسات، ودوريات أكاديمية تحمل عناوين، مثل: سياسات ما بعد الحقيقة، وفن إنتاج الكذب، والحرب الجديدة على الحقيقة، وكيف نقاومها، الكذب المسلح،و ظاهرة ما بعد الحقيقة فى أمريكا، وكيف وصلنا إلى ذروة الهراء؟ وترامب وعالم ما بعد الحقيقة، وإنقاذ الحقيقة: البحث عن المعنى والوضوح فى عالم ما بعد الحقيقة، وغيرها. وتشير هذه العناوين وغيرها الكثير، إلى حالة من الجزع السائد من تغييب الحقيقة، وتسيُّد نوع من الخطاب المشحون عاطفيا، والحقائق البديلة أو الموازية.

وقد ارتبط صعود مفهوم ما بعد الحقيقة، فى الدوائر الصحفية والأكاديمية الغربية، بحدثين أساسيين هما فوز الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وتصويت البريطانيين بالموافقة على الخروج من الاتحاد الأوروبىBrexit، وهما الحدثان اللذان ساد الانطباع بأنه شابهما توظيف كثيف للخطاب المشحون عاطفيا، والمجافى للواقع وللحقائق الموضوعية. ومن ثم لم يكن على سبيل المصادفة اختيار قاموس أوكسفورد الإنجليزى لمصطلح ما بعد الحقيقة، باعتباره كلمة العام فى عام 2016، وصدور العديد من الكتب لمناقشة الظاهرة.

تستهل معظم الكتابات عن “ما بعد الحقيقة” بمجموعة من الظواهر التى تضم، إلى جانب فوز الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى، كما سبقت الإشارة، قضايا، مثل صعود الاتجاهات السياسية الشعبوية، وتبنى خطاب معاد للمهاجرين، بالإضافة إلى التشكيك فى ظواهر علمية، منها تلك الخاصة بتغير المناخ، وغيرها من القضايا والموضوعات التى ينبنى الحكم فيها على المشاعر، خاصة مشاعر الخوف والغضب، وتخلق عالما من الحقائق البديلة AlternativeTruths، وما يستدعيه ذلك من مخاطر على الديمقراطية.

النقطة الجديرة بالملاحظة هنا هى أن تلك الحقائق البديلة أو المبالغات فى الأغلب لا تختلق واقعا من العدم، وإنما تقوم بتضخيم وقائع بعينها تحمل ظلا من الحقيقة. نفس الأمر ينطبق على الشائعات، فهى وإن كانت تنطوى على التوظيف الممنهج للأكاذيب، إلا أن انتشارها بحد ذاته يحمل دلالة على أنها تؤدى وظيفة نفسية، أو تحمل نوعا من الأصداء التى يرغب المتلقى فى تصديقها.

لا يسعى هذا المقال إلى الاستغراق فى مظاهر وسياسات ما بعد الحقيقة، سواء فى المجتمعات الغربية أو فى تجلياتها فى مجتمعاتنا، رغم أن الظاهرة تستحق الالتفات، وإنما يحاول إلقاء الضوء على اتجاه أكاديمى أسبق، بزغ فى السنوات الأخيرة، ويحلل العوامل النفسية التى تفسر الظاهرة، حيث تتناول الانحيازات النفسية التى تجعل البشر عرضة للخداع، وأكثر قابلية لتصديق أشباه وأنصاف الحقائق، بل وتفضيلها فى بعض الأحيان على الحقائق المركبة، أو المقلقة. فقد فتحت الإسهامات الحديثة لعلماء نفس، مثل دانيال كانمان، وعاموز  تفرسكى، والخاصة بخرائط الرشادة المنقوصة mapsofboundedrationality، الباب واسعا أمام المزيد من الإسهامات التى تتناول الانحيازات الإدراكية وتأثيرها فى تفضيل قراءة معينة للواقع، وقبول روايات تفسيرية دون غيرها، والاطمئنان إلى بعض التفسيرات رغم قصورها الواقعى. وبالرغم من أن هذه الاتجاهات البحثية شديدة الدلالة فى دراسة ظاهرة ما بعد الحقيقة، فإن توظيفها الأغلب حتى الآن يتم فى مجال الاقتصادات السلوكية، وكيف تؤثر العوامل النفسية فى القرارات الاقتصادية، وذلك على الأرجح مبعثه أن الفاعلين الاقتصاديين أكثر استعدادا للاستثمار فى فهم العوامل النفسية الدافعة لسلوك الإنسان الاقتصادى. يهتم أيضا بهذا الاتجاه الصاعد ويوظفه بعض الكتابات المعنية بعملية التفكير المجرد ذاتها، خاصة التفكير العلمى والضغوط أو الانحسار الذى يتعرض له فى عصر ما بعد الحقيقة.

 ومن ثم فموضوع هذا المقال هو ما تخبرنا به الدراسات النفسية والسلوكية الحديثة عن قابليتنا للخداع، وكيف نميل لخلق الأوهام وتصديقها، وذلك من خلال بعض الانحيازات أو المؤثرات الإدراكية.

العقل المستريح يرسم ابتسامة على الوجه

إن الانحياز الجوهرى الذى يفسر حالة ما بعد الحقيقة هو ما عبر عنه دانيال كانمان بالتفرقة بين التفكير الحدسى السريع، والتفكير المركب أو البطئ، وميل الإنسان إلى الارتياح للنوع الأول من التفكير، واستخدامه تلقائيا، وفى معظم الأوقات، بل وارتباط استخدام هذا النوع من التفكير التبسيطى بالرضا النفسى. إن هذا الميل إلى تشكيل الانطباعات، والحكم السريع والحدسى على الأمور ليس جديدا، وليس سيئا تماما، بل على العكس، فإنه يمكِّن الإنسان من تجنب المخاطر والحكم السريع فى أوقات الخطر. ولكنه فى الوقت ذاته تفكير اختزالى ، يكره التعقيد والتناقض، وبذل الجهد لفهم الموضوعات والمفاهيم المركبة، مما يجعلنا دوما صيدا سهلا للقصص الدرامية التى تحاك ببراعة. ويفصل كانمان بقوله إن سيادة هذا النوع من التفكير البسيط، السريع والحدسى، يتأسس على انحيازات نفسية، منها ما يطلق عليه انحياز تفضيل الثقة على الشك، حيث يميل الإنسان من خلال صيغة التفكير الحدسى «المريح» الذى لا يستلزم جهدا عصبيا إلى قمع الغموض، وبناء قصص وتفسيرات للواقع متماسكة قدر الإمكان. يرتبط بذلك ميل الإنسان إلى قراءة الأنماط، والبحث عن النظام فيما حوله. فالطبيعة البشرية لا تقبل بفكرة المصادفة، أو الوقائع العشوائية، وتميل إلى البحث عن خط ناظم، أو قالب يفسر كل الأحداث. فهى تسعى فيما حولها لإيجاد النمط الذى تفهمه وتستطيع ترتيب وفهم الأحداث وفقا له. قد يفسر هذا صمود أفكار تقوم على نظريات المؤامرة أو غيرها، مما لا يسطع دليلا منطقيا على وجوده، ونجاحها فى تخطى حواجز التاريخ، والجغرافيا، والطبقات الاجتماعية، والمستويات التعليمية المختلفة.

وقد انتبه الفيلسوف فرانسيس بيكون إلى هذه الطبيعة البشرية فجعلها أساسا للوهم الأول الذى يسيطر على البشرية، وهو الميل إلى افتراض وجود نظام وأنماط مطردة فى العالم، أكثر مما هو موجود فعليا. وللتغلب على حالة عدم اليقين المرتبطة بغموض، أو غياب، أو تناقض المعلومات، يميل البشر لتفسير ما يرون، وفقا للمخزون المعرفى، والخبرات والمعتقدات السابقة، أو قياسا على ما يألفونه، من خلال إنتاج نمط أو تفسير يحظى بالتناغم الداخلى من ناحية، والتوافق مع المعتقدات المسبقة من ناحية أخرى.

البحث عن قصة جيدة

يتفق الكثير من علماء النفس على أن القصة الجيدة تحظى بفرص قبول وانتشار أفضل من القصة الواقعية. ومن السمات الأساسية للقصص الجيدة والقابلة للتصديق أن تكون بسيطة، وشيقة، وأن تمد المتلقى بالمعلومات دون أن تثقل عليه بالتفاصيل. وتعد البساطة عنصرا جوهريا فى تقبلنا للقصة، بحيث يجعل بعض علماء النفس من “تقليل الجهد الإدراكى” عنصرا أساسيا لخلق رسالة مقنعة.  لقد قدَّم نسيم طالب فى كتابه البجعة السوداء فكرة المغالطات السردية، وهى تلك الطريقة التى تؤثر من خلالها القراءة الخاطئة لقصص وأحداث الماضى فى رؤيتنا للعالم، حاضره ومستقبله. ويشير طالب إلى أن القصة التفسيرية أو السردية الناجحة عادة ما تكون بسيطة، ومادية أو ملموسة لا تبالغ فى التجريد والتنظير، كما أنها تحتوى على عدد بسيط من الأحداث المدهشة. هذه القصص تقدم تفسيرات بسيطة ومتماسكة لأفعال ونوايا الناس، وتسد فراغ نقص أو تناقض المعلومات وعدم اليقين.

فى السياق نفسه، يشير هانز روزلينج فى كتابه الوقائعية Factfulnessإلى عدد من الانحيازات النفسية والإدراكية التى تكمن وراء سوء إدراكنا للعالم، وتفضيلنا لتفسيره، من خلال القصص المثيرة والتبسيطية. وتشكل هذه الانحيازات وقودا للتفكير البسيط والحدسى، منها: غريزة الفجوة، أو الميل لإدراك العالم كصراع بين الخير والشر، والنظر إلى مختلف القضايا ،من خلال الانقسام بين معسكرين أو مجموعتين أو موقفين متعارضين مع تجاهل المساحات المشتركة، والحلول الوسط.

وفقا لروزلينج، هناك إغراء لا يقاوم لأن نرى ونقيم الأمور باعتبارها صراعاً بين خيارين أو مجموعتين من البشر بينهما هوة غير قابلة للعبور. وبطبيعة الحال ينطوى هذا التقسيم على اعتبار ما
ننتمى إليه يمثل الخير أو الفضيلة، بينما ما ينتمى إليه الآخرون ممثلا للشر. ويعد التفكير من خلال ثنائيات غير قابلة للتصالح هو خصيصة بشرية، والقصة الجيدة التى سوف تحوز مكانة الحقيقة، وتسود هى تلك التى تبنى على هذه الثنائية بين الأخيار والأشرار، وتقسم العالم تقسيما حدسيا بسيطا يشبع رغبتنا فى القصص الدرامية والتصنيفات الواضحة، التى لا تقبل الغموض أو اللبس.

كذلك يلعب عنصر الإدهاش والتضخيم من الأحداث أو الظواهر الغرائبية دورا فى الإقبال على استهلاك القصة والاهتمام بها. ويرى هانز روزلينج أن الانحياز الأساسى الذى يضخم من وقائع وأخبار شاذة، أو هامشية، أو ذات دلالة عاطفية ليجعل منها خبرا أساسيا، منبعه الميل البشرى للثرثرة، ولتداول الشائعات، والاهتمام بالأخبار الدرامية. فالأمثلة المتطرفة هى التى عادة ما تعلق بالذهن، بينما يتجاهل الإنسان الأمثلة الاعتيادية أو غير المثيرة. هذا الميل هو الذى يوجه الإعلام لتسليط الضوء على الوقائع والأخبار والقصص المبهرة التى من المتوقع أن تحوز اهتمام “الجمهور”، مما يخلق فى النهاية نوعا من الحقائق الموازية، ويهمش الأخبار والقصص “العادية” أو التقليدية، غير المسلية. ويعقد هذا الأمر من علاقات السبب والنتيجة فى فهمنا لأسباب شيوع المعلومات غير الدقيقة أو المبالغات الإعلامية. فإذا كان البعض يرى أن الإعلام هو السبب فى ظاهرة المبالغات والأخبار الفجة، فإن الإعلام فى هذا الصدد يتصرف وفقا لتوقعاته أو خبراته حول ما يشكل خبرا، أو قصة سوف تحظى باهتمام القراء، مقارنة بالأخبار والقصص العادية” أو الباهتة التى لن تلقى صدى يذكر.

الحقيقة نسبية وهى دائما من اختيارنا

لا يقتصر اختيارنا لما نصدقه على الأفكار والقصص البسيطة والدرامية فحسب، وإنما نميل أيضا إلى تصديق ما نوده أن يكون حقيقيا. فهناك عنصر تفضيل أساسى ومسبق لما نختار أن نصدقه باعتباره الحقيقة. وتتدخل المشاعر والتفضيلات بداية من رؤية الموقف وإدراك عناصره، إلى إعطائه معناه، وانتهاء باتخاذ موقف منه. إن عملية الفهم بحد ذاتها والحكم على الأمور، وتقييم الأدلة والحجج، وإعطاء معنى للمواقف والمعلومات مرتبطة بأفكارنا، ومعتقداتنا، ومشاعرنا، وتوقعاتنا المسبقة. فالمعلومات والوقائع لا تعامل من قبلنا معاملة متساوية فى الحكم عليها وقياس مدى رجاحتها.

لا يعنى ذلك أن الإنسان يتجاهل المنطق تماما فى حكمه على الأمور، وإنما يتلون المنطق ذاته بتفضيلاتنا ومشاعرنا، فتتأثر عملية الاستدلال نفسها بخياراتنا وانحيازاتنا المسبقة. فمن بين نسيج الأدلة المتوافرة فى قضية ما، يميل الإنسان إلى اختيار النمط التفسيرى والأدلة التى تعزز وجهة نظره ويرتاح إليها، أو تقوى ثقته بنفسه وبرجاحة موقفه أو موقف من يحترمهم ويثق بهم. بل إن اختيار مصدر المعلومة بحد ذاته عادة ما يكون مدفوعا بالحاجة إلى الطمأنينة، وذلك من خلال اللجوء إلى المصادر التى من المتوقع أن تعزز ما نراه صوابا، وتجنب المصادر، أو آراء الخبراء التى نتوقع تناقضها مع خياراتنا.

ويرى توماس جيلوفيتش إننا فى الغالب نرتبط بقناعاتنا ونعاملها كممتلكات شخصية لا ينبغى أن تتعرض للتهديد، ومن ثم فالبحث عن الأدلة يخضع للهوى، فإذا كانت الأدلة المبدئية متوافقة مع قناعاتنا، نكتفى بها ونتوقف عن البحث، أما إن تناقضت مع تفضيلاتنا، فإننا نستمر فى البحث حتى نجد ما يؤيدها ويتفق معها.

فى المسعى نفسه، فإننا نخضع الظواهر والمعلومات غير المتوافقة مع ما نعتقد إلى أضعاف النقد والتمحيص الذى نستخدمه حيال تلك المتوافقة معه. فقناعاتنا تؤثر على المصدر الذى نلجأ إليه للحصول على المعلومة، فضلا عن كم ونوع المعلومات والأدلة التى نسعى للحصول عليها. بينما نكتفى بقدر قليل من المعلومات المؤيدة لما نرغب أن يكون حقيقيا. كذلك، فإن آلية الحكم ومعاييره تخضع للتوظيف الانتقائى، بحيث تتسق مع ما “نحب” أن يكون حقيقيا، وتعطينا النتائج التى نرغب بها  أو نتوقعها.

التفضيلات تبيح المبررات

تشير الدراسات إلى أن الإنسان لديه قدرة غير محدودة على تبرير ما يعتقده صوابا. فنحن لا نعتنق الأفكار بسبب وجاهة أسبابها، وإنما، فى الغالب، نميل لإنتاج المبررات والأسباب لما نعتقد بشكل مسبق أنه أمروجيه. والمبررات بحد ذاتها هى أسباب مشحونة بالتماهى العاطفى بيننا وبين خياراتنا أو ما نعتقده صوابا. ويرى دان أريلى أن التبرير هو حيلة نفسية، يستخدمها الإنسان بشكل شبه يومى للتوفيق بين حسابات رؤيته المصلحية، والتقييمات الأخلاقية للموقف محل التبرير.

بعبارة أخرى، فإن الناس لا تتجاهل الأدلة والبراهين بشكل كلى أو تتبنى أسباب ذرائعية فى كل الأحيان، وإنما يميل البشر دوما إلى البحث عن تلك الأدلة والمعلومات التى تعزز توجههم المسبق. فعملية البحث عن
المعلومات والأدلة ليست عملية محايدة يتم فيها القياس والتقييم الموضوعى لكل البدائل والمعلومات، وإنما هناك ميل دائم لإيجاد ــ أو التضخيم من ــ المعلومات المؤيدة أو المؤكدة confirmatoryinformationللموقف الشخصى. يتم ذلك من خلال آلية الاستدلال العاطفى. وفى هذا السياق يرى دانيال كانمان أن النتائج تهيمن على الحجج، خاصة فى المواقف التى تنطوى على المشاعر أو الخيارات العاطفية. فالتفضيلات السياسية تحدد الحجج التى نجدها وجيهة أو مقنعة، بحيث يصبح الاستدلال، الذى يعد فى صلب عملية تقييم الأمور، والتفكير العقلانى والمنطقى، منحازاً  ابتداء وموجهاً بتأثير المشاعر.

من ثم، فإن عملية تقييم الأحداث والحكم على الأمور، حتى وإن وظفت المنطق والتفكير العقلانى ظاهريا، فإنها محكومة بالعواطف، ومنحازة، وتختار من الاستدلال وأدواته ما يفيد التوصل إلى النتائج التى نرغبها. فعلاقتنا بقناعاتنا ليست علاقة موضوعية أو محايدة. ويشبِّه عالم النفس روبرت أبلسون القناعات بأنها مثل الممتلكات الشخصية. فنحن نحتفظ بها نظرا للقيمة التى تحوزها والوظيفة التى تؤديها. الأمر نفسه يفسر اختيارنا لمنظومة متسقة من القناعات، بحيث نختار من الروايات والسرديات الرائجة فقط ما يتسق مع ما هو لدينا بالفعل. وأخيرا لا تستبعد دراسات الانحيازات النفسية التأثير المباشر للمصلحة فى توجيه ما نراه حقيقيا. فقد تتم عملية الاستدلال بالكامل فى خدمة مصلحة شخصية، أو تصور بعينه للمصلحة العامة، ومن ثم يكون التوظيف الانتقائى للمعايير والأدلة الداعمة عمديا.

من التكرار للألفة إلى الحقيقة

إن التكرار يصنع الألفة ويمهد للحقيقة، حيث يؤدى الإلحاح على قصة ما إلى قبولها فى النهاية، فالألفة تصنع الإعجاب. ويعد هذا هو “أثر التعرض” لأفكار أو سرديات بعينها أيا كان وسيط التعرض. فتكرار حجة ما كفيل بإكسابها بعض القبول. وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعى، والحاجة إلى كم هائل من المعلومات “القصص” يوميا،  لتغذية هذه الماكينة العملاقة، فى قصر دورة حياة الأفكار، وإعطاء الأولوية للقدرة على صياغة “قصة جيدة”.ويعمل إعادة إنتاج وتداول وتدوير المعلومات والأخبار، عبر وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعى على تأكيدها وإعطائها قدراً من المقبولية المبنية على الشيوع والتكرار.

كما اسهمت وسائل التواصل الاجتماعى فى توسيع قاعدة “مجموعات الدعم” بخلق دوائر للدعم الافتراضية، مما يخلق الانطباع بالتوافق المصطنع حول موقف ما، ويعزز ثقة المنتمين إليه فى صحته، وفى اتساع قاعدة المنتمين إليه. ويؤدى هذا التوافق الظاهرى إلى المبالغة فى اعتقاد البشر أن الآخرين يشاركونهم قناعاتهم، ومن ثم يدفعهم إلى المزيد من التمسك بها، كما أنه يؤدى إلى تراجع التفكير النقدى، وسيادة التفكير الجمعى، ويزيد من فرص قبول سرديات غير حقيقية، ورفعها إلى مصاف الحقيقة غير القابلة للنقاش. وقد يسهم العدد الكبير لمستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى، فى التعدد اللانهائى لمنصات إعادة إنتاج وتدوير الأفكار، وترتبط ظاهرة المصادر الثانوية للمعلومات Secondhandinformation، وفقا لجيلوفيتش، باحتمالات كبيرة لتحريف الحقائق بسبب غياب المصدر الأصلى، وتعرض القصة لقدر ولو ضئيل، من التشوش مع كل مرة تتم فيها إعادة إنتاجها.

سرديات الخوف

تؤكد الدلائل أن الأشخاص يكونون أكثر ميلا لتصديق الرسائل الإقناعية الفارغة فى حالات التعب والإنهاك. كذلك يلعب عامل الخوف، والشعور بأن الأمر طارئا ولا يقبل المخاطرة أو التأخير، دورا فى الدفع لاتخاذ قرارات بعينها أو تجنب مخاطرات متصورة. ويؤدى هذا التوصيف إلى سيادة نوع من التفكير تحت ضغط الأزمة، وتغليب غريزة السلبية negativityinstinct، والتفكير بالاستباق، ونزعة توقع الأسوأ.

تشير العديد من الدراسات إلى أن الانحياز لتجنب الأذى أو دفع الضرر هو انحياز نفسى أساسى. ويرى روزلينج أن الخوف يؤدى إلى اضطراب الحكم، وتحظى تلك القصص، التى توظف نوعين أو أكثر من مشاعر الخوف بالاهتمام الأكبر. كما يرتبط ذلك بانحيازات أخرى تخدم سردية الخوف، منها الميل لتصديق الروايات السلبية، والاعتقاد دوما بأن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، والاعتقاد فى الحتميات والنهايات القدرية، والرغبة الدائمة فى إلقاء اللوم على مصدر الخوف، أو “شرير القصة”. وفى الأحوال الاعتيادية، فإن الأشرار عادة ما يكونون رجال الأعمال أو التجار الجشعين، والصحافة الكاذبة، أو الأجانب وعملائهم، أو اللاجئين، وسرديات المخاطر والشرور التى تروج فى ارتباطها بهم فى السياقات الشعبوية الصاعدة.

الأخطر من ذلك، أن السلوك المبنى على سرديات الخوف، وحسابات السيناريو الأسوأ، قد يصبح نوعا من النبوءة المحققة لذاتها Selffulfillingprophecy، حيث يؤدى سلوكنا المبنى على التوقعات مفرطة السلبية فى بعض الأحيان إلى تعديل البيئة الموضوعية ذاتها، بحيث تصبح بعض تلك السيناريوهات غير المرجحة، أكثر احتمالا.

ختاما، فإن ما سبق تناوله من انحيازات نفسية، يشير إلى المدى الذى يتأثر به إدراكنا للحقيقة بالكثير من العناصر ذات القدرة على إعادة صياغة، أو تشويش، أو اختزال الواقع. وتؤكد هذه الانحيازات قدرتنا على الخداع الذاتى وخلق أو تصديق حقائق موازية سعيا وراء الاتساق مع خبراتنا وقناعاتنا السابقة، أو بهدف الطمأنينة وتجنب الغموض، والأفكار المقلقة، أو الاتساق الأخلاقى أوتعزيز الثقة بالنفس، أو حتى لخدمة أهداف مصلحية مباشرة. ولا تتطرق هذه العوامل التى تناولها المقال إلى تضافر تلك الانحيازات مع العوامل الخارجية لتشويه الحقائق، مثل التضليل، والخداع، عبر التلاعب بالمعلومات أو حجبها، أو توجيهها، أو عبر استخدام ما تتيحه وسائل التكنولوجيا الحديثة من كم هائل من المعلومات والتفضيلات الشخصية الخاصة بالمستخدمين، والتى يمكن من خلالها التحكم بتوجهات البشر والتلاعب بخياراتهم.

مخاطر المنظومة الإلكترونية الإسرائيلية للتجسس على مواقع التواصل الاجتماعي – بسمة سعد

كشف تقرير لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في 16 يوليو 2018، عن مطالبة الجيش الإسرائيلى، خلال الفترة الأخيرة، لشركات الإنترنت الإسرائيلية بتزويده بمنظومة إلكترونية ضخمة تمكنه من رصد ومراجعة كل ما يتم تداوله، ونشره، وتخزينه على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك مراقبة الاتصالات الشخصية لمستخدمي تلك المواقع من أجل الحصول على جميع المعلومات عن أصحاب تلك الحسابات، لاسيما المغلقة والسرية. كما طلب أن تقوم تلك المنظومة بمنحه إمكانية لإنشاء حسابات وهمية، فضلاً عن مطالبته بمعرفة 500 صديق أو شخص تواصل، أو علق على، أو أضاف، أو خلق أى نوع من الاتصال بينه وصفحة الجيش الإسرائيلي.
كما حدد الجيش الاسرائيلي مجموعة من الكلمات الدالة التى بمجرد ورودها على أي من مواقع التواصل الاجتماعي، سيعطيها الأولوية لمراقبتها والتجسس عليها، وهي (إرهاب، ومقاومة، وقومية، ودين، وعلاقات اجتماعية، وتنظيمات، وسياسة، وأسماء الأحزاب السياسية ، وأسماء سياسيين، واقتصاد، ومستوى الحياة).
انطلاقاً مما سبق، يهدف المقال لقراءة الأبعاد الرئيسية لإنشاء تلك المنظومة، التى تعكس في الوقت ذاته الأهداف الرئيسية من إنشائها، إلى جانب عرض ما تحمله تلك الخطوة من دلالات، وذلك على النحو التالي:
أولاً- أبعاد المنظومة:  
تُعد مواقع التواصل الاجتماعي أداة مهمة للغاية  لما تطرحه من معلومات وما تُتيحه من مساحة كافية للتعبير عما يدور داخل العقل من مخططات وأفكار يسعي لترجمتها على أرض الواقع، وكذلك التعبير عما يشعر به الفرد في كلمات قد تكون مختزلة في بعض الأحيان لكنها تعكس وضعه الاجتماعي والاقتصادي وكذلك آراءه السياسية، هذا فضلاً عن كونها أداة مهمة لمعرفة تحركات الفرد من خلال تتبع الأماكن التى يُسجل الدخول إليها والأفراد الموجودين معه. ترتيباً على ما سبق، أدركت القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية أهمية تلك الأداة، ليس فقط لمتابعة ورصد ما يشهده المجتمع الإسرائيلي ونظيره الفلسطينى من تطورات، وإنما كذلك المجتمعات العربية، لتحقيق مجموعة من الأهداف تعكس الأبعاد الرئيسية لتلك المنظومة، على النحو التالي:
1- تطويق أمني:
جسدت كلمات (الإرهاب، والمقاومة، والتنظيمات) أحد الأبعاد المهمة والرئيسية لإنشاء تلك المنظومة التى هدف الجيش الإسرائيلي من خلالها إلى التنبؤ، ومحاولة منع أية هجمات أمنية من خلال القيام بهجمات وحملات اعتقال استباقية داخل الأراضي المحتلة مثلما سبق أن أفادت تقارير إسرائيلية في أبريل 2017 بقيام  جهاز الأمن الإسرائيلي باعتقال ما يقرب من 400 فلسطينى خلال شهر مارس من العام ذاته، سماهم “الذئاب المنفردة” دون ارتكابهم لأية جريمة، وإنما يعود فقط لرصد أحد البرامج الإلكترونية الإسرائيلية كلمات تُثير قلق الجانب الاسرائيلي مثل كلمتى (القدس، وشهيد)، فضلاً عن حرص القيادات الإسرائيلية على الاطلاع على جميع التطورات الأمنية التى تشهدها المنطقة من بروز تنظيمات متطرفة، أبرزها تنظيم”داعش”، والتى تفوقت في استخدام مثل تلك المواقع في تنفيذ العديد من الهجمات الإرهابية وجذب ذوى الميول المتطرفة للانضمام إلى صفوفها.
2- تعزيز الدبلوماسية الرقمية:
يسعي الجيش الإسرائيلي لقراءة جميع التغيرات النفسية والاجتماعية، وتتبع ظهور وتغير الظواهر الاجتماعية التى تشهدها المجتمعات المختلفة، ليس فقط داخل المجتمع الاسرائيلي ونظيره الفلسطينى، وإنما المجتمعات العربية كافة، وهو ما يجسده مطلب الجيش الاسرائيلي بمراقبة تلك المواقع بثلاثة لغات (العربية، والعبرية، والإنجليزية)؛ وذلك حتى يمكن التنبؤ بأى تغيير يمكن أن تشهده تلك المجتمعات كالتى شهدتها بعض الدول العربية في عام 2011 والتى لعبت مواقع التواصل الاجتماعي فيها دوراً مهما ورئيسياً، وهو ما أدركته القيادات الأمنية الإسرائيلية حينئذ، فأولت اهتماماً كبيراً بمراقبة ما يتم تدوينه على تلك المواقع في العديد من الدول، مثل البحرين وتونس ومصر، وتطوير برامج إلكترونية معنية بهذا الشأن، فضلاً عن سعي تل أبيب من خلال قراءة التغيرات النفسية والاجتماعية التى تمر بها المجتمعات، لاسيما فئة الشباب، لتغيير الصورة الذهنية للشباب العربي عن إسرائيل، وهو ما يأتى في إطار ما يُسمي “الدبلوماسية الرقمية” التي ترمي لخلق أواصر الحديث والتفاهم بينها وبين الشباب، لاسيما العربي، كسبيل لجذبهم بعيداً عن القضية الفسطينية وتبعاتها، وهو ما يجسده الدور النشط والفعال للمتحدث الرسمى باسم جيش الاحتلال الإسرائيلى “أفيخاى آدرعى” الذي بلغ عدد متابعي صفحته الشخصية أكثر من  مليون و247 ألف متابع من مختلف دول المنطقة العربية.
استناداً لما سبق، يمكن تفهم السبب الذي بناء عليه وضع الجيش الإسرائيلي الكلمات التالية (علاقات اجتماعية، ومستوى الحياة، ودين، وقومية) ضمن الكلمات الدالة التى يعطي الجيش الاسرائيلي لمدونيها الأولوية في عمليات الرصد والمراقبة.
3-  محاولات خطرة:
يُعد هذا الأمر بعدا مكملاً للأبعاد السابقة، ويمكن قراءته بشكل افضل عقب أقرانه بهما؛ حيث يهدف الجيش الاسرائيلي من خلال تلك المنظومة للاطلاع على جميع الآراء السياسية التى يعبر عنها السياسيون والحقوقيون وأعضاء الأحزاب السياسية، لاسيما فئة الشباب الأكثر استخداماً وتفاعلاً على تلك المواقع، ليس فقط داخل الأراضي المحتلة، وإنما كذلك بجميع دول الإقليم، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال الكلمات الدالة التالية (سياسة، وأسماء الأحزاب السياسية ، وأسماء سياسين). فالأحداث التى تشهدها دول منطقة الشرق الأوسط من تطورات سياسية، مقرونة بحزمة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية، قادرة على إحداث العديد من التغيرات، سواء على مستوى صانعي القرار السياسي بدول المنطقة، أو على مستوى النظام الحاكم كالتى شهدتها بعض الدول العربية في عام 2011،  ولا تزال تشهد تداعياته على جميع المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يراه الجانب الإسرائيلي تهديدا لأمنه القومي، ويفرض عليه تقديم رؤية استراتيجية وعسكرية تتسق مع مجريات الأوضاع في البلدان العربية.
ثانياً- دلالات الإنشاء: 
1- تميز أمنى سيراني إسرائيلي:
كشفت تحقيقات أجرتها منظمة الخصوصية الدولية حول البرامج الإلكترونية، المعنية برقابة مواقع التواصل الاجتماعي والتجسس الإلكتروني، عن أن هناك 27 شركة متخصصة في إنشاء مثل تلك البرامج في اسرائيل، فضلاً عن الوحدات التابعة للاستخبارات الإسرائيلية العسكرية المعنية بمتابعة ومراقبة جميع محتويات مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزها الوحدة “8200” التى تولت مهمة رصد ومراقبة تفاعلات الشباب العربي على مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما عقب ثورات الربيع العربي 2011، علاوة على عمليات الرصد والتشويش والتنصت على الهواتف والبث الإذاعي، واعتراض رسائل البريد الإلكترونى والفاكسات التى تتولى الوحدة بقواعدها المنتشرة على الأراضي المحتلة تنفيذها، والتى كانت عاملا رئيسيا لاحتلال اسرائيل المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد واشنطن في مجال التنصت.
2- تسييس محتمل: 
مثلما تُعد مواقع التواصل الاجتماعي أداة مهمة للجانب الاسرائيلي، فإنها كذلك مهدد قوي لأمنها القومي، نظراً لقدرتها على الحشد والتأثير بشكل واسع، لذا لجأت تل أبيب لتوظيفها ببث الشائعات والترويج لسياساتها عبر منصاتها، وهو ما يعكسه التنسيق والتعاون بين السلطات الأمنية الإسرائيلية، وإدارة موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” في عام 2016، والذي دفع الأخيرة  لمراقبة المحتوى الفلسطيني على الموقع، وحذف المنشورات التى ترفضها إسرائيل.
انطلاقاً مما سبق، لا يمكن استبعاد خضوع باقي مواقع التواصل الاجتماعي لاتفاق كالذي عقدته إدارة “فيسبوك”، وبالتالي نجاح الجانب الاسرائيلي في “تسييس” مواقع التواصل الاجتماعي.
نهاية القول، إن تل أبيب لا تألو جهداً في انتهاج جميع الآليات التى تضمن تأمينها في إطار محيطها العربي، ولو بالحد الأدنى. وبما أن مواقع التواصل الاجتماعي تُعد بمنزلة أداة مهمة للغاية لمراقبة ورصد وتجميع كل التفاعلات والتغيرات متعددة الجوانب (سياسية، واقتصادية، وأمنية، واجتماعية) التى تشهدها تلك المجتمعات، فمن الطبيعي إدراجها ضمن الآليات التى يتحتم على الجانب الإسرائيلي تطويقها من خلال تطوير أنظمته اللإلكترونية.

ميت رومني: أضواء على رئيس الولايات المتحدة المحتمل – محمود حمد

يشير سجل رومني في الأعمال والسياسة إلى قدرته على الحسم وعدم تردده في اتخاذ القرارات الصعبة، وإذا ما تلاقى ذلك مع تقاليد الحزب الجمهوري والانتقادات المتوالية ضد سياسة أوباما الخارجية وبالذات فيما يتعلق بالشرق الأوسط فإنه يمكن توقع تحول في السياسة الخارجية الأميركية في ظل إدارة يرأسها رومني.

“طلب الصعاب يقوي الرجال”

“The pursuit of the difficult makes men strong”

من مقولات ميت رومني المفضلة نقلا عن والده (1)

لا يعتبر ويلارد ميت رومني المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية من الشخصيات المعروفة خارج الولايات المتحدة، وبالذات في الوطن العربي. ومن ثم فان طبيعة شخصية رومني، وبالتالي سياسياته المتوقعة -إذا قدر له الجلوس على سدة الرئاسة في المكتب البيضاوي- تعد لغزا كبيرا للمتخصصين وغير المتخصصين على حد سواء. ويمكن القول بوجود ثلاثة مفاتيح لسبر أغوار شخصية المرشح الجمهوري الذي قد يكون في أشهر قليلة الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة: المفتاح الأول لفهم شخصية رومني هو خلفيته الدينية المختلفة عن كل رؤساء أميركا السابقين، أما المفتاح الثاني فيركز على أصول رومني العائلية، وسنيّ النشأة الأولى، ومشواره الدراسي، وأخيرا، فان المفتاح الثالث هو تجاربه المهنية والسياسية.

أولا: الخلفية الدينية

ينتمي رومني لكنيسة يسوع المسيح لقديسي اليوم الآخر المعروفة إعلاميا بطائفة المورمون، وهو في ذلك يختلف عن كل رؤساء الولايات المتحدة السابقين.  فباستثناء جون فيتزجيرالد كيندى الكاثوليكي، انتمى كل رؤساء الولايات المتحدة إلى طائفة المسيحيين الإنجيليين وهى ديانة الأغلبية تاريخيا. والمورمون إحدى الأقليات الدينية الصغيرة في الولايات المتحدة، فهم يشكلون نحو 1.7% من السكان وهى نسبة تقارب عدد اليهود وتفوق عدد المسلمين والبوذيين. ويقدم المورمون أنفسهم باعتبارهم مسيحيين، ولكن الكثير من المسيحيين وبخاصة الأصوليون منهم يشككون في ذلك (2).

وتعتبر المورمون ديانة أميركية بامتياز؛ فقد تأسست الطائفة في ولاية نيويورك على يد جوزيف سميث الذي  نادى بنفسه نبيا مرسلا (3). وفي إبريل/نيسان 1840 وبعد نشر كتاب المورمون أسس سميث مع خمسة من أتباعه كنيسة يسوع المسيح لقديسي اليوم الآخر في ولاية ميسوري، ولكن أهل الولاية تصدوا لهم وقاموا بطردهم، فهاجروا إلى ولاية إلينوي. وقد حققت الدعوة نجاحا لافتا في الفترة الأولى، ولكن الكثيرين وصموا سميث وأتباعه بالهرطقة، ولذلك أمر حاكم الولاية بإيداعه السجن هو واثنين من أتباعه لحين محاكمتهم، وفي 1844 ادعى جوزيف سميث بأنه قد تلقى إعلانا إلهيا بتعدد الزوجات، فثار عليه أهل المدينة، وهاجموا السجن، وحدثت معركة قتل فيها جوزيف وله من العمر 39 عاما. وعقب قتل جوزيف سميث تولى القيادة بعده بريجهام ينج، فقاد المئات من أتباعه إلى ما يعرف الآن بولاية  يوتاUtah  هربا من الاضطهاد، حيث عملوا بالزراعة، وقاموا ببناء حاضرة كبيرة في الصحراء “سولت ليك سيتي”. وتاريخيا استمر تعرض أبناء الطائفة للاضطهاد، الأمر الذي دفع الكثيرين من أبناء الطائفة وبينهم جد رومني للهجرة إلى المكسيك حيث ولد جورج رومني. ولكن الأسرة اضطرت للعودة للولايات المتحدة بعد اندلاع الثورة في المكسيك وقيام الثوار بتهديد الرعايا الأميركيين.

ويؤمن أتباع الطائفة بالإنجيل، وإن كانوا يعتقدون أنه قد أصابه التحريف، ولذلك، فإن كتاب “مورمون” هو كلمة الله غير المحرفة. ويدعي المورمون أنهم قد أحيوا الكنيسة الحقيقية التي أسسها السيد المسيح، وأن المسيحية قد عاشت في الارتداد والوثنية لمدة 18 قرنا حتى جاء سميث فأعلن الحق وأعاد الإنجيل الصحيح الذي فُقد (إنجيل المورمون). ويؤمن المورمون كذلك بأن السيد المسيح سيبعث في القدس، ولكنه سيؤسس دولته في القارة الأميركية، وتحديدا في ولاية ميسوري. ويمتنع المورمون عن المسكرات وشرب الشاي والقهوة، ويحرصون على زيادة عدد أعضاء الكنيسة، ولذلك يتزوجون مبكرا وينجبون العديد من الأبناء كما يحرصون على التبشير بديانتهم في الولايات المتحدة وخارجها (4). وتعتبر الأسرة من الركائز المقدسة في المجتمع المورموني ويمتنع أبناء الطائفة عن إقامة علاقات خارج إطار الزواج، كما تقف الكنيسة موقفا صلبا ضد الإجهاض ومثلي الجنس.

وقد سببت الاختلافات العقائدية وبخاصة تعداد الزوجات الكثير من الإشكالات السياسية تاريخيا للكنيسة. فقد منع الكونجرس الاعتراف بيوتاه كولاية مستقلة، ووضعت “مقاطعة الصحراء” كما كانت تعرف تحت الحكم الفيدرالي المباشر من واشنطون. وبهدف الحصول على الاعتراف بمقاطعتهم كولاية أصدرت الكنيسة بيان 1890 الذي حظر تعداد الزوجات، وتم النص على هذا الحظر في دستور الولاية كشرط من شروط الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وتعمل الكنيسة على زيادة النفوذ السياسي للطائفة، حيث يعتبر المرمون من الأقليات الفاعلة في الساحة السياسية الأميركية، ولا يفوقهم في حجم تمثيلهم السياسي بين الأقليات على المستوى الفيدرالي غير اليهود.  فعلى الرغم من أن المورمون يشكلون 1.7% من المجتمع، ولأن أغلب هذه النسبة من الأطفال دون الثامنة عشرة الذين لا يحق لهم التصويت، فإن عدد أعضاء الكونجرس من أبناء الطائفة يبلغ العشرة بنسبة تبلغ 2.3%، وتزيد النسبة إلى 5% في مجلس الشيوخ بمن فيهم زعيم الأغلبية الحالي السيد هارى ريد.

شكل 1: النسبة المئوية لتمثيل الأديان المختلفة في المجتمع ومجلسي النواب والشيوخ (2011-2013)

وعلى الرغم من هذا النفوذ السياسي، وتحسن النظرة المجتمعية نسبيا في السنوات الأخيرة، فإن رجل الشارع لا يعرف الكثير عن هذه الطائفة التي تُبقى طقوسها وعقائدها سرا لا يطلع عليه الغرباء من غير أبناء الطائفة (5).  ولذلك، فقد حرص ميت رومني على عدم لفت الأنظار لانتمائه الديني، وبخاصة خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري حيث تنتمي كتلة كبيرة من الناخبين لليمين الديني المحافظ.  ومن الملاحظ أن الفيلم الدعائي الرسمي الذي أصدرته حملته الانتخابية ومدته أكثر من عشر دقائق يخلو من أى ذكر عن الدين، وهو أمر شديد الغرابة لمرشح ينتمي للحزب الجمهوري حيث أغلب مناصري الحزب من المتدينين (6). كما يخلو التقديم الرسمي من أية إشارة للفترة التي قضاها رومني في فرنسا للتبشير بديانته. وربما تكون هذه الخلفية أهم الأسباب التي دفعت رومني لاختيار بول راين كشريك في التذكرة الانتخابية الرئاسية. فراين الكاثوليكي المعروف بانتمائه الديني المحافظ يعد من الشخصيات السياسية المفضلة لدى قطاعات عريضة من الناخبين المتدينين الذين مافتئوا يساورهم الشك في معتقدات رومني الدينية.

ثانيا: النشأة والتعليم

ولد ميت رومني في ولاية ميتشجان في 12 مارس/آذار 1947، وهو ينتمي لذلك إلى جيل Baby Boomer  الذي ولد في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد عودة المقاتلين من جبهات القتال. وقد ولد ميت لعائلة ميسورة وذات نفوذ سياسي كبير؛ فوالده جورج رومني كان من كبار رجال الأعمال والسياسة في ولاية ميتشجان؛ فرومني الأب شغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة السيارات الأميركية American Motors Corporation بين عامي 1954-1962، ثم انتخب حاكما لولاية ميتشجان لثلاث دورات 1963-1969، وبعد ذلك شغل منصب وزير الإسكان والتنمية الحضرية 1969-1973. وقد سعى السيد رومني للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة عام 1968، ولكنه خسر بطاقة الترشيح إمام ريتشارد نيكسون الذي حظي بتأييد الحزب وانتخب رئيسا. أما والدة ميت، السيدة ليونور رومني، فقد انخرطت في الحياة السياسية، وترشحت دون توفيق عن الحزب الجمهوري في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشجان عام 1970. ويبدو أثر العائلة كبيرا في حياة ميت رومني، الذي تتبع خطوات والده ووالدته في مجال المال والأعمال ومن ثم الترشح للمناصب السياسية على مستوى الولاية والحكومة الفيدرالية.

وقد تلقى رومني تعليمه في مدرسة كرانبروك الخاصة في ضواحي ديترويت، وهى المدرسة المفضلة لأبناء النخبة في المدينة. وبعد انتهائه من دراسته الثانوية التحق رومني بجامعة ستانفورد المرموقة ولكنه ترك دراسته بعد عام واحد للقيام بخدمة الكنيسة. ومثله مثل والده، وكحال الكثير من أبناء طائفة المورمون، فقد تطوع ميت رومني للتبشير في الخارج حيث قضى في فرنسا 30 شهرا كاملة (7). وتمنح فترة التبشير في الخارج أبناء الطائفة فرصة الاحتكاك بالعالم الخارجي وتعلم اللغات الأجنبية. ولذلك، فإن أبناء الطائفة من أكثر الطوائف تمثيلا في بعثات الولايات المتحدة في الخارج.

وبعد عودته من بعثته التبشيرية التحق ميت رومني بجامعة بيرجهام ينج حيث حصل على درجته الجامعية الأولى. وتعتبر الجامعة المعروفة اختصارا بـ BYU من أفضل جامعات الولايات المتحدة، ويمتاز طلابها بالدأب والرغبة في التحصيل. ولكونها جامعة الكنيسة، ولإيلائها اهتماما خاصا بتدريس الديانة المورمونية، فإن الأغلبية الساحقة من طلابها من أبناء الطائفة، ومعظمهم قد قام بتأدية بعثته التبشيرية، ولذلك فهم أكبر سنا وأكثر نضجا من نظرائهم من طلاب الجامعات الأخرى. وعند تخرجه، التحق ميت بأحد أكثر البرامج تميزا بجامعة هارفارد العريقة، حيث حصل رومني على إجازة الحقوق وماجستير إدارة الأعمال في آن معا (8). ويبدو أن اختيار هذا الطريق المزدوج وليد تنازع الاهتمامات الشخصية والضغوط العائلية في تشكيل مستقبل السيد رومني، فبينما فضل ميت دراسة إدارة الأعمال بهدف العمل في القطاع الخاص، كان رومني الأب يدفع ابنه لدراسة الحقوق، وهى الباب الأبرز للولوج في عالم السياسة في الولايات المتحدة. وفى النهاية فقد اختط رومني طريقا جمع فيه بين الهدفين. وتشير قدرة رومني على الالتحاق بهذين البرنامجين الدراسيين إلى دأبه وتنوع مداركه وقدرته على التحصيل والإجادة (9).

ثالثا: الحياة العملية

وبعد تخرجه من هارفارد بدأ رومني حياته العملية في مجال المال والأعمال وبصفة خاصة تقديم الاستشارات الإدارية للشركات. واستطاع رومني في 1977 الحصول على وظيفة مرموقة في “باين وشركاؤهBain & Company” التي ترقى فيها سريعا ليشغل منصب الرئيس التنفيذي. وفى عام 1984 أسس رومني مع بعض من زملائه شركة أخرى هي باين للاستثمارات  Bain Capital التي حققت نجاحا مدويا ومكنت رومني من تكوين ثروة كبيرة ساعدته على الانخراط في الحياة السياسية. وعندما تعرضت باين وشركاؤه لمصاعب جمة في بداية التسعينات من القرن الماضي استُدعي رومني لإنقاذ الشركة فاتخذ إجراءات حازمة، فقلص حصة مؤسسي الشركة بمقدار النصف، وأجرى اقتطاعات كبيرة على المرتبات والمكافآت، وفصل نصف الموظفين، وتفاوض بضراوة مع المقرضين. وقد مكنت هذه الإجراءات الحازمة الشركة على تخطى مصاعبها (10).

وعادة ما يشير رومني ومناصروه إلى نجاحه في قطاع الأعمال الخاص كأحد مصادر تفوقه على الرئيس باراك أوباما الذي قضى معظم حياته العملية في المجالين الأكاديمي والسياسي. ويركز رومني على قدرته على خلق الوظائف وإيجاد الظروف الملائمة للقطاع الخاص للانطلاق. ويكتسب هذا أهمية كبيرة في السباق الرئاسي 2012 بسبب عدم تعافي الاقتصاد الأميركي حتى الآن من آثار الأزمة الاقتصادية، وبسبب معدلات البطالة المرتفعة التي لم تستطع سنوات حكم الرئيس أوباما تخفيضها بشكل ملموس. ولكن أوباما ومناصريه يشيرون إلى أن نجاحات رومني تحققت على حطام الكثير من الشركات التي أغلقت، والعديد من العاملين الذين فقدوا وظائفهم بسبب إقامة مصانع خارج الولايات المتحدة وبالذات في الصين للاستفادة من رخص الأيدي العاملة المدربة.

ويعد الدور الذي لعبه رومني في تنظيم الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة سولت لايك سيتي إحدى المحطات الهامة التي يركز عليها الخطاب الانتخابي للمرشح الجمهورى؛ فمدينة سولت لايك سيتي عاصمة ولاية يوتا حاضرة المرمون في الولايات المتحدة كانت على موعد مع تنظيم الألعاب الأولمبية الشتوية بعد أشهر قليلة من الحادي عشر من سبتمبر 2011. ونظر الكثير إلى ذلك باعتباره مؤشرا على تعافي الولايات المتحدة من هذه الضربة المؤلمة. ولكن عملية التنظيم شابتها فضائح عدة شملت قضية رشوة دولية، وتحقيقات قضائية فيدرالية، واستقالة أعضاء اللجنة المنظمة، وانسحاب الراعيين الرئيسيين (11). وعرض رئيس اللجنة العليا على رومني تولى إدارة اللجنة المنظمة في ظل هذه الظروف لمحاولة إنقاذها من الفشل المتوقع، وهو التحدي الذي قبله رومني ونجح في تحويل الدفة في خلال أشهر قليلة. وأصبح هذا الإنجاز محطة انطلاق لرومني في مجال السياسة كقائد قادر على تخطى الصعاب، ومدير ناجح في حشد الكفاءات في مجال العمل العام كحاله في قطاع المال والأعمال. وقد أبرز رومني هذا الإنجاز في كتيب ألفه حول تجربته في الألعاب الأوليمبية (12). ويعكس قرار رومني بالموافقة على الانخراط في هذا التحدي بعضا من طبيعة شخصيته المغامرة من جهة، وارتباطه الشديد بالكنيسة من جهة أخرى. حيث اعتبر الكثيرون أن الفشل الذي كان متوقعا للألعاب الأوليمبية في حاضرة المورمون فشلا للكنيسة وقيادتها بسبب الدور المسيطر الذي تلعبه الكنيسة في إدارة المدينة والولاية.

واتخذ رومني من هذا النجاح محطة للانطلاق في عالم السياسة، حيث ترشح لمنصب حاكم ولاية ماساتشوستس بعد شهر واحد من انتهاء الألعاب الأوليمبية. فبعد عامين من الفشل في الفوز بعضوية مجلس الشيوخ عن الولاية نجح رومني في الفوز بمنصب حاكم ماساتشوستس. وعادة ما يشير رومني إلى نجاحه في القضاء على عجز كبير في موازنة الولاية قدر ب 1.5 بليون دولار كدليل على قدرته على محاربة العجز الهائل للحكومة الفيدرالية ومكافحة التضخم الكبير في حجم الدين العام للولايات المتحدة (13). ولكن رومني حرص على عدم لفت الأنظار خلال الانتخابات التمهيدية بالذات إلى إنجازه الأبرز خلال ولايته المتمثل في قانون ماساتشوستس للرعاية الصحية، الذي شمل تغطية تأمينية طبية للغالبية الأعظم من ساكني الولاية للمرة الأولى في تاريخ أى ولاية أميركية. ويشبه هذا القانون إلى حد كبير قانون أوباما للرعاية الصحية الذى يلقى معارضة عاتية من الحزب الجمهوري واليمين المحافظ. وقد حرص رومني مثله مثل أى سياسي متمرس على تبيان الفوارق بين قانونه وقانون أوباما بهدف التأكيد على اتجاهه لتقليص دور الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد والمجتمع.

وبعد انتهاء ولايته كحاكم، سعى رومني لتحقيق الحلم الذي عجز رومني الأب عن تحقيقه. فقبيل يوم واحد من انتهاء ولايته في 4 يناير/كانون الثاني 2007 أعلن رومني عن انخراطه في المنافسة بهدف الفوز بترشيح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية عام 2008. ورغم تقدمه المبدئي فان الحملة الانتخابية سرعان ما تراجعت ليفوز جون ماكين بترشيح الحزب. لكن رومني المعروف بدأبه استمر خلال الأعوام الأربعة الماضية في بناء قاعدة تأييد داخل الحزب وفى جمع المال اللازم لخوض غمار حملة انتخابات تمهيدية ممتدة ومكلفة. وقد مكن ذلك ميت رومني من أن ينال شرف الترشح عن الحزب الجمهوري كأول مرشح من المورمون.

ماذا نستطيع أن نستنتج من ذلك؟

يشير سجل رومني في مجال الأعمال والسياسة إلى قدرته على الحسم وعدم تردده في اتخاذ القرارات الصعبة، وإذا ما تلاقى ذلك مع تقاليد الحزب الجمهوري في السياسة الخارجية والانتقادات المتوالية ضد سياسة أوباما الخارجية وبالذات فيما يتعلق بالشرق الأوسط (الصراع العربي- الإسرائيلي وتطورات الربيع العربي) فإنه يمكن توقع تحول في السياسة الخارجية الأميركية في ظل إدارة يرأسها رومني. ومن المنطقي أن يثير ذلك قدرا من التوجس في العواصم العربية وبالذات دول الربيع العربي التي تولت فيها أحزاب تنتمي للتيار الإسلامي السلطة. وهناك الكثير من مراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية القريبة من الحزب الجمهوري تريد للولايات المتحدة أن تمارس قدرا أكبر من التأثير في تشكيل البنية السياسية والدستورية للدول العربية التي تتحول إلى الديمقراطية. وعلى العكس من أوباما الذي لا يربطه ود كبير برئيس الوزراء الإسرائيلي نتينياهو فإن رومني لا يخفى تأييده الكامل لإسرائيل وساستها، وقد حرص المرشح الجمهوري على أن تكون إسرائيل إحدى الدول القلائل التي قام بزيارتها منذ فوزه بترشيح حزبه للرئاسة. كما حرص على تأكيد دعمه الكامل للدولة العبرية وسياستها. وقد أثار رومني كثيرا من الاستهجان عندما ألمح خلال زيارته للقدس إلى أن اختلاف الثقافة تفسر تخلف الاقتصاد في الأراضي الفلسطينية عن نظيره الإسرائيلي (14). ولم يحمل هذا إعجابا مطلقا بإسرائيل فحسب وإنما نظرة استعلائية تجاه الثقافة العربية والإسلامية تماثل كثيرا مما يردده كتاب اليمين المحافظ في الولايات المتحدة. ويشير ذلك إلى احتمالية سياسة خارجية أميركية أقل تفهما للمصالح العربية وأكثر اقترابا من سياسية إسرائيل في المنطقة إذا ما قدر لرومني الجلوس في المكتب البيضاوي في يناير/كانون الثاني القادم.
_____________________________________
محمود حمد – أستاذ مساعد العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعتي القاهرة (مصر) ودراك (الولايات المتحدة)

كيف السبيل إلى الارتقاء بسياسات الجامعات العربية إلى المستوى العالمي؟ مصطفى قطبي

دأبت المراكز الدولية المهتمة بتقييم الجامعات وتصنيفها دولياً على إصدار تقارير دورية مطلع كل عام جديد تتضمن تصنيفها بحسب قدراتها العلمية وإنجازاتها وسمعتها في الأوساط الجامعية من خلال إنجازات مدرسيها وباحثيها وطلبتها وتفاعلها مع مجتمعاتها، وتلبيتها لمتطلبات سوق العمل.

 

تحظى نتائج تقارير تصنيف الجامعات في العادة بتغطية إعلامية واسعة في مختلف بلدان العالم، وباهتمام خاص من لدن بعض حكوماتها. نستعرض بهذه الدراسة أحدث تقييم عالمي لأفضل الجامعات العالمية لعام 2019 حيث صدر مؤخراً تصنيف جريدة التايمز البريطانية الذي تضمن تصنيفا لأفضل ألف ومائتي جامعة في العالم. ويعتمد هذا التصنيف بشكل أساسي على خمسة معايير هي: التعليم، والبحث العلمي، والاستشهادات البحثية والدخل الذي تحققه الجامعات من الصناعة، والظهور على الساحة الدولية. وكما في العام الماضي، تصدرت الجامعات البريطانية والأميركية قوائم التصنيف، لكن بعضاً منها تراجع تصنيفه، في حين أظهرت الجداول تحسناً ملحوظاً في تصنيف الجامعات الآسيوية وخاصة الجامعات الصينية، في حين لا تزال جامعات أميركا اللاتينية وإفريقيا تكافح لتحسين موقعها.

 

التعليم العالي العربي:

بالنسبة للمشهد العربي، فقد تضمنت قوائم التصنيف لهذا العام أربع جامعات مغربية، ودخلت جامعة بغداد التصنيف العالمي للمرة الأولى رغم الظروف الصعبة التي مر بها العراق. كذلك تضمنت قوائم التصنيف لهذا العام تسع عشرة جامعات مصرية، وست جامعات جزائرية، إضافة إلى عدد آخر من الجامعات العربية، ولعل من المفيد استعراض مشهد التعليم العالي الدولي للتعرف على مواقع جامعاتنا عالمياً، ومتابعة تطور مواقع الجامعات العالمية على الساحة المحلية والدولية، والجهود التي تبذلها لتحسين مواقعها في ظل منافسة عالمية شديدة، وعسى أن يشكّل ذلك حافزاً لوضع إستراتيجيات وخطط عمل للنهوض بجامعاتنا العربية كي تأخذ الموقع الذي تستحقه ضمن هذا المشهد.

 

إفريقيا لها حصة كبيرة:

تصدرت جامعات جنوب إفريقية تصنيف الجامعات الإفريقية، وتصدّرت جامعة كيب تاون تسع جامعات جنوب إفريقية ظهرت ضمن التصنيف العالمي، واحتلت المرتبة 156 عالمياً، تليها جامعة ويتواترسراند المصنفة ضمن النطاق 201-250، وجامعة ستيلينبوش التي تقع في النطاق 301 ـ 350. والملفت للنظر أن مصر أصبح لديها 19 جامعة ضمن التصنيف العالمي للجامعات، وعلى رأسها الجامعة الأميركية بالقاهرة، وجامعات تدخل التصنيف لأول مرة هما جامعة بنها وجامعة بني سويف، إضافة إلى جامعتي كفر الشيخ والمنصورة، وكلّها يقع في المجال 601 – 800 من التصنيف. أما جامعة القاهرة فقد جاءت في النطاق 801 ـ 1000، وكذلك جامعة الإسكندرية.
وكان للجزائر ستة مواقع في التصنيف، لكن أياً منها لم يقع ضمن أفضل 800 جامعة. أما المغرب فلديها أربع جامعات، في حين حصلت جامعات كل من نيجيريا وتونس على ثلاثة مواقع لكل منها، في حين كان لكل من غانا وكينيا وتنزانيا وأوغندا مؤسسة واحدة لكل منها.

 

اليابان أول آسيا:

كان لجامعات اليابان النصيب الأكبر من الجامعات الآسيوية، وتجاوزت اليابان للمرة الأولى المملكة المتحدة كثاني أكثر دولة تمثيلاً في القائمة بعد سنوات من التراجع والركود، وتحسن ترتيب الجامعتين الرائدتين في اليابان تحسنا ملحوظا، فصعدت جامعة طوكيو أربعة مراكز لتحتل المركز 42 هذا العام متخطية بذلك عدداً من الجامعات المرموقة كجامعة الكندية، وجامعة ميونيخ التقنية في ألمانيا، وجامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا. ويعود سبب ارتفاع جامعة طوكيو في جدول التصنيف إلى التحسن الكبير في مجالي التدريس والبحث العلمي، وإلى علاقتها الوثيقة مع القطاع الصناعي. وفي الوقت نفسه، قفزت جامعة كيوتو تسعة مراكز لتحتل هذا العام المرتبة 65 عالميا.

واحتلت الصين المرتبة الرابعة في قائمة أكثر الدول تمثيلاً على مستوى العالم، حيث ضمت القائمة 72 جامعة صينية. واحتفظت سبع جامعات صينية بموقعها في قائمة النخبة أي ضمن أفضل مئتي جامعة. وحلّت جامعة تسينغهوا بأدائها المتميز محل جامعة بكين كأفضل جامعة صينية وتبوأت المرتبة 22 عالمياً، في حين تراجعت جامعة بكين إلى المرتبة 31. ويعود سبب التقدّم الكبير الذي شهدته جامعة تسينغهوا هذا العام إلى تحسن كبير في بيئة التدريس وزيادة كبيرة في إنتاج البحوث العلمية بما يتجاوز إنتاج جامعات أميركية عريقة كجامعتي برينستون وييل ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا .

 

مكاسب الجامعات الآسيوية:

ومع أن العديد من الجامعات الآسيوية حققت مكاسب مهمة هذا العام، إلا أن أغلبية الجامعات الهندية راوحت مكانها أو تراجعت، وهي تكافح في ظل تزايد المنافسة العالمية، إذ غابت الجامعات الهندية عن قائمة أفضل مئتي جامعة في العالم. وجاء المعهد الهندي للعلوم ضمن النطاق 251 ـ 300 في جداول التصنيف، وهذا أعلى تصنيف تحققه جامعة هندية ضمن قائمة هذه العام. أما سنغافورة وهي دولة لا تتجاوز مساحتها 721 كم2 فلديها جامعتان ضمن قائمة أفضل مائة جامعة في العالم، علماً أن جامعة سنغافورة الوطنية هبطت مرتبة واحدة لتصبح 23 عالمياً، على حين ارتفعت جامعة نانيانج التكنولوجية إلى المرتبة 51 عالمياً.

 

أوروبا:

صحيح أن جامعتي أكسفورد وكامبريدج تصدرتا جدول التصنيف العالمي لعام 2019 مرة أخرى، وأن 98 مؤسسة تعليمية بريطانية لها ترتيب في هذا الجدول، إلا أن المملكة المتحدة تراجعت إلى المرتبة الثالثة للدول صاحبة المؤسسات التعليمية الأكثر تمثيلاً، بعد أن تقدّمت عليها اليابان، لكنها حافظت على موقعها كثاني أكثر الدول تمثيلاً في قائمة أفضل 200 دولة على مستوى العالم، بعد الولايات المتحدة.

 

العلوم والآداب الفرنسية:

وفي فرنسا، كانت جامعة باريس للعلوم والآداب أول مؤسسة فرنسية تدخل في قائمة أفضل 50 جامعة في العالم منذ عام 2011. والجدير بالذكر أن هذه الجامعة تأسست عام 2010 نتيجة دمج 25 مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي والمؤسسات البحثية الواقعة في منطقة باريس. وقد حققت جامعة السوربون ثاني أفضل تصنيف للجامعات الفرنسية، حيث حلت في المركز الثالث والسبعين. والسوربون الحالية جامعة تأسست عام 2018 ونتجت عن اندماج جامعتي بيير وماري كوري وجامعة باريس ـ السوربون مع عدد من الجامعات الأصغر حجماً. أمّا ألمانيا فلا تزال الدولة الثالثة الأكثر تمثيلاً في قائمة أفضل 200 جامعة في العالم، وتضم 23 جامعة، ولديها 47 جامعة في الترتيب العام، بقيادة جامعة لودفيغ ماكسيميليان (ميونيخ) التي حققت المرتبة 32 عالمياً. وأمّا سويسرا، فقد منيت بخيبة أمل كبيرة جراء تراجع المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ من المركز العاشر إلى المركز الحادي عشر عالمياً! في حين قفزت جامعة زيوريخ  46درجة لتصل إلى المركز 90 عالمياً. ولدى سويسرا عشر جامعات في قائمة تايمز لأفضل الجامعات العالمية، يقع سبع منها في قائمة النخبة، وهي قائمة تضم أفضل 200 جامعة عالمياً.

 

روسيا تزيد حضورها:

زادت جمهورية روسيا الاتحادية من حضورها في قائمة هذا العام ـ مع وجود 35 جامعة ومؤسسة تعليم عال روسية ضمن الجداول، أي بزيادة 8 جامعات عن العام الماضي. واحتفظت جامعة لومونوسوف موسكو الحكومية، وهي الجامعة الرائدة في روسيا، بمكانتها البارزة ضمن أفضل مائتي جامعة في العالم، لكنها تراجعت خمسة مراكز عن ترتيب العام الماضي لتحتل المركز 199 عالمياً. واحتفظ معهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا بموقعه ضمن أفضل 300 جامعة عالمية وكثاني أفضل مؤسسة في البلاد. كما انضمت المدرسة العليا للاقتصاد إلى نطاق301 ـ 350 وكذلك استمرت الجامعة الوطنية للبحوث النووية في الارتفاع، لتصل إلى النطاق 351 ـ 400 بعد أن أدخلت تحسينات على محاور التعليم والتعلم، والبحوث العلمية، والتعاون الدولي.


أميركا اللاتينية:

استطاعت البرازيل أن تحقق أعلى حضور لها على الإطلاق، على الرغم من المنافسة الدولية المتنامية، إذ نجد 36 جامعة برازيلية في ترتيب هذا العام أي بزيادة مقدارها 32 جامعة عن تصنيف العام السابق، وعلى رأسها جامعة ساو باولو التي احتلت موقعاً لها ضمن النطاق 251 ـ 300. وللمكسيك 17 جامعة في الترتيب العالمي، أي بزيادة مقدارها 6 جامعات عن تصنيف العام السابق، ومع ذلك فإنها تواجه تحديات خطيرة بما في ذلك استنزاف المواهب ومحدودية التمويل العام. أمّا التشيلي فلديها 16 جامعة بزيادة ثلاث جامعات ؛ وهناك سبع جامعات كولومبية، وخمس جامعات أرجنتينية، والبيرو لديها جامعتان.

 

إيران حاضرة والعراق يدخل التصنيف العالمي:

إيران هي الدولة الأكثر تمثيلاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقية من حيث عدد الجامعات في تصنيف تايمز للتعليم العالي لعام 2019، فقد تضمنت قائمة التصنيف 29 جامعة إيرانية، على حين كان عدد الجامعات الإيرانية 18 جامعة في تصنيف العام الماضي. وعلى الرغم من أن مؤسستها التعليمية الرائدة، جامعة بوبول نوشيرفاني للتكنولوجيا، انزلقت من المرتبة 350 إلى المرتبة 400 عالميا في هذا العام، إلا أنها ما زالت تتصدر الجدول العالمي من حيث تأثير الاستشهادات البحثية وهذا يشير إلى أن هذه الجامعة، على الرغم من أنها ليست مؤسسة بحثية عالمية كبرى، قد أنتجت العديد من الأوراق البحثية التي يُستشهد بها بكثرة في البحوث العلمية هذا العام.

 

وأما العراق فقد دخل هذا العام جدول التصنيف لأول مرة منذ 15 عاماً، فقد صنفت جامعة بغداد ضمن أفضل ألف جامعة في العالم وجاءت في النطاق 801-1000، وكانت أهم نقاط القوة لديها تأثير الاستشهادات والتعاون البحثي الدولي.

 

الولايات المتحدة أكثر تمثيلاً:

وتبقى الولايات المتحدة الدولة الأكثر تمثيلاً في جدول تايمز لتصنيف الجامعات لعام 2019 حيث مُثلت بـ172 جامعة، مع أن أغلبية جامعاتها (130 جامعة) بقيت مكانها أو تراجعت في جدول الترتيب. صحيح أن ستين جامعة أميركية تقع ضمن مجموعة أفضل 200 جامعة في العالم، إلا أن عددها كان في العام الماضي 62 جامعة.

جاءت جامعة ستانفورد في المرتبة الثالثة من حيث الأداء بعد جامعتي أكسفورد وكامبريدج البريطانيتين، لكن معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، صاحب المركز الثالث في العام الماضي، والذي جاء على رأس قوائم التصنيف بين عامي 2012 و2016، فقد المزيد من النقاط هذا العام، وانخفض مرتبتين إضافيتين ليحتل المركز الخامس. وحققت جامعة هارفارد المرتبة السادسة في التصنيف العام، والمرتبة الثالثة في معيار البحث العلمي (بناء على معايير الحجم والدخل والسمعة)، وأتت خلف جامعة أكسفورد التي تتصدر هذا المعيار، وكذلك خلف جامعة كامبريدج.

ويرى إيلي بوثويل، محرر التصنيفات العالمية في ملحق التعليم العالي بجريدة التايمز، أن مكانة جامعات الولايات المتحدة يمكن وصفها بأنها في حالة «ركود»، أو في حالة «انخفاض تدريجي متواضع»، حيث يمكن أن تؤدي التخفيضات في تمويل التعليم العالي، والتشدد في سياسات الهجرة، والمنافسة العالمية المتزايدة إلى تآكل هذه المكانة أكثر.

 

كندا ونصيب وافر:

أما كندا، فلديها 27 مؤسسة تعليم عالٍ في قائمة 2019. وجاءت جامعة تورونتو مرة أخرى على رأس الجامعات الكندية. وصنفت جامعة مونتريال ضمن أفضل مئة جامعة عالميا لأول مرة منذ عام 2013، حيث ارتفعت 18 مرتبة لتبلع المركز 90، وانضمت ثلاث جامعات كندية أخرى لأفضل 200 جامعة هذا العام، وهي جامعة أوتاوا في المركز 176، والجامعة الغربية في المركز 190 وجامعة كالجاري في المركز 199. ويقول بوثويل إن كندا لديها فرصة فريدة في مشهد التعليم العالي العالمي، إذ أصبحت أكثر انفتاحاً على العالم مقارنة ببريطانيا والولايات المتحدة اللتين أصبحتا أكثر انغلاقا. ومن المرجح أن تؤدي المبادرات الحكومية الرامية إلى زيادة عدد الطلاب الأجانب وتقديم دعم إضافي لهم إلى تحسين قطاع التعليم العالي القوي بالفعل.

 

أستراليا:

هناك أدلة تشير إلى ركود الجامعات في أستراليا، حيث فقد العديد من الجامعات الأسترالية مكانته وسمعته، في مواجهة تخفيضات في التمويل والمنافسة العالمية المتزايدة. ومع ذلك فما زال هناك 35 مؤسسة تعليم عال أسترالية في تصنيف تايمز العالمي للجامعات، وتسع منها جاءت ضمن أفضل مئتي جامعة، وعلى رأسها جامعة ملبورن التي بقيت في المركز 32 عالميا. لكن تجد أستراليا صعوبة في الحفاظ على الجامعات ومراكز البحث ذات المستوى العالمي من خلال تخفيضات في التمويل. فلا بد للجامعات من استثمارات قوية كي تتفوق، فتجذب أفضل المواهب العالمية وتحافظ عليها.

 

التنافس في التعليم العالي:

يلاحظ من مشهد التعليم العالي العالمي مدى التنافس الكبير القائم بين مؤسسات التعليم العالي في العالم في سعيها لتحسين مكانتها ومرتبتها العلمية على مستوى العالم. وكي تحقق ذلك فهي تبذل الجهد وتضع الإستراتيجيات وخطط العمل للتطور في جميع المجالات، أي في بيئتها التعليمية، والبحث العلمي، والشراكات العلمية مع الصناعة وأرباب العمل، والظهور على المستوى العالمي، كذلك فهي تتنافس على استقطاب أفضل المواهب والكفاءات العلمية للعمل لديها أو للدراسة فيها وتضع في سبيل تحقيق ذلك أفضل المغريات.

 

الرجل العنكبوت يعود عبر Spider-Verse.. تعرف على أفضل وأسوأ أجزاء سلسلة Spider-Man لتدرك سر اختلاف الفيلم الجديد

عاد الرجل العنكبوت  إلى محبيه عبر فيلم الرسوم المتحركة، «Spider-Man: Into the Spider-Verse» الذي أعاد إحياء السلسلة الشهيرة، ودخل في منافسة قوية على لقب أفضل أفلام سلسلة Spider-Man برمتها.

الفيلم احتل المركز الأول في شباك التذاكر بالولايات المتحدة الأميركية خلال الأسبوع الأول من افتتاحه، مانحاً عشاق السلسلة تجربة فريدة من نوعها.

Spider-Verse يمثل محاولة ناجحة من شركة Sony  اليابانية (التي اشترت حقوق إنتاج شخصية Spider-Man منذ عدة سنوات) لتثبت وجودها في سوق أفلام الخارقين، وكذلك الرسوم المتحركة في الوقت ذاته.

النجاح الذي حققه الفيلم دفع صحيفة The Washington Post الأميركية لعرض قائمة لسلسلة أفلام Spider-Man  التي تضم سبعة أفلام، تم ترتيبها من الأفضل إلى الأسوأ، فهي قائمة تضم أفضل أفلام سلسلة Spider-Man وأسوئها معاً.

القائمة لم تُدرج فيلم «Venom» رغم تحقيقه الكثير من الإيرادات عند عرضه في الخارج والذي كان يستند إلى شخصية الشرير الأعظم على الإطلاق الذي انبثق من عالم الرجل العنكبوت.

والسبب في عدم إدراجه هو أن شخصية الرجل العنكبوت لم تكن موجودة في «Venom»، مما لا يؤهله للانضمام إلى تلك القائمة.

في المقابل فقد تم إدراج فيلم «Spider-Verse» رغم أنه فيلم رسوم مُتحركة، بينما بقية الأفلام الواردة في هذا التصنيف قام بأدائها ممثلون حقيقيون.

SPIDER-MAN: INTO THE SPIDER-VERSE - Official Trailer #2 (HD)

والسبب في ذلك أن الفيلم حقق نجاحاً باهراً، فهو يستحق أن يكون ضمن هذه القائمة – وليس فقط في أي مركز، بل أن يكون على رأس القائمة، ليحصل على لقب أفضل أفلام Spider-Man وفقاً لصحيفة The Washington Post.

تعرف على ترتيب أفضل أفلام سلسلة Spider-Man وأسوئها أيضاًَ

1- Spider-Verse-إنتاج (2018).. ليس هوية البطل فقط سبب تميزه

فيلم الرسوم المتحركة Spider-Man: Into the Spider-Verse  احتل المرتبة الأولى ليس لمجرد أن الفرصة قد أُتيحت لشخصية مايلز موراليس (أول Spider-Man من أصول إفريقية) ليقوم بدور البطولة في أحد أفلام السلسلة الشهيرة.

 

View image on TwitterView image on TwitterView image on TwitterView image on Twitter
Jacob Shao@doctorjakey

so cool that Into The Spider-Verse represents women, afro-latinos, asians, and cops !

525 people are talking about this

ولكن الواقع أن فيلم «Spider-Verse» أتاح الفرصة لشركة Sony لتعزيز علامتها التجارية من خلال إنتاج أحد كتب القصص المصورة الهزلية من العيار الثقيل التي تختلف عن بقية أفلام Spider-Man التي شارك فيها ممثلون حقيقيون.

علماً أن باقي الأفلام التي شارك فيها ممثلون حقيقيون؟ هي نتاج جهد مشترك بين Sony مع استوديوهات Marvel Studios للإنتاج السينمائي.

السبب في نجاح فيلم «Spider-Verse (الذي صدر في 14 ديسمبر/كانون الثاني 2018)، وتصدره القائمة التي تضم ترتيب أفلام Spider-Man من الأفضل إلى الأسوأ هو أنه قصته مفعمة بالعاطفة ومليئة بالإثارة، وظهر فيها أسلوب رسوم متحركة لم يسبق له مثيل، وتعبير حقيقي عن تعدد الثقافات.

Spider-Man 2 - The Train Battle Scene (6/10) | Movieclips

 

الفيلم يُمثل أيضاً فرصة لشركة Sony كي تحقق نجاحاً كبيراً -منفرداً- في عالم أفلام الأبطال الخارقين، دون أي قيود.

وعلى عكس الأفلام الأخرى المُدرجة ضمن هذه القائمة، يتمتع فيلم «Spider-Verse» بالقدرة ليس فقط على إنتاج أجزاء أخرى من نفس السلسلة، بل أيضاً إنتاج أفلام مقتبسة من بطولة شخصيات مشهورة في عالم Spider-Man والتي تتميز بنفس الإثارة مثل شخصية موراليس.

2- فيلم Spider-Man 2 – إنتاج (2004).. واحد من أعظم أفلام الخارقين

قد لا يستطيع فيلم «Spider-Man 2» الاحتفاظ بالصدارة لفترة طويلة في ظل إنتاج المزيد من الأفلام الواعدة من هذه السلسلة.

لكن في الوقت الراهن، لا يزال يعتبر أفضل فيلم تناول شخصية الرجل العنكبوت، حسب تقرير الصحيفة الأميركية.

ويستلهم الفيلم أحداثه من قصة “Spider-Man No More” التي وردت في العدد الـ 50 من مجموعة قصص “Amazing Spider-Man” المصورة التي نُشرت عام 1967.

وفي هذا الفيلم يؤدي الممثل توبي ماغواير شخصية بيتر باركر (الذي يتحول إلى Spider-Man).

ولكن باركر يصيبه الإحباط، ويقرر ألا يدع الرجل العنكبوت يكون عقبة في طريقه للوصول إلى الأشياء الأكثر أهمية بالنسبة له، وخاصةً حبه لماري جين واتسون.

ويكتشف هاري أوسبرن أن صديقه المقرب بيتر هو الرجل العنكبوت بصورة سرية، وبسبب قناعته بأن بيتر قتل والده، نورمان أوسبرن، الذي لعب دور الوحش الأخضر The Green Goblin، يسلك هاري نفس الطريق المظلم ليصبح الوحش الأخضر كما كان والده.

Spider-Man: Homecoming Trailer #1 (2017) | Movieclips Trailers

كما يقدم ألفريد مولينا أداءً مقنعاً في شخصية Doctor Octopus الشرير التقليدي في أفلام الرجل العنكبوت.

وساهمت موسيقى الملحن داني إلفمان، بمساعدة من النجم أليكس روس، فنان القصص المصورة والرسام التوضيحي في إضفاء صبغة رائعة على افتتاحية الفيلم.

كما أن القفز فوق ناطحات السحاب التي كان من الممتع مشاهدتها في نهاية الفيلم، يجعل هذا الفيلم واحداً من أعظم أفلام الأبطال الخارقين على الإطلاق.

على الرغم من أن فيلم “Spider-Man 2” يواجه الآن المزيد من المنافسة، لا يزال يعتبر واحداً من أفضل أفلام الأبطال الخارقين على الإطلاق.

3- Spider-Man: Homecoming – إنتاج (2017).. تقنيات حديثة تجعله يشبه Iron Man

في هذا الفيلم يعود الرجل العنكبوت إلى موطنه حيث ينتمي إلى: Marvel Studios.

الفيلم يبدو كبداية جديدة للرجل العنكبوت، على الرغم من كونه السادس في السلسلة.

Spider-Man Movie (2002) - Peter vs. Flash Scene (1/10) | Movieclips

ويظهر Spider-Man في هذا الفيلم أفضل من أي عمل سابق، مع بذلة مزودة بأجنحة إلكترونية، مختلطة مع بعض التقنيات العالية، المشابهة للرجل الحديدي (Iron Man).

فيلم  Spider-Man: Homecoming ينتشل «الرجل العنكبوت» من الظلال السوداء التي كانت سائدة في الأفلام السابقة، وتبين أنه من الممتع أن تكون Spidey.

 4- “Spider-Man”- إنتاج (2002).. مشهد تاريخي للرجل العنكبوت بين ناطحات سحاب نيويورك

كان هذا أول أفلام السلسلة وكان الفيلم الأول الذي حقق 100 مليون دولار خلال الأسبوع الأول من عرضه.

مثل هذا الفيلم، للمخرج سام ريمي الذي صدر في عام 2000 حدثاً مهماً في الثقافة الشعبية في الولايات المتحدة والعالم.

إذ يعد أول أفلام الأبطال الخارقين منذ فيلم “Batman” الذي صدر عام 1989 والذي يبدو وكأنه حدث عالمي في الثقافة الشعبية.

THE AMAZING SPIDER-MAN 2 - Official Trailer (HD)

ربما كان العيب الوحيد في هذا الفيلم هو بذلة الشبح الأخضر Green Goblin السخيفة.

فقد بدا ويليم دافو في الواقع أكثر تهديداً بدون البذلة أثناء خوضه للحرب مع توبي ماغواير الذي لعب شخصية الرجل العنكبوت.

وقد يكون مشهد القبلة الكلاسيكية التي تلقاها الرجل العنكبوت من ماري جين بينما كان معلقاً بالمقلوب هو أكثر اللحظات التي لا تنسى في هذا الفيلم.

كما تعطي المشاهد التي تأرجح فيها الرجل العنكبوت بين ناطحات السحاب في مدينة نيويورك، عند مشاهدتها لأول مرة، نفس الإحساس عندما تمكن كريستوفر ريف/سوبرمان من الطيران لأول مرة. على الرغم من أن “Spider-Man” يبدو قديماً بعض الشيء الآن في هذا العصر الجديد من أفلام الأبطال الخارقين، لكنه لا يزال إحدى الشخصيات الكلاسيكية التي لا يمكن تجاهلها.

5- The Amazing Spider-Man الجزء الثاني-إنتاج (2014).. أخيراً بيتر باركر يتفوق على العنكبوت

في هذا العمل، جسد أندرو غارفيلد شخصية Spider-Man ببراعة، لكن ربما يكون قد جسد شخصية بيتر باركر ببراعة أكثر.

إذ يكفي أن مظهره كان كما لو أنه مرسوم بواسطة رسام شخصية Spider-Man مارك باغلي.

نشاهد في الفيلم بذلة Spider-Man متقنة الصنع متأثرة بوضوح بالبذلات الموجودة في الكتب المصورة الصادرة في التسعينيات التي تشمل عيوناً كبيرة، والتي تعوض رداءة مظهر جميع الأشرار.

 

وفي الفيلم يبدو هاري أوزبورن (دان ديهان) جيداً باعتباره صديقاً قديماً لبيتر باركر ولكنه لا يؤدي دور شخصية Green Goblin اللاحقة بنفس البراعة.

The Amazing Spider-Man (2012) New Official Trailer | HD

أخذت شخصية Electro التي يجسدها جيمي فوكس طابعاً مهووساً.

أما شخصية Riddler التي يجسدها جيم كاري بدت وكأنها هزلية بشكل مبالغ فيه حتى بالنسبة لفيلم من نوعية الأبطال الخارقة، كما أن تقمص بول جياماتي لشخصية Rhino لا يستحق الذكر من الأساس.

كان تأثير Marvel واضحاً في هذه الفترة، وظهر في التناغم القوي بين غارفيلد وشخصية غوين ستايسي التي تجسدها إيما ستون ولكن لم يستطع هذا التناغم أن ينقذ السلسلة التي توقفت أفلامها بعد هذا الإصدار.

وقدم لنا هذا الفيلم مشهداً مُنفذاً ببراعة لوفاة شخصية ستايسي، وهي واحدة من أقوى اللحظات في تاريخ إصدارات Spider-Man، لكن ذلك لم يكن كافياً لاستمرار السلسلة.

6- The Amazing Spider-Man- إنتاج (2012).. فيلم صدر بسبب ضرورات غير فنية على الإطلاق

أن تصنع فيلماً لأن لديك فكرة رائعة هو أمر مفهوم، أما أن تصنع فيلماً لأنك لا تريد أن تخسر حقوق ملكية أحد الأبطال الخارقين الأكثر شعبية على الإطلاق فهذا شيءٌ آخر.

أدى تخلي رايمي وماغواير عن فيلم Spider-Man 4 (الذي لم يصدر أبداً)، إلى ظهور The Amazing Spider-Man (الجزء الأول)، وهو فيلم جيد قدمته Sony لأنها كانت تعتقد أنه يتوجب عليها إصدار هذا الفيلم وليس لأن المعجبين كانوا يرغبون فيه.

 

أظهر غارفيلد بعض الإمكانات العنكبوتية الجيدة، وتميزت هذه النسخة من الشخصية بلكنة سكان نيويورك وإطلاق المزحات والتمتع بحب الآخرين.

ولكن Spider-Man كان يرتدي بذلة عنكبوتية دون المستوى (أصبحت أفضل في الجزء الآخر من الفيلم).

وقدم إلينا هذا الفيلم ربما أقل شخصيات الرجل الشرير إثارة على الإطلاق، وهي Lizard التي جسدها ريس إيفانز.

7- فيلم Spider-Man الجزء الثالث – إنتاج (2007).. الكل لم يرغب بالمشاركة في هذا الفيلم

هذا أحد أفلام Spider-Man الذي كان يجب ألا يذكر اسمه حتى، حسب وصف الصحيفة الأميركية.

قدم رايمي شخصية الشرير، وترددت شائعات بأنه لم يرغب في المشاركة فيه من الأساس (تدور الحبكة حول Venom وبذلته الغريبة السوداء التي تسيطر على Spider-Man لبعض الوقت)، وكانت النتيجة فيلماً لن يرغب أحد في صناعة شيء مثله.

وببدو أنه من الطبيعي أن يتذيل قائمة أفضل أفلام سلسلة Spider-Man أو أن يصبح أسوئها بلا منازع.

عندما بدأ ماغواير بالرقص في الفيلم، أدركنا أن هذا لن يكون أحد أعظم أفلام السلسلة.

ثم ظهرت قصة حب بين بيتر وماري جين إلا أنها اختفت وسط الأحداث الدرامية.

Spider-man 3 (2007) - Trailer

 

ولعب دور Venom، الذي يعتبر ربما الأكثر حدة بين جميع الأشرار في السلسلة، أحد ممثلي مسلسل «That 70s Show«، وحتى العمة ماي كانت تبدو كما لو وأنها ندمت على المشاركة في فيلم كهذا.

لم يتمكن صناع الفيلم حتى من تقديم بذلة Spider-Man السوداء بشكل صحيح، فقد ألبسوه بذلة Spider-Man عادية مصبوغة باللون الأسود بدلاً من البدلة السوداء الكلاسيكية للشخصية.

كان أفضل ما في هذا الفيلم هو شخصية Sandman المثيرة للشفقة التي أداها توماس هادن تشرش.

أرض الذهب والماء.. لماذا يجوع السودان؟ – آدم المخزنجي

ذهب في باطن أرضه ومعادن، ماء ونيلين، وأرض خصبة بينهما، لكن رغم تلك الثروات يأكل ثنائي الفساد والعقوبات ثروة شعبه ويفقره، فكيف يجوع السودان؟

على ضفاف النيل في مدينة خرطوم الشمال، والمعروفة باسم “الخرطوم بحري”، الواقعة شمال العاصمة السودانية الخرطوم، يطل مبنى ضخم حديث مكون من ستة طوابق يُغلفه زجاج أزرق عاكس مع أرضيات رخامية فاخرة، ويبدو المبنى للوهلة الأولى أنه أحد مباني سلسلة فنادق عالمية، إلا أن المبنى الفائق الفخامة هو في حقيقة الأمر أحد المستشفيات الخاصة السودانية المنشأة حديثًا تحت اسم “يونيفرسال السودان”.

لم يكن ذلك المستشفى عاديًا في أي وقت أو يمتلكه مستثمرون عاديون في القطاع الطبي السوداني مثلًا، وإنما يديره أفراد متقاعدون في جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني، محتويًا على أحدث الأجهزة والمعدات الطبية. ورغم أن تجهيز إحدى المستشفيات بالأجهزة الطبية الحديثة في أي دولة يعد أمرًا اعتياديًا طالمًا توافرت الإمكانيات المادية، إلا أن هناك مكان واحد لم يُسمح له دوليًا بذلك ولو توافرت الموارد، لذا عُد تجهيز مستشفى بجميع الأجهزة الطبية الحديثة أمرًا مستغربًا حينما يكون مقامًا على أرض دولة كالسودان، خاصة في ظل عقوبات أمريكية سابقة حولت المستشفيات الحكومية، التي تبعد عدة كيلومترات عن يونيفرسال، إلى مساكن أشباح وأطلال لصعوبة الحصول على أجهزة طبية أو قطع غيار من أي نوع.

مستشفى “يونيفرسال السودان” (مواقع التواصل)

في خضم ذلك، أشارت وثيقة حصلت عليها وكالة بلومبيرج(1) -في أكتوبر/ تشرين الأول للعام الماضي 2017- من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، التابع لوزارة الخزانة الأميركية والمخول بمراقبة ومنح التراخيص للشركات الأجنبية التي تريد إجراء معاملات مع دولة تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات سارية مثل السودان قبل رفعها في التوقيت المذكور، أشارت إلى أن شركة “GE Health care” الأميركية -عملاق تصنيع المعدات الطبية- قدمت عرضًا في مارس/آذار عام 2016 لتوريد أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي وأجهزة تصوير مقطعي وغيرها من المعدات بقيمة 25 مليون دولار إلى مستشفى يونيفرسال، وحينما سُئلت الشركة عما إذا كانت على علم بصلة المستشفى بالنخبة الحاكمة السودانية، امتنعت عن التعليق. ولم تكن “GE” -ذات القيمة السوقية القريبة من 20 مليار دولار- هي الوحيدة، لنجد أن الوثائق قد كشفت أيضًا عن توقيع الشركة السويدية للمعدات الطبية “إلكتا” عقدًا لتوفير معدات العلاج الإشعاعي لقسم الأورام بـ “يونيفرسال”، إلا أنها أكدت في بريد إلكتروني على أنها لم تكن على دراية بارتباط المستشفى بجهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني.

تعطي الحادثة السابقة ملمحًا هامًا عما يدور في المشهد الاقتصادي السوداني منذ سنوات طويلة، وهو مشهد ذي طبيعة عربية أصيلة، حيث سيطرت عدد من دوائر النخبة الحاكمة،، على مقدرات الاقتصاد الذي خرج من تحت عقوبات دولية جثمت عليه منذ عام 1997، مستأثرة بكل ما يمكن أن يوضع في صورة استثمارات فائقة ومربحة مقابل اقتصاد منهار في أغلب قطاعاته الشعبية تحديدًا.

ورغم أن العقوبات قد تم رفعها نهاية العام السابق فقط، إلا أن آثار هذا المشهد لم تلبث أن تسببت بشكل شبه مباشر في اندلاع احتجاجات، ربما أتت متأخرة- في العديد من المدن السودانية، مثل الخرطوم وعطبرة والقضارف وأم درمان وشمال كردفان وغيرها، منذ أيام قليلة، وهي احتجاجات أتت ردًا على ارتفاع أسعار الخبز والوقود(2) ولم تتوقف حتى تلك اللحظة، ونتج عنها مقتل حوالي 10 أشخاص، حسب مصادر رسمية، بينما يأتي رقم 22 سودانيًا للآن حسب “الصادق المهدي” رئيس حزب الأمة المعارض، وعشرات الجرحى والمعتقلين، وأيضًا إحراق مقار عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة، من بينها مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وتعليق الدراسة في الجامعات والمدارس.

لطالما كان الاقتصاد السوداني، تحت وطأة عقوبات طالت لـ 20 عامًا ونخبة حاكمة استحوذت على أجزاء الاقتصاد القليلة الفاعلة وأرباحها، لطالما كان ذلك الاقتصاد أحد أضعف اقتصادات القارة أداءً تبعًا لظروف اقتصادية لا يمكن عزوها بطبيعة الحال للسودانيين أنفسهم، والبالغ تعدادهم نحو 40 مليون نسمة، لذا، كان متوقعًا للأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة أن تنتج طال الأمد أم قصر احتجاجات واسعة كتلك في ظل تردي أوضاع معيشية لا يتوقف، إلا أن نظرة على تفاصيل إدارة تلك النخبة للمشهد السوداني الاقتصادي ربما يكشف نقاطًا أهم يمكن أن ترسم مسار الاحتجاجات الحالية ومستقبلها.

ليست الغضبة الأولى

بموجب اتفاق السلام المُوقع عام 2005، فقد انفصلت ولاية السودان الجنوبية لتشكل جمهورية جنوب السودان عام 2011 مخلفة ورائها صدمات اقتصادية متعددة، كانت أكثرها وطأة خسائر ثلاثة أرباع عائدات النفط التي كانت تمثل أكثر من نصف إيرادات الحكومة السودانية و95% من صادراتها، ليهبط معدل النمو الاقتصادي بشكل كبير، ويرتفع التضخم لمستوى الرقمين، مع ارتفاع مضطرد في أسعار الوقود، ليؤدي كل ذلك المزيج إلى اندلاع احتجاجات عنيفة عام 2013 قابلها قوات أمنية سودانية بحملات قمع وقتل وسجن للمحتجين، وهو مشهد لا تختلف بداياته عن الحادث الآن كثيرًا. ورغم أن انفصال الجنوب، وما صاحبه من نزع لآبار النفط المتخمة وفشل خطط تقاسم الأرباح التي اتفق عليها الطرفان نظير السماح بمرور النفط الجنوبي في خطوط النقل الواقعة في الشمال بسبب اندلاع الحرب الأهلية جنوبًا، رغم أن ذلك كله يبدو على ظاهره السبب الرئيس في التدهور الاقتصادي الذي تلى عملية الانفصال وحتى الآن، إلا أن أحد أسباب التدهور الرئيسة ربما في حقيقته ربما يختلف عن تلك الصورة المباشرة.

بالتزامن مع اتفاق السلام الشامل عام 2005، وحتى تقرير المصير بانفصال جنوب السودان بعدها بـ ست سنوات، كانت تلك الفترة ممثلة لذروة الإنتاج النفطي السوداني مع تدفقات نقدية دولارية قدرت بالمليارات، وتمكنت تلك الطفرة النفطية بالفعل من تحفيز متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 7.9% بين عامي 2004 و2008، مما سمح بتغطية ثغرة كبيرة في ذلك النمو، وعن غياب تلك الطفرة عقب الانفصال الفعلي، تُرك الاقتصاد السوداني عاريًا لتظهر حقيقة الهشاشة والضعف الاقتصادي على إثر فخ ما يسميه الاقتصاديين بـ “المرض الهولندي Dutch Disease“، حيث أدت التدفقات الدولارية الضخمة في فترة الطفرة إلى ارتفاع قيمة العملة السودانية أمام الدولار، وبالتالي ارتفاع تكاليف الصادرات السودانية غير النفطية ومن ثم عدم قدرتها على المنافسة العالمية مع ارتفاع قيمة الواردات، مما أدى إلى تدهور الصناعات المحلية غير النفطية نتيجة لعدم قدرتها على المنافسة، ليصبح اعتماد الاقتصاد الرئيس على عائدات النفط فقط بلا أي بديل.

كان من المتوقع أن تبدأ الحكومة في خطة تنويع الاقتصاد عقب اتفاق عام 2005 والاستجابة للتوصيات القادمة من المؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي بضرورة إجراء ذلك التنويع، واستغلال الوفورات الدولارية المتدفقة في بناء قاعدة إنتاجية قوية، من خلال تطوير الصناعات التحويلية وتنمية القطاع الزراعي والحيواني والإنفاق على التنمية الاجتماعية والبشرية، ليسهل بعد ذلك عملية فطم الاقتصاد عن النفط، والاعتماد على تدفقات نقدية غير نفطية، إلا أن ما حدث وحتى الانفصال كان خلاف كل ذلك.

   إذن كان ذلك السبب الرئيس لاشتعال شرارة الأزمة الاقتصادية المستمرة، حيث اكتفت النخبة السودانية الحاكمة بعائدات النفط مع إهمال كبير للصناعات التحويلية والزراعية، لتجد نفسها بعد جفاف مصدر تلك العائدات؛ بصدد اقتصاد مهترئ لا يقوى على مواجهة التحديات الناجمة عن الانفصال، على الرغم من علم تلك النخبة باحتمالية الانفصال الكبيرة قبل حدوثه بـ 6 سنوات عند توقيع اتفاق السلام، ولم تفاجأ به على الأرجح في يناير/كانون الثاني لعام الربيع العربي حينما صوت الجنوبيون على الانفصال باكتساح.

ونتيجة للإهمال الحكومي على مدار سنوات الطفرة في بناء قاعدة إنتاجية قوية، ظهرت مشكلة أخرى ضاغطة لاسيما في العامين الماضيين وهي عجز الميزان التجاري نتيجة ارتفاع معدل الواردات بما في ذلك السلع الغذائية، رغم امتلاك البلد الإفريقي الغني طبيعيًا لـ 50 مليون فدان صالحة للزراعة يشقها أطول أنهار العالم، وجاء ذلك الارتفاع مقابل انخفاض الصادرات، إذ تشير بيانات صندوق النقد الدولي -الواردة في تقرير المفوضية الأوروبية لوضع التجارة مع السودان- إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري السوداني إلى 3.7 مليار دولار خلال العام الماضي 2017(6)، ليضغط ذلك العجز على الاحتياطي الدولاري الشحيح بطبيعة الحال بعد انتهاء عصر النفط، وليؤدي لمرحلة الانهيار الحتمية.

الانهيار

مع اقتصاد جائع للعملة الصعبة، وصعوبة تمويل الواردات لاسيما الأساسية منها، وجد نظام البشير نفسه أمام مسارين اثنين: فإما الاقتراض بشراهة وبلا توقف، أو تخفيض قيمة العملة، وكان أيًا من المسارين كفيلًا بتركيع أي اقتصاد ناشئ، إلا أن البنك المركزي السوداني، والذي لا يمتلك أي بدائل بطبيعة الحال، قرر اتخاذ المسارين معًا، فقام باقتراض 200 مليون دولار من ثلاثة بنوك من أجل تمويل استيراد المنتجات البترولية والقمح والأدوية(7)، وفي أوائل أكتوبر/تشرين الأول المنصرم قرر للمرة الثالثة في بضعة أشهر خفض قيمة الجنيه السوداني المتداول في البنوك التجارية بنسبة 60%، لينخفض رسميًا من 29 إلى 47.5 جنيه لكل دولار(8)، مع استمرار فرض القيود على سحب السيولة، ووسط هجوم ضارٍ من قبل السوق السوداء على قيمة الجنيه مع نمو حجم تلك السوق، وهو نمو فاق المألوف حتى أن الحكومة السودانية نفسها صارت ضمن عملاء السوق السوداء.

يمكن لسعر الدولار الأميركي أن يوضح مدى تسارع عجلة الاقتصاد السوداني المنهار، فقبل بضع سنوات فقط، ورغم وطأة العقوبات الأميركية المتواصلة وقتها، كان الدولار مساويًا لما قيمته أقل من أربعة جنيهات سودانية، وهو سعر صرف تدهور بشدة ليبلغ الآن “رسميًا” 47.5 جنيه لكل دولار، بينما تخطى في السوق السوداء أكثر من 63 جنيه لكل دولار، وسط أزمة ندرة غير مسبوقة في حجم السيولة النقدية وخلو أجهزة الصراف الآلي من الأموال، حتى أصبح مشهد الصفوف الطويلة أمام البنوك التجارية مألوفًا في أنحاء الخرطوم خلال الأسابيع الماضية.

دفعت تلك الأزمة البنك المركزي لبدء طباعة عملة فئة 100 جنيه، للمرة الأولى، بعد أن نهش التضخم القوة الشرائية للعملة فئة الـ 50 جنيهًا، ليرتفع التضخم لأكثر من 68%، وهو أعلى معدل تضخم في السودان منذ عقدين ومن أعلى المعدلات العالمية(3). ورفقة ذلك، ورغم المعدل القياسي؛ لم ترتفع الرواتب بوتيرة مناسبة وموازية تقلل من تأثير ذلك الارتفاع، ما أدى لانتشار غضب وعدم رضا شعبي بين السودانيين الذين يعانون من نقص في الدواء والغذاء في دولة لطالما عرفت قديمًا بأنها إحدى سلال غذاء العالم، حتى اضطرت العديد من الأسر الفقيرة لإلغاء وجبات كاملة يومية ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، ثم تطور الأمر بالبعض للجوء للعنف لتوفير الغذاء، قبل أن تنفجر الأوضاع كما هي عليه الآن.

في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي أصدر الجهاز المركزي السوداني للإحصاء نتائج مسحه للفقر بين عامي 2014-2015، لتخرج النتيجة بأن معدلات الفقر في البلاد قد وصلت لـ 36%، ولأن الأمور بطبيعة الحال ساءت كثيرًا منذ ذلك الوقت، فقد أشار مؤشر الفقر العالمي متعدد الأبعاد MPI للعام الحالي 2018(4)، وهو مؤشر يقيس الفقر الحاد من خلال 10 مؤشرات فرعية ويصدر بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، أشار إلى استحواذ السودان على النسبة الأكبر من فقراء الدول العربية، موضحًا أن مجموع الفقراء في تلك الدول باختلاف مستوى الفقر يصل لحوالي 66 مليون فقير، تستحوذ السودان على قرابة ثلثهم أو نحو 20 مليونًا تقريبًا، ويعني ذلك بشكل أوضح أن نحو نصف سكان السودان فقراء باختلاف مستويات الفقر، وأن نسبة الفقر السودانية قد قفزت من 36% لـ 50% من التعداد السكاني على أقل تقدير.

علاوة على فقر نصف سكانها، لا تزال السودان دولة مثقلة بديون خارجية هائلة، وتبلغ ديون السودان الخارجية 56 مليار دولار منها 85% متأخرات، ومع تأخرها عن السداد فقد تراكمت عليها متأخرات كبيرة حتى تم إدراجها تحت قائمة “عدم الاستحقاق non-accrual status” لدى مجموعة البنك الدولي WBG منذ عام 1994، ما يعني عدم قدرتها على الاقتراض من مؤسسات البنك الدولي كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير والرابطة الدولية للتنمية، لذا يلجأ البنك الدولي في سبيل تمويل برنامج “الحد من الفقر المدقع” داخل السودان إلى الصناديق الاستئمانية لتنمية القدرات، والشراكات المختلفة، وميزانية البنك الدولي نفسها(5).

انتظار جودو

«عندما تبدأ بالاستثمار في بلد كهذا، فإنه أمر صعب، هذا هو الوضع الذي يمكنك أن تخسر فيه الكثير من الأموال»

“ماريا ستراتونوفا”، مديرة مشروع في مجموعة “الدويش”، ومقرها لندن، تقوم بتطوير وتشغيل مشاريع الطاقة ونقلها وتوزيعها في إفريقيا – متحدثة عن الاستثمار في السودان

رغم كل ما سبق، كان بإمكان النظام السوداني الخروج من تلك المعضلة عن طريق أحد أهم مصادر التدفق النقدي الأخرى وهي “الاستثمار الأجنبي المباشر”، وهو مصدر يمكنه صب الدولارات التي يحتاجها الاقتصاد السوداني، وعقب رفع العقوبات الأميركية منذ عام وينيف، قام وزير الدولة السابق للاستثمار “أسامة فيصل” بجولات دولية كبيرة من ألمانيا إلى البحرين لجذب اهتمام المستثمرين، مستهدفًا 10 مليارات دولار استثمارات أجنبية مباشرة سنويًا، وعارضًا الفرص الاستثمارية الواعدة في قطاعات الزراعة والطاقة والتعدين(9)، وبغض النظر عن حجم الرقم الذي استهدفه الوزير وقتها، إلا أن الأمر لم يكن بتلك البساطة، فأثناء توقف “فيصل” في لندن أثناء جولته الترويجية للاستثمار، أصر المستثمرون الذين أظهروا بعض الاهتمام على أنهم سيطلبون ضمانات حكومية ليكونوا قادرين على إعادة الأموال إلى بلدانهم بحرية، لذا كان على “فيصل” العودة مباشرة للسودان لنقل رسالة مختصرة لرأس النظام مفادها: إصلاح بيئة الأعمال أولًا قبل التعويل على مجرد الزيارات الخارجية، وهو درس ربما لم تتعلمه النخب الحاكمة السودانية حتى الآن.

تقبع السودان في أحد أسوأ مراكز ممارسة أنشطة الأعمال على المستويين الإفريقي والعالمي، لذا لم يكن مستغربًا انحسار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العامين الماضيين بشدة. ويتضح ذلك بالنظر إلى وضع السودان في أحد أهم بوصلات المستثمرين “تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2018” والصادر عن البنك الدولي، وهو تقرير يقيس 11 إجراءً من الإجراءات الحكومية في حياة الشركات لتحديد مدى سهولة ممارسة الأعمال، لنجد أن السودان تقبع في المرتبة 170 من أصل 190 دولة حول العالم في مدى ملائمة بيئة العمل للاستثمار، أي أنها تبتعد عن القاع بـ 19 مركز فقط(10)، وتتأخر عنها فقط مجموعة من أفقر الدول على سطح الأرض.

بمزيد من التدقيق في التقرير يتبين أن دعوات النظام السوداني وحكومته لجذب الاستثمار الأجنبي إلى السودان منذ العام الماضي، لا تخرج على الأرجح عن كونها أصوات دعائية فقط. فعند مطالعة الإصلاحات التي تم تنفيذها لتسهيل القيام بالأعمال التجارية العام الماضي، يفاجئنا التقرير بقيام السودان بتنفيذ إجراءين اثنين جعلا ممارسة الأعمال أكثر صعوبة، أحدهما في جانب بدء النشاط التجاري، حيث جعلت زيادة تكلفة “ختم الشركة” بدء الأعمال أكثر صعوبة بمراحل، وآخر في جانب حماية المستثمرين الأقليات، عن طريق السماح بمقاضاة المديرين في حالة المعاملات الضارة، وتناقص حقوق ودور المساهمين في القرارات الرئيسة للشركات وتقويض هياكل الملكية والتحكم، مقابل صفر إصلاحات لتسهيل الأعمال بشكل فعال على الأراضي السودانية.

لم يتوقف الأمر عند الاستثمارات الخاصة، وإنما طال الاتفاقيات الاستثمارية التي تجري على مستوى الرؤساء، ففي ديسمبر/كانون الأول للعام الماضي أيضًا قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة للسودان، وهي أول زيارة لرئيس تركي، حيث تم التوقيع على 12 اتفاقية ثنائية بين الرئيسين التركي والبشير، اتفاقيات تغطي القطاعات الزراعية والاقتصادية والعسكرية والأمنية(11)، إلا أنه وبعد مرور ستة أشهر على توقيع تلك الاتفاقيات، بدا أن مصيرها الفشل حينما أدانت أنقرة العقبات البيروقراطية لدى السودان والتي تقف حائلًا كبيرًا دون تنفيذ تلك الاتفاقيات، وفقًا لموقع “أفريكا إنتلجنس”(12)، ما دفع الحكومة بعدها للقول بأنها تعتزم مراجعة وإصلاح منظومة الاستثمار الأجنبي لإدخال العملة الأجنبية.(13)

إذن، بدا وكأن انتظار استثمارات أجنبية فعالة ومنتظمة على الأراضي السودانية الواعدة طبيعيًا هو بمثابة انتظار لجودو في ظل بيروقراطية وعوائق نظام البشير ونخبته، وهي بيروقراطية تبدو أشبه بسلاح أعمى لا يفرق بين عدو وحليف، ويقف حاجزًا أمام الجميع تقريبًا، لكن البيروقراطية والعوائق الإدارية والفقر التخطيطي لم يكونوا أبدًا هم العدو الأول، وإنما يحتل المرتبة الأولى دومًا عدو من نوع تقليدي ومألوف في كامل الرقعة العربية بلا استثناء.

تنين الفساد السوداني

في إبريل/نيسان للعام الحالي شن “البشير” -من خلال العديد من الخطابات “النارية”- ما أطلق عليه «حرب ضد الفساد» لإنعاش الاقتصاد المتعثر، ومع تقليدية الشعار العربي الرسمي الأزلي، كان متوقعًا وبديهيًا أن يكون ذراعه في تلك المعركة هو جهازه الأكثر قربًا ووفاءً “جهاز الأمن والمخابرات الوطني”. حينها، اتهم النظام السوداني -ومازال- تجار العملات الأجنبية والمصرفيين والمهربين تحديدًا بأنهم أضروا بالاقتصاد(14)، وبالتزامن مع ذلك تم اعتقال نحو 16 من رجال الأعمال الكبار وثلاثة ضباط أمن ومصرفيين كبار أيضًا.

تحتل السودان المرتبة الثالثة في إفريقيا في إنتاج الذهب بعد جنوب إفريقيا وغانا، وهو المورد الذي تعتمد عليه الحكومة في سد عجز النقد الأجنبي قدر الاستطاعة، غير أن الحدود السودانية شبه المثقوبة أمنيًا، علاوة على سياسات المركزي السوداني الخاطئة، قد ساعدا على ازدهار عمليات تهريب الذهب بكميات ضخمة، فقد بلغ الإنتاج السوداني خلال النصف الأول من العام الحالي 63.3 طن ذهب، بينما بلغ المفقود منه حوالي 48.8 طنًا وفقًا لتقرير وزارة المعادن السودانية(15)، بنسبة تتجاوز الـ 77% من الناتج المحلي.

ورغم ثراء البلاد بالمعدن النفيس، فإن المركزي السوداني لا يزال يصر على شراء الذهب وفق سعر الدولار الرسمي غير الحقيقي تبعًا لوضع السوق، ومن ثم يفضل المنتجون تهريبه للخارج للاستفادة من سعر الدولار المرتفع وارتفاع الطلب الخارجي، مما يؤدي دومًا لحرمان الخزانة العامة السودانية من مئات الملايين من الدولارات.

بجانب الذهب، تبع البشير حملته بإنشاء محكمة مختصة بقضايا الفساد لأول مرة في البلاد، إلا أنه من غير الواضح ما إن كانت المحكمة على استعداد للتحقيق في قضايا تخص النخبة الحاكمة، وربما رأس الدولة نفسه إن لزم الأمر، إذ تشير وثائق سرية نشرها موقع ويكيليكس -في ديسمبر/كانون الأول عام 2010(16)– حول محادثات تمت بين “لويس أوكامبو”، المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، والسفيرة الأميركية للأمم المتحدة وقتها “سوزان رايس”، والسفير الأمريكي “أليخاندرو ووالف” في مارس/آذار عام 2009، أي بعد وقت قصير من صدور مذكرة توقيف دولية بحق البشير تتهمه بارتكاب «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية»، أشارت إلى «استيلاء رجال في السلطة على تسعة مليارات دولار من أموال النفط السودانية وإيداعها في بنوك لندن».

لكنه وبغض النظر عن صحة تلك المزاعم، فإن السودان، ووفقًا لتقرير الفساد الصادر عن شركة “غان” للأبحاث، تعتبر واحدة من أكثر الدول «فسادًا» في العالم، ومن المعروف أن الموظفين العموميين يطالبون برشى لتقديم الخدمات التي يحق للأفراد والشركات الحصول عليها قانونًا بشكل مجاني، ويملك المسؤولون الحكوميون حصصًا مباشرة وغير مباشرة في العديد من الشركات، وكثيرًا ما يشاركون أيضًا في ممارسات فاسدة دون عقاب(17). ويؤكد مؤشر مدركات الفساد للعام الماضي 2017، والذي يقيس مستويات الفساد في القطاع العام، تلك الحقيقة، حيث تجلس السودان في قاع التصنيف تقريبًا لتحتل المرتبة 175 من أصل 180 دولة حول العالم(18).

إذن ومن هنا فقط يمكننا تفسير كيف تمكنت مستشفى “يونيفرسال” التابعة للأجهزة الأمنية السودانية من الحصول على أحدث الأجهزة الطبية بخلاف المستشفيات الحكومية الفارغة. وبالبحث قليلًا يتضح أن المستشفيات التابعة للنخبة الحاكمة في السودان هي التي تتمكن من التزود بالمعدات الحديثة والأدوية ومن ثم تقديم الخدمات الطبية بتكاليف باهظة.

يعد القطاع الطبي واحدًا من القطاعات التي تهيمن عليها النخبة الحاكمة من خلال العديد من المستشفيات الخاصة المنتشرة في العاصمة الخرطوم، والتي يملكها أفراد من الجيش والشرطة والأمن القومي وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، مستفيدين من نقص الخدمات الصحية وعجز المستشفيات الحكومية عن التزود بالمعدات إما لنقص الأموال أو لصعوبات استيراد الأجهزة بسبب العقوبات المرفوعة حديثًا، ومن ثم تحقيق أرباح خيالية على مر السنوات السابقة وترسيخ سيطرتها على القطاع.

يأتي مستشفى الزيتونة التخصصي كأحد أوضح الأمثلة على ذلك، وهو مستشفى مجهز بأحدث المعدات اليابانية والسويسرية في الخرطوم، ويملكه وزير الصحة مأمون حميدة، حيث تتعاقد الزيتونة مع المستشفيات الحكومية العامة القريبة المفتقرة إلى الأجهزة المطلوبة من أجل تقديم الخدمات التشخيصية بمقابل، ومن ثم وعلى ما يبدو فإن وزير الصحة قد يستفيد بشكل شبه مباشر من تدهور الأوضاع الصحية العامة في السودان.

ويبدو أن صناعة تلك الحالة يعود بالأساس إلى العقوبات الأميركية التي استمرت لعقدين وحتى نهاية العام الماضي، فبعد سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية سُمح للسودان بالانضمام إلى دائرة الاقتصاد العالمي حينما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أنها ستنهي العقوبات الأميركية، وهي عقوبات كان يفترض بها رسميًا أن تنجح في معاقبة وعزل النخبة الحاكمة التي كانت مسؤولة عن «انتهاكات حقوق الإنسان» بحسب الاتهامات الدولية، إلا أن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.

لم تكن منظومة العقوبات الأميركية على السودان على الأرجح بدعًا من العقوبات الأميركية المفروضة على البلدان الأخرى فيما يتعلق بإخفاقها في تهميش وعزل من هم في السلطة بالفعل، وإنما على العكس فإنها تساهم في ترسيخ أنظمتهم الأمنية مقابل التسبب في مصاعب اقتصادية هائلة للشعوب، ولم يكن السودانيين استثناءً من ذلك، فقد استهدفت العقوبات العديد من المؤسسات والوكالات الحكومية التي تقدم خدمات عامة أساسية للمواطنين مثل مؤسسة السكك الحديدية، والمؤسسة الوطنية للكهرباء، وشركة قطن السودان وغيرها، وأدى ذلك إلى لجوء أعضاء الحزب الحاكم والجهاز الأمني السودانيين لتأسيس شركات خاصة للمناورة والالتفاف حول العقوبات.

وباعتبارهم النخبة الحاكمة، فقد امتلكت تلك الشركات أفضلية مطلقة في الوصول للدولار الشحيح مع إعفاءات ضريبية ضخمة، فضلًا عن الحصول على عقود حكومية حصرية ومستمرة لتنفيذ مشروعات أو تقديم خدمات منها وإليها، ومن ثم تسببت تلك المنظومة في خنق الشركات المتوسطة والصغيرة التي تكافح للاستمرار وسط ذلك النفوذ الأمني، لينتهي الأمر إلى نتيجة حتمية: اتساع الفوارق في الدخول وسقوط المزيد من السودانيين في دائرة الفقر.

في نهاية المطاف، رسخت دوائر النفوذ المنتفعة سيطرتها الكاملة على كل منافذ الاقتصاد السوداني القليلة تاركين الفتات -والذي تحول للاشيء تقريبًا- للسودانيين أنفسهم، وفي ظل موجة الاحتجاجات الجديدة، والأعنف منذ فترة، والمطالبة بتغيير جذري، فإن تجارب سابقة ربما ينبغي أن توضع في الحسبان حين النظر لذلك الحراك، حيث نجا أرباب الفساد من احتجاجات شبيهة على مر الأعوام، إلا أن المؤكد في الأمر، وبغض النظر عن انتهاء ما يحدث بتغييرات شاملة أو محدودة، فإن الاقتصاد السوداني بعقوبات أو بدونها قد أصبح يحتاج بالضرورة لما يشبه قبلة حياة عاجلة، وإصلاحات طويلة الأجل وفاعلة تحاول إنقاذ سودان ما بعد الانفصال من سقوط في هوة تردٍ معيشي عميقة مازال مستمرًا بلا نهاية.

بالفيديو .. مجلس النواب الأمريكي: مصر لم تبني حائطا لمنع المسيح من اللجوء – حاتم الجمسي – نيويورك

مجلس النواب الأمريكي: 
* مصر لم تبني حائطا لمنع المسيح من اللجوء.
 
* لو كان ترامب موجودا لكان المسيح قد هلك.
 
* وزيرة الأمن الوطني: كنا سنمنح المسيح اللجوء.
حاتم الجمسي:
 نيويورك
December 22, 2018
في جلسة استماع الجنة القضائية التابعة لمجلس النواب الأمريكي أول أمس الخميس لمناقشة شؤون الهجرة وأمن الحدود، قال النائب لويس جوتيريز وهو ديمقراطي عن ولاية ألينوي لوزيرة الأمن الوطني كيرستين نيلسن أن السيد/ يسوع المسيح سوف يكون قد هلك إذا كانت سياسات الرئيس دونالد ترامب الحدودية قائمة في ذلك الوقت عندما إضطرت العائلة المقدسة إلى الفرار بسبب أمر الملك هيرودس بإعدام الأطفال الذكور بعمر سنتين أو أقل.
وفي معرض مناقشته لفصل الأطفال عن عائلاتهم على الحدود الأمريكية الجنوبية، قال جوتيريز: “إنه أمر بغيض بالنسبة لي ويدهشني أنه خلال عيد الميلاد … وقت نحتفل فيه بميلاد يسوع المسيح – يسوع المسيح الذي اضطر إلى الفرار بحياته مع مريم ويوسف. . الحمد لله لم يكن هناك جدار يمنعه من البحث عن ملجأ في مصر. الحمد لله أن الجدار لم يكن موجودًا. والحمد لله ، لم تكن هناك إدارة كهذه وإلا لكان السيد/ المسيح سيهلك في الثامن والعشرين من ديسمبر ، في “يوم البراءة” عندما أمر هيرودس بقتل كل طفل عمره عامين أو أقل.”
ثم استخدم النائب/ لويس جومرت الجمهوري عن ولاية تكساس وقته لإنتقاد زميله الديمقراطي وإستخدامه الكتاب المقدس في النقاش ثم وجه سؤاله الى السيدة/ نيلسن وزيرة الأمن الوطنى قائلا :
” إذا كانت السيدة/ مريم العذراء ويوسف النجار والطفل يسوع المسيح يحاولون المجيء إلى الولايات المتحدة في ظل الوضع القائم آنذاك وكان الملك هيرودس يحاول قتل الاطفال الذكور دون الثانية من العمر، ألن يكونوا مؤهلين للحصول على اللجوء في الولايات المتحدة؟”
فأجابت السيدة/ نيلسن قائلة: نعم سوف يحق لهم اللجوء.

Homeland Security Testifies 12/22/18

الجدير بالذكر أن النقاش قد إحتدم في مجلس النواب الامريكي في الأيام القليلة الماضية بسبب إصرار الرئيس ترامب على موافقة الكونجرس على تخصيص مبلغ لا يقل عن 5 مليارات دولار لبناء حائط على الحدود الجنوبية لمنع الهجرة غير الشرعية للبلاد وهو أمر يعارضه النواب الديمقراطيين بشدة.
يحاول النواب الجمهوريين تمرير الموافقة على المخصصات المالية الآن وهم يحظون بالأغلبية وقبل إنعقاد الكونجرس الجديد في الثالث من يناير القادم ودخول الاعضاء الجدد حيث تصبح الغالبية في يد الديمقراطيين، وقد هدد الرئيس ترامب بأنه لن يقوم بالتوقيع على أى قانون يقوم الكونجرس بسنه إذا لم يتم الموافقة على المخصصات المالية اللازمة لبناء الحائط الذي يريده ترامب على الحدود الجنوبية.
توقيع الرئيس الأمريكي ضرورة حتى يصبح أى قانون أو قرار يشرعه الكونجرس فاعلا ويدخل حيز التنفيذ.
حاتم الجمسي,
 نيويورك

السيسي يعين رئيسا جديدا لجهاز المخابرات الحربية

روسيا اليوم

أفاد مصدر لـ RT بأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عين اللواء أركان حرب خالد مجاور، رئيسا لجهاز المخابرات الحربية خلفا للواء محمد الشحات.

وشغل اللواء مجاور، منصب قائد الجيش المصري الثاني الميداني والملحق العسكري لمصر في واشنطن سابقا.

وعين اللواء محمد فرج الشحات مديرا للمخابرات الحربية، في أبريل 2015، وتدرج في المناصب القيادية في القوات المسلحة المصرية، كما عمل ملحقا عسكريا في السعودية.

بالفيديو.. الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في الأمم المتحدة

اقيم في الأمم المتحدة احتفالات باليوم العالمي للغة العربية ساهمت بإحيائه البعثات العربية الدائمة في المنظمة الأممية، وقام بتنظيمه النادي العربي وبرنامج تعليم اللغة العربية في الأمم المتحدة.

وقال السفير محمد ادريس، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، ان اللغة العربية هي لغتنا الجميلة، وهي هويتنا وتاريخنا وتراثنا.

وأضاف إدريس، على هامش مشاركته في الاحتفالية، “نحن في هذا المحفل الأممي المتعدد التراث واللغات والأبعاد سنكون حريصين على ان نؤكد على اللغة العربية وقيمتها واستخدامها وجمالياتها”.

وشمل الاحتفال معرض ثقافي ومنصة للخط العربي إلى جانب حفل موسيقي حضره مندوبون عن البعثات العربية وموطفو وزوار الأمم المتحدة.

كما نظمت فقرات للقراءات الشعرية قدمها بعضا من الموظفين وطلاب اللغة العربية.

كما تم عرض فيلم عربي في نهاية اليوم عن كوكب الشرق أم كلثوم.

الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في الأمم المتحدة

لقاء السيد/ إبراهيم ثياو المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتجمع دول الساحل في إفريقيا – حاتم الجمسي

December 20, 2018

دول الساحل في إفريقيا:

* الامم المتحده تدعم دول الساحل الافريقية.

* دول المنطقة تنفق 20% من الميزانية السنوية لمواجهة التحديات الأمنية.

* الأرهاب والجريمة المنظمة وتهريب السلاح مخاطر تعيق التنمية.

* القاعدة وتنظيم المرابطين وبوكوحرام أخطر المنظمات الإرهابية في المنطقة.

* المنطقة تتمتع بإمكانيات اقتصادية كبيرة.

 

 تقرير:حاتم الجمسي,

 

 الأمم المتحدة, نيويورك

سعدت اليوم بلقاء السيد/ إبراهيم ثياو المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتجمع دول الساحل في إفريقيا.

منطقة الساحل في إفريقيا أو دول الساحل هو اسم يطلق على شريط بعرض 1000 كيلومتر وبطول 5400 كيلومتر ويمتد هذا الشريط من البحر الاحمر شرقا في السودان حتى المحيط الأطلنطي غربا في موريتانيا. يحد هذا الشريط شمالا الصحراء الكبرى وجنوبا مناطق غابات السافانا الاستوائية المعروفة بالسافانا السودانية.

أى أن المنطقة واقعيا ليست ساحلية او على ساحل البحر كما يمكن أن يتصور البعض وهي مناطِق فقيرة يعتمد معظم سكانها على الرعى أو الزراعة ولكنها أيضا مناطق ضخمة وشاسعة وذات إمكانيات كبيرة للاستثمار الاقتصادي.

كان السيد/ ابراهيم ثياو قد أطلع مجلس الامن اليوم على الجهود التي تبذلها الامم المتحدة لتنمية منطقة الساحل التي تضم 10 دول و لكنها من اكثر دول العالم فقرا حيث قال: “إن دول الساحل من أكثر مناطق العالم التي تواجه تحديات متزامنة للفقر المدقع ، والآثار الوخيمة المترتبة على التغير المناخي ، والأزمات الغذائية المتكررة ، والنمو السكاني السريع ، والحكم الهش ، والتهديدات الأمنية المرتبطة بالإرهاب “.

كما إستعرض السيد/ ثياو في إحاطته لمجلس الأمن إستراتيجية الأمم المتحدة المتكاملة لمنطقة الساحل التي وافق عليها مجلس الأمن في عام 2013 وهي جزء من نهج وقائي ومتكامل لتعزيز الاستقرار والأمن والتنمية في المنطقة.

وفي عام 2018 ، أعطى الأمين العام هذه الاستراتيجية زخما جديدا ، من خلال اعتماد خطة دعم الساحل ، مشيرا إلى أهمية اتباع نهج يتجاوز الجانب الأمني ​​، لضمان استقرار المنطقة.

وقال السيد/ ثياو إن زيادة النشاط الإجرامي والجريمة المنظمة عبر الحدود، والاعتداء على أشد الفئات ضعفا في جميع أنحاء المنطقة الصحراوية الشاسعة – التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر – يزيد من التحديات التي تواجه المنطقة.

هناك قلق من نشاط بعض الجماعات الإرهابية والاجرامية في المنطقة وهو ما يشكل تهديدا لأي نمو اقتصادي أو تنمية مستدامة, وهو ما سألت السيد/ ابراهيم ثياو بشأنه اليوم وهو من أعلم الناس بالمنطقة وشؤونها خصوصا ان أعداد كبيرة من الارهابيين قد خرجوا من العراق وسوريا بعد هزيمة داعش وهم يحاولون التسرب وإعادة التجمع في أماكن أخرى.

فأكد في رده على أن الجانب الأمني يشكل قلقا كبيرا لدول المنطقه و لهذا يجب على دول العالم ان تتحد لمساعدة دول الساحل في مواجهتها للجماعات الارهابية التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة وذكر أن تشاد و مالي بالتحديد قد تأثرا كثيرا بإنهيار  الوضع الامني في ليبيا و ان دول الساحل تضطر لإنفاق مبالغ كبيرة من ميزانيتها لمواجهة التحديات الامنية و هو ما يعوق التنمية.

كما ذكر أن بعض دول منطقة الساحل ينفقون 20٪ من الميزانية لمواجهة التحديات الامنية و تلك الدول في أمس الحاجة الى تلك الاموال لإنفاقها في بناء المدارس و المستشفيات وتسخيرها في المشاريع التنموية.

لمشاهدة الفيديو اضغط هنا :

https://ytcropper.com/cropped/dw5c1d8582cdb40

كما اكد ان المشكلة الامنية هي مشكلة ذات أبعاد دولية وأن الأمن والاستقرار في إحدى المناطق يكون له تاثير ايجابي على المناطق الأخرى في العالم لذا على المجتمع الدولي أن يتكاتف لمساعدة دول الساحل لمواجهة التحديات الأمنية.

وقد تم تشكل منظمة مجموعة الخمسة G5  بين خمسة من دول الساحل (ناطقة بالفرنسية) وبدعم من فرنسا في فبراير 2014 بغرض تنسيق التعاون الإقليمي في سياسات التنمية والمسائل الأمنية في غرب أفريقيا.

يقع مقر مجموعة الخمسة في نواكشوط ، عاصمة موريتانيا. بلدان الساحل الخمسة هي: بوركينا فاسو ، تشاد ، مالي ، موريتانيا والنيجر.

يهدف التجمع الى تقوية روابط التنمية الاقتصادية والأمن، ومكافحة خطر المنظمات الجهادية العاملة في المنطقة مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ، وتنظيم المرابطون، و بوكو حرام.

 

حاتم الجمسي,

 نيويورك

helgamasy@gmail.com 

 

Exit mobile version