«صفقة القرن» فى انتظار إعلان ترامب عنها

كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، مساء أمس الاثنين، عن موعد طرح الإدارة الأمريكية خطتها للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين المعروفة إعلاميا بـ”صفقة القرن”.

ووفقا للصحيفة فإن فريق “ترامب” يطمح لتقديم”صفقة القرن” بشكل موازي لخطاب الرئيس الأمريكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر المقبل، بحسب ما نقلته وكالة “سما” الإخبارية الفلسطينية.

ووفقا للمصدر الذي نقلت عنه الصحيفة لم يحدد ما إذا كان سيتم الإعلان عنه في مؤتمر صحفي، لكنها أضافت أن الرئيس الأمريكي قد يعرض بنفسه بنود الصفقة خلال خطابه أمام الجمعية العامة.

وأشارت القناة العاشرة الإسرائيلية، إلى أن الرئيس الأمريكي والرئيس الفلسطيني محمود عباس قد يجتمعان خلال مشاركتهما في المؤتمر السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل في نيويورك.

زير الإعلام اللبناني: جيش مصر محل احترام

بيروت- أ ش أ

أكد وزير الإعلام اللبناني ملحم الرياشي، أن الإعلام له دور استراتيجي في التصدي لأفكار الإرهاب ومقاومتها، من خلال تحرير العقول حتى لا يقع الشباب العربي في براثن التطرف، مشيدا في هذا الصدد بالجهود التي تبذلها مصر في مجال مكافحة الإرهاب واصفا هذه الجهود بـ”الممتازة”.

وأضاف “الرياشي”، في حوار مع مدير مكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط في بيروت، أن مصر تبذل جهودا كبيرة في التصدي للجماعات الإرهابية، مستعينة في هذا الأمر بقوة عسكرية وأمنية قادرة، وجيش محل احترام كبير للغاية.

وقال: “الجيش المصري هو ما تبقى لنا من جيوش في العالم العربي، ويجب أن ننظر كلنا إليه نظرة الأمل بعد انهيار معظم الجيوش العربية، وأعتقد أن هذا إنجاز لمصر”، موضحا أن مهمة الإعلام في مجال التصدي لأفكار التطرف والتشدد، لا يمكن القيام بها بصورة ارتجالية، ولن تتم إلا من خلال فريق متخصص يضع استراتيجية كبرى للإعلام العربي.

وأوضح أن جامعة الدول العربية عليها مسؤولية كبرى في هذا الموضوع بالغ الخطورة، ويجب أن تضطلع بدورها في هذا الأمر بالعمل على تفعيل مجالس الثقافة والتربية والإعلام، ووضع استراتيجية إعلامية للعالم العربي من شأنها إيجاد التواصل بصورة حديثة مع الشباب العربي، وإنشاء فكر جديد يحول بين الشباب وبين المتطرفين الذين يقومون على غسل الأدمغة بأفكار الإرهاب.

وتابع: “إن الدعامة الأساسية لهذه الاستراتيجية العربية، التي يجب أن يتم التأسيس لها للتصدي لأفكار الإرهاب، هي خلق إعلام تربوي يمزج بين الجانبين التربوي والترفيهي في آن واحد”، مؤكدا أن حل مشكلة الإرهاب في العالم العربي، بصورة جذرية، يتطلب رؤية تقوم على معالجة أسباب الإرهاب في المقام الأول، وألا يكون الأمر قاصرا فقط على قمع النتائج، داعيا إلى عقد ورشة عمل عربية حقيقية تقوم عليها الدول الأساسية المعنية بهذا الموضوع، مثل مصر ولبنان ودول الخليج العربي وغيرها، للتعاون على مستوى شامل يتضمن إنشاء مناهج دراسية وتعليمية على أسس جديدة، تجعل لدى الطلاب القدرة والحماس على مكافحة الإرهاب والنفور والابتعاد عن منطق الإرهاب ككل، وعدم اللجوء إليه في أية حالة من الحالات.

وأضاف أن مكافحة غسل الأدمغة بأفكار الإرهاب “تحتاج إلى مسحوق من نوع آخر يتمثل في التربية القويمة والصحيحة التي تمتلك شجاعة مختلفة”، مؤكدا أن من بين أهم أركان استراتيجية التصدي لأفكار التطرف، تقديم أعمال فنية ودرامية وبرامج إذاعية وغيرها، تركز على إزالة الأسباب التي تدفع الشاب إلى الإرهاب، والقيمة الفكرية التي تكشف هشاشة مثل هذه الأفكار القائمة على الغش والخداع وغسل الأدمغة، وذلك على غرار عدد من الأعمال الدرامية المصرية التي كانت تقدم في السنوات الماضية.

وأثنى وزير الإعلام اللبناني، على جهود المملكة العربية السعودية في هذا المجال، مؤكدا أنها تقوم في الوقت الحالي بنهضة كبيرة لإحياء الاعتدال.

وفيما يتعلق بملف تشكيل الحكومة في لبنان، أعرب الوزير عن اعتقاده بأنه لن تكون هناك حكومة في المدى المنظور، مشيرا إلى أن العقبات أمام تشكيل الحكومة ليست في حجم التمثيل المسيحي أو الدرزي أو غيرهما، وإنما هناك عقدة واحدة تتمثل في غياب الدعم الأساسي لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، لمنطق تشكيل حكومة في لبنان.

وأوضح أن تشكيل الحكومة يجب أن يعطي كل كتلة نيابية حقها، لتأمين توافق وطني، وأن يتم تمثيل كل كتلة وفق منطق التوازن السياسي والحجم الانتخابي لها، وليس أن يتم تمثيلها مرتين أو أقل من مرة، وهذه هي المشكلة والعقبة الحقيقية التي يجب أن يتم النظر إليها وحلها.

وحذر “الرياشي” من خطورة الإتيان بحكومة “من لون سياسي واحد”، مؤكدا أنها ستعني بالضرورة مشكلة كبيرة في لبنان، مؤكدا أن المصالحة المسيحية بين حزب القوات اللبنانية، والتيار الوطني الحر، قائمة وباقية وذلك على المستوى الشعبي وعلى مستوى قاعدة الهرم الجماهيري، وأن هناك حرصا كبيرا في لبنان على بقاء وتماسك هذه المصالحة، وذلك على الرغم من التباين السياسي الكبير بين قيادة “القوات” و”التيار”.

وأضاف أن هناك حرصا بشكل استراتيجي على المصالحة أيضا بين القوات والتيار، لدى رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، والرئيس ميشال عون، فضلا عن أن هذا الأمر كان محل اهتمام بالغ من قبل البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي “بطريرك الموارنة في لبنان” الذي حذر من مغبة وتداعيات المساس بهذه المصالحة واعتبرها بمثابة خط أحمر لا يجوز بأي حال من الأحوال تجاوزه، وذلك خلال جلسة ثلاثية ضمت الوزير الرياشي والنائب إبراهيم كنعان القيادي بالتيار الوطني الحر.

وأشار إلى أن الواقعية وقراءة المشهد اللبناني بصورة أمينة ودقيقة، تقتضي القول إن تشكيل الحكومة لا غضاضة في أن يجمع بين الكفاءة والطائفية في وقت واحد، لأن المكونات اللبنانية بطبيعتها تقوم على التعددية الطائفية، مؤكدا أن النجاح والكفاءة غير قاصرين على طائفة ما وحدها.

وقال وزير الإعلام اللبناني إنه استطاع أن يحقق رؤيته بأن تتحول وزارة الإعلام في لبنان، إلى وزارة للتواصل والحوار، وإعادة هيكلتها، مشيرا إلي أنه في هذا الإطار استحدث دوائر جديدة بحيث تصبح الوزارة وسيطا للتواصل بين المواطن والمسؤول، وتهتم بالمشاكل الحياتية للمواطنين اللبنانيين، فضلا عن استحداث دائرة “الحوار” والتي تستهدف إنشاء علاقة للتواصل بين الجميع، خاصة المختلفين سياسيا ودينيا ومذهبيا.

الولايات المتحدة ترحل حارسا نازيا لألمانيا

واشنطن (د ب أ) 

رحلت الولايات المتحدة الحارس النازي السابق ياكيف بالي، الذي عمل في معسكر الاعتقالات النازي “ترافنيكي” في بولندا المحتلة، إلى ألمانيا.

وأعلن البيت الأبيض اليوم الثلاثاء أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعطى أولوية لترحيل بالي /95 عاما/ “للوفاء بوعد الحرية الذي أُعطي لضحايا الهولوكوست وذويهم”.

وذكر البيت الأبيض في بيان أن “الولايات المتحدة لا تتسامح مع أحد دعم جرائم النازية أو انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان”، مضيفا أن “هؤلاء الأفراد لن يجدوا ملاذا في الأراضي الأمريكية”.

وكان بالي، الذي ولد في منطقة تابعة اليوم لأوكرانيا، هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1949 وحصل على الجنسية الأمريكية عام 1957.

وبحسب البيان، أخفى الرجل في ذلك الحين ماضيه النازي عن السلطات في الولايات المتحدة، وأدعى أنه كان يعمل في مزرعة وأحد المصانع.

وكانت محكمة أمريكية سحبت الجنسية الأمريكية من الرجل عام 2003.

وأضاف البيت الأبيض أنه صدرت أوامر بترحيله عام 2004، إلا أنها لم تنفذ طوال هذه الفترة على خلفية مداولات قضائية.

وجاء في البيان أن الترحيل يعزز التعاون مع أحد الشركاء الأوروبيين المحوريين للولايات المتحدة.

ميركل تتمسك بزيارتها لأذربيجان رغم منع نائب في البرلمان الألماني من دخولها

برلين (د ب أ) 

تتمسك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بزيارتها لأذربيجان المخططة يوم السبت المقبل رغم منع نائب في البرلمان الألماني ضمن وفدها من دخول أراضيها، وذلك حسبما أعلن المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت اليوم الثلاثاء في برلين.

ولا تعتزم القيادة الأذربيجانية السماح بدخول النائب البرلماني عن الحزب المسيحي الديمقراطي ألبرت فايلر إلى البلاد، لأنه زار على ما يبدو من قبل منطقة مرتفعات قرة باغ المتنازع عليها بين أرمينيا وأذربيجان.

تجدر الإشارة إلى أن هذا الإقليم ينتمي وفقا للقانون الدولي إلى أذربيجان، لكن قوى موالية لأرمينيا تسيطر عليه، ما أدى إلى صراع بين أذربيجان وأرمينيا منذ تسعينيات القرن العشرين على الإقليم.

وبحسب بيانات زايبرت، اتفقت ميركل مع النائب فايلر والنائب البرلماني الثاني في حزبها المسيحي الديمقراطي يوان فادبول المخطط أن يرافقها أيضا إلى أذربيجان على “أنه من المجدي والمهم بالنظر إلى كافة الظروف القيام بزيارة أذربيجان”، حتى للحديث عن هذا النزاع ونزاعات أخرى مع الحكومة الأذربيجانية.

إعصار كبير يهدد جنوب اليابان

اقترب الإعصار «سولك» من جزر اليابان الجنوبية، اليوم الثلاثاء، مع تحذير سلطات الطقس من انهيارات طينية وأمطار غزيرة ورياح قوية.

ومن المتوقع أن يقترب الإعصار، التاسع عشر في الموسم، من جزيرة أمامي أوشيما والجزء الجنوبي من كيوشو مساء اليوم الثلاثاء، وفقا لوكالة الأرصاد الجوية.

وقالت الوكالة إن العاصفة قد تولد موجات يصل ارتفاعها إلى 11 مترا وتسبب أمطارا غزيرة في المنطقة.

وأوضحت الوكالة أنه من المتوقع هطول أمطار يصل منسوبها إلى 400 ملليمتر في منطقة جزيرة أمامي أوشيما وجنوبي كيوشو وما يصل إلى 250 ملليمترا في جزيرة شيكوكو الجنوبية الغربية بحلول ظهر الأربعاء.

وأشارت الوكالة إن عين العاصفة عند ظهيرة اليوم الثلاثاء (0300 بتوقيت جرينتش) كانت على بعد 210 كيلومترات شرق جزيرة أمامي أوشيما، متجهة غربًا بسرعة 20 كيلومترًا في الساعة تصاحبها رياح تبلغ سرعتها 162 كم في الساعة وعواصف سرعتها 216 كلم في ساعة.

الرئيس السوري يصلي العيد في دمشق.. والخطيب يشيد بحكمته

أدى الرئيس السوري بشار الأسد، صلاة عيد الأضحى، اليوم الثلاثاء، في مسجد بالعاصمة دمشق، بمرافقة عدد من كبار مسؤولي الحكومة السورية.

تجدر الإشارة إلى أن “الأسد” قليل الظهور منذ اندلاع الأزمة في بلاده عام 2011.

وأمّ الصلاة الشيخ خضر شحرور مدير أوقاف ريف دمشق، وفي الخطبة قال “شحرور” إن فرح العيد هذا العام واكبه “فرح النصر الذي لطالما انتظره السوريون”.

وأشاد في هذا الصدد بـ”حكمة واقتدار الأسد”، مخاطبا إياه :”لقد قدت السفينة إلى بر الأمان وكنت الربان الماهر”.

إيران تكشف عن أول مقاتلة محلية الصنع

كشفت إيران، اليوم الثلاثاء، عن أول طائرة مقاتلة محلية الصنع وذلك في معرض دفاعي في العاصمة طهران.

وأظهرت مشاهد التلفزيون الرسمي الرئيس الإيراني حسن روحاني، جالسا في قمرة قيادة الطائرة الجديدة “كوثر” خلال معرض “صناعة الدفاع الوطني”.

وذكرت وكالة “تسنيم” للأنباء، أن الطائرة المقاتلة هي من الجيل الرابع ومزودة بـ”إلكترونيات طيران متطورة” ورادار متعدد الاستخدامات، مضيفة أنها “محلية الصنع 100%”.

وأوضحت الوكالة أن الطائرة تتميز باستعمال حسابات السلاح الباليستية ومنظومة تصويب متطورة أمام الطيار “اتش. يو. دي”؛ بهدف زيادة الدقة للسلاح والمعدات واستخدام رادار متطور ومتعددة الأغراض للسيطرة على النيران من أجل رفع مستوى الدقة في كشف الأهداف والتهديدات ونظام ملاحة دقيق بصورة راديوية ومستقلة والاستفادة من منظومة خارطة ذكية متحركة.

وذكر التلفزيون الرسمي، أن الطائرة قامت بطلعات تجريبية ناجحة وبث مشاهد لها وهي جاثمة على مدرج للقيام بأول طلعة علنية استعراضية لها.

وكان وزير الدفاع الإيراني، أمير حاتمي أعلن عن الطائرة، السبت الماضي، ولم يقدم الوزير الإيراني سوى تفاصيل قليلة عن المشروع، مركزا تصريحاته على جهود إيران لتطوير دفاعاتها الصاروخية.

وقال “حاتمي”، إن ذكرى الهجمات الصاروخية التي تعرضت لها إيران خلال الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي، والتهديدات المتكررة من إسرائيل والولايات المتحدة من أن “جميع الخيارات مطروحة” في التعامل مع طهران، حفزت على تطوير البرنامج الدفاعي.

أردوغان… من العلمانية إلى الطائفية والنازية…؟    بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

يكمن الدافع الأساسي لسعي تركيا للعب دور محوري في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في التغيرات الجذرية التي طرأت على سياستها الداخلية والتطورات المتسارعة العالمية بخاصة في محيطها الإقليمي، ويستند تنامي دورها إلى نظرية العمق الاستراتيجي التي اتبعتها منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم من خلال سياسة القوة الناعمة التي تهدف من خلالها لعب دور مركزي محوري في المنطقة من وجهة نظرها يغنيها عن دخول الاتحاد الأوروبي، ذلك الهدف الذي لم يتحقق حتى الآن رغم كل التنازلات التي قدمتها القيادات التركية المتعاقبة لصالح الاتحاد الأوروبي وقد جذبت السياسة الخارجية التركية الانتباه أخيراً سواءً على صعيد الاتحاد الأوروبي أو الشرق الأوسط أو الولايات المتحدة الأمريكية من خلال خدمتها لمصالح أمريكا والاتحاد الأوروبي في العالمين العربي والإسلامي ومن خلال محافظتها على علاقاتها وتعاونها مع إسرائيل في المجالات العسكرية والتجارية والاقتصادية والتقنية بالرغم من التصريحات التركية العلنية المتناقضة.

وفي الآونة الأخيرة تستخدم القيادة التركية الاحتجاجات الشعبية في الدول العربية لإعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا بهدف وضع نظام إقليمي جديد للعلاقات السياسية والدينية والايديولوجية والاقتصادية والتي ستلعب تركيا فيه دوراً محورياً حيث تتفهم أمريكا رغبة تركيا في فرض نموذجها السياسي في الحكم على العالم العربي كمثال لدولة علمانية يحكمها الإسلاميون مع احتمال نشر هذا النموذج في حال نجاحه بدعم من أمريكا والغرب في آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز ويترافق استخدام أنقرة لرجال الدين الأصوليين لتنفيذ خطتها في العالم العربي مع تكثيف تحركاتها في مناطق أسيا الوسطى والقوقاز والذي سينعكس سلباً على أمن تلك المناطق مما سيؤدي لنمو التطرف وانتشار الأسلحة في المناطق الروسية ذات الأغلبية الإسلامية منوهين إلى أن رغبة تركيا في التقرب من واشنطن وبروكسل أدى إلى تحولها كرهينة لطموحاتها الخاصة والتي حولتها إلى حصان طروادة يمتطيه الغرب للقيام بتقسيم المجتمع الإسلامي لتحقيق مصالحه ومصالحها الإستراتيجية والتكتيكية والتي تتعارض مع مصالح دول منطقة الشرق الأوسط حيث تهدف من الناحية التكتيكية من خلال تدهور اتصالاتها مع إسرائيل بالإضافة إلى خطاباتها الصاخبة المناوئة لإسرائيل والمؤيدة للعرب الى تعزيز موقعها في العالمين العربي والإسلامي وتقديم نفسها كقوة إقليمية رائدة في الدفاع عن حقوق العرب والمسلمين باستخدام لغة معادية لإسرائيل ظاهرياً مع عدم تجاوز الخطوط الحمراء في علاقتها مع تل أبيب.

وفي موازاة ذلك تؤكد بعض الدراسات إلى سعي أردوغان نحو الحوار وإقامة علاقات وثيقة مع الأنظمة الجديدة في مصر وتونس وليبيا وتأييد مطالب المعارضة في عدة دول أخرى بهدف تحقيق غاياتها التوسعية وبالرغم من أن العلاقات التجارية والاقتصادية التركية الاسرائيلية شهدت تغيرات كبيرة لكن لا يزال هناك مصلحة متبادلة في تطوير التعاون العسكري والتقني فيما بينهما وتعزيز التنسيق في المجال الأمني بما في ذلك احتواء إيران في المنطقة ومما يدل على ذلك موافقة تركيا على إقامة نظام دفاع صاروخي من حلف شمال الأطلسي على أراضيها والذي يعطي الإشارة الواضحة إلى تل أبيب وواشنطن لاستعداد أنقرة للدفاع عن الدولة اليهودية وحماية المصالح العليا التركية والإسرائيلية. وقد أظهر أردوغان ولاءه لواشنطن وبروكسل من خلال حرصه على المصالح الغربية في المنطقة لتصبح تدريجياً أداة مطيعة لتنفيذ السياسة الخارجية لأمريكا وحلفائها الأوروبيين مستهدفة بذلك ضرب منطقة الشرق الأوسط وتقسيمها لدويلات على أسس طائفية وعرقية ودينية من خلال إحياء مشروع الشرق الأوسط الكبير.

لقد بدأت تتكشف الحقائق تباعاً، وأولى هذه الحقائق أن لدى أردوغان وحزبه وفريقه السياسي العديد من الأقنعة لتغطية وجه واحد هو الوجه الحقيقي لحكام أنقرة الذين يعتبرون الراعي الحصري للإسلام السياسي في الشرق الأوسط ولأحزاب ”الإخوان المسلمين” على وجه الخصوص.
فالتسلل إلى المواطن العربي ـ العاطفي بطبيعته ـ كان من نافذة القضية الفلسطينية والقدس والوقوف في وجه إسرائيل وكسر هيبتها وغرورها، فوجد العرب أخيراً دولة قوية تدافع عن حقهم، بعد أن عجزت أنظمتهم على مدى أكثر من نصف قرن عن الاتفاق حتى على هلالي رمضان وشوال.
يبدو أن هذا القناع الذي وضعه أردوغان على وجهه كان متقناً جداً، بل مقنعاً حتى لأولئك الذين كانت تراودهم الشكوك في الدور التركي إلى أن بدأت الأقنعة تتساقط بداية من التفريط بدماء شهداء سفينة مرمرة، وإعادة الدفء إلى العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل، مروراً بالتورط في المشروع الغربي
ـ الاستعماري لتدمير ليبيا، وحتى في صعود الإسلام السياسي في كل من تونس ومصر، وصولاً إلى قلب ظهر المجن مع سورية وتسويق التدخل الخارجي العسكري في الشأن السوري، وفتح الحدود أمام المسلحين العرب والأجانب وعناصر تنظيم ”القاعدة” الإرهابي و تدفق السلاح إلى العصابات المسلحة في الداخل السوري، وكذلك محاولات توحيد صفوف ”المعارضة” الخارجية التي نمت وترعرعت في عواصم الغرب: واشنطن ولندن وباريس وأنقرة، وكذلك من خلال حشد كل أعداء سورية في مؤتمر ”أصدقاء سورية” بإسطنبول.

يجب هنا عدم إغفال المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي كانت تجنيها تركيا من ليبيا خلال حكم معمر القذافي، إلى درجة أن شركات تركية كانت هي التي تنظم المؤتمرات والاجتماعات العربية والإفريقية بما فيها القمم. لكن عندما كان خيار الغرب تغيير نظام القذافي بنظام يأتي من عباءة الإسلام السياسي وتنظيم ”القاعدة” والإخوان المسلمين، بادرت حكومة أردوغان بالاشتراك في الإطاحة بنظام القذافي دون أن يرف له جفن وهو يرى طائرات الناتو (وتركيا عضو فيه) وهي تدك المباني على رؤوس المدنيين موقعة عشرات آلاف الضحايا، المهم ـ حسب أردوغان وحزبه وفريقه السياسي ـ إيصال تيار الإسلام السياسي إلى الحكم، فالمكاسب هنا لا تقارن مع المكاسب الاقتصادية سابقاً، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار نزوع حكام أنقرة لإحياء عصر الخلافة العثمانية بثوب جديد.
محاولات ”الخليفة العثماني الجديد” رجب طيب أردوغان إحياء خلافة سادت ثم بادت، لم تتوقف ـ ولا نظن أنها ستتوقف ـ وبخاصة بعد أن صعدت التيارات الإسلامية في كل من تونس وليبيا ومصر، وبعد التواصل والتنسيق الكبيرين بين حكام أنقرة والأنظمة الوليدة في هذه الدول، بما فيها التعاون الجاري ـ بخاصة بين أنقرة وكل من تونس وطرابلس ـ فيما يتعلق بالأزمة السورية، فتونس احتضنت مؤتمر ”أصدقاء سورية، في نسخته الأولى في حين احتضنت إسطنبول النسخة الثانية، أما ليبيا فهي ”تصدّر” المقاتلين، وبخاصة من تنظيم ”القاعدة” الإرهابي إلى سورية في حين تسهل حكومة أردوغان عبورهم إلى الداخل السوري، والمخفي أعظم.

فعلاقات الدول تقاس بعضها ببعض، عبر فهم المواقف المؤسسة للسياسات بين الدول، والقدرة على فهم قياداتها وصانعي القرار فيها، ولكننا في الشأن التركي نحتاج إلى دراسة أعمق من المواقف المباشرة، بالذات عند دراسة علاقة حزب العدالة والتنمية مع الكيان الصهيوني.
ولإدراك أهمية تأثير العلاقات التركية الإسرائيلية بالذات في زمن حكومة رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم
”العدالة والتنمية” على أحداث المنطقة العربية بشكل عام، فإن الأمر يتطلب التعرف على طبيعة هذه العلاقة ودوافعها ومدى انعكاسها على المنطقة ودولها.

فلم يغب عن الأتاتوركية وحتى الأردوغانية حلم عودة الامبراطورية العثمانية، ومن يستقرىء التاريخ التركي والحكومات التركية المتعاقبة، يجد أن هذا الحلم قد ازداد حضوره بعد فشل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ورفض الأخير عدة مرات هذا الانضمام، على الرغم من عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، وعلى الرغم من كونها أداة الناتو في الشرق العربي ومحيطها الإقليمي، من البلقان إلى روسيا والقوقاز، ومن آسيا إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتركيا على سبيل المثال، هي الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بالكيان الصهيوني عام 1949، وقامت بتعيين قنصل لها في تل أبيب!.

وفي عام 1950 اعترفت تركيا اعترافاً قانونياً كاملاً بإسرائيل، وتم تبادل البعثات الدبلوماسية بينهما، واستقبلت تركيا ملحقاً إسرائيلياً في أنقرة، وسمحت لليهود الأتراك بالهجرة إلى فلسطين.
وفي عام 1951 وقفت تركيا إلى جانب الغرب ضد مصر في قرارها بمنع السفن الإسرائيلية من عبور قناة السويس.

وقد سبق لرئيس وزراء تركيا عدنان مندريس أن أعلن عام 1945 تأييده لما أسماه ”أحقية الإسرائيليين في إقامة دولتهم” أثناء زيارته إلى واشنطن، وسعى إلى استمالة الدول العربية لضمها في حلف مؤيد للغرب ومعاد للشيوعية آنذاك، وفي تلك الفترة هاجر أكثر من 34 ألف يهودي تركي إلى إسرائيل.

وفي عام 1983 تطورت العلاقات التركية ـ الإسرائيلية مع وصول ”تورغوت أوزال” إلى رئاسة الوزارة، حيث قامت تركيا برفع درجة التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل مرة أخرى.
وفي عام 1988 عقد في نيويورك في تشرين الأول لقاء بين وزير خارجية تركيا مسعود يلماز ووزير خارجية إسرائيل شيمون بيريز، وكان اللقاء خاصاً بإمداد إسرائيل بالمياه.
وفي عام 1958 بدأ التحالف الأجنبي العسكري الإسرائيلي ـ التركي باجتماع سري بين بن غوريون وعدنان مندريس هدفه، التعاون ضد دول الشرق الأوسط.

وجدد اللقاء عام 1964 بين عصمت أونيون وليفي أشكول في باريس لإحياء الاتفاق السري الذي كان من أبرز نقاطه، قيام إسرائيل بتحديث طائرات ”إف 4” و”إف 5”التركية، وفتح أنقرة مجالاتها الجوية وقاعدتها العسكرية للطائرات الإسرائيلية، كما اتفق الطرفان على إجراء مناورات عسكرية دورية.
وفي 7/8/1996، أعلنت تل أبيب تعهدها بتقديم قرض مباشر بقيمة 410 ملايين دولار من أجل تحويل صفقة تحديث أسطول المقاتلات التركية من طراز ”فانتوم إف4”.

وفي 28/8/1996، وقع البلدان اتفاقية تعاون تكنولوجي وصناعي، يشمل تحديث 54 مقاتلة تركية من طراز ”فانتوم إف 4”.

وفي 1/12/1991، أعلنت إسرائيل أنها وقعت مع تركيا اتفاقاً للتعاون العسكري ينص على إجراء مناورات عسكرية دورية.

وفي 13/3/1973أعلنت تركيا عزمها شراء وتصنيع صواريخ إسرائيلية يبلغ مداها 70 كم، وتجهيزها الطائرات المقاتلة التركية من طراز ”إف 16” ومقاتلات ”إف 4”.

وفي عام 1993، قامت شركة الصناعات الإسرائيلية بتسليم تركيا أول طائرة مطورة من طراز ”فانتوم إف 4” من بين 54 طائرة.

وفي عام 2002، وقعت تركيا مع إسرائيل عقداً بقيمة 668 مليون دولار لتحسين 170 دبابة من طراز ”إم 60”.

وبحث رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته لإسرائيل في أيار عام 2005 مع المسؤولين الإسرائيليين في صفقة عسكرية يصل حجمها إلى نصف مليار دولار.

وفي عام 2008 تواصل التعاون العسكري وتطور، وأجريت مناورات عسكرية جوية وبرية وبحرية مشتركة وبمشاركة الولايات المتحدة.

وبعد العدوان الصهيوني على قطاع غزة عام 2008، ألغت تركيا مشاركة إسرائيل في مناورات شرق الأناضول، لكن كشف مصدر مرافق لرئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك عام 2010، أن هناك 60 معاهدة سرية سارية المفعول للتعاون في الأمن وغيره.

وفي المجال الاقتصادي تطور التعاون بين تركيا وإسرائيل منذ عام1953، وتطور التبادل التجاري ليصل إلى 23 مليون دولار.

وفي عام 1987 وصل إلى 54 مليون دولار، وتم التوقيع على اتفاق التجارة الحرة بين البلدين عام 1996، وزاد حجم التبادل التجاري خلال 3 سنوات إلى ملياري دولار سنوياً.

وفي عام 2004، وصل التبادل التجاري إلى 2 مليار دولار.

 وفي عام 2007، تصدرت تركيا قائمة الدول الإسلامية التي لها علاقات اقتصادية مع إسرائيل، لتصل قيمة التبادل التجاري بينهما إلى 2.8 مليار دولار.

ومن أبرز المشاريع الاقتصادية بين البلدين، إنشاء خط أنابيب لنقل النفط والغاز الطبيعي والكهرباء والمياه إلى إسرائيل من ميناء جيحان التركي إلى ميناء عسقلان الفلسطيني، وبلغ عدد السياح الإسرائيليين الذين زاروا تركيا بين عامي 2005 و2009 حوالي 427.6 ألف سائح.

إن الطريقة الأردوغانية الوصائية في الأزمات العربية، وتلقين الدروس للآخرين لا تخدم المصالح العربية، بل المصالح التركية ـ الإسرائيلية للهيمنة على المنطقة بوسائل وطرائق جديدة بدعم الغرب وأمريكا. فالمخطط الاميركي واضح في إضعاف العالم العربي أكثر وأكثر، وفي تقسيم الدول العربية إلى دويلات وإلى كيانات. المخطط الاميركي يريد أن تتزعم تركيا العالم العربي، حتى تقوده وتقود معه العالم الإسلامي نحو مواجهة مع الشيعة، لتدخل المنطقة في أتون حرب دينية تهدف أولاً وأخيراً إلى القضاء على الإسلام، ليحل محله ”الاسلام المزيف” الموالي لأميركا، الإسلام الليبرالي، الإسلام السياسي الذي لا يخدم إلا السياسة الاستعمارية في منطقة الشرق الأوسط.

إن ما جاء على لسان الأب الروحي لأردوغان وحزبه، رئيس الحكومة التركي السابق نجم الدين أربكان، المؤسس الحقيقي للإسلام السياسي في تركيا، في مقابلة مع صحيفة ”توداي زمان”، قبل وفاته بمدة، من منزله بحيّ ”بلغات” في العاصمة أنقرة، كان أشبه بالزلزال السياسي في تركيا، وخصوصاً حين قال عن أردوغان وحزبه هما ”أداة بيد المؤامرة الصهيونية”. حتى إن وصول هذا الحزب إلى السلطة عام 2002 ”حصل بمساعدة من الحركة اليهودية العالمية”، ورداً على سؤال تساءل أربكان في المقابلة ذاتها: ”لماذا وافق أردوغان على منح إسرائيل العضوية الكاملة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ”ocde” بدل وضع فيتو على عضويتها فيها؟ لماذا دفعت حكومته مليارات الدولارات في عقود عسكرية مع شركات إسرائيلية؟ لقد قال أردوغان للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز ”دقيقة واحدة” في منتدى دافوس، لكنه واصل الأعمال كالمعتاد مع إسرائيل، وختم نجم الدين أربكان بالقول: ”إنّ كليهما، أردوغان و(الرئيس عبد الله غول)، أداة بيد المؤامرة اليهودية العالمية. ربما لا يدركان أنهما يخدمان المصالح الصهيونية، لكنهما يفعلان ذلك بدليل ما جاء في كتاب هارون يحيى وغاري آلن عن هذا الموضوع”، هكذا يرى أربكان المعلم بالنسبة لأردوغان المسألة، وهذا هو رأيه بتلاميذه.

وعلى الرغم من أن السمة البارزة والأوضح لمجمل الحراك الذي تشهده المنطقة هي الخلفية الطائفية عبر محاولة تقسيمها ضمن محورين متناحرين (سني ـ شيعي)، ولكن يمكن القول إنه ما زال أمام مشروع أردوغان عقبات قد تكون أكبر من رهانه على تجاوزها. فما زال وعي الشعب العربي هو العقبة الأصعب أمام مشروع أردوغان، إضافة إلى أن عليه إعادة النظر في رهانه على الشعب المصري الذي نجح حتى اليوم بإثبات أن بعده وانتماءه العروبي أكبر من الرهان، يكون لزاماً على أردوغان إعادة قراءة التاريخ والحاضر السوري، فالشعب السوري بأغلبيته الساحقة أوعى وأكبر من محاولات جره إلى نار الفتنة وحروبها الطائفية.

وفي مقال للكاتب تيري ميسان في عام 2007 نشر في شبكة فولتير الإخبارية، تحدث فيه عن كيفية اختراق وكالة المخابرات الأميركية والموساد للمنظمات التركية ذات التوجه الإسلامي، أكد اختراق الصهيونية العالمية لحزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان والذي فتح باب التطبيع والتعامل على مصراعيه مع الكيان الصهيوني ما سهل اختراق هذه المنظمات، ولم تكن العلاقات مقتصرة على المناورات العسكرية والتعامل الاقتصادي، بل تجاوزته إلى موافقته على العمليات العسكرية الصهيونية ضد لبنان في عام 2006، تحت ذريعة أنها تحمي مشروع مد إسرائيل بالنفط من خط باكو ـ تلبيسي ـ سيحان وتزويدها بالمياه كما أوردتها صحيفة يديعوت أحرونوت في 10 تشرين الثاني 2009.

ولكننا نظن ـ إلى حد الجزم ـ أن محاولات أنقرة إن كانت لجهة إحياء الخلافة العثمانية البائدة، أو لجهة الهيمنة على الشرق الأوسط كلاعب كبير ورئيسي وقوة إقليمية عظمى ـ لن يكتب لها التوفيق والنجاح، نظراً لما يجري حالياً في المنطقة من قلاقل ـ من جهة ـ ومن تذمر شعبي واسع من سياسات وممارسات ”الحكام الجدد” من الإسلاميين لكل من تونس وليبيا ومصر ـ من جهة ثانية.
لذا فإن ما يسعى إليه أردوغان وحزبه ليس أكثر من أضغاث أحلام ستتلاشى مع بزوغ أول فجر من عودة الوعي للشعب العربي.

نحن لسنا ضد تركيا شعباً، بل ضد سياسة القيادة الحالية التي تسوّق للسياسة الأميركية في المنطقة بصورة هادئة وناعمة، وتساهم في إضعاف عالمنا العربي. فلتركيا القيادة أهداف عديدة في السيطرة على العالم العربي، ومن أهمها المتاجرة بهذه الورقة للحصول على رضى الغرب، وقبول تركيا عضواً في الإتحاد الأوروبي الذي بدأ يضعف رويداً رويداً، ويواجه أزمات مالية خطيرة جداً.

قيادة تركيا لا تريد مصلحة العالم العربي، ولا مصلحة الشعوب العربية، وكل ما يعنيها هو تحقيق أهدافها… وهذا ما يجب أن يعيه كل العرب، وبالتالي العمل على الإهتمام بمصالحنا أولاً وأخيراً، ومعالجة قضايانا بروح عربية أصيلة غير ملوثة برياح استعمارية خطيرة جداً.

فنحن العرب يجب أن نجترح إستراتيجية في ظل أزماتنا والتي لها الدور الأساس فيها، لكي نوقف هذا الطمع والجشع التركي تجاه الوطن العربي، وإلزامها قانونياً بإعادة الأراضي المحتلة بفعل اتفاقية سايكس بيكو الخبيثة فلا الفلسطيني استفاد من هذا الصراخ التركي الأجوف ولا أي عربي يمكن أن يستفيد قيد أنملة من هذا التركيب التركي الهجين.

القَوميّة العربيّة في مواجهة الإرهاب الإخواني التّكفيري…؟    بقلم: مصطفى قطبي

 

      من أرشيف رؤية                                      

يمر تاريخنا الوطني والعربي في مرحلة اختبار عسير، يتساءل المواطن خلالها بقلق عن البدائل الراهنة المفروضة والمرفوضة مع حالة الانزياح والانحراف التي يئن تحت وطأتها المشروع القومي. هذا المواطن وعلى امتداد ساحات الوطن الوطني والأمة يستنكر ويستغرب الحاضر العربي وهو يرى تحالف الإرهاب والرجعية والاستعمار ضد المصير والعيش المشترك، والتاريخ والمستقبل العربي.

يتألم العربي وهو يرى اللاعربي بارزاً قزماً هزيلاً رخيصاً أمام البترودولار، ويزداد ألمه وهو يرى ”العبودية” تتخبط لترسم مستقبلاً عربياً هشاً يحيل الأمل والطموح والتاريخ المشرق لحركة التحرر الوطني العربية الى قيادات، وأُسر، ومشيخات طالما وقفت ولا تزال عقبة أمام النزوع التحرري الوطني، والعربي، والعالمي، وهي تمضي اليوم في تآمرها على محو الذاكرة العربية العامرة بالقوة والأصالة.

حتى هذه اللحظة لم تتفق أي تحليلات قومية عربية على تسمية ما حدث في معظم أقطار الوطن العربي من تطورات وتحولات منذ عام 2010، واضطربت المصطلحات وتنافرت المفاهيم إلى حد كبير لم يوفر حتى اللحظة أية ممكنات للامساك بالنقطة المفتاحية التي يمكن أن تدخلنا إلى أبهاء الظاهرة، وتعرفنا على الطرق والمسارات التي يجب أن تسلك حتى نتعرف عليها ونمضي بعدها في رؤية بقية المشاهد والتجليات، وعبّر هذا الاختلاط بطريقة وأخرى عن الجفاء والمجافاة التي حصلت بين العقل والواقع العربي، وبين من يفكرون بهذا الواقع وبين معطياته وإشكالياته وتجلياته وتاريخ مأساته.

إن مستوى قدرة الشعوب على إدراك الخلفيات والمؤامرات لم تكن في البداية واضحة، كما أن الأنظمة العربية لم تكن تعلم حجم اختراقها، والمخفي في مجتمعاتها، وكان يظن الكثير أن لا قوة قادرة على خلق اهتزاز في نظام مصر أو ليبيا أو تونس أو سوريا…، كما كان هناك عدم معرفة كافية بطبيعة أنظمة الخليج وإمكانية أن يصل دورها لهذا المستوى من التآمر على أشقائها. وهذه عوامل ساعدت في المزيد من الاختراق، والتسليح وإنتاج العنف، والقتل وقطع الطرق والتخريب، كما لم يقرأ الدور التركي وطبيعته القراءة المطلوبة من حيث علاقاته الأطلسية والإسرائيلية، ورغبته الهيمنة ولعب دور شرطي المنطقة.

في زمن ”الربيع العربي” نتساءل: لماذا تقدم المشروع الإخواني ـ الإرهابي خطوات متعددة ومباشرة ومتسارعة إلى الأمام في مواجهة المشروع القومي على امتداد الجغرافيا العربية، هل حصل ذلك في ليلة وضحاها، أم أنه كتحرك أتى مفاجئاً، أم أنه جاء كنتيجة لإفلاس المشروع الصهيوني التوءم لمشروع عرب أميركا وإسرائيل، أم أن اللحظة التاريخية قد حانت لاستخدامه بعد أن استغرقت ثنائية ”الامبريالية واسرائيل” ما استغرقته في بنائه وإنشائه، أم أن الأمر ينطوي على عملية تبادل للأدوار يبدو فيه ـ بالشكل فقط  ـ  دور مشيخات البترودولار أهم وأعظم من دور الصهيونية العالمية؟!‏

من المهم أن نطرح هذه التساؤلات، لا لنبحث عن إجابات عنها، بل لنعيد قراءة التاريخ المعاصر والمرحلة والمخاضات التي أنتجت وضعاً عربياً تتسيد فيه الدويلة القزمة المشهد الذي لا يقتصر على تراجع الحركات القومية نصرة لفلسطين في مواجهة الكيان الاسرائيلي، وإنما يكاد يجري فيه تعميم حالة التآخي مع هذا الكيان التي يعبر آل خليفة جهاراً نهاراً عنها بمواجهة أعداء افتراضيين آخرين لتمزيق الجغرافيا والديموغرافيا.‏

ليس مفاجئاً تقدم المشروع الإخواني على الصهيوني، ولم ينشأ بين ليلة وضحاها، ولم يأت تقدمه ليعوض إفلاس توءمه، بل يسير المشروعان على التوازي، وإذا كان قطر يرزت في هذه الأيام كمنصة للحرب والهجوم على الأمة وضدها، فإنها كانت على الدوام المنصة لكل حروب إسرائيل والغرب وأميركا منذ تم إنشاء هذا الكيان القبلي الغارق في الجهل والانحطاط…

والحال كذلك، فليس من الإنصاف أن نتحدث عن هذه الوقائع، مقابل تجاهلنا الأسباب التي جعلت تنظيم الإخوان ”كأدوات” يتقدم، وما كان له ليتقدم لولا انكفاء القوميين أو انشغالهم، ولولا أنهم مرروا ـ وإن على مضض ـ صوراً مؤذية تحت ضغط الحاجة للمال النفطي القذر الذي كان يقع واجب حمايته واستثماره وتوظيفه على القوى التقدمية العربية مجتمعة.‏

أولئك الأدوات هم الآن ما زالوا في المهمة ذاتها يدمرون الفكر العربي الذي يمكن أن يؤسس إلى عقيدة جامعة، وقد وقفوا منذ تاريخ الاستقلال العربي عن العثمانيين والأوروبيين ضد الرابطة القومية عند العرب، وهي بالأصل شعور راسخ في الوجدان الجمعي العربي لكن قاوموه بادعاء الفصل بين الدين والدولة. والقومية العربية في جذرها الواقعي كحقيقة موضوعية تمثل حركة تحرر للعرب من كافة أشكال الاستعمار والتبعية ولأنها تحولت هذه القومية إلى لاحمٍ مصيري بين أبناء الأمة الواحدة خشي منها الحلف المعادي وسخّر عملاءه لكي يقاوموها قبل أن تصل بالعرب إلى تحقيق الدولة القومية الواحدة على غرار دول العالم، وهنا يصبح المشروع الصهيوني على قيد الزوال، والوجود الاستعماري برمته سيزول من أرض العرب.

ولهذا تم تسخير العملاء من قطر…، ومن الدول الإسلامية التي تسير في الركب الصهيوأميركي حتى يضعوا الإسلام السياسي بديلاً روحياً عن الإسلام الصحيح، وحين نراجع في تاريخ ذلك الزمان سنجد أن عرباً عملاء وافقوا على اقتطاع أرض عربية وإعطائها للمستعمرين والأعداء، ومسلمين يدّعون الإسلام ويفرطون لعدوهم بالمقدسات الدينية وفي طليعتها القدس.

وهنا أصبحنا أمام ظاهرة خطيرة من اللاوطنية ومن وقاحة العمالة، فالعملاء الذين ما زالوا منذ تاريخ الاستقلالات العربية حتى الآن يحطمون الوعي القومي الصحيح، والرابطة القومية الصحيحة، والإسلام الإيماني الصحيح، هؤلاء الذين من المنتظر منهم أن يجلبوا إلى الشعوب العربية، الحرية والديمقراطية والسيادة والاستقلال. نعم حرية العرب من عند إسرائيل وأميركا وبريطانيا وفرنسا، واحتلال العرب من عند الدول العظمى التي تريد تطبيق العدل والقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة التي تصر على حق تقرير المصير لكل شعب بإرادته الوطنية الخالصة وبدون أي تدخل في الشؤون الداخلية للأمم.

كنا في ما مضى من الزمن نتحدث عن مشروع نهضوي عربي، فأين كنا وأين أصبحنا؟! وهل تحول المشروع أم تحولنا نحن واختلفت طينتنا وجبلتنا نحن، أم أن التغيير في الموسم الربيعي المنشود أتى على طبائعنا وأصولنا وأهدافنا وعقولنا بعد أن عمق مواجعنا وأسال دماءنا أنهاراً وألقانا في البؤس والتيه؟!

كان المشروع القومي العربي الذي كنا ننشده مشروعاً تحريريًّا للأرض والإرادة والاقتصاد والقرار السياسي من كل أشكال الهيمنة الاستعمارية وتحرير الإرادة والقرار من الاستلاب والقهر، وتحرير الإنسان من الاستبداد والفقر، والتخلص من التبعية الثقافية للمركزيات الأوروبية على الخصوص ومن رسيسها أيًّا كانت ألوانها، ومن تبعيات أخرى تأتي على جذور الأصالة والهوية والشخصية العربية وظواهر الانتماء بمفهومه الأصيل العميق… وتحريرٍ للإعلام والمعلومات من حصرية التدفق عبر قنوات غربية صهيونية لا غير، وفي اتجاه واحد في أكثر الأحيان، ومن ثم تحرير أوسع للعلاقات والمصالح والتبادلات والثروات، وتحرير للشخصية العربية بصورة عامة مما يعوقها ويقمعها ويرهبها ويعوق انطلاقها وقدرتها على الأداء بإبداع، أي تخليصها من الجهل والإحباط والقمع والاضطهاد والجاهلية والأمية بنوعيها: ”عدم القدرة على القراءة والكتابة وأمية ثقافية أو معرفية عامة”…

إنه مشروع تحرري تحريري بالمعنى الروحي والمعرفي العميق، يشمل تحريراً للفكر والسلوك العربيين من رواسب وسلبيات وقيود وعادات وتقاليد وأنماط تفكير وعمل وسلوك وتعامل قديم ومعايير وقيم بالية أو دخيلة فاسدة، وينصب على تجديد للمفاهيم وتحديد للمصطلحات وفتح أبواب الاجتهاد وأبواب الحوار والمجادلة الحسنة باحترام، ونبذ للغوغائية ونهجها وسدنتها وللهمجية بأشكالها…

فقالوا لنا هذا هو التيه والسير وراء السراب، وعدلوا بنا عن ذلك المسار وعن تلك المسيرة لما قالوا إنه الواقعية والخير… وإذا بهم يزجوننا في التقزيم والتمزيق والتهديم والتشرذم والتشرد والموت وألوان من الطغيانية والتبعية والارتهان للغرب الاستعماري ولغيره من القوى لكي نستبدل ذلاً بذل وتخلفاً بتخلف وتبعية بتبعية…

كان المشروع الحضاري النهضوي القومي بنظرنا هو ذلك الذي يتركز أساساً حول موضوع الوحدة والعمل العربي المشترك والاستنهاض العربي العام في نهضة علمية معرفية اقتصادية شاملة متكاملة… مشروع ينصب على تحقيق تقدم علمي نظري وتطبيقي في مجالات مدنية وعسكرية، وعلى اكتساب الرؤية والقدرة على التكامل، والتعامل مع معطيات عصر الفضاء والمعلوماتية والهندسة الوراثية والأسلحة البيولوجية والنووية والعلوم المستقبلية مثل ”النانو” وسواه لتحقيق توازن مع القوى المعادية من جهة والاستجابة الحيوية الضرورية لتحديات العصر والعلم والمستقبل التقدم الحضاري من جهة أخرى…

لقد كان المشروع القومي من منظورنا نحن الذين تعلقنا به مذ كان عاطفة مشبوبة وحلماً متوهجاً في الوجدان وتطلعاً تبنى عليه الآمال والتطلعات كان: وحدةً تؤسس للقوة، ووعيا يؤسس للحرية، وحرية تؤسِّس للتحرير والإبداع والعيش بكرامة، وعدالة اجتماعية تؤسَّس على نظام يؤدي الغرض ويحقق صلابة البنية الاقتصادية واقتدارها.. وكنا كما قيل لنا ”حالمين واهمين مهرطقين…”

فما الذي آل إليه حلم الواقعيين اليوم؟ إنه حلم اجتماع الزواريب على التقاتل أو الاتفاق على إدارة التنازع… بجهل وجاهلية وعنتريات ”أهلية”. فهل هذا حلم وتطلع وأفق لشباب أمة يريد أن يقيم قوامها على أنقاض أحلام القوميين المنهارة؟!

لقد آل المد القومي إلى انحسار، والحلم القومي إلى انكسار، وآل الأمر إلى فئات وجهات وتنظيمات وسياسات قتالة، في ظل قوقعة قطرية تشكل صيغة اعتراضية على النزعة القومية والدعوة القومية معاً وحتى على الفكر القومي ذاته… قوقعة تحرسها أنظمة مدججة بقوةِ السلاح، ومؤسسات عربية ودولية تتدخل لتفرق وتمزق أو تميت، وتحالفات واتفاقات حتى مع الأعداء على الأشقاء، واستعداد للتعاون مع الشيطان ضد الشقيق والأخ، وتفعيل مبدأ السيادة  ”الأنا المتورمة أولاً” في وجه كل توجه أو أداء أو قرار قومي حكيم قويم سليم، واستكانة أمام التدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر وأمام أشكال الاحتلال المموه بشكليات سيادية كرتونية مزخرفة، بل استجداء ذلك التدخل واستدعائه ومناصرته وتمويله للفتك ببعض قوى الأمة ليأتي من بعد دور القوى المتبقية منها، كل حسب وقته… وتحويل جامعة الدول العربية إلى دثار وستار للاستعمار.

فإن ما نعيشه من أوضاع مأساوية تنذر بمزيد من الكوارث والمواجهات الدامية وتضع البعض منا أمام اليأس والاستسلام أحياناً، وتثقل كاهل الكثيرين بالهم والإحباط والبؤس، وتترك شريحة لا يستهان بعددها، تعطي ظهرها للواقع وللحلم والأمل والهدف وحتى للمبادئ الخلقية والقيم القومية والوطن الضيق، وتقول نقبل بما يُعطى لنا من فتات… فإن التصدي لذلك كله بمشروع طموح خلاق، بواقعية وتصميم ورؤية تتكامل بجهد الجميع، لم يعد منه محيص وليس له بديل… ولا يبدو أن العاملين في حقل السياسة المهلكة اليوم من ”سلطات ومعارضات” ومتعيشة على هامش السلطات والمعارضات، يمكنهم أن يسيروا في طرق آمنة توصلنا إلى أمن من جوع وخوف، فضلاً عن التقدم والنهضة… وما نعيشه اليوم ينذر بأن الآتي سيكون أكثر من كارثي بكل المقاييس.

إن من المؤلم أكثر وأكثر في وضعنا الراهن أن المعنيين لا يشعرون بالقلق الايجابي حيال ما يجري، وأننا نخوض في الدم وكأننا نخوض في الماء، ونتفرج على الحرائق ونقول إنها لم تأت بعد على كل شيء ولم تبلغ بعد البلدان المجاورة أو أنها لم تبلغ بعد بيتنا، على الرغم من رؤية شررها يقدح في كل ركن من أركان وجودنا.

إننا ننساق مع التيار من دون أن نشعر بالمخاطر التي ينطوي عليها الانسياق، ولا بقيمة الزمن الذي يمضي ويؤسس للكثير مما يمكن أن يكون نافعاً أو ضاراً، حسب استفادتنا من الزمن، ولا نكترث لضرورات التحرك بأقصى السرعة للجم الفتنة ومنع الكارثة واللحاق، إذا لحقنا، بآخر عربات قطار السلامة الذي يغادر محطاته متوجهاً بالبشر إلى مرحلة جديدة من عصر التقدم المذهل الذي نمر فيه.

نحن خارج حدود القلق الخلاق، أي خارج حدود المعرفة الواعية بالخطر والخير والشر، وخارج حدود المسؤولية الأخلاقية والوطنية العليا، وخارج حدود الشعور المؤثر بما يسبب الدمار والاندثار، وخارج دوائر التبصر بالخطر الناتج عن تجييش العباد في صفوف الفتنة… وتلك من أكبر السلبيات التي علينا أن نواجهها، فيما إذا أردنا أن نبقى لكي نتطلع بفاعلية وأملٍ وإيجابية إلى حلمنا بما كان مشروعنا القومي الحالم والتحديات التي تواجهه ونتخلص من المشروع الواهم الذي نخوض مخاضات الدم على طريقه، ولذا وجب التأكيد على من يخوضون في الدم ويتسببون في القتل والفتنة أن يتركوا فرصة للحياة والأحياء باستراحة يأخذونها ليرتاحوا ويريحوا.

معظم القوميين العرب يستفيقون اليوم على هذه الحقيقة الجارحة، ويلمسونها لمس اليد، بعد أن صحت أعينهم وعقولهم من وهم الثورات، التي شاركوا فيها واعتقد بعضهم أنها باب الخلاص من النظام الرسمي العربي الحاكم الذي أفرغ القضية العربية من مضمونها، واقتصر دوره على السهر على رعاية المصالح الغربية، واستكمال بناء جسور التطبيع مع الصهاينة، لكن هذا البعض وجد نفسه في زمن قياسي أمام مشروع نظام رسمي عربي جديد، لا يختلف عن سابقه في شيء سوى في مكوناته، التي حل فيها تحالف الظلاميين والليبراليين الجدد محل قوة الاستبداد المنهارة، مع فارق أن التحالف الجديد، الذي احتل مركز القرار في أكثر من بلد عربي، أطلق رياح الفوضى وراح يعزف على أوتار العصبيات النائمة، لإيقاظ الفتن والرجوع بالعروبة وثقافتها الحضارية إلى الأفق الجاهلي المغلق منذ قرابة خمسة عشر قرناً، وفي هذا المناخ تعود للقومين العرب ذاكرتهم، وتشتعل الأحلام في عيونهم من جديد، وتبدأ طلائعهم بالإعلان عن نفسها في هذه العاصمة العربية أو تلك، فهل سيكملون اقتناص الفرصة، أم أن تشوهات العروبة وعللها باتت أكبر من كل الأحلام!

ولأن التاريخ سلسلة متعاقبة متواصلة لا تنقطع من الأحداث، قوانينها التقدم والانحناء والمرحلية، ولكل مرحلة بصمة تمنحها خصوصيتها، فإن إعادة النظر في الفكر القومي العربي، ينبغي أن تنطلق من وعي طبيعة المرحلة التي هيأت للانتقال لمرحلة الثورات العربية، من خلال التعرض للظروف التي حكمت مجرى النضال الوطني التحرري العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص التلازم والوحدة في ذلك النضال، وتداخل وتشوش المبادئ والأفكار التي رفعتها أحزاب وتنظيمات الحركة الوطنية العربية.

والأهم هو الابتعاد عن سياقات تقديم أجوبة متغايرة عن أسئلة الحاضر، والبحث في إشكالية التقدم والخلاص من حالات الاستبداد المقيم في البلدان العربية، وعدم الركون إلى الدعوات القائلة بخصوصية الهوية، القائمة على ميتافيزيقا التمركز المضاد للتمركز الغربي على الذات، التي تضع الذات في مواجهة مع الآخر، والبحث عما هو كوني ومشترك معه.

وقد برهنت التجارب القومية أن دعوات التميز والخصوصية كانت تخرج عن عقلية الإلحاق والقطبية، مع التسليم بأن عالم اليوم لا يمكن تغييره بالخروج منه، وأن المطلوب هو العمل على تعميق القيم الكونية المشتركة للإنسانية، في حق الشعوب والعربية في الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والتنمية والتعاون المشترك والمتكافئ. وإن كان ثمة خلاص من حالة الحاضر المتردي والمنهار، فلا يمكن أن يتم بالهروب منه إلى الأمام ولا إلى الوراء.

اليوم هناك حاجات ضاغطة لكي نبدأ الآن، هذا السياق والنسق والمسار النضالي ـ المعرفي، لكي لا نبقى في دوامة هذا الصراع والتأزم، وهنالك دعوات شعبية حارّة تنطلق من هنا وهناك لضبط وعقلنة هذا الواقع العربي واقتلاع لا عقلانيته، ووقف الانحدار والتراجع في مساراته، وهي دعوات ترنو إلى تحديد نقاط بداية استنهاضية وحافزة، والتوحد في مشروع قومي يستمد معانيه من التاريخ المباشر للأمة تتأسس عليه الانطلاقة والأفكار الجديدة المفترضة بعد السير في عملية تفكيك تاريخية لهذا الانحسار والانسداد وأسبابه واستنباط مخرجات استنهاضية مغايرة، ومراجعة كافة محطات الإعاقة والتثبيط، وافتتاح حقل جديد في النقد والمراجعة الخلاقة، وخلق آفاق جديدة للتجاوز، وليس هذا بعسير أو مستحيل إذا توفرت الإرادة الحقيقية لذلك، والفهم التاريخي الخلاق للمرحلة وضروراتها لدى قوى وتيارات الأمة.

 

وليس فيما نقول وما ندعو إليه دعوة أو صيحة مثالية وتجريدية وشطح سياسي من وحي الخيال ورومانسية الفكر والتفكير، وإنما هو في صميم عملية البحث عن آفاق جديدة للتجاوز، ولأنه يتعذر على أي أمة أن تبدأ دون هذه النقلات والصحوات والتحولات النوعية في فكرها وواقعها، ففكر النقد والمراجعة هو من قاد الأمم إلى معرفة ذاتها وإمكانياتها وهو من قادها إلى دروب النهضة والتقدم ووضعها على سكة التاريخ وفي صميمه بعد أن مرت بمخاضات وتعقيدات وتراجعات كبيرة.

المطلوب اليوم مشروع وطني قومي تنهض به القوى الوطنية والقومية والتقدمية والإسلامية المتنورة لإنتاج فكر عقلاني عروبي ديمقراطي يحمل رؤيته وانفتاحه ومحبته وتسامحه بعيداً عن الانغلاق والتعصب، وهو مشروع شعبي، ولن يكون إنتاج أنظمة رسمية بل إنتاج تيارات ونقابات ومثقفين وأحزاب ومجتمعات أهلية ومتنورين إسلاميين، يعيد عقلنة الشارع العربي والنهوض بوعي طبقاته المستغلة فكرياً، واختراق بناه المغلقة، والمستلبة في تفكيرها ووعيها.

إنه مشروع بعث عصر أنوار جديد مجتمعي ووطني وقومي وكم نحن بحاجة إلى التنوير الجديد، إنه الوعي الجديد… إنه الوعي البديل.

ويمكن القول بأن إعادة النظر في الفكر القومي، تستلزم الابتعاد عن أفكار وطروحات أصحاب المشاريع النهضوية والدعوات الوحدوية، الذين تمادوا في إطلاق التعميمات والأحكام التي كانت تدور في رؤوسهم، وحاولوا فرضها على الواقع المتعين لكل البلدان العربية، وذلك على خلفية أن انهيار وخراب الواقع لا ينصلح ولا يستوي إلا إذا انسجم مع الحلول التي سكنت رؤوسهم، وبالتالي يتمادون في الغوص في فعل التسمية ومنطق التعميم، اللذين لم يفضيا إلا إلى تصور واقع متخيل، أو بديل افتراضي، عن واقع البلدان العربية المتعين وإشكاليات ومشاكل كل بلد منها.

فالقومية العربية مازالت فرس الرهان الذي يمكن الوثوق به، ومشعلها الذي سطع لهيبه في أواسط القرن الماضي، مازال جمرة تحت الرماد، ومثلما استطاع روادها الأوائل في ذلك الزمن إطلاق الطاقات الكامنة في الأمة من أجل الوحدة والتحرر ومناهضة النفوذ الاستعماري ومواجهة الكيان الصهيوني، فإن النخب القومية الحاضرة التي جربت مرارة الردة في العقود الأخيرة، تستطيع اليوم أن تلمّ شتاتها وتعيد صياغة خطابها السياسي في ضوء ما يجري اليوم في تونس وليبيا ومصر، واليمن وسورية…

المارد الصيني… وانهيار هوس الهيمنة الأحادية؟ بقلم: مصطفى قطبي

 

 من أرشيف رؤية

في التغيرات السياسية الكبرى على صعيد العالم لا بد من ممهدات تبنى على مدى سنوات عدة، يتبعها حدث كبير يسرِّع استكمالها ويهيِّئ الشروط اللازمة للتغيير. وما أكثر أمثلة التاريخ على هذا، لعلّ أقربها قيام الحرب العالمية الثانية التي أفضت إلى انتهاء أدوار لدول كثيرة على الساحة الدولية، وإلى بروز القطبين الاشتراكي والرأسمالي وقيام الحرب الباردة بينهما.

 

لقد أفاق العالم من كابوس الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلة حلف وارسو، وما كانا يمثلان من قوة عظمى نافست الولايات المتحدة الأميركية وحلف الأطلسي على زعامة العالم. ووجدت الولايات المتحدة نفسها وحيدة تتربع على عرش الدولة الأقوى في العالم. لكن تداعيات الحرب على الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر أضرت كثيراً بقدرات الولايات المتحدة، وجعلت بعض الدول ترنو إلى منافسة الأميركيين.

فهل تنتظر الولايات المتحدة والعالم ظهور عدو أكبر ينافسها على هذا الموقع وقد يزحزحها منه؟ و هل نحن على أعتاب حرب باردة جديدة؟

يقول مثل صيني إذا امتطيتَ نمراً فلن تنزل عن ظهرهِ بسهولة”. وهذا المثل يختصر إلى حد بعيد طموحات الصين وخططها المتعلقة بدورها في الساحة الدولية.

 

المراقبون ينطلقون في مناقشة جملة من المسائل المتعلقة بالأوضاع الداخلية للصين وبالسياسات الدولية التي تنتهجها، من خلال التركيز على الجديد والابتعاد عن المناظرة الفكرية الأيديولوجية التي تخص الصين وحزبها الحاكم منذ العام 1949، وهو العام الذي أعلن فيه عن قيام جمهورية الصين الشعبية بقيادة (ماوتسي تونغ) واندحار خصمه اللدود (تشن كاي تشيك) الذي لجأ إلى جزيرة تايوان في بحر الصين ليعلن من فوق أرضها عن قيام جمهورية الصين الوطنية.

فالزعيم الصيني الجديد، ينتظر ملفات معقدة خلال فترة رئاسته هذه المرة والوضع الدولي، وعلى مستوياته المختلفة، يغلي ويمور بأزمات هائلة في أكثر من مكان، وتجاه أكثر من عنوان يثير اهتمام الصين انطلاقاً من وزنها ودورها الدولي بعد أن باتت منذ أكثر من عقدين من الزمن قوة مقررة في ميدان السياسات العالمية، خصوصاً في الميدان الجانب الاقتصادي.

 

فماذا عن الصين التي ”ربّما” قلّما يفصَّل في شأنها؟


قبل الحديث عن دور الصين الاقتصادي والعسكري وعن أسباب ولوجها الجانب السياسي لحلّ الأزمات العالمية لأول مرة وبهذه الثقة ومن البوابة السورية، لا بد من الإشارة بداية إلى الدور الذي لعبته أميركا خلال العقود الماضية للحد من بروز التنين الصيني بطرق مختلفة وفي كثير من القضايا، سواء فيما يتعلق بدوره في هيئة الأمم المتحدة أو في خلق مشاكل له مع جيرانه وخصوصاً تايوان واليابان، أو من خلال الضرب على وتر حقوق الإنسان في الصين الذي دائماً ما تتغنَّى به أميركا مدّعية أنها المدافع الأساسي عن هذه الحقوق.


بعد الإعلان عن قيام جمهورية الصين الشعبية استمر كفاحها قرابة اثنين وعشرين عاماً للانضمام إلى منظمة الأمم المتحدة، وخلال كل تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تدرك مدى أهمية الصين وتنظر لها كعملاق نائم، وظلت الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت ضغط الولايات المتحدة ترفض قبول الصين الشعبية في مقعدها بالمنظمة كممثل وحيد عن الشعب الصيني حتى عام 1970 حين أدركت الولايات المتحدة عدم استطاعتها إيقاف مدِّ الصين الشعبية على الساحة الدولية وعدم قدرتها على وقف انضمام الصين، وعند ذلك انتهجت أميركا سياسة جديدة أعلن عنها وزير خارجيتها الأسبق ”وليم روجرز” قائلاً: ”إن الولايات المتحدة ستؤيد ضم الصين الشعبية، ولكنها ستعارض طرد فورموزا” (الإسم القديم لتايوان)، وهذا يوضح المحاولات الأميركية لإضعاف وحدة الصين والتعامل مع الصين وتايوان كدولتين منفصلتين لكل منهما ممثل في المنظمة الدولية.

واعتبرت الحكومة الصينية أن دعم واشنطن لتايوان تدخّل سافر في الشؤون الداخلية للصين هدفه ممارسة الضغط على بكين وخلق توتر في المنطقة للامتثال لسياسات أميركا كون الأخيرة تدرك مدى الخطر الصيني على الهيمنة الأميركية، وبهذا الصدد يقول الصينيون إن تايوان كانت على وشك التوحد بالوطن الأم لولا تدخّل الولايات المتحدة.

 

وفي شباط من عام 1995 أعلنت وزارة الدفاع الأميركية بشكل واضح تحت عنوان ”الإستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة بشأن منطقة شرق آسيا ـ المحيط الهادي”، أن الصين تمثل تهديداً للأمن في شرق آسيا، ولذلك فإن على الولايات المتحدة الاحتفاظ بقوات عسكرية في المنطقة إلى أجل غير مسمى، وهذا ما تجسد عملياً عام 2000 حين تم توسيع برنامج التدريب الأميركي للعسكريين التايوان.


أما على صعيد حقوق الإنسان ففي عام 1999 أصدر مجلس الشيوخ الأميركي قراراً يدين فيه حالة حقوق الإنسان في الصين، إلا أن الصين ترى بالمقابل أن واشنطن تقوم بتوظيف مغرض لملف حقوق الإنسان معتبرة إياه ورقة ضغط على السلطات الصينية، فقامت الصين بدورها بإصدار تقرير تحت عنوان ”حقوق الإنسان في الولايات المتحدة عام 1999”، تشير فيه إلى أن أميركا لا تحظى بسجلّ طيّب في مجال حقوق الإنسان، كما أنها تعاني من تفشي العنصرية ومشكلات أخرى، وبالتالي لا تصلح لإصدار أحكام على الدول الأخرى.


ولم تكتفِ أميركا بذلك بل راحت توسع نطاق تحالفها الأمني والسياسي والعسكري مع بعض قوى الجوار الإقليمي للصين كاليابان مثلاً، هذا التحالف الذي تأسس لمواجهة الخطر السوفييتي السابق، ومن ثم تحول لاستيعاب القوة الصينية ومواجهة الأخطار المحتملة على المصالح الأميركية واليابانية في منطقة شرق آسيا، حيث إن الوضع الجغرافي الإستراتيجي لليابان هيَّأ قاعدة عسكرية إستراتيجية للولايات المتحدة قوامها أكثر من 47 ألف جندي أميركي.


وبالنسبة للهند فقد قامت واشنطن بتزويدها بما تحتاجه من معدات وأسلحة متطورة وصواريخ بعيدة المدى يمكن أن تمثل تهديداً قوياً للصين.

إن قادة الصين يرون أن الإستراتيجية الأمنية التي تحاول واشنطن تطبيقها سوف تحوّل فضاء آسيا إلى ساحة معركة جديدة وستهدد السلام في تايوان وآسيا والباسفيك، لذلك قامت الصين بتحذير واشنطن مراراً من أن إقدامها على بناء هذه المنظومة سيدفع بكين إلى تقديم تكنولوجيا الصواريخ لدول أخرى تعادي أميركا.

 

إن هذه المحاولات الأميركية التي استهدفت تطويق وإضعاف الصين كي تضمن مصالحها الحيوية في آسيا لم يُقعِد الصين مستسلمة، بل دفعتها كي تمارس دوراً أكبر في معادلة الأمن الإقليمي على كل الصعد، فعلى صعيد العلاقات مع الدول التي حاولت أميركا استغلالها لصالحها وضد الصين لم يمنع ذلك من سيطرة البعد الاقتصادي على العلاقات بين بكين وهذه البلدان، فأضحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري لليابان، كما أصبحت سادس أكبر سوق لها أيضاً. فضلاً عن علاقاتها مع أصدقائها الباكستان وميانمار وسيريلانكا ونيبال وبنغلادش في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والعسكرية. أما على صعيد علاقاتها مع روسيا فقد توسعت المصالح وتطورت العلاقات بعد انتهاء الحرب الباردة وازدياد مخاوف الطرفين الصيني والروسي من الوجود العسكري الأميركي في منطقة المحيط الهادي، فتوطد التعاون بين الصين وروسيا على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي نيسان 1997 وصلت العلاقات بينهما أوجها، وصدر بيان عن القمة الروسية الصينية أكد رفضهما سياسة القطب الواحد التي تنتهجها واشنطن وعدم الارتياح لسياسة توسع حلف الأطلسي وتدعيم التكتلات العسكرية، والتأكيد على رغبة كل من موسكو وبكين في إقامة نظام دولي جديد قائم على تعدد الأقطاب تتعامل فيه الدول على قدم المساواة.

 

إن الحديث الآن، والكتابة عن جمهورية الصين الشعبية لا يتأتيان انطلاقاً من رؤية أيديولوجية بحتة ومحضة كما يحلو للبعض من المتسرعين، بل من منطلق دراسة ظاهرة التَحول الجارية في الصين الشعبية منذ العام 1976، والتي بدأ معها الخفوت التدريجي لظاهرة التزمت الأيديولوجي التي رافقت قوى وأحزاب ومنظومات سياسية على امتداد المعمورة خلال العقود التي تلت انتهاء الحرب الكونية الثانية عام 1945 حيث سقطت نظريات وأفكار وانهارت عصبيات (فاشية ونازية على سبيل المثال) وحل مكانها نظريات وأفكار أحادية الحامل والاتجاه، وصولاً لانهيار منظومة حلف وارسو، ومحاولة الولايات المتحدة من بعدها تشكيل القطب الابتلاعي الجديد في العالم تحت عنوان العولمة (لكنها العولمة الأحادية الوجهة).

وعليه، فالقيادة الصينية الجديدة تضع أمامها وللمرحلة التالية قضايا رئيسية تتمحور حول ملفات مترابطة، أولها الملف الاقتصادي وببعده ومنعكساته والذي يُمثل الهم الرئيسي. و ثانيها الملف السياسي ومستقبل علاقات الصين ودورها في الساحة الدولية.

 

فخلال فترة قصيرة نسبياً أقل من عشرين عاماً أصبحت الصين عملاقاً اقتصادياً، وقفزت إلى المرتبة الثانية باقتصاديات العالم، لكن تنامي قدرات الصين العسكرية والسياسية لم يحدث بالسرعة نفسها التي حصل فيها نمو الصين الاقتصادي، و يمكننا تفهم الأمر على ضوء الفلسفة الاستراتيجية العليا للصين، فقد استوعب الصينيون الدرس الروسي واستفادوا منه عندما تحول الاتحاد السوفييتي إلى عملاق عسكري وسياسي دون أن تتطور قدراته الاقتصادية بنفس المستوى، وكانت النتيجة أن انهار الاتحاد السوفييتي لأسباب اقتصادية، كما أفادت تجربة ”البريسترويكا” الروسية الصينيين الذين تصدوا بقوة لشبح التخريب الذي أطل على الدولة الصينية في أحداث ساحة” تيان آن مين”، و ركز المارد الصيني خلال العقدين الأخيرين على النمو الاقتصادي.

 

لكن الصين اليوم أخذت تلعب دوراً سياسياً كبيراً لا يمكن إنكاره، فقد حضرت بقوة في مجلس الأمن الدولي عبر استخدامها لحق النقض ثلاث مرات في فترة قصيرة بالتشارك مع الروس، وأخذ الكثيرون يتحدثون عن المحور الاستراتيجي الروسي ـ الصيني، ولهذا التحالف مبررات و دوافع جيوسياسية كبيرة ومهمة للطرفين الروسي والصيني اللذين يحتاجان لبعضهما في أكثر من مجال استراتيجي قد تصل في بعض المجالات لحد التكامل، ففي المجال الاقتصادي يحتاج الصينيون لموارد الطاقة الضخمة و الكبيرة جداً في روسيا، والصين أيضاً بحاجة للموارد الزراعية الكبيرة في روسيا من قمح و غيره، كما تحتاج الصين للتكنولوجيا العسكرية والفضائية الروسية المتطورة، وبدورهم يحتاج الروس للسوق الصينية الهائلة، وللتكنولوجيا الرقمية العالية التي تتميز بها الصين، وتدرك روسيا و الصين أنهما بحاجة للوقوف معاً في وجه الغرب الذي يريد بسط هيمنته على الساحة الدولية، لكن ذلك لا يعني أن العلاقات بين الطرفين الروسي و الصيني لا تشوبها شائبة، فهناك مشاكل خفية حول سيبيريا الشرقية التي تسللت إليها في العقدين الأخيرين أعداد كبيرة من الصينيين إلى الحد الذي اعتبر تهديداً للتركيبة الديموغرافية للمنطقة، وهو الأمر الذي دفع بالرئيس ”بوتين” إلى القيام بزيارة طويلة للمنطقة استغرقت عدة أسابيع للاطلاع على الواقع عن كثب، والروس يعانون مشكلة ديمغرافية جدية تتضح في انخفاض معدلات المواليد الجدد إلى الحد الخطير، وتبين الإحصائيات أن النمو السكاني في روسيا في الحقبة ما بعد السوفييتية أصبح سلبياً، أي أن عديد السكان بدأ ينخفض بدلاً من الزيادة، وهو أمر شديد الخطورة في دولة هي الأكبر من حيث المساحة في العالم وتتجاور مع أكبر دولة من حيث عديد السكان في العالم، و بلغة الأرقام يعيش في روسيا أقل من 140 مليون من البشر على رقعة تتجاوز 17 مليون كيلومتر مربع في حين يعيش مليار ونصف المليار من البشر في الصين على رقعة من الأرض تقارب تسعة ملايين وستمائة ألف كيلومتر مربع، و هنا يلعب العامل الديمغرافي دوراً مهماً في رسم سياسات الطرفين، و سياسة الطفل الواحد للأسرة الصينية قد تعيق التطور الاقتصادي الصيني لأن شيخوخة المجتمع الصيني الحتمية قد تعيق الاقتصاد، وبالتالي ستضطر الصين في وقت من الأوقات إلى التخلي عن هذه السياسة.

 

و يشعر الروس أن ثرواتهم العظيمة موضع أطماع الآخرين، وعلى رأس هذه الثروات وجود أعظم احتياطيات العالم من النفط و الغاز والمياه العذبة و الغابات و الأراضي الزراعية الواسعة والتي ازدادت أهميتها في ظل الاحتباس الحراري الذي أدى إلى إمكانية استخدام أراضٍ كانت صحارى جليدية في الزراعة، وقد عبر الرئيس الروسي عن مخاوف القيادات الروسية بقوله في حديث لقناة روسيا اليوم بتاريخ 22/2/2012:  ”فطالما أن ”بارود” القوات النووية الإستراتيجية، التي تم خلقها بجهود آبائنا وأجدادنا الجبارة، يظل (البارود) ”جافا”، لم يجرؤ أحد على إطلاق العنان لعدوان واسع النطاق ضدنا”، و أضاف ”بوتين”: ”تندلع أمام أعيننا حروب إقليمية ومحدودة جديدة، وتظهر مناطق عدم استقرار وفوضى موجهة ومفتعلة… أضف إلى ذلك من الممكن ملاحظة المحاولات المتعمدة لاستفزاز مثل هذه الصراعات في المناطق المجاورة المباشرة لحدود روسيا وحلفائنا… نحن نشهد كيف انهارت وانحطت قيمة المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وبخاصة في مجال الأمن الدولي، في هذه الظروف لا يمكن لروسيا لاعتماد على الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية فقط لرفع التناقضات وحل الأزمات… وتقف أمام دولتنا مهمة تطوير الكفاءة العسكرية، في إطار إستراتيجية الاحتواء وعلى مستوى الكفاءة الدفاعية المطلوبة… وعلى القوات المسلحة والقوات الخاصة ووحدات الجيش أن تكون مستعدة للقيام برد سريع وفعال على التحديات الجديدة… إنه شرط أساسي لتشعر روسيا بالأمان ويأخذ شركاؤنا حجج بلادنا بعين الاعتبار في المنظمات الدولية المختلفة”.

إن المزايا التي تمتعت بها الصين خلال السنوات الأخيرة أصبحت خارقة للغاية ويمكن الإشارة إلى بعض منها باختصار شديد على النحو التالي:

أولاً: من الناحية الاقتصادية:

1ـ أصبحت الصين بين الثلاث الكبار المصدرين للسلع في العالم، ومن المعتقد أن تصبح الأولى في غضون سنوات قليلة جداً.

2ـ من المرجح أن تحتل الصين قريباً مركز القوة الاقتصادية الأعظم في العالم كما تقول تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيره من المؤسسات الاقتصادية الدولية.

ثانياً: من الناحية العسكرية:

1ـ امتلاك الصين منذ سنوات عديدة للصواريخ البالستية العابرة للقارات، إضافة لمتوسطة المدى، وكذلك للغواصات النووية الحاملة للصواريخ البالستية، فضلاً عن القاذفات الإستراتيجية، وأكثر من 2400 قنبلة نووية، وتمتلك ما يفوق 3500 صاروخ يبلغ مداها 14900 كم، وما يزيد على 38 ألف دبابة و49 ألف قطعة مدفعية، وأكثر من 500 سفينة وقطعة بحرية، إضافة إلى آلاف الطائرات بما يقارب ضعفي الطائرات الروسية، مع العلم أن الصين غزت الفضاء منذ عام 1973، وأرسلت أكثر من قمر صناعي لمهمات عسكرية وتجسسية.

2ـ منذ نحو 15 سنة وفي تقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن 4/8/1997 الذي يعد المؤسسة العسكرية الرئيسية في العالم جاءت بعض التوقعات العسكرية عن دول العالم، وقد تضمن في استنتاجاته ”التي أصابت إلى حد كبير’ حول الصين ما يلي:

”إن القوة النووية الصينية في غضون 15 عاماً ستتمتع بالقدرة على إصابة الأهداف في آسيا وغير آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة، كما أنها ستمتاز بقوة نووية أكثر فاعلية من الصواريخ البالستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية يتراوح مداها من 8 ـ 12 ألف كم، وستطور ما بين 3 ـ 4 غواصات نووية من الجيل الثاني المزود بصواريخ يزيد مداها على 8 آلاف كم، كما أنها ستقوم ببناء 6 غواصات مزودة بالصواريخ البالستية القادرة على إصابة أهداف في آسيا تحت الماء، وسوف تمتلك عدداً من صواريخ جو ـ جو يصل مداها إلى أكثر من 900 كم مزودة برؤوس كيميائية ونووية”.

وبالفعل وصلت الصين إلى حالة الردع النووي وأصبحت قوة لا يستهان بها من قبل القوى النووية الأخرى في العالم.

ثالثاً: على الصعيد السياسي:

على الرغم من كون الصين من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ولها القدرة على استعمال حق الفيتو، إلا أنه لم يُسجَّل لها عبر تاريخها في هذا المجلس أن استطاعت أداء دور بارز من موقعها، بل كانت مواقفها دائماً أقل من الدول الأخرى الأربع الدائمة العضوية في التأثير والفاعلية، فلم تخرج عن نطاق السياسة التي تتجنب المخاطرة والتي تنتهج منهجاً بعيداً عن المشكلات التي تدور على الساحة الدولية، فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بقضية كوسوفو، لم تستطع الصين الخروج عن نطاق التصريحات على الرغم من أن السفارة الصينية قد استهدفتها طائرات الناتو في بلغراد، وكذلك الأمر أثناء الأزمة التي حدثت بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية حليف الصين جرّاء تصنيع كوريا للسلاح النووي، وأثناء ذلك لم يكن موقف الصين ذا تأثير في هذه الأزمة ـ على الرغم من أن التهديد الأميركي قد أصبح بالقرب من الصين ـ سوى لعب دور الوسيط بين أميركا وكوريا عام 2003، أضف إلى ذلك الدور السياسي الضعيف الذي قامت به الصين عند الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق.

لكن الدور السياسي للصين بدأ يبرز بقوة منذ العام الماضي، إذ استخدمت حق الفيتو ثلاث مرات في أقل من عام واحد ضد المشروع الأميركي الفرنسي البريطاني المقدم في مجلس الأمن لدخول حلف الناتو إلى سورية.

إذاً نحن أمام قدرات ثلاث فائقة امتازت بها الصين إلا أنها لم تعلن ميلادها إلا تباعاً، فالقدرة الاقتصادية الواضحة التي برزت من خلالها الصين قوة عظمى على الصعيد العالمي منذ سنين، والقدرة العسكرية الهائلة التي لم تستخدمها، ولم تخرج خارج حدود الصين بعد، في حين القدرة السياسية الكامنة التي فعّلتها لأول مرة معلنة ولادتها، فكانت لحظة البدء من البوابة السورية ضد المشروع الأميركي الذي طالما وقف ضد استقرار وطموحات الصين وحاول تحجيم قدراتها في البروز كقطب في عالم تسعى الصين لأن يكون متعدد الأقطاب ودون هيمنة لقطب بعينه.

فبكين إلى جانب تعاملها مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية تواجه مشاكل حقيقية على الجبهتين الجيوبوليتكية والاستراتيجية، في سعيها للمساهمة في ولادة عالم متعدد الأقطاب والمشاركة بشكل أكبر وأفعل في الساحة السياسية الدولية وإدارة الأزمات العالمية.

ومن هنا، وعلى ضوء تشابك الأمور والمعطيات وتداخل السياسي والاقتصادي وبروز الصراعات الخفية الهادفة للاستحواذ على المكاسب في السوق الدولية، جعل من إشكاليات وتعقيدات العلاقات الأميركية الصينية أوسع بكثير وأعمق من أي قضية مفردة أمام واشنطن، فهي تلخص القضايا العالمية والإقليمية المهمة، كما تلخص إلى حد بعيد هذا النمو المتزايد لمراكز القوى والاصطفافات في العالم على حساب انحسار وتراجع القطبية الأحادية الأميركية وسياسة العولمة التي أرادت منها الولايات المتحدة ابتلاع العالم بأسره. كما في بروز حالة التنوع الجغرافي وحتى الأيديولوجي والسياسي العام في الاصطفاف إياه، خصوصاً مع بروز مجموعة دول البريكس الدولية (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) والمتوقع أن تدخل منها كلاً من البرازيل والهند وجنوب إفريقيا للعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وهو أمر مهم جداً، ويتوقع له أن يترك انعكاساته على مجمل مسارات السياسات الدولية خلال العقدين القادمين

وفي هذا السياق، كان وما زال للموقف الصيني الأثر الكبير في لجم الإندفاع والتهور الأميركي تجاه العديد من الملفات الدولية المعقدة، وتجاه العديد من المواضيع المثارة على كل المستويات الأممية، وقد كان الملف النووي الإيراني واحداً منها، حيث سقطت سياسة التهديد العسكري الأميركي تقريباً وحتى بالنسبة لسياسة العقوبات التي تلوح واشنطن بتصعيدها من حين لآخر ضد إيران. وهو ما دفع بالرئيس الأميركي ”باراك أوباما” طوال حقبته الرئاسية الأولى، لتفضيل الخيارات الدبلوماسية بصورة واضحة، وتركيزه على العمل مع حلفائه سياسياً ودبلوماسياً كبديل عن استخدام القوة، في رؤية لا يستطيع من خلالها تجاهل الدور الروسي وحتى الصيني في معالجة الموضوع النووي السلمي الإيراني.

وخلاصة القول، وبعيداً عن تقييم ونقد سلطة وفكر وأيديولوجية الحزب الحاكم في الصين وطبيعة النظام الشمولي كما يرى الكثيرين منا، فإن بكين تشق طريقها في ميدان الفعل الدولي على كل مستوياته باقتدار باحثة عن مصالحها فيما نزال نحن العرب غرقى في سبات عميق.

على الهامش:

 

قبل أكثر من عقدين سُئل الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الأب عن الصين وعن احتمال قيام تغيير سياسي كبير فيها على غرار الكتلة الشرقية السوفييتية فرد بوش بالقول: ”دعوا ذلك الوحش نائماً”،  الوحش الصيني استيقظ و اليوم أرى قادة الصين و كأنهم يقولون دعوا الوحش الأمريكي يخلد للنوم بهدوء.

 

 

 

 

 

 

Exit mobile version