ربيع الديكتاتورية الديمقراطية… إلى أين…؟! بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

في ”اليوم العالمي للديمقراطية”، الذي احتفل به العالم مؤخراً، حاولت القنوات الفضائية التركيز على ”الديمقراطية” الوافدة مع سيول الدماء والكوارث والحروب والتفجيرات وجيوش الغزو الأمريكي المدجج بالكراهية والاضطهاد للمسلمين. وقد تم تركيز الحديث على ”الديمقراطية” كقيمة عليا بغض النظر عن مستوى حياة الناس والمآسي التي تحلّ بهم، والدرك الذي تصل إليه حياتهم بذريعة الارتقاء بالعمل السياسي إلى المستوى ”الديمقراطي”.

منذ بداية ”الربيع العربي”، ازداد الحديث والبحث عن الديمقراطية في العالم العربي، الذي يدخل في نطاق عملية تحرر سياسي جديدة، غير أن النشاط البحثي هذا لا يقدّم إيضاحاً وافياً كما قد يؤمّل، وربما يعود سبب ذلك إلى الاعتماد غير النقدي على تعريفات الديمقراطية المتمركزة حول أوروبا من جهة، وإلى انشغال كثير من المستشرقين بالدفاع، مثلاً، عن الفردانيّة والعلمانية بوصفهما شرطين مسبقين للديمقراطية من جهة أُخرى، وفي كلتا الحالتين، هناك نقص في الاهتمام بالخصوصيّة والقرينة أو (السياق)، إذ لم يول كثير من الاهتمام لحالة النقاش الدائر حالياً حول الديمقراطية في العالم العربي، وبما أن مصلحة الديمقراطية تقتضي التعددية، ولاسيَّما أن الديمقراطية تعددية بطبيعتها، فإن الديمقراطية هي خاصية مميزة ترفض عنف الإقصاء من خلال الثبات والسلطوية والأحادية، تلك هي الفكرة الجوهرية التي يجب على العرب الدفاع عنها، أي رفض النظرة الوحدانية بخصوص الديمقراطية التي تصر أن هذه الأخيرة متأتية من عقل واحد أو من حقبة تاريخية واحدة أو من نظام حكم سياسي واحد.

للمرء أن يتأمل بتأنِ ووضوح رؤيا، متسائلاً: أي من دولنا في الشرق الأوسط حققت الديمقراطية بالطرق الإعجازية (أي بين ليلة وضحاها) عن طريق التمردات أو الاحتلال الأجنبي أو الارتزاق من الأجنبي، أقول أي من هذه الدول والشعوب الشرق أوسطية تحيا اليوم ديمقراطية حقة من النمط الذي يحياه البريطانيون أو الفرنسيون أو حتى الهنود؟

الجواب، بطبيعة الحال، هو، لا توجد أية ديمقراطية شرق أوسطية يمكن أن تقارن بالديمقراطيات الأوروبية الغربية أو الأميركية أو حتى الآسيوية. وعلة ذلك تكمن في أن الديمقراطية تشترط مسبقاً التعامل مع الشعوب على أساس المواطنة الحقة فقط، وليس على أسس أخرى، كالطبقة الاجتماعية، أو العائلة أو الانحدار القبلي، أو الطائفة أو الجنس!

بإمكاني الإتيان بمئات التصريحات لرؤساء وملوك ومسؤولين تمتدح الديمقراطية، وتجد فيها الحل الأهم لبناء الدولة الحديثة، وبإمكاني أيضاً الاستدلال بمئات الوقائع والأحداث التي تؤكد أن هؤلاء يتحدثون عن الديمقراطية عندما يجدون فائدة بين طياتها لنظام الحكم القائم في بلدانهم، إلا أن الأمور سرعان ما تنقلب رأساً على عقب في أول خضة يتعرضون لها، والفرق يبرز هنا بين الحاكم والمحكوم، فالمحكوم كما يرى أرسطو طاليس (مدني بطبعه)، والحاكم الذي يتحدث باستمرار بالديمقراطية، تكتشف في نهاية المطاف أو منتصف الطريق، أنه من الحكام الذين قال عنهم العالم الاجتماعي ”د. علي الوردي” يصفهم بقوله (جميع السلاطين الذين يدعون إلى طاعتهم، وصلوا إلى الحكم عن طريق تحريك الفتنة وتفريق الكلمة).

أما النموذج الآخر فيمكن وصفه بالحكام الذين أقنعوا شعوبهم، بأنهم يمارسون الابتزاز والسرقة والهيمنة ليجلبوا الثروات لهم، وهذا الأساس الذي تعتمده نظم الاستعمار القديم والحديث، وإلا كيف يقنعون ملايين الجنود والضباط للذهاب إلى دول وقارات تبعد عنهم آلاف الأميال، وهذا ينطبق على التجارب الأسبانية والبرتغالية والرومانية والبريطانية والفرنسية وغيرها من التجارب الاستعمارية وفي العصر الحديث الأميركية.

وإذا تحدثنا عن مئات الوقائع والأدلة التي يتباهى بها رؤساء ووزراء ومنظرون للديمقراطية، فلا نحتاج إلى الكثير من الجهد والعناء، فمجرد جمع بياناتهم وخطبهم، التي غالباً ما يتفاعل معها الجمهور(المدني)، ويصفق لها بحماس، باعتبارها البوابة الأولى والأهم للتطور والتقدم والضمانة لحماية الناس من الانتهاكات التي قد تطول حقوقهم، وبدون أدنى شك أن الوعي في هذه النقطة بالذات يؤدي دورا مؤثراً، وبسبب قناعة بعض النخب بعدم وجود أرضية حقيقية لكل الوعود والكلام الذي يصفق له الناس، فإن التشكيك الذي قد يرقى إلى درجة عدم القناعة أسس لـ(المعارضة) ذات التوجه الثقافي والفكري، وهو الأكثر تأثيراً على المدى البعيد من كل المعارضات السياسية ذات النزعة المصلحية، التي تبني معارضتها بغرض الوصول إلى الحكم، وليس هناك هدف يتعلق ببناء الدول الحديثة، بما فيها احترام الإنسان.

ونأتي على الوقائع والأحداث التي تدلل على أن الديمقراطية ليست بأكثر من رداء يتحدث به الحكام عندما يكون مناسباً للفصل الذي يعيشون، فإذا كان شتاء فإنه يكون سميكاً وإذا صيفاً فهو الفضفاض الطري. وأعتقد بأن أكثر دولة تحدثت في خطابها الجمعي عن الديمقراطية خلال العقود الماضية هي الولايات المتحدة، فظهرت الأدبيات السياسية التي تبرز أهمية الديمقراطية في بناء الأمم والمجتمعات، ووظفت مؤسسة إعلامية عملاقة هي (هوليوود) للإنتاج السينمائي لتسويق النموذج الأميركي في الديمقراطية، وزرعت قناعات واسعة لدى الرأي العام العالمي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان…

وإذا أردنا أن نوسع دائرة الأمثلة التي تؤكد كذب الديمقراطية في الممارسة وأنها تحتل الواجهة في الشعارات فقط، فإن دول أوروبا قد سارعت إلى خلع لباس الديمقراطية التي طالما تباهت به بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، ووضعت جميع العرب والمسلمين في قائمة المجرمين والقتلة، وشمل ذلك بطبيعة الحال الحاصلين على جنسية تلك الدول، وقد يكون أولادهم لا يتكلمون حتى لغة بلدانهم، فتم إطلاق أجهزة المخابرات في كل الدول الأوروبية وأميركا وكندا والدول العاملة في دائرة استخباراتهم للتعاون فيما بينها لمضايقة الجاليات العربية والمسلمة، كما أن ذلك لا يستثني المسيحيين الوافدين من الدول العربية والإسلامية.

إن ما يؤلم هنا ليس فقط ما حلّ بالعراق، وفلسطين وليبيا وتونس واليمن وسورية على سبيل المثال، ولكن ما نقرأه يومياً من قصص مضللة تقلب حقيقة ما حدث فتحول الضحية إلى قاتل، والقاتل إلى ”ديمقراطي” ساع إلى حياة أفضل لهؤلاء الذين يدمر حياتهم ومستقبل أوطانهم وأطفالهم!

المشكلة اليوم هي أن لغتنا وقيمنا وأفكارنا قد أصبحت أداة بيد الآخر للتعبير عنّا نحن العرب، وعما يرتكبه ضدها في ديارنا، بينما نجلس نحن متفرجين متلقين لأخبارنا منه، ومطلعين على عذاباتنا من وجهة نظره، وعلى قيمنا من خلال رؤيته المليئة بالكراهية العنصرية لها. والخطورة هنا، هي أن نستمر في هذا الوضع السلبي إلى حد الاضمحلال، وإلى أن لا يبقى شيء منا يشير إلى حقيقة واقعنا، بل تبقى القصة التي كتبها الغزاة عنا، وتندثر قصصنا نحن العرب تحت وطأة الإنتاج الفني، واللغوي، والسياسي، الذي تنتجه الجهات المدجّجة بالكراهية ضد المسلمين، التي تروّج نفسها بأنها  ”ديمقراطية” وقادمة لتحرير الشعوب من ربقة التخلف والاستبداد!

فبالإضافة إلى وصف كلّ ما يجري أمام أعيننا بلغة كاذبة لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، يعمد المستعمرون اليوم إلى توجيه ضربة قاسية للغتنا وثقافتنا وكل ما نعتز به من إرثنا بدعوى الحداثة والتحضّر وغسل أدمغة البعض من أبناء جلدتنا ليتحولوا إلى جلادين للذات ومروجين للكراهية الغربية ضد العرب.

ما يقلق في هذا المجال، هو الوضع في العالم العربي، والذي تنخفض كل مؤشراته البحثية والمعرفية، ومؤشرات القراءة والنشر، إلى حدّ غير مقبول. وعلى سبيل المثال:

فمعدلات القراءة في الوطن العربي لا تتعدى 6 دقائق أو 3 صفحات في السنة، ومعدل النمو الاقتصادي لا يتعدى 3.3 في المائة وتنفق الدول العربية ما مقداره 0.2 في المائة من دخلها القومي على البحث العلمي، وسجل العرب مجتمعين نحو 836 براءة اختراع في كل تاريخ حياتهم، وهو ما مجموعه 5 في المائة فقط مما اخترعه سكان إسرائيل، أما معدل البطالة في الوطن العربي فيبلغ 25.6 في المائة من السكان تقريباً، وهو الأعلى في العالم، وهناك 40 مليون عربي يعانون من نقص التغذية أي ما يعادل 13 في المائة من السكان تقريباً، وهناك نحو مئة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يعادل تقريباً ثلث سكان الوطن العربي.

من جهة أخرى، يبدو التوجه الاقتصادي للحكومات الجديدة لدول الربيع العربي، نسخة طبق الأصل عن سابقاتها في تقديس النيوليبراليية، والإرتهان لصندوق النقد الدولي، وهو ما وجد فيه الغرب فرصة أخرى لاستمرار عملية النهب المنظم، وإن كان اليوم يتستر بستار القروض وإعادة الإعمار، ما يعني استمرار، بل وزيادة، ارتباط الاقتصاد الوطني للخارج سواء كان عربياً أم أجنبياً، الأمر الذي يمنع بدوره قيام ديمقراطية حقيقية، حيث لا ولن يسمح الغرب بها في دول تابعة، كي لا يخرج حاكم منتخب بحق، ليطالب بثرواته الوطنية وحقه في اختيار الطريق الاقتصادي المناسب، بعيداً عن وصفات الخراب العالمية، كما لن يسمح المال الخليجي بذلك لأسبابه الوجودية المعروفة، وبالنتيجة لا ديمقراطية حقيقية دون استقلال اقتصادي ناجز، والعكس صحيح أيضاً.

فلا السوق السياسية المنفتحة والقادرة على المنافسة هي الديمقراطية، ولا اقتصاد السوق يشكل في حد ذاته مجتمعاً صناعياً، بل إن في وسعنا القول، في الحالتين، إن النظام المنفتح سياسياً واقتصادياً شرط ضروري من شروط الديمقراطية أو التنمية الاقتصادية، لكنه غير كاف.

 

صحيح أن لا وجود لديمقراطية من دون حرية  اختيار الحاكمين من قبل المحكومين، ومن دون تعددية سياسية، ومن دون حرية تعبير، لكننا لا نستطيع الكلام عن ديمقراطية إذا كان الناخبون لا يملكون إلا الاختيار بين جناحين من أجنحة الأوليغارشية أو الجيش و/أو جهاز الدولة، لأن العولمة الرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية تتساهل تجاه انضمام دول مختلفة لاقتصاد السوق، منها دول تسلطية، ومنها دول ذات أنظمة تسلطية آخذة بالتفكك، ومنها دول ذات أنظمة تمكن تسميتها ديمقراطية، أي أن المحكومين فيها يختارون بملء إرادتهم وحريتهم من يمثلهم من الحاكمين.

وهنا أحاول الربط بين الغياب السياسي التام للدول العربية على المستوى الدولي، إلا حين تحتاجهم متطلبات العلاقات العامة الأمريكية، وبين التغييب الرسمي المتعمد للغة والتراث والثقافة…

فإذا لم يكن الإنسان نتاج لغته وثقافته ومكونات حضارته فماذا يكون…؟

وإذا لم تكن الديمقراطية تهدف إلى رفع مستوى حياة الإنسان وإسعاده والارتقاء بكلّ أوجه حياته فماذا تكون…؟

فالتجربة الأوروبية ـ الأميركية الحديثة، هناك من يقرؤها بعيون الأوروبيين والأميركيين، فلا ينتبه أنها ديمقراطية قامت على نظام العبودية الحديث الذي يشمل العالم أجمع، وأنّ موقعه فيها عبد لا سيد. ففي أوج هذا الازدهار للديمقراطيات الأوروبية ـ الأميركية لم يتجاوز عدد سكانها خمس عدد سكان العالم. وفي نطاق هذا الخمس تدار تلك الديمقراطيات من قبل مجلس أعلى ينبثق عن مجالس الشركات المتعدّدة الجنسيات. وإذا كان من حق كل مواطن ديمقراطي حرّ، من أبناء الخمس البشري الحرّ، الإدلاء بصوته فإن ذلك لا يعني أن القول الفصل ليس في يد مجلس الشركات الأعلى. ‏

لقد أوضح الأميركي المنصف ”نعوم تشومسكي” جيداً، في كتابه ”ردع الديمقراطية”، كيف يتوهّم المواطنون الديمقراطيون الأحرار في الولايات المتحدة أنهم يصوتون بإراداتهم، وأنهم يعبّرون عن قناعاتهم، بينما الحقيقة أنهم يفعلون تماماً ما يريده المجلس الأعلى للشركات. وأوضح كيف صار حالهم كذلك نتيجة عمليات طويلة معقدة مارستها إدارات الشركات الاحتكارية الربوية. وهنا أيضاً، كما في حال الإغريق القدامى، بسبب الازدهار الهائل والثروات الأسطورية، توقف التناحر بين أرستقراطية الشركات والمواطنين الديمقراطيين الأحرار، ليستمر بينهم عموماً وبين أكثرية سكان العالم الساحقة، أي أربعة أخماس البشرية، التي حلّت محل العبيد القدامى أكثرية سكان الجمهورية الإغريقية القديمة! ‏

ورغم كل هذا وذاك، لا يكاد يمرّ يوم إلا ويخرج علينا من يتحدث ويتشدّق بفضائل الديمقراطية، وضرورة تعميمها على مستوى دول العالم، وهي في الحقيقة ديمقراطية مقننة خاضعة للمصلحة الأميركية بالمطلق، تحملها وسائل الإعلام، والقوّة، وقبل وبعد ذلك كله الكذب والتزييف من أجل تمرير المصلحة الأميركية. ويأتي تعزيز المصلحة الاقتصادية الأميركية في أول الاهتمامات والاحتياجات، ما يستدعي إيقاع أقصى الضرر في الدول المرشّحة لخدمة الاقتصاد الأميركي على مساحة العالم، سواء من خلال الاحتلال المباشر، أو غير المباشر وما يترك من آثار مدمّرة على تلك الدول، بغض النظر عن أي وازع إنساني.

 

كل ذلك ينضوي تحت عنوان واضح مفاده تكريس شخصية ”السوبرمان” الأميركي المؤهّل لاغتصاب ثروات الدول، وقيادة شعوب العالم، بالعصا، أو بالجزرة.

 

ولا يمكن لأي باحث…، إلا أن يعترف أنّ العولمة والقوى الدولية والعناصر الفاعلة فيها، اكتسحت الحدود الإقليمية والثقافية والاقتصادية والسياسية غير محكمة الإغلاق للدول في العالم أجمع، ولاسيما العالم العربي، وترافق مع هجمة العولمة، انتشار الخطابات الديمقراطية، لكنها لم تولد ممارسات ديمقراطية، بسبب سيطرة أقلية غير مسؤولة من أصحاب الشركات المتعددة الجنسيات والمشروعات على حياة ومعاش أغلبية كبرى من البشر.

 

لقد سرّعت العولمة التي لا تعدّ في أي حال من الأحوال عملية منتظمة أو إيجابية أو تكاملية أو لا تُعكس، جدليّات إلغاء القطرية واللاقطرية، والمحليّة واللامحليّة. ويصف تعريف ”غيدنز” للعولمة بأنها ”تكثيف العلاقات الاجتماعية العالميّة التي تربط الحقائق البعيدة بحيث تشكّل الأحداث التي تقع على بعد أميال عديدة الوقائع المحلية والعكس بالعكس”. ثمة عنصر مهمّ غائب عن تعريفات العولمة، ولاسيما فيما يتعلق بجدليّات التبادل، وهو عنصر الاختلاف، ربما لا يوجد شيء يوضح هذه النقطة مثل نقل موقع الديمقراطية من بيئتها الخاصّة والمحددة، أي الغرب، وترجماتها المحلية في بيئاتها الجديدة.

باختصار، لقد صار واضحاً أنّ العالم محكوم اليوم بديكتاتورية ديمقراطية، بديمقراطية انتقائية مزعومة، هي واجهة وغطاء للمرابين الدوليين الذين يكنزون معظم الكتلة النقدية العالمية، ويتحكّمون بمعظم الإنتاج والاستهلاك العالمي، ولا يتركون لأتباعهم سوى فتات الموائد! ‏

فالمشروع التنويري الغربي بكل ما يحمله في صيرورته التاريخية من القيم التي رفعها إلى مرتبة ”آلهة العقلانية والديمقراطية” وصل إلى مأزقه المحتوم في ظل أزمة الحداثة الغربية، والحال هذه بات على مثقفي العالم العربي القيام بالمراجعة النقدية لفكرة الديمقراطية الغربية، وإسقاط صبغة القداسة عنها، وإذا كانت الديمقراطية شكلت لحظة إبداع في المشروع التنويري الغربي، ودشنت فتحاً معرفياً وفكرياً مهماً في تاريخ البشرية، فإن الديمقراطية بوصفها قيمة أخلاقية إنسانية متحركة تظل خاضعة لنسبيات شتى كالتاريخ واللغة والدين والزمان والمكان/ من هنا يأتي رفض العديد من الباحثين العرب للنمط الأحادي الذي تريد الديمقراطية الغربية فرضه على بقية العالم المختلف في ثقافاته وحضاراته عن العالم الغربي.

وأخيراً وليس آخر، من المهم أن يتم تعزيز الديمقراطية في الوطن العربي وتكريس المزيد من الحريات بأسلوب بعيد عن التصادم بين أطياف المجتمع، بحيث يتم التأكد من رسوخ المفاهيم الديمقراطية وضمان عدم الانقلاب عليها وتشويهها من قبل أي طرف قد يستطيع، في غفلة من الزمن، كسب الانتخابات بطريقة ما.

فالديمقراطية الحقة هي تلك التي تقوم على اعتراف السلطة العربية بضرورة إعادة النظر في بنية الدولة السائدة حالياً، لجهة بناء دولة المؤسسات، دولة كل المواطنين، لا دولة حزب واحد، أو دولة أفراد مهما كبرت أدوارهم التاريخية، ويتطلب بناء الدولة الحديثة أن تطلق السلطة حواراً وطنياً واسعاً طال انتظاره حول قوانين الدولة الوطنية الحديثة، بدءاً من قانون الأحزاب والجمعيات إلى قانون المطبوعات إلى قانون الأسرة وغيره، فضلا عن بناء المؤسسات المجتمعية المقتنعة بالحريات الفردية والعامة، وضمان ممارستها في المجتمع، وعدم كبحها، والحريات الفردية والعامة لا يمكن أن يكون لها وجود جلي وملموس ما لم يكن المحكومون قادرين على اختيار حكامهم بملء إرادتهم، وما لم يكن الشعب قادراً على المشاركة السياسية في إيجاد المؤسسات السياسية والقانونية والمجتمعية، وفي تغييرها.

وهذا يجرنا  لأمر آخر يستحق الطرح يختصره السؤال:

هل يمكن مد الجسور بين المرجعية العربية الإسلامية وبين المرجعية النهضوية الأوروبية؟

في الحقيقة هناك الكثير من القيم الحضارية الإسلامية الإيجابية التي تبدو معطلة أو شبه معطلة رغم أنها كانت سبب قوة وانتشار الحضارة العربية الإسلامية من الهند والسند حتى قلب أوروبا، كقيم العدل والرقابة على الحاكم واستشارة الشعب في القرارات المصيرية، كما فعل الرسول الكريم في كثير من القرارات الدنيوية طالباً رأي المسلمين معطياً بذلك النموذج الأعلى وتكريس الإنسان كقيمة، وتحريم الجرائم التي تتنافى مع حقوق الإنسان الأساسية.

إن العلمانية التي يطرحها مفكرون عرب اليوم من مشارب فكرية مختلفة لا تتناقض مع الدين كقوة روحية تعمق إنسانية الإنسان والسمو بقيمه وأخلاقه، والإشكالية القائمة على تناقض بينهما إنما تعود الى التجربة الغربية، فهل ثمة تناقض مابين العلمانية (فصل الدين عن السلطة) والدين كقوة روحية مهمة لتوازن الإنسان والسمو به؟

إن هذه الأسئلة تصب في جوهر عدم التعارض ما بين الديمقراطية والمبادئ (الجوهرية) للإسلام التي أعادت للإنسان حريته من العبودية المقيتة وأشاعت العدل والمساواة، بصرف النظر عن الجنس واللون، وهذا ما يجب مراعاته وأخذه بعين الأهمية والاعتبار في سعي العرب الآن للتأسيس لمجتمعات جديدة على أسس الحفاظ على الأوطان والعدالة والحرية والمساواة.

رمضان… الفردوس الذي يزهر من منابت السّلام…                                                بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

بمناسبة شهر رمضان المبارك، كل عام وأنتم بخير، ثمة مواجهات رمضانية لابد منها تبدأ مع بداية الشهر الفضيل وتتمثل بعادات وطقوس علينا أن نستعد لها فالكثير من العادات التي يوحّدها شهر الصيام تكون حاضرة وبجاهزية عالية لدى الجميع بدءاً من المسلسلات التلفزيونية التي تعاني من الازدحام الشديد في قاعة الانتظار خلال شهر رمضان، مروراً بالذين لا يعملون لا في رمضان ولا في غيره ذلك يجعلون من شهر الصيام حجة لضيق خلقهم وفرصة لتقاعسهم.

إن دعوة القرآن الكريم في شهر القرآن وفي غيره من الشهور إلى وحدة المجتمع الصائم لا يجدر أن نقتصر في فهمها على أنها مجرد دعوة نظرية إلى السلام بين البشر… لأن السلام ليس منفصلاً عن غايات القرآن السامية التي تمكن المجتمع الإنساني من تحقيق معنى وجوده على هذه الأرض المذعورة والتي ما انفكت على لسان أبنائها الأحرار تنشد وحدتها الضائعة بشرط السلام المشروط قرآنياً بسلام الإنسان مع ربه وسلام الإنسان مع نفسه وسلام الإنسان مع أخيه الإنسان، وهو سلام ينبض في قلب المؤمن كما هي نبضة الإيمان في صومه وصلاته وفق رؤية تربوية ترى في اختبارات الصيام وسيلة وميداناً لاجتراح معجزة الوحدة الإنسانية الكبرى بوضع فاصلة جوهرية بين مفهوم الخصومة ومفهوم العداوة.

للأسف الشديد، فقد صارت لرمضان صورتان عند النسبة الكاسحة من العوام، صورة في النهار، حيث الامتناع عن الأكل والشرب وخلافه من الخدمات التي تقدم إلى الجسد، وصورة في الليل حيث يصبح الجسم سيداً، بخلاياه وغرائزه وأشواقه، وتتوارى الروح في ركن من النسيان والإهمال. وهذا الفصام المزمن، الذي طالما رصدته أقلام وعدسات في أقصى الشرق والغرب، أضرّ بصورة المسلمين إلى حد كبير، وجعلهم عبئاً على دينهم الذي ينطوي على قيم روحية سامية من دون أن يهمل الجسد. يقول عزوجل ”قل من حرم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق”. ويجعل للآخرة الأولوية من دون أن يغفل الدنيا، ويقول أعز من قائل ”وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ”.

لكننا جُرنا على هذا التوازن، وخرجنا عن تلك الوسطية، فأعطينا للأدنى أولوية على الأعلى، ودُسنا بأقدامنا المعاني الكبرى التي من أجلها شرع الله عزوجل الصوم. رمضان في حياتنا المعاصرة أصبح مبرمجاً لغير علة تشريعه، ولو طاف أحدنا بجولة في محركات البحث الإلكترونية لوجد الاختلاف شاسعاً بين علل الصيام في الأديان والحضارات المختلفة، وعما نقوم به قبل أيام من دخول هذا الشهر الذي أصبح مبرمجاً على سلوكيات منحرفة عن أصله كعبادة، فيدخل تجار الأغذية المشهد المسرحي ليكونوا نجومه، وينقلب الشهر إلى (مهرجان) كما تحب الأسواق الكبرى تسميته أيضاً.

وكل التحركات التي تسبقه تهدف إلى كيفية الحصول على الطعام مهما تكن الأثمان، وهذا جزء من البرمجة العقلية للصائم، حيث يرتبط الشهر بالخوف من الجوع في نهاره، وفي هذا دخلت البيوت الخاصة على الخط فأصبحت مصنعاً لبيع الأطعمة! من جانب آخر، تعاد الفتاوى الدينية المرتبطة بالصيام كل سنة وكأنها معدة مسبقاً، وصارت فتاوى الترخيص بالإفطار تتصدر الصحف كما حدث في العام الماضي في فتوى جواز إفطار من انقطعت عنهم الكهرباء!

فالمناسبات الاجتماعية هي الأخرى تطغى وبشكل يومي على حياة الناس في رمضان، ولا تخلو بالطبع من البذخ في صرف الطعام أو تغيير أثاث المنزل أو إعادة ترميم أجزاء منه، وكذا الاستغراق في السهر والتجوال المتواصل في الشوارع من دون طائل إلى ساعات متأخرة من الليل تؤدي أحياناً إلى إجازة مرضية، أو تغيب عن العمل.

رمضان أصبح شهراً استعراضياً بمعنى الكلمة، في إعداد الطعام وصور الاستعداد للعبادات والمراءاة بها، وضعف الحديث عن فضل العمل وقضاء حاجة الناس ومطالبهم في أجهزة الدولة الخدمية، بل إن البعض يتعمد إظهار أثر الصيام على وجهه شكلاً أو سلوكاً كالتمارض والكسل والعصبية.

وفي ذلك يروى عن المسيح عليه السلام أنه قال: ”إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته وليمسح شفتيه من دهنه حتى ينظر الناظر إليه فيرى أنه ليس بصائم”.

ليس لرمضان علاقة بالطعام إلا بالجود فيه لمحتاج كما كان يفعل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فهي عبادة روحية عرفها الإنسان منذ غابر العصور وجاءت الأديان لتطورها وتخلصها للخالق، فهدفها التقليل من الأكل والكلام والاختلاء مع النفس…

فأين نحن اليوم من هذه الأهداف؟! والسؤال الذي يتبادر للذهن في الأيام المباركة: ترى عن ماذا يجب أن نصوم إضافة للطعام؟ هل نصوم عن الكذب… عن الغش… عن التضليل… عن ظلم الآخرين…؟ فالصيام نظام متكامل بذاته… فلماذا لا يكون هذا النظام مستمراً في حياتنا من حيث تنظيم الوقت والطعام والعمل والإخلاص في العمل؟ لماذا يقتصر الاجتهاد في كل شيء على شهر رمضان؟

شهر رمضان هو مدرسة بحد ذاته للصبر والانضباط وتنظيم الوقت… وهناك من هو أجدر وأكثر كفاءة وخبرة وعلماً للحديث عن رمضان وفوائد الصيام، لكن ما نريده هنا مع بداية الشهر الفضيل أن يكون إضافة إلى كل ما تقدم محطة للتأمل ومناسبة للإجابة على السؤال التالي:

لماذا لا يكون سلوك رمضان مستمراً في حياتنا؟ لماذا لا نحاول أن نتحمل بعض الممارسات أو الكلمات بدون ردة فعل كما نفعل في رمضان عندما نقول اللهم أني صائم… لماذا لا نحاول أن نستمد من شهر الصيام المؤونة الكاملة من سلوكه وطقوسه وأخلاقياته العالية لكل الأشهر…؟ ولماذا لا يكون صيامنا عن كل ما هو مؤذي في كل الأشهر ما عدا الطعام؟

فليس كل خصم هو العدو وليس كل عدو هو الذي يعتدي عليك من خارج ذاتك، فلربما كان العدو في داخلك، هو نفسك الأمارة بالسوء أو نفسك المنغلقة على هواها فلا ترى في التنوع والاختلاف بين الناس إلا مصدراً من مصادر التنازع والاحتراب… لذلك كانت عبادة الصوم دافعاً إلى وعي تجلياته في الفكر والاجتماع في مشهد يبني السلام على أفق مفتوح للوحدة المخضوضرة بغذائها الروحي والثقافي لنقل المجتمعات البشرية من واقع الفتن والانقسام والحروب إلى واقع الوحدة التي لن يكتب لها الاستمرار والبقاء إلا إذا كانت محصنة بوحدة التقوى وتقوى السلام…

وما من شك في أن هذه التقوى التي توجت آيات الصوم في فلسفته ورسالته هي الضامن الوحيد لجمال الوحدة وكمالها.

لذلك كله فإن عقيدة الإيمان بالتوحيد الذي يتسع للجميع هي نقطة الارتكاز لتحقيق قيم الوحدة والعدالة والمساواة بين الناس كل الناس ولذلك يصبح الاستناد إلى العوامل الروحية والثقافية هو السلاح الأمضى لمكافحة الكراهية والتطرف باقتلاع الشر من صدر عدوك باقتلاعه من صدرك ليستقبل العالم فجر الحضارة الواحدة وعلى ضفافها تتنوع الثقافات المفتوحة على بعضها بالحوار والتعارف وبذلك يصبح الصوم هو الفردوس الذي يزهر من منابت السلام وجذوره ليتفتح برائعات الوحدة المهمومة بإنتاج معرفة متجددة لأشكال الاتصال والتواصل بين الدول والمجتمعات والأفراد.

ولن يتيسر إنتاج هذه المعرفة إلا بتطور فقه الصيام من فقه يسهب في تعداد المفطرات المنصوص عليها لصحة صيام الجسد إلى فقه يفتح صوم المعدة على وجوب صيام الأذن والعين واليد واللسان، وإذا كان الصوم بمعناه اللغوي والاصطلاح يقودنا إلى مفهوم واحد هو الامتناع عن المباح والحلال فمعنى ذلك أن فلسفة الصوم إنما تهدف إلى تصليب إرادة الصائم وتربيته على امتلاك قدرة الامتناع المقدس عن الحرام، ومن أعظم الحرام الظلم والقتل والبغي والفتنة والبهتان وسواها من المخالب التي تفتك بالوحدة والسلام.

وبعد:

فقد بحّ صوت من ينادون كل عام في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لتعود إلى رشدها وتتوب عن غيّها، ولتتعامل مع رمضان بنزاهة وعدل يليق بما ورد عن الشهر الفضيل في محكم التنزيل، وفي ما كان يفعله الرسول الأكرم وصحابته الأخيار، لكن الناس آفتهم النسيان، وهذه ليست آفة المسلمين وحدهم، بل آفة البشرية جمعاء، التي تحوّل أغلبها إلى آلة استهلاكية نهمة، فصار الإنسان سلعة، تباع وتشترى، مع أنه خليفة الله في أرضه، ومعجزته الكبرى.

 

 

 

فرنسا الاستعمارية… وشريعة الغاب ضدّ سوريا…؟    بقلم: مصطفى قطبي

غابت القامات الكبرى عن قصر الاليزيه في باريس منذ عقود، وخلت كرسي الرئاسة فيه من الرجال العظام الذين تمثلوا فكر الثورة الفرنسية ونهجها الذي قلب مفاهيم السياسة في أوروبا وانطلق في فضاء الحرية والمدنية وحقوق الإنسان في دولة انفصلت عن الدين وحررت العقل الفرنسي من قيوده التي خنقت فيه الإبداع وعطلت طاقات الفكر والاختراع والبحث والارتقاء نحو الحداثة، منذ أن اختفت قامة الجنرال ديغول عن مسرح النهضة السياسية الفرنسية، وانزوى مع قبعته ونياشينه في حي باريسي قديم، منذ ذلك الوقت والفرنسيون يتعثرون تدريجياً في خياراتهم يميناً ويساراً.

 

لقد انطفأت الأنوار وأنزلت الأستار على دولة فرنسا، هذه الدولة الاستعمارية العتيدة وهي تحشد الحشود، من أجل تأييد قرار الرئيس الأميركي ”باراك أوباما” بشن العدوان على سوريا وأخذ موافقة الكونجرس عليه، فبدا الأمر كمزاد تفوح منه رائحة الخيانة والعمالة، مزاد من أجل حفلة دم مجنونة تسلية للراقصين من ميليشيا ”جبهة النصرة” وأخواتها الإرهابيات على جثث الضحايا الأبرياء السوريين والمدعومين من قوى التآمر والتخريب.

 

فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي ”لوران فابيوس”، أن بلاده ستقدم في مجلس الأمن الدولي مشروع قرار تحت البند السابع بشأن الأسلحة الكيميائية السورية. وأشار ”فابيوس” إلى أن ”باريس تنظر بحذر إلى المبادرة الأخيرة التي طرحها وزير الخارجية الروسي ”سيرغي لافروف” بشأن وضع الأسلحة الكيميائية في سوريا تحت رقابة دولية كي لا يتم استخدامها كمناورة”،

وأوضح ”فابيوس” أن ”مشروع القرار الفرنسي سيتضمن قبل كل شيء إدانة المجزرة التي وقعت يوم 21 آب بريف دمشق، كما سيلزم القرار دمشق، بالكشف عن جميع مخازن الأسلحة الكيميائية في البلاد، وسينص على وضع برنامج أممي للمراقبة على حظر السلاح الكيميائي”، حسب ”فابيوس”. وأضاف أن مشروع القرار الفرنسي سيحدد أيضاً عقوبات جادة في حال فشل النظام السوري في الاستجابة للمطالب الدولية.

 

لا نستغرب أن تتخذ فرنسا الامبريالية الاستعمارية الغربية هذا المنحى المشين، فماضيها يزكيها وتاريخها حافل بالشواهد والأدلة على هذا الحضيض الأخلاقي لسياساتها، ومما يضاعف هذا الانحطاط السلوكي والانحدار الأخلاقي أنه يوظف نفسه دائماً كخادم مطيع وعبد ذليل لكيان الاحتلال الصهيوني الذي غرسوه خنجراً مسموماً في خاصرة الجسد العربي، كيان خارج القانون الدولي والشرائع الدولية، وخارج الأعراف والأخلاق، كيان مَنبَت الرذائل والعهر السياسي وغير السياسي، ومخزن الدسائس والمؤامرات، ومنبع للفتن والأكاذيب ضد المنطقة وشعوبها، وفي ذلك لا نجد مثقال ذرة من تَجنٍّ.

 

ولما كانت الضرورات الاستعمارية تفرض بقاءه لتلويث المنطقة به، كان من الضروري أن تمهد المنطقة وتصاغ خريطتها ليكون قادراً على نفث كل الموبقات والشرور والفتن الطائفية والتشاحن السياسي، وليكون بلطجياً على المنطقة، ولذلك وجب قطع رأس كل دولة تعترض على سياسات هذا الكيان المحتل وترفض قذاراته، فكان العراق أولى الدول العربية يدفع ثمن رفضه هذا الاحتلال وقذارته، وثمن تمسكه بالقيم وبالعزة والكرامة وبنصرة الشعب الفلسطيني، لتأتي فيما بعد المقصلة على رؤوس كل رافض، فتبعت ليبيا العراق، ويراد أن تتبع سوريا العراق وليبيا، ومن ثم مصر تتبع العراق وليبيا وسوريا، في متوالية لا تتوقف إلا برؤية المشروع الصهو ـ أميركي المسمى ”الشرق الأوسط الكبير”.

الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته المهيمن عليهما صهيونياً وماسونياً سيخربان فرنسا ويضربان مصالحها من حيث يدريان أو لا يدريان، حتى غدت فرنسا رأس الحربة في جبهة العدوان على سورية ومصر والعراق، كما كانت مع بريطانيا خلال تدمير ليبيا، ولا يخجل ”فرنسوا هولاند” عندما يعترف بأنه يجب تحميل سورية مسؤولية السلاح الكيميائي الذي استخدمته العصابات المسلحة ضد المدنيين وضد جنود الجيش العربي السوري، علماً بأن البعض يجزم أن أمر عمليات استخدام الكيماوي الإرهابي جاء من فرنسا مباشرة وتلقفته تركيا اللتين زودت الإرهابيين به مسبقاً ثم أوعزت بضرب المدنيين به لاتهام الدولة السورية باستخدامه وإيجاد الذرائع اللازمة للقيام بضربة محدودة لسورية لرفع معنويات الإرهابيين التكفيريين المنهارة إثر انتصارات الجيش العرب السوري.

الواقع اليوم، أن فرنسا والمختصة منذ اندلاع الأزمة في سورية بالحديث عن التقسيم و”المناطق العازلة” وإطلاق الهيئات المتعددة تحت تسميات مختلفة وإعادة تفعيل القوى الاستعمارية بأشكال جديدة منيت بهزيمة كبيرة ووضعت عالمياً في قائمة الدول الداعمة للحركات المتطرفة، كما أنها وجدت نفسها خارج سرب المؤتمر الدولي المقترح حول سورية، وأنها كدولة أوروبية  لن يسعها أن تقف وحيدة حتى لو دعمتها بريطانيا إلى حد ما. إنها بحاجة لإكمال مخططها بعد هزيمة أدواتها على الأرض، وعليه تستمر بالبحث عن البديل من دون جدوى حتى الآن رغم أن مكاسبها في مالي يجب أن تجعلها تشعر بالاكتفاء، لكن نزعتها الاستعمارية في الشرق الأوسط تظل الأقوى كما هو واضح.

 

لقد راق ل ”فرانسوا هولاند” أن يضع ولايته للسنوات الخمس القادمة أثناء حفل تنصيبه، تحت رعاية شخصية اشتراكية تاريخية، جول فيري (1832-1893). غير أن منجز ”فيري” لا يمكن فهمه إلا كمحاولة تهرّب البرجوازية الفرنسية من مسؤولياتها التاريخية، حين تخلت عن قضية تحرير  منطقتي الألزاس وموزيل المحتلتين من قبل الألمان، عبر انخراطها في حملات التوسع الكولونيالي المزين بأرق المشاعر الطيبة. لذا لم يفاجىء الرئيس ”هولاند” أحداً،  حين بدا منسجماً مع أنموذجه الخاص… فبعد أن طمأننا بأنه لن يفعل أي شيء يخرج بلده من تحت الوصاية الأمريكية، كشف لنا عن طموحاته الخاصة في سورية.

يحدث هذا لفرنسا والفرنسيين منذ أن ظهرت في السياسة الفرنسية علة الالتحاق الأعمى بالسياسة الأميركية، ونزوع صاحب الاليزيه لرهن القرار الفرنسي بيد رجالات البيت الأبيض، والنزعة الإمبراطورية التي طبعت سياسات واشنطن في العقود الأخيرة، الأمر الذي جعل من الاليزيه والمتعاقبين على مكتبه الرئاسي فرعاً أوروبياً للخارجية الأميركية التي أطلقت في العالم منذ مطلع هذا القرن نظرية الحرب الاستباقية، التي جددت شباب الاستعمار القديم ولكن هذه المرة بحصان من تكساس وقبعة كاوبوي من شيكاغو لا يجهلها أحد في الأرض، وإذا كنا في وقت من الأوقات وتحديداً فـي مطلع عام 2003 كدنا نعتقد أن فرنسا بدأت باسترداد قرارها من القبضة الأميركية، عندما ضرب ”دومنيك دوفيلبان” الشاعر ووزير الخارجية الفرنسية وقت ذاك على طاولة مجلس الأمن عشية الغزو الأميركي للعراق رافضاً الذرائع الملفقة التي أطلقها كولن باول ناظر الخارجية الأميركية يومها، لتبرير الغزو وتشريعه، فإننا لم نلبث أن عثرنا على جاك شيراك مختلياً ب”جورج دبليو بوش” على ضفاف النورماندي مستسمحاً من طيش ”دوفيلبان”، وقصر نظر السياسة الفرنسية التي عارضت الغزو، وباسطاً كفه لجليسه لإبرام صفقة استكمال رحلة الغزو نحو سورية وفق خطة وبرنامج زمني يعيدان للتحالف الفرنسي ـ الأميركي مجده الغابر!

في زمن المسخ العربي، نصّب ”هولاند”، نفسه متحدثاً بالشرعية وعلى الطريقة الأمريكية واللا شرعية في سورية، ووضع بكل استفزاز نفسه قيماً يعطي الشرعية في البقاء لمن يريد، ويسحبها عمن يريد، دون اعتبار لخيارات الشعوب وكرامتها، متناسياً أن الشعب السوري هو صاحب الكلمة الفصل في تحديد شرعية من يحكمه، وليس أحد آخر يعمل خدمة لأهداف تصب أولاً وأخيراً في مصلحة الكيان العنصري الصهيوني الإلغائي والقوى الامبريالية العدوانية الأخرى في الولايات المتحدة وقوى الغرب الأخرى.

فسورية الوطن والتاريخ والموقف والدور والموقع تواجه أخطر حرب من نوعها يمكن لدولة ما أن تواجهها ثمناً لمواقفها في مواجهة الهيمنة والتدخلات الخارجية، ودفاعاً عن حقوقها وعن عدالة القضية العربية الأساس، قضية فلسطين وحقوق شعب فلسطين في وطنه وعلى أرضه، وكذلك ثمناً لدعمها حركات المقاومة العربية، لاسيما في لبنان والعراق، ذلك هو أساس هذه الحرب واضحة السياسات والممارسات والأهداف.

إن فرنسا بموقفها من الأحداث في سورية لا تفعل شيئاً أكثر من إظهار وجهها الاستعماري، متنكرة لمبادىء ثورتها الأولى التي داعبت أحلام البشر في كل مكان تقريباً، والتي قامت في عام 1798 بشعاراتها البراقة في الحرية والمساواة والعدالة لتنشر القمع والظلم والعدوان في كل مكان حلت فيه، ولو اختلفت التسمية والمبررات كترجمة لفهمها لقضية الحرية والعدالة والمساواة.
ففرنسا ذات التاريخ العريق بالعدوان والظلم والتدخل بشؤون الشعوب، هي فرنسا الراهنة في تدخلاتها في تشاد والعراق ولبنان وليبيا واليمن وساحل العاج… و… و… وغيرها الكثير من دول العالم!  

فرنسا سايكس ـ بيكو وسان ريمو، والعدوان الثلاثي، وحصار لبنان وغزوه إبان الاجتياح الصهيوني عام 1982، والحرب على العراق عام 1991 وحصار شعبه، ذلك هو وجه فرنسا التي تتحدث عن القيم الإنسانية وحقوق الشعوب، بينما تمارس ولا تزال العدوان والاعتداء ودعم الديكتاتوريات الحليفة لها في إذلال شعوبها.

فهل يحق لباريس بعدها أن تتحدث عن شرعية نظام او حرية شعب …؟!

إن ذاكرتنا الوطنية، سواء أكانت فردية أم جماعية، تفيض ليس بعشرات الأمثلة بل بالمئات عن ممارسات الغرب بعامة وفرنسا وديمقراطيتها التي تتيح الاعتداء على الشعوب، سبق لها أن أقرت  قانون غيسو لعام 1995 الذي يحاكم بموجبه أي فرنسي يعبر عن رأي لا ينسجم ولا يتفق مع أكذوبة ”الهولوكوست” والمحرقة، ذلك القانون الذي حوكم بموجبه الكثير من الفرنسيين، وربما كان أشهرهم المفكر  الشهير ـروجيه غارودي ـ فقط لأنه شكك بعدد اليهود الذين طالتهم تلك المحرقة الأكذوبة التي لا يزال العالم الغربي، يخضع بسطوتها لابتزاز الحركة الصهيونية العالمية.

كل شيء يدل على مكر وحقد ”فرانسوا هولاند” ومساعده الصهيوني ”لوران فابيوس” في هذه الحرب الشرسة، وذلك أن الهدف التالي بعد سورية هو إيران البلد الآخر من البلدان غير الحليفة للغرب.

ف ”هولاند” يلوح اليوم بخطاب الحرب ضد سورية، مجازفاً بالتضحية بسياسة فرنسا الخارجية كلها على مذبح استرضاء إسرائيل وتحت تأثير الدولارات القطرية، ويستفيض ”فابيوس” في الحديث عن الضحايا الأبرياء ولا تزال يداه ملطختين بدماء عشرات الفرنسيين في فضيحة الدم الملوث.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ”فابيوس” هذا يستقي معلوماته عن الأحداث في سورية من المرصد السوري لحقوق الإنسان في لندن الذي يعمل تحت إمرة الاستخبارات البريطانية السرية، على الرغم من أن هذا المرصد لا يتمتع بأية كفاءة مهنية، ولا يعد مصدراً موثوقاً للمعلومات والأخبار، ومع ذلك تعتمد عليه وسائل الإعلام الغربية ليزودها بالأخبار الكاذبة والملفقة، وبمقاطع الفيديو المفبركة، وبخاصة حول أعداد القتلى، بعد أن أصبحت وسائل الإعلام هذه جزءاً من البروباغندا الغربية…

ف ”هولاند” عمل على تحريك ودعم وتمويل قطعان المرتزقة، وسلح المعارضة لإشعال نار الفتنة، ونيران الحرب الأهلية، إلا أن كل جهوده باءت بالفشل الذريع، بفضل وحدة ووعي السوريين ووقوفهم إلى جانب قيادتهم. أما وزير خارجيته الفرنسي ”لوران فابيوس” فقد اعترف بأن فرنسا استجابت للمطالب الداعية إلى تسليح المجموعات الإرهابية: ”لقد تم تسليم الأسلحة للمتمردين من قبل قطر والسعودية وتركيا وفرنسا”.

فقد اختار ”هولاند” وشركاؤه وحلفاؤه الخيار العسكري منذ بداية الأزمة السورية، مع العلم أنه يدرك تماماً أن هذا الخيار لا يستقطب أدنى درجة من الشعبية.

ف ”هولاند”، عندما تخلى عن العمل من أجل حل سياسي للأزمة السورية، وعندما ترك مصير سورية مرهوناً بمصير السلاح، فإن هذا السلاح هو الذي يحدد نهاية المعركة. بالتالي أطلب من العمال والموظفين الفرنسيين أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: من هو ”هولاند” حتى يصدر أوامره ويتدخل في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة وسيادية، بل يطلب من رئيسها الرحيل؟

لقد نسي ”هولاند” أوتناسى، أن زمن الوصاية الفرنسية قد ولى. فأمريكا هي التي كلفت فرنسا ومنحتها تفويضاً جديداً غير رسمي، تفويضاً من ”باراك أوباما” لتتصرف فرنسا وتتحدث بإسمه وبإسم الامبريالية الأنغلو ـ أمريكية.

في هذه المسألة ومنذ بداية ما أسموه بـ”الربيع العربي”، لم تتوقف واشنطن لحظة عن إحاكة الدسائس والمؤامرات ضد دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أنها تفادت الوقوف في مقدمة المشهد، في محاولة منها للحفاظ على صورتها لدى الرأي العام بخاصة فيما يخص التدخل العسكري. وهذا ما دفعها إلى إيداع هذا الدور إلى ”ساركوزي”، ومن ثم خلفه ”هولاند”.

هكذا منح الغرب لنفسه الحق في تقرير مصير بلاد وشعوب، كما يفعل الآن مع سورية ضد رغبة أكثرية الشعب السوري ويفوض نفسه للتدخل في أي مكان يكون فيه نظام الحكم لا يلائم سياساته ولا يخضع لإملاءاته وهذا بحد ذاته تغيير جذري في تاريخ البشرية، كل قواعد القانون الدولي حرِّفت وسيادة الدول أصبحت هشة… وهذا يعني أننا دخلنا في مرحلة جديدة إزاء انحطاط الديمقراطية.

من جهة أخرى قوى الغرب المجرمة تحتل جزءاً كبيراً من عالمنا هذا، لاشيء يفلت من رقابته وهمينته: خبث ودهاء الغرب لا حدود لهما: هذا الغرب، وأزلامه العرب هو الذي هيأ وشكّل، ودرب المعارضين السوريين، سلّحهم، مارس التعذيب، نفذ الاغتيالات، ارتكب المجازر، وحرّض على الهجمات الإرهابية ضد المدنيين وعناصر الجيش، مارس كافة أشكال انتهاكات حقوق الانسان، وهاهو يصرخ معلناً وقوع الفضيحة عندما يدافع الرئيس السوري عن شعبه، علماً أنه هو الذي يدمر العالم، ويفلت من أي عقاب على جرائمه ليس هذا فحسب بل ينصب محاكم لمحاكمة جرائم الآخرين… يجب أن يعلم الجميع أن الغرب هو أكبر خطر يهدد البشرية فيما ينشر الناتو شبكته العسكرية الحربية في كل أرجاء العالم، بغية إحكام السيطرة عليه. بكل الأحوال مع الأزمة السورية بدأت الحرب العالمية الثالثة.

في الديمقراطية الغريبة لا يسمعون رأي أو وجهة نظر الفريق الآخر ولم نرَ يوماً منذ بداية الأزمة السورية لقاء أو حواراً مع ممثلي الحكومة السورية أو مع أحد المؤيدين لها، بل على العكس وسائل الإعلام الغربية، واقعة في قبضة صناعيي التسليح تحرض على الحروب يومياً من خلال بث صور مفبركة وأخبار كاذبة مضللة عن ضحايا القصف الذي تنفذه القوات الحكومية، وفي اليوم التالي تعرض هذه القنوات صوراً لمجازر أو لقاءات مع أشخاص تعرضوا للتعذيب على أيدي عناصر الجيش، كما يزعمون أو عن آلام ومآسي المدنيين في حين أن كل هذه الجرائم والأعمال الإرهابية إنما ترتكبها المجموعات الإرهابية الوهابية المسلحة. لذلك فوسائل الإعلام الغربية مجردة من أية مهنية أو حرفية بل هي مجرد أدوات فعالة في حرب البروباغندا، حرب المعلومات والتضليل والأخبار الملفقة والموجهة للرأي العام العالمي ضد هذا البلد.

إن فرنسا تتعامل مع الحركات التكفيرية الوهابية من منطلق براغماتي، يتناغم مع الموقف الأمريكي لحد ما، والتفهم الذي تبديه فرنسا، ومعها الولايات المتحدة، لبروز التيار الإسلامي التكفيري في إطار ما عرف بالربيع العربي، يُفصح عن رغبة فرنسية غربية للتعامل مع الحراك الذي فوجىء به الغرب، وبشكل يتيح للغرب أن يسهم في توجيه هذه الحراك، والمشاركة في قطف ثماره، وحرف مساره، ذلك أن العداء للسياسات الغربية كان، كما رفض الأنظمة الاستبدادية الموالية للغرب، سبباً رئيسياً في هذا الحراك.

وفي هذا السياق، اعتبر الشاعر السوري أدونيس في حديث لمجلة ”إفريقيا آسيا” أن فرنسا خانت مبادئ الثورة الفرنسية بتقديم الدعم لـ”جميع الحركات الأصولية الرجعية” في العالم العربي.

وقال أدونيس الذي يعتبر من أشهر الشعراء العرب الحاليين والمعارضين العلمانيين: إن ”من يراقب السياسة الحالية لفرنسا إزاء العالم العربي يلاحظ أنها تخون مبادئ الثورة الفرنسية”. وبحسب فرانس برس قال أدونيس: ”بدلاً من العمل على دعم التيارات المدنية والديمقراطية والمتعددة القادرة على إرساء أسس ثورة شاملة من شأنها إخراج المجتمعات العربية من تخلف القرون الوسطى إلى الحداثة، فإن فرنسا وعلى العكس من ذلك تدعم كل الحركات الأصولية الرجعية .

في تقديري، اليوم يتعالى النعيق الفرنسي وذلك راجع الى أن فرنسا ذات التاريخ الاستعماري الطويل في المنطقة تريد أن تكون جزءاً من المشروع الصهيو ـ أميركي الهادف إلى تقسيم المنطقة على أساس الثروات، عبر الجعجعة الإعلامية ونعيق البوم الذي تحدثه لضمان ـ كما تتوهم ـ حصة من كعكة الثروات الطبيعية ومصادر الطاقة المكتشفة حديثاً على السواحل السورية، وجزءاً من مشروع محاصرة كل من روسيا والصين وإيران، من خلال المخطط القائم بتحويل سوريا إلى أرض عبور لأنابيب الغاز عبر تركيا ثم إلى أوروبا، وبالتالي تهميش روسيا وخلع إحدى أوراق قوتها ألا وهي ورقة الغاز الذي تمد به أوروبا، مما سيترتب عليه إبعاد الدب الروسي من المناطق الدافئة، كما ستكون الصين خارج المنطقة وفق هذا المخطط.

أما الدولة السورية فلن تتهيب كل هذه الإيقاعات العنيفة، وستبقى واقفة أمام مثل هذه الاستعراضات المسرحية الدموية والقبيحة، سوف تمضي في الحوار طالما أنّ الحوار يبقي على نافذة الأمل مفتوحة ومشرّعة، ولكنها لن تضحي بأمن السوريين واستقرارهم، ولن تتخلى عن مسؤولياتها في حماية مواطنيها الذين يعلقون عليها وحدها مهمة القيام بهذا الواجب المقدّس.

فسورية لن ترتجف كما يتهيأ لهم، ولن تخالف قناعاتها المثبتة، ولن تتنكر للحقائق التي جمعتها على امتداد شهور الأزمة، وسوف تبني على أساس ذلك موقفها، ذلك أن هذا الموقف هو وحده الكفيل بحماية شعبها.

إن قدر سورية عبر تاريخها أن تكون المدافعة عن الكرامة والعزة في الفضاء القومي والإقليمي، والمدافعة عن الحقوق العربية، سواء رضي عنها الغرب بنزعاته الاستعمارية أم لا.

 

 

في عيد اللغة الأم… أين وحدة اللسان العربي…؟!   بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

الحديث عن الاحتفاء باليوم العالمي للغة الأم، يدفعنا اليوم للحديث عن ضعفنا بلغتنا العربية، نحن أهلها الذين نعشقها عشقاً لا يحد، والذين نستخدمها في منطوقنا وكتابتنا، ونتغزل بها، ونتغنى بعلومها وآدابها، ولكننا نعاني من ضعف شديد في استخدامها الاستخدام الصحيح والسليم.‏

 

سأكون صادقاً في القول أن قرار الاحتفاء بيوم اللغة الأم، أفزعني كثيراً، وأشعرني أن لغتنا دخلت دائرة الخطر، أو أنها أصبحت ضمن التراث العالمي المهدد بالخطر. وما أثار فزعي ربما القناعة التي بت أؤمن بها إيماناً مطلقاً أن اللغة العربية في خطر حقيقي. وأكبر خطر يهددها اليوم هو الإعلام الجديد الذي صنع لنفسه لغة خاصة بعيدة كلياً عن اللغة العربية التي نقرأها في كتاب الله، وفي الشعر العربي قديمه وحديثه.

 

فاللغة العربية أصبحت تعيش حالة اغتراب حقيقي بين الشباب العربي، وعندما أقول اللغة العربية هنا أتحدث عن الحد الأدنى من التقيد بقواعد اللغة، أو حتى باللهجة البسيطة التي كان الأجداد يتحدثون بها في معاملاتهم اليومية. تلك اللهجات رغم بساطتها ورغم التأثيرات التي ألمت بها هي الأخرى في خطر حقيقي.

 

وفي اعتقادي أن الأمر يعود إلى مشكلة نفسية في تركيبتنا الشخصية ولن أقول الوطنية أو الانتمائية، لأننا مستعدون لتكسير لغتنا البسيطة عندما نضطر للتحدث مع أي أجنبي نواجهه في طريقنا، رغم أن المنطق المعروف في العالم أجمع يقول أن الأقوى هو صاحب التأثير على الآخر وليس العكس.

 

ولا يوجد ما هو أشدّ خطراً على اللغة من الحيلولة دون جريانها على ألسنة البشر، وحشرها فقط في (الممارسة المقدّسة) حتى لو بدا ذلك تبجيلاً للغة، لأن قتل اللغة ـ أية لغة ـ يبدأ من حجبها عن التداول الحيوي المباشر في مختلف المجالات والسياقات، وهو ما يحدث اليوم في بلدان الخليج التي (يفخر) أبناؤها بتعاليهم على استعمال العربية، ولجوئهم إلى لغات (الخدم) والكتلة الكبرى من العمالة الآسيوية المستوردة، أي الإنجليزية المكسّرة، بالإضافة إلى ممارسات رعاة الإسلام السياسي الذين يرون المسلم الأنموذجي هو ذلك الذي يتقن الإنجليزية حصراً لا العربية بالضرورة، وهو ما بشّرت به رواية المصري يوسف زيدان (محال).

 

واليوم نجد ذلك قائماً على امتداد آسيا الإسلامية وصولاً إلى بلدان الخليج التي يندر أن نجد في أسواقها الهائلة من يتحدث العربية بعيداً عن الارتباك الناشئ عن صعوبة التفاهم بواسطتها، مقابل انغماس الأغلبية الساحقة هناك وتخبّطها في استعمال (الإنجليزية المشوهة).

 

فما أدق أن نقول في اللغة وتحدياتها في الداخل إننا نواجه عقدة اللسان في كل قضية من قضايا الدفاع عن حقوقنا المستلبة، وإن تحدياتها الغازية من الخارج قد امتدت لتفسد قيمنا وتشوه وجوهنا بمخالب الغزاة وألسنتهم بصريح الآية من سورة الممتحنة:

 

”إِن يَثقَفوكمْ يكونوا لَكم أَعداء ويبسطوا إِلَيكم أيدِيهم وأَلسنتهم بِالسوءِ وودّوا لَو تكفرونَ” (الممتحنة2).


فاللغة تقوى وتضعف بقوة وضعف أبنائها، فكانت سلطانة عندما كان العرب سلاطين زمانهم، ومع هذا فإن اللغة العربية رغم كل الكبوات التي مر بها مجتمعنا بقيت صامدة، ونأمل من الجيل الجديد أن يدرك أهمية لغته ويسعى للحفاظ عليها، بخاصة إذا عرفنا أن عدد اللغات في العالم عام 1998 كان نحو 6000 لغة، وخلال عشر سنوات تقلص العدد إلى 5000 لغة، وهذا يعني أن بعض اللغات مهددة بالزوال لأن الصراع في هذا المجال للأقوى.

 

ويبدو لي أن أكبر تحد يواجه لغتنا العربية الجميلة هو عقوق الأبناء لأمومة اللغة المتقدمة على واقع الأمة المتخلفة، فإذا كانت اللغة ظاهرة اجتماعية ومكوناً من مكونات الحضارة فلماذا أبطأت مجاميع اللغة في عواصمنا العربية من توحيد المصطلحات المتصلة في بناء هويتنا الثقافية، لا في مجال تعريب المصطلحات العلمية فحسب، وإنما في مجال توحيد مصطلحاتنا السياسية والإعلامية.

 

وأراني أزعم أن أخطر ما تمنى به لغة من اللغات هو في انقطاع العلاقة بين اللفظ ومدلوله أو في انقطاع توليد معناها الجديد من معناها الأصلي القديم أو في انقطاع استعمالها وتداولها، فلا معنى لمباهاة من قال إن حروفنا الهجائية تجاوزت اثني عشر مليوناً من الكلمات إذا كان واقع ما يستعمل منها لا يكاد يجاوز ثمانين ألفاً، ولا معنى لإحصاء الألوف المستعملة إن لم تكن حاملة لقيمة التعبير الذاتي عن ذاتها.

 

ويذهب أكثر علماء اللغة العالميين إلى أن اللغة ترتبط بالبنى الاجتماعية بشكل حيوي ليعكس مستوى ثراء اللغة وثراء الفكر، وهو ثراء يتسع باتساع حاجات الناس واتساع معارفهم، غير أن الحلقة المفقودة في أكثر ما كتبه العرب في فقه اللغة وعلومها وأسرارها وتاريخها وتطورها وسواها من البحوث المتصلة ـ بالنظام الداخلي للغة هو قلة البحوث والدراسات المتصلة بواقع التحديات.


إن العربية بوصفها هوية وحضارة اتصلت بهويات وثقافات فتبادلت معها التأثر والتأثير من دون أن تشوه شيئاً من خصائصها ومحاسنها، وهي سنة اجتماعية ألفتها اللغات الإنسانية كلها، ولئن قيل إن من السنن الاجتماعية المسلمة أن اللغة إذا تقادم عهدها بالغ الناس في تقديسها، ولئن قيل إن مقياس الكمال في اللغات ارتدادها إلى ماضي أشد إيغالاً في القدم، فإن باعث التقديس ومقياس الكمال يجب أن يستند على قوة أصولها في تجديد قيمها بفصاحة اللسان وقوة البيان..

 

إن دم اللغة العربية هو من فئة الحق والخير والجمال التي تمس الإنسان مساساً يجري في عروق الإنسانية كلها، فإذا صح في فصائل اللغات أن يقال بانفصال بعضها عن عروق جنسها، فإن العربية شديدة الاتصال بدم حضارتها، فلا تصح دراستها من غير جوهرة التكامل بين العروبة والإسلام، إلا أن أخطر ما تعرض له هذا التكامل ليس العدوان عليه من غزوات الخارج وإنما من غزوات الجهالة والأمية التي فتكت بجميع مفهوماتنا عن لغة الأمة الفريدة وأمة اللغة الواحدة…

 

وإذا كانت اللغة أداة تواصل وتفاعل اجتماعي فقد بدأنا ضمن هذا الإطار نضيع لغتنا، وإذا كانت اللغة وسيلة ثقافية تراكمية ومعرفية، فقد بدأنا أيضاً بفقدان المفردات اللغوية العربية يوماً إثر يوم، وهذا ما سيؤدي إلى إفقارها وعجزها عن استيعاب المعاني المستجدة، يضاف إلى ذلك فقدان تذوقها الجمالي، واللغة العربية كما هو معروف تمتاز بأنها تمتلك بحراً من الدرر واللآلىء التي نفخر بها ولا نقبل التفريط بها أمام هذا المد الذي لن يكون يوماً ما لصالح لغتنا العربية. فهي تتعرض وعبر مسارها التاريخي للتشويه، لذلك تنبه ”حافظ ابراهيم” لهذه الحالة عندما تقمص لسان العربية قائلاً:

 

فلا تكلوني للزمان فإنني                  أخاف عليكم أن تحين وفاتي

 

واعترافاً بمكانة اللغة العربية، فقد أكد المفكر العالمي ”غوستاف لوبون” أن ”اللغة العربية من أكثر اللغات انسجاماً، فهي لغة أصبحت دولية من خلال نسيجها اللغوي التركيبي”. وهذا ما أكده الباحث الإيطالي ”ماسينيون” في وصفه الرائع للغة العربية: ”اللغة العربية أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإن استمرار حياة اللغة العربية دولياً لهو العنصر الجوهري للسلام بين الدول”.

 

إن الحفاظ على هوية ووجود هذه الأمة، هو القيام بما يضمن أمنها في المجالات كافة، ولا تكون اللغة في آخر الواجبات، لأنها اللسان الذي من خلاله يتفاهم أبناء الوطن الواحد، وإن التخلي عن اللغة الأم، أمام المد والهيمنة الغربية، تُحدث الاغتراب والتمزق الثقافي، فتعمل الأمة ـ بوعي كامل ـ على دعوة الآخر إلى الهيمنة والسيطرة، فيما يقوم تطوير اللغة بتعزيز الهوية وتحصينها ضد عمليات التنميط والتجهيل.‏

 

فالحفاظ على وحدة اللغة العربية هو حفاظ على الهوية العربية، وغير ذلك يعني أن الخطر يتهدد اللسان العربي والوجود العربي ككل، وإن غياب الخطط للحفاظ على وحدة اللسان العربي يدفع بالأمة العربية إلى زيادة في التفتت، ويصبح مشروع الوحدة بعيد المنال.‏

 

لهذا لا بد من التفكير ببرامج استراتيجية تواكب أهميتها، رسمياً وشعبياً، تبدأ من العائلة والمدرسة ودور العبادة ووسائل الإعلام والمنظمات والفعاليات الأخرى. وتيسير نشر اللغة العربية عبر ثورة التقنية والاتصالات والمعلومات، وضرورة التأكيد على أن اللغة العربية من أسس بناء التعليم والبحث العلمي والتحديث العام للأمة، وعلى تقدير ما تنهض به في تعزيز الهوية وتثبيت الشعور بالانتماء لها وسط تهديد العولمة المتوحشة للهويات والخصوصيات الثقافية، بما في ذلك لغة الأم.

 

نحتاج في مثل هذا اليوم العالمي للغة الأم، أن نقف وقفة جادة لبحث أسباب اغتراب لغتنا واغتراب جيل بأكمله عن لغته وثقافته، لا أن نحتفي بفرح بهذا اليوم العالمي، لأنه مؤشر خوف لا مؤشر فرح وفخر.

 

 

 

قراءة في الذهنية الغربية… ومكوّنات الوجدان العنصري!                                                                      بقلم: مصطفى قطبي

  من أرشيف رؤية                                                               

أعرف… وتعرفون تماماً أن الغرب، ومنذ البدايات الأولى لكتابة تاريخه وتدوينه رسمياً، كان غرباً سياسياً انتهازياً مشدوداً للمصالح أياً كانت درجة وضاعتها وخسّتها ونذالتها، ولم يكن في يوم من الأيام مشدوداً إلى القيم النبيلة أو الأفكار السامية أو العقائد الروحيّة. كان، ومنذ كياناته السياسيّة الأولى، لا يؤمن إلا بالوقيعة، والتهديد، والنهب، والإخافة، والإيذاء، والبطش، والاستعباد، ولم تكن له من صفات، ومنذ كياناته السياسيّة الأولى أيضاً، سوى الوغدنة، والخداع، والظلم، وانتهاز الفرص، والتباهي بالقوة، والغدر، ولم تكن له من آثار باقيات، ومنذ كياناته السياسيّة الأولى، سوى التدمير، والقتل، والمجازر، والسرقة، والأحزان، والمآسي، والويلات الثقال... وذلك لأن الغرب السياسي قائم منذ كياناته السياسيّة الأولى وحتى ما شاء الله من أزمنة على مقولة (السيد والعبد)، فالغربيون يؤمنون بأنهم السادة، أصحاب العرق الآري، وأصحاب الأبدان التي يجري فيها الدم الأزرق، والآخرون، كل الآخرين، عبيد، عبيد وحسب.

يستل الغربيون أدوات ضغطهم السياسي، مقابل إشهار أميركي واضح لسياسة الابتزاز، ويأخذ التقاطع بينهما سيلاً جارفاً من المواقف المتلاطمة التي تدخل في سباق محموم للمزاودة السياسية. الغيرة الغربية على الشعوب العربية وحرياتها تطرح أكثر من سؤال… وترسم عشرات علامات الاستفهام، وهي تدفع إلى الذاكرة العربية فصولاً من التخمة المفرطة في عدوانيتها التي تجاهلت على مدى عقود خلت الإرادة العربية وتطلعاتها.‏ وإذا كان الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير لقراءة تلك التقاطعات، فإنه في الإجابة على الأسئلة المطروحة يواجه إشكالية الخلط الواضح لجهة الأبعاد والأهداف التي تتخفى خلفها تلك الحماسة الغربية وهي تحاول أن تعيد رسم دورها المشبوه في المشهد الدولي.‏

فالاندفاع الأميركي نحو سياسة الابتزاز بذرائعه التي يدركها القاصي والداني… تواجهها أسباب غربية غامضة ومبهمة؟! ورغم أن الأمر لا يقف هنا… ولا يقتصر على هذا البعد، فإنه بهذا المعيار يفتح الباب على خلفيات ودوافع ترسم ملامح أكثر وضوحاً لحالات الاستهداف.‏ فالمسألة ليست في الخشية على الشعوب العربية… ولا هي في إطار الحرص على هذه المصالح… ولا تندرج لأي سبب من الأسباب تحت بند الدفاع عن إرادة هذه الشعوب.‏ فقد تجاهلتها طوال عقود خلت… ومارست حيالها سياسة مراوغة لا أحد يجادل في فوقيتها ولا في تراتبية المصالح التي زاغت عنها الأعين الأوروبية إرضاء لإسرائيل وأميركا.‏ لكن كل ذلك ربما لا يقدم تفسيراً كافياً لتلك التفاصيل التي تشهدها أروقة الغرف المغلقة… ولا تعطي ما يكفي من شروحات لتلك الأجندة التي يعاد تدوير زواياها لتكون أكثر قدرة على التكيف مع متطلبات التموضع الجديد للعلاقات الدولية.‏

لا نعتقد أن أحداً لديه الشك بأن صلاحية اتفاقيات سايكس بيكو وما أنتجته قد شارفت على الانتهاء… وأن السعي إلى إنتاج جديد لتموضعات المشهد العربي لم يخفِ أدواته ووسائله.‏ فما عجزت عنه أميركا على مدى العقد الماضي في رسم ذلك المشهد ليكون وفق التفصيلة الأميركية، تحاول تمريره عبر الغربيين واندفاعتهم المحمومة، وما فشلت في فعله يمارسه الغربيون وهو أبعد من شبهة وأكثر من تهمة ويصل مستوى الوقائع.‏ وبين هذه وتلك ترتسم الملامح… وتأخذ طريقها إلى فهم أوضح للكثير من الالتباسات الحاصلة… فالمسألة مرة أخرى تبتعد بالضرورة عن المصالح العربية… وتفترق حكماً عن إرادة الشعوب العربية…‏

 

أن يكون الغرب بمجمله، محطّ أحلام مَنْ لا يعرفه، لا تاريخاً ولا مجتمعاً، من العرب وسواهم، أمر طبيعي جداً، ولا يثير أي تساؤل أو دهشة. أما أن يكون محط آمال بعض العرب، ممّن عرفوا تاريخه وواقعه الاجتماعي وتطوره السياسي، فأمر يدعو للدهشة، بل للقلق… إلا أن هذه الدهشة، وهذا القلق يبلغان مداهما الأقصى، عندما يتضح أن من هؤلاء العرب مَنْ يرجون خيراً من الغرب لأوطانهم، أياً كانت.

والغرب السياسي اليوم، وبسبب أخلاقه الفاسدة، يحتل فلسطين، ويشرد شعبها ثم (يتصدّق) عليهم بالإعاشة، ويحتل العراق، وأفغانستان، ويدمّر الصومال، وباكستان ويدّعي حماية الحريات، وحقوق الإنسان… ناهيك عن النفوذ الإجرامي الذي يفرضه الغرب السياسي على الكثير الكثير من الدول العربية وغير العربية… عبر قواعده العسكرية، وسفاراته الدبلوماسية، وتجارته الامتصاصية، وثقافته العولمية… وبالرغم من ذلك يريد لنا أن نصفق لـ(أساطير اليونان)، و(مطبعة نابليون بونابرت) وأفكار (شوبنهاور)، ومقولات (هنتغتون) وآراء (غوبلز)، وسياسات (هتلر، وموسوليني، وفرانكو…).

أقول هذا… بكل المرارة وأنا أرى، في هذه اللحظات الراهنة، بعيون الشعوب الحرة، العيون اليواقظ، ما الذي يحمله لنا الغرب السياسي في سلاله المكتوب عليها بخط عريض وبلون فسفوري (حقوق، حريات، ديموقراطية) أرى، كما يرى الشعب العربي الحر، كما ترون سادتي… أن لا شيء في سلال الغرب سوى أمور ثلاثة: مسدس، وثعبان، وحقد… لأننا عرفنا، من قبل، سلاله المسمومة التي لم يكن فيها سوى: مسدس، وثعبان، وحقد. ومع ذلك ينخدع بعض أهلنا (دولاً، وجماعات، وأفراداً…) بكلام الغرب المعسول… فيصيرون له قواعد، وتبعاً، وعملاء، بعدما أصابتهم لعنة الفيلة العمياء التي تأخذها سلاسة المياه إلى الأعماق الأعماق خطوةً خطوةً كيما تموت دفناً… في المياه الموحلة.

ونرى أيضاً، حين نتقدّم في التاريخ، ما فعله الغرب السياسي قبل ألف عام من وقتنا الراهن، أي في أثناء حروب الفرنجة في بلادنا، حين اشتدت عليه وحوله ضائقته الاقتصادية (كما هي الأعراض الاقتصادية الراهنة التي تشتدّ على الغرب السياسي وحوله)، فدُفع الشعب الغربي دفعاً إلى احتلال بلادنا، وتخريب حضارتها، وسرقة علومها ومعارفها، ونهب خيراتها، وقتل أهلها في الكنائس، والمساجد، (وقد قُتل من المسيحيين لأنهم شرقيون أكثر مما قُتل من المسلمين على الرغم من أن دماء الطرفين، أهل الديانتين، وصلت في بعض المواضع إلى حدّ الرُكب، وأين؟ داخل المساجد والكنائس) ولم يكن ذلك إلا بسبب فساد الغرب السياسي الذي دفع أبناءه إلى مثل تلك الجريمة الإنسانية التي استمرت في القتل، والظلم، وفرض الأذيات والكواره على أبناء شعبنا زمناً قارب القرنين وأزيد، والسبب الذي ابتدعته الأخلاق الغربية السياسيّة الفاسدة، هو أن قبر سيدنا المسيح يتعرّض للخطر، والمسيح سيدنا، ونبينا، وابن أرضنا، والثائر على المفاسد، والمنادي بالمحبة، والكائن الحميم الذي يسكن مهج أرواحنا، وقبره تمرُّ به أيدينا مسحاً مثلما تمر أيدي الأطفال مسحاً على ريش الحمام.

وتأتي لحظة يحلّ فيها الغضب محلّ الدهشة والقلق، عندما تعرف أن ثمّة عرب يعرفون الغرب، مجتمعاً وتاريخاً وتطوراً سياسياً، ويستقوون به على وطنهم. ويبلغ الغضب ذروته عندما يتضح لك ولكل إنسان مطّلع وصادق، أولاً من خلال شهادات لا تُحصى ولا تُدحض، لمثقفين وباحثين غربيين، مرموقين وشجعان، وثانياً من خلال الممارسة السياسية الغربية، المعلنة والخفية، أن هذا الغرب كله، أجل كله، وبكل ما لديه من مسؤولين وعلوم وقدرات وإعلام وأموال ومؤسسات، بات عبداً ـ أجل عبداً ـ للصهيونية! ‏حسبي اليوم الاستشهاد بباحثين غربيين، فلديهم ـ كما لدى الكثيرين غيرهم ـ ما يقولونه لنا ـ نحن العرب ـ بشأن هذا الغرب، ”رائد الحرية والديمقراطية والحقوق الإنسانية”.

 الفرنسي هو ”اينياسيو رامون”، الذي تولى سنوات طويلة إدارة مجلة ”العالم الدبلوماسي” الشهيرة. له مؤلفات عديدة، منها كتاب بعنوان ”حروب القرن الحادي والعشرين”، وقد صدر في باريس عام 2002، وهو يقول فيه، عن الاستعمار الجديد، منذ السطور الأولى، ما حرفيته: ‏”إن الولايات المتحدة تسيطر على العالم على نحو لم يُتح لأي إمبراطورية أخرى في التاريخ. وهي تمارس هيمنة ساحقة في الميادين التقليدية الخمسة لكل سلطة: السياسي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والثقافي. إنها المرة الأولى في تاريخ البشرية، التي يخضع فيها العالم لقوة واحدة متفوقة… ثمة ظاهرة مركزية أخرى: وهي أن جميع الدول تُساق مدفوعة في دينامية العولمة. وأننا، على نحو ما، إزاء ثورة رأسمالية ثانية. وبذلك تدخل الأرض في حقبة جديدة من الفتوحات، كما حدث في الحقبة الكولونيالية. ولكن، في حين كانت الدول آنذاك، هي التي تقوم بالأدوار الرئيسة في الفتوحات السابقة، فإن الشركات الكبرى والتجمعات الصناعية والمالية الخاصة، هي التي تسعى اليوم، للسيطرة على العالم. فسادة الأرض لم يكونوا يوماً بهذا القدر من القلة ومن السيطرة في آن واحد. ‏وهذه التجمعات تقوم أساساً في مثلث الولايات المتحدة ـ أوربا ـ اليابان، ونصفها يقوم في الولايات المتحدة… فإن العولمة لا تهدف إلى احتلال البلدان، بقدر ما تهدف إلى احتلال الأسواق. وإن هاجس هذه السلطة العصرية، ليس، في الواقع، احتلال الأراضي، كما كان يحدث إبان الفتوحات الكبرى، بل هو السيطرة على الثروات”.

 أما الباحث السويسري ”جان زيغلر”، فله أيضاً ما يقوله بشأن النظام العالمي الجديد الذي بنته هذه الشركات الكبرى عابرة القارات. والمعروف أن ”زيغلر” شغل في السابق منصب مستشار اقتصادي للأمين العام للأمم المتحدة. وقد قال في مقدمة كتاب له صدر في باريس عام 2007، تحت عنوان: ”إمبراطورية العار”، ما حرفيته: ‏في إمبراطورية العار، التي تحكمها سياسة التجويع المنظم، لم تعد الحرب حالةً طارئة، بل هي حالة دائمة. وهي لا تشكل أزمة وحالةً مَرَضية، بل وضعاً طبيعياً. وهي لم تعد تُعد تغييباً للعقل، بل هي مسوغ وجود هذه الإمبراطورية تحديداً. فإن سادة الحرب الاقتصادية قد أخضعوا الأرض كلها لتقسيم مدروس: فهم يهاجمون السلطة الناظمة للدول، ويشككون في سيادة الشعوب، ويفسدون الديمقراطية، ويخربون الطبيعة، ويدمرون البشر وحرياتهم. أما مرتكزهم الفلسفي، فهو تعميم هذا الاقتصاد ودسّ ”اليد الخفيّة” التي تحرك السوق، فيما الزيادة القصوى في الأرباح هي قاعدتهم العملية”.

إني أسمّي هذه الفلسفة وهذه الممارسة عنفاً بنيوياً… إن الدَّين والجوع هما سلاحا التدمير الشامل اللذين يستخدمهما سادة العالم، من أجل استعباد الشعوب، وسرقة قوّة عملهم، وموادهم الأولى، وأحلامهم… في العالم اليوم، 192 دولةً، تقوم (122) منها في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، وإن مجموع ديونها الخارجية (2100) مليار دولار. ‏للدَّين الخارجي فعل حبل المشنقة… ولمصارف الشمال الدائنة، فعل العَلَق مصّاص الدماء… ‏والبلد المدين يصاب بفقر الدم. ‏والدَّين يحول دون أي استثمار اجتماعي معقول، في مشروعات الري والبنى التحتية، من طرق ومدارس ومستشفيات، وبالطبع، في أي مشروع صناعي. ‏والبلدان الأكثر فقراً يستحيل عليها تحقيق أي تطور دائم.

إن مذبحة الجوع اليومية تتواصل على نحو عادي وببرود جليدي. فكل خمس ثوان، يموت جوعاً طفل دون العاشرة، وكل أربع دقائق، يصاب بالعمى طفل، نتيجة نقص الفيتامين A لديه. ‏في العام 2006، كان ثمة (854) مليون إنسان ـ أي بنسبة واحد إلى ستة من سكان الأرض ـ يعانون على نحو خطير ودائم، من سوء التغذية، في حين كانوا عام 2005، (842) مليوناً.

‏إن تقرير منظمة الغذاء العالمي (FAO) وهو الذي يدلي بهذه الأرقام، يؤكد أن الزراعة العالمية، في الوضع الراهن لتطور قواها الإنتاجية، يمكنها أن تغذي (12) مليار إنسان. ‏ونحن اليوم (6.2) مليارات على وجه الأرض. ‏النتيجة: ليس هناك أي قدر محتوم، وإن كل طفل يموت جوعاً، هو طفل قُتل قتلاً.

فالنظام العالمي، الاقتصادي والسياسي، الذي بنته الرأسمالية الغربية النهّابة، ليس قاتلاً فحسب، إنه أيضاً عبثي، إذ هو يَقتل، ولكنه يَقتل من دون ضرورة. ‏هذا النظام يجب أن يُواجَه بمقاومة جذرية. ‏وكتابي هذا، يريد أن يكون سلاحاً في سبيل هذه المعركة.

أما الباحثان الأميركيان، فهما أستاذان جامعيان معاصران، وقد أصدرا كتاباً مشتركاً عام 2007، تحت عنوان:” اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية”. إنهما ”ستيفن والت” من جامعة هارفارد، و”جون ميرشايمر”، من جامعة شيكاغو. ‏يقع كتابهما في ترجمته العربية في (693) صفحة من القطع المتوسط، وهو إدانة منتظمة وموثّقة لجميع المسؤولين في الإدارات الأميركية من دون استثناء، على اختلاف مراكزهم، من حيث تبعيتهم المطلقة والعمياء لما بات معروفاً باللوبي الإسرائيلي. ‏حسبي الاستشهاد بفقرتين من كتابهما، تشيران بكل وضوح إلى حتمية ضغط اللوبي الإسرائيلي على الإدارة الأميركية.

وإذا ما عدنا إلى كتاب (ديالكتيك التحرر) نجد شرحاً للتجربة التي قام بها الدكتور ستانلي ملغرام ـ في جامعة بيل الأميركية ـ على البشر، بهدف الوصول إلى جواب عن السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن أن يصل الإنسان في إيقاعه الأذى بإنسان آخر، لا تربطه به أي رابطة سلبية أو إيجابية أو حتّى معرفة مسبقة أو حب أو حقد أو مصلحة؟

وقد وصل إلى نتيجة مفادها: (إنّ ثلثي السكان في مجتمعنا المتحضّر الذي يدّعي الديمقراطية، مستعدّون لتنفيذ أي أمر مهما كان شنيعاً).

وهنا يحضرني اعتراف أحد الضباط الأميركيين الذي أعطى الأوامر بقتل لواء من جنود عراقيين منسحبين في حرب الخليج 1992، وشارك هو بنفسه في التنفيذ، حين قال: إنه شعر أن الأمر شبيه بلعبة (الغيم) التي يمارسها الأولاد على الأتاري.

وفي تقديم كتاب (معذبو الأرض) للكاتب (فرانز فانون) يقول سارتر: (بما أنه لا يستطيع أحد أن يسلب رزق أخيه الإنسان أو أن يستعبده أو أن يقتله، إلا ويكون قد اقترف جريمة، فقد أقرّ المستعمِرون المبدأ القائل: إن المستعمَر ليس شبيهاً بالإنسان، وعُهد إلى قواتنا ـ الأوروبية ـ بمهمة تحويل هذا اليقين المجرد إلى واقع. ولقد صدر الأمر بخفض سكان البلاد الملحقة إلى مستوى القرود الراقية من أجل تسويغ أن يعاملهم المستوطنون معاملة الدواب….) مضيفاً: (إنّ العنف الاستعماري لا يريد المحافظة على إخضاع هؤلاء البشر المستعبَدين، وإنما يحاول أن يجرّدهم من إنسانيتهم…). إلى أن يقول: (ولم تكن النظرة العرقية، في البدء، تجعل الجلادين يُحسّون بأنّهم يُؤذون بشراً، بل هم يُخلّصون البشرية من أنصاف البشر الضارّين، فالنصف الآخر في كل منهم شرير وحقير وغير إنساني ومُؤذٍ للإنسانية، أو هم يُروّضون أنصاف البشر هؤلاء، كما يُروضون الجياد والبغال والحمير، لكي يصبحوا صالحين لخدمة البشر الأسوياء…).

وهو القائل: (ومع ذلك لم يتحقق الهدف في أي مكان، لم يتحقق في الكونغو، حيث كانوا يقطعون أيدي الزنوج، ولم يتحقق في أنغولا، حيث كانوا يثقبون شفاه المتذمرين ليقفلوها بأقفال. ولست أدّعي أنه من المستحيل أن تبدّل إنساناً فتجعله بهيمة، وإنما أقول: إنك لن تصل إلى ذلك إلا بإضعافه إضعافاً كبيراً… لا بد من المبالغة في التجويع….). وهكذا فإنهم ينظرون إلى (الشعب الآخر، القومية الأخرى، الدين الآخر…) على أنهم حيوانات. ومن هذه النظرة الفوقية الاحتقارية للآخرين تتولد نظرية (الامتياز العرقي، الامتياز القومي، شعب الله المختار…).

ولم يتوقف هذا الأمر لدى أنظمة هذه الدول ”الديمقراطية” عند تركيع وتصفية الشعوب الأخرى، بل تعداها إلى القيام بالشيء نفسه بحق شعوب هذه الأنظمة نفسها.

لقد نشرت الغارديان البريطانية تحقيقاً عن هذا الموضوع ورد فيه: (إنّ جميع الدول المتقدمة تجري تجارب تحسين النسل على مواطنيها، فمثلاً منذ عام 1935 حتى عام 1976، هناك أكثر من600 ألف مواطن سويدي جرى تعقيمهم ”إصابتهم بالعقم المتعمد”، دون أن يعرفوا ما كان يجري لهم، وهؤلاء هم غير المرغوب فيهم اجتماعياً، إضافة للنساء اللواتي لديهن عدد كبير من الأولاد ويعشن حياة سيئة، والنساء اللواتي يُحسَبن غير قادرات على تربية الأولاد، أو غير قادرات على اختيار طريقة صحيحة في الحياة، إضافة للمشردين والغجر الذين هم ليسوا من العرق السويدي الأصل).
ويضيف ”ويليم بلاف” في (ملحق نيويورك تايمز) الخاص بالكتب: إن هذه الإجراءات الهادفة إلى تنقية العرق والتخلص من ـ الدم الفاسد ـ ليست وقفاً على السويد، بل هي شائعة في الدول الإسكندنافية جميعاً، وفي سويسرا واليابان وفرنسا، وفي بريطانيا كانت مسألة تحسين النسل إشكالية مطروحة أيام حرب البوير حتى عام 1950، وظلت بعض الجمعيات الخيرية ترسل الأطفال الفقراء وغير الشرعيين إلى أستراليا كي يصبحوا خدماً من دون عقود أو أجور. كما كان وزير المستعمرات البريطانية ”تشرشل” يرسل الجنود الأستراليين مع بعض البريطانيين إلى سنغافورة من أجل الحرب، قائلا: إنه من الممكن التضحية بهم لأنهم ذوو دم فاسد.

وفي أميركا خلال عام 1972 وحده، تم تعقيم 24 ألف إنسان بينهم ثمانية آلاف امرأة بالقوة، وتصرُّ جمعيات التعقيم الأميركية على ضرورة تعقيم 10 في المائة من السكان لإنقاذ العرق الأبيض. ولم يُلغَ قانون التعقيم إلا عام 1973. كما لم يتوقف الأمر عند عمليات التعقيم هذه في البلدان المتقدمة، بل كان يتم التعامل مع بعض الناس مثلما يتم التعامل مع فئران المخابر وحيوانات التجارب.

يقول المفكر الأميركي فيليب سلاتر: (لدينا نحن ـ الأميركيين ـ ميل لرؤية غير البيض، والشرقيين بخاصة، على أنهم غير بشر، وفي السنوات الأخيرة توسعت هذه النظرة لتشمل شعوب الدول الاشتراكية عامة، بحيث إنه في الوقت الحاضر أصبحت أغلبية سكان الأرض مرشحة للإبادة لسبب أو لآخر).

إنّ المضطهِد يريد أن يجعل من المضطهَد سخرة تمتد من العمل اليدوي إلى جندي مسلح لخوض الحروب التي يدفعه إليها، وكثيراً ما تكون ضدّ أبناء قومه أو ضدّ من يشبهونه، ولنتذكر أن الجيش الفرنسي الذي احتل سورية، مثلاً، قد ضمَّ إلى صفوفه عدداً كبيراً من السنغاليين والجنود المغاربة العرب الذين وظّفوا ضد الشعب السوري، كما هي عليه الحال الآن، عندما يُسَخّر أولئك العرب من جنسيات مختلفة تحت راية الجهاد لعبور الأراضي السورية والقتال فيها ضد الشعب والجيش العربي السوري، أو عندما تُسَخَّر بعض الفئات الضالّة من السوريين أنفسهم لقتل أبناء وطنهم تحت الذريعة نفسها، أو حين توظّف قنوات الإعلام المعدّة مسبقاً والناطقة بالعربية لسفك الدم السوري من أجل تحقيق أهداف صهيو ـ أميركية.

إن الإنسان الغربي (أو الجماعة البشرية الغربية) تعتبر وفق ما سبق كنايةً عن ”شعب العقل المختار”، وهذه الصيغة هي الصيغة البديلة عن نظرية التميز العرقي، وهي الكفيلة باستمرار التمييز العنصري، فهي تنعتق نظرياً من الأعباء الأخلاقية والسياسية التي باتت تثقل نظرية التفوق العرقي والداروينية الاجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحافظ في الوقت ذاته على جوهر ومفاعيل فكرة التمييز العنصري. وكما منح ”يهوه” أتباعه مزايا استثنائية فيما يتعلق بالتعامل مع سائر شعوب الأرض، فإن ”العقل المؤلّه” يمنح شعبه المختار مجموعة من المزايا التي لا تقل غرابة وقبحاً، وهو حاضر (أو مُستحضر) ليمنح الغفران على جرائم القتل ونهب الثروات والحروب العالمية واستخدام الأسلحة النووية وذبح إنسان العالم الثالث ما دام كل ذلك يتم تحت شعار نشر الحضارة، ومضامينها الشكلانية في ”الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان”.

وتتجسد هذه الفكرة أكثر ما يكون في قصة ومسيرة الغرب الاستعماري مع العرب، فالملايين العربية هنا ليست إلا سوقاً استهلاكية لتصريف المنتج الغرائزي الغربي وهي مجرد كائنات بشرية ولا تملك من ثروتها حق الاستثمار ولا تملك من أمرها حق البناء، والعرب بأرضهم وما فوقها وما في باطنها إنما هم مجموعات متناقضة مقتتلة لا تجيد التآلف فيما بينها ولذا فإن الحجز بين جيوشها العنترية وحكامها ”المشايخ” هو من مهمة الغرب وإذا ما كانت هناك تعديلات في هذه النظرة فلا يتعدى ذلك الشكل ولا يصل ذلك إلى المضمون، أركب أيها العربي أحدث موديلات السيارات أو أركب ناقة هرمة فأنت كما أنت متخلف في نظرهم عابر سبيل ولا تجيد سوى الاستمتاع بالغرائز، أسكن قصراً منيفاً مجهزاً بتكنولوجيا الغرب فوق الماء أو تحت الماء فأنت في نظر الغرب مجرد ساكن منفتح الشهوة والشهية، مغلق الفكر والتفكير وهناك من يحميك في كل العصور ويأتي في هذا الزمن من الغرب بأساطيله وطائراته وبوسائل اتصالاته ليمارس هذا الدور في حمايتك، أما أنت أيها العربي الشيخ، كن أميراً أو كن وزيراً أو كن ملكاً أو كن رئيساً (مودرن) فاقعد واستمتع فأنت الطاعم الكاسي كما قال جرير الشاعر ذات مرة.‏

ونسارع لالتقاط اللوثة الثانية في مسيرة الغرب الاستعماري وهي القائمة على فكرة الاستخدام للبشر وأداء الخدمات للمركز الغربي، وهذه فكرة دائمة الحضور عبر النهب الاستعماري للثروة وعبر نزعة التبذير التي صارت غريزة عند الأثرياء العرب، وهذه النزعة في الاستخدام العربي تملك خاصية التجدد وتتحول مع الريح وتندفع حسب الحاجة الغربية، فإذا ما أخذت هذه النزعة شكل الاقتتال بين العرب حتى ولو كان هذا الاقتتال على منطقة محايدة في الصحراء أو على قرية مثل حلايب أو على صخرة مثل (فيشت الديبل) والتي أرخت لصراع دموي انفجرت فيه النخوة فإذا العقال العربي والكوفية العربية تلقى في الأرض وقد هاجت النفوس ودبت همجية قتل الشقيق في كل مفاصل هذه العائلات والمشايخ والممالك المصطنعة، وهؤلاء الأشاوس الأعراب باعوا النفط والسواحل وعلى البيعة المقدسات الإسلامية وتراث العرب وذاكرتهم بحفنة من الدولارات وبمصاغات هي من نوع الاكسسوار وبزجاجة ويسكي معتق وبقدر بخس رخص لغانيه سمراء أو شقراء قادمة من بلاد (النور والجمال).‏

وتحركت هذه الوظيفة لتتأكد بعد ذلك في دور الإدارات العربية لكي تؤمن للكيان الإسرائيلي عوامل وجوده وأسلحة عدوانه ولتنشر تيارات عقائدية تبشر بالزمن اليهودي في المضمون والزمن العربي عبر العباءات، ولكي تتوضح هذه اللوثة كان لابد أن يمر الطريق إلى واشنطن وباريس ولندن عبر الكيان الإسرائيلي عبر تل أبيب العاصمة السياسية وعبر النظرة للقدس على أنها مجرد شبح من ذكريات عفا عليها الزمن وقد آن الأوان ليعترف (الشيوخ العرب) بأن فلسطين كل فلسطين هي مقر ومستقر لليهود، وأخذ الأعراب دوراً وقطعوا شأواً وأعجبتهم اللعبة وهاهم اليوم حطوا الرحال لكي يتحشدوا في المهمة الجديدة عبر إسقاط سورية الوطن والشعب والدور والنظام السياسي، هاهم المشايخ الأعراب قد أفصحوا عن نزعتهم الخبيثة بلا تردد وبفجاجة وصلت إلى حد الوقاحة وصدق قول الله فيهم إنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، إنه الدور وقد زين الغرب للأتباع في المنطقة أنهم الحكام الجدد والزعماء الذين لا يدانيهم أحد في الفهم والذبح والتعدي على الحرمات، وفهم هؤلاء الأعراب بخبثهم الفطري أنه لكي تنبعث إسرائيل لابد أن تسقط سورية، وماذا في ذلك عندهم، فلتذبح سورية ولتدمر مسيرتها مادام الذبح والتدمير يلبي الأمر القادم من وراء المحيطات ومادامت إسرائيل تمتلك من خلال الذبح والتدمير العربي عوامل مضافة لكي تشعر بالأمان وهي تدمر وتذبح هناك في فلسطين، وتبقى القضية الجوهرية هي خصائص الغرب فيما انطلق منه من أحقاد ونهم بالاستغلال وشعور بالتفوق والنظرة لسورية الآن على أنها الموقع الذي يجب أن يزال لكي تمر المؤامرة الكبرى.‏

لهذا بمقدوري القول إن تاريخ العلاقة ما بين الغرب والعرب تحديداً هو تاريخ من العداء الطويل، والاستلاب، والمشاريع الاستعمارية العسكرية منها وغير العسكرية منذ ألف سنة وحتى يوم الناس هذا، وربما إلى ما شاء الله من أزمنة قادمات، والكلام نفسه يقال أيضاً حين نتحدّث عن علاقة الغرب بالأفارقة والآسيويين وأهل أمريكا الجنوبيّة… لأن أذيات الغرب ومنذ ألف سنة وأزيد متواصلة ضد شعوب العالم وبلدانه، وليس من يد سوداء سوى اليد الغربية الآثمة التي استعبدت الأفارقة، ومحقت حضارة (الأنكا) والهنود الحمر…

هنا أخصّ الحديث بـ نابليون بونابرت لأقول إن أول وعد أطلقه ساسة الغرب من أجل إسكان اليهود في فلسطين بالقوة الباطشة.. كان وعداً من نابليون بونابرت، والقوة الباطشة هنا تعني اقتلاع أهل فلسطين من أراضيهم وبيوتهم وقراهم ومدنهم عنوةً، وإسكان اليهود في أمكنتهم، كي ينهبوا خيرات حقولهم، ويمشوا في ظلال زيتونهم وبرتقالهم، ويناموا في فرشهم، ويجولوا في الدروب التي مشاها سيدنا المسيح عليه السلام… وهم من صلبه!. ذلك الوعد النابليوني لم يكن سوى بداية دغدغة للأحلام اليهودية، لأن وعوداً كثيرة أطلقها الغربيون طوال عهودهم السياسيّة المترادفة من أجل كسب رضا اليهود، لكن الأدبيات السياسيّة الغربيّة… أغفلت الكثير منها كي لا يبدو الاحتشاد الغربي وراء هذه المسألة كبيراً وفجّاً على هذا النحو المأساوي الكريه، فالوعود الغربيّة بعودة اليهود إلى فلسطين محتشدة داخل أشعار شعرائهم، وداخل مدوّناتهم الروائيّة، وفي وثائقهم السياسيّة.
نابليون بونابرت أطلق وعده لليهود عندما حالت أسوار عكا بينه وبين اقتراف مذبحة فلسطين كبرى بسبب الحقد والغضب اللذين تملكاه، لأنه لم يكن يتوقع بأن مدينة صغيرة مثل مدينة عكا ستوقف طموحاته وتعيده مهزوماً إلى بلاد الغال، أما الوعد ففحواه نداء مجروح في كبريائه، يقول:

”من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسيّة في إفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين، أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه نسبه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط، إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين، وإن لم تكن لهم مقدرة الأنبياء مثل إشعياء، قد أدركوا ما تنبّأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع أن عبيد الله سيعودون إلى صهيون وهم ينشدون، وسوف تعمّهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم دون خوف.

انهضوا بقوة أيها المشردون في التيه. إن أمامكم حرباً مهولة يخوضها شعبكم بعد أن اعتبر أعداؤه أن أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسّم بينهم حسب أهوائهم… لا بدّ من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزي الذي شلّ إرادتكم لألفي سنة. إن الظروف لم تكن تسمح بإعلان مطالبكم أو التعبير عنها، بل إن هذه الظروف أرغمتكم بالقسر على التخلي عن حقكم، ولهذا فإن فرنسا تقدّم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، وهي تفعل ذلك في هذا الوقت بالذات، وبالرغم من شواهد اليأس والعجز. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهيّة به، ويمشي بالنصر أمامه وبالعدل وراءه، قد اختار القدس مقراً لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي استهانت طويلاً بمدينة داوود وأذلتها.

يا ورثة فلسطين الشرعيين إن الأمة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا واظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تحالفهم الأخوي شرفاً لأسبارطة وروما، وأن معاملة العبيد التي طالت ألفي سنة لم تفلح في قتل هذه الشجاعة.

سارعوا، إن هذه هي اللحظة المناسبة، التي قد لا تتكرّر لآلاف السنين للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم بتلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي المطلق في عبادة إلهكم يهواه طبقاً لعقيدتكم، وافعلوا ذلك في العلن، وافعلوه إلى الأبد“.

ذلك هو وعد نابليون لليهود، وفيه استعلاء استعماري بأنه قادم بجيشه إلى القدس والشام، لكن عكا بصمودها ذوّبت هذا الاستعلاء وطحنته، وفيه أيضاً محاولة للتمسّح بقداسة المعتقدات… تماماً مثلما نسمع اليوم ما يقوله قادة الغرب، وعلى رأسهم الأمريكان، بأن بقاء (إسرائيل) وحمايتها حق مقدّس، من دون النظر إلى ما حلّ بالفلسطينيين من إذلال ومهانة وتشريد، وهم صناّع الحضارتين في البر والبحر…

وبهذا فإن تاريخ الكراهية والعداء الغربي لنا لم يتغيّر… لأن الكراهية هي الكراهية ولأن العداء هو العداء، لذلك ولأنهم يمشون في مسار عدائي واحد… علينا نحن العرب أن نمشي في الطريق الذي مشته عكا، أعني طريق المواجهة… حتى ولو كان في الضفة الأخرى نابليون… نابليون بونابرت.

إن التمييز العنصري في السلوك السياسي والاجتماعي الغربي ظاهرة متجذرة تستند إلى بنية متشعبة من المصالح المادية والأنماط الاستهلاكية والأطر النظرية، وما دام الغرب لا يزال يعتبر نفسه مرجعاً معيارياً لقيم الحق والخير والجمال، فإن العنصرية الغربية ستستمر بصيغ وتجليات متنوعة، وستعبر عن نفسها بكم متزايد من الاضطهاد والاقصاء والتهميش لشعوب العالم الأخرى.

هل كل ذلك يحتاج إلى مزيد أو إلى تعليق؟ ‏بلى، تعليقي الوحيد هو: أيها العميان أو المتعامون، من زعماء عرب أو أناس عاديين، إن كنتم قد نسيتم أو تناسيتم المحرقة الفلسطينية المروّعة، التي تتواصل من دون هوادة منذ مائة عام تقريباً، بدعم مطلق من الغرب المستعبَد للصهيونية، أفما ترون أن العراق وليبيا، وقبلهما لبنان، ومن ثم أفغانستان وباكستان والصومال و… و… هو ما ستنتهون إليه بدوركم، إذا ما أخذكم الغرب في شباكه؟ ‏

هامش:‏

في 15 ـ 10 ـ 2002 كتب ”رونالد اسموس” و”كينث بولاك” (محافظون جدد) في مقالة بعنوان ”دمقرطه الشرق الأوسط”: لقد أدى الفشل الذي أصاب الأنظمة العربية إلى نشوء أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، ونشوء أنظمة و أفكار مازالت تؤمن بالعنف ضد إسرائيل، لذلك يجب أن نعتمد على استراتيجية حازمة قادرة على تغيير المنطقة وإيجاد أنظمة أكثر اندماجاً وأقل تكلفة، والترويج لأشكال جديدة من الديمقراطية ـ على طريقه ”برنارلويس” وذلك بدمج ملايين العرب والمسلمين في العالم المعولم… إستراتيجيتنا القادمة يجب أن تعي خوض معركة العقول والقلوب، وهي المعركة التي لا يمكن فرضها من الخارج إنها معركة الداخل ـ مرة أخرى ـ معركة العقول والقلوب.

 

قمة ريو دي جانيرو… وخرافة التنمية المستدامة…؟                                                بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية

وصفت منظمات تطوعية عاملة في مجال البيئة والتنمية ما تم التوصل إليه في قمة ريو دي جانيرو بأنه ”أضعف” من أن يعالج الكوارث الاجتماعية والبيئية التي يعاني منها العالم، وكانت الحصيلة النهائية اتفاقاً سياسياً يخلو من أي إشارة بوجوب التصدي للأزمات البيئية والاجتماعية التي تهز أركان العالم الأربعة.

فبعد 20 عاماً، بات مفهوم التنمية المستدامة مألوفاً في جميع أنحاء العالم، إلا أن اجراءات تنفيذ هذه الالتزامات أبعد ما تكون عن الرضا. فمن جانب، ضعفت استدامة الدول النامية بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية والتغير المناخي وفقدان الموارد والتكنولوجيا، ومن جانب آخر، بدت بعض الدول غير راغبة في تحمل مسؤولياتها لتوفير المساعدات الضرورية الى العالم النامي.
ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن صافي المساعدات الإنمائية الرسمية من 23 لجنة مساعدة إنمائية تابعة للمنظمة وصل إلى133.5 مليار دولار أمريكي في عام 2011، ما يمثل 0.31 في المائة من إجمالي الناتج القومي المجمع للدول، وهو أقل بكثير من هدف 0.7 في المائة الذي حددته الأمم المتحدة في سبعينات القرن الماضي.

قبل أيام من انعقاد قمة (ريو +20)، افتتحت ”قمة الشعوب” في ريو أعمالها، وضمت 40.000 ممثل و 8000 متظاهر خارج أسوارها، و مع ذلك حاولت قمة ”ريو +20” الرسمية التنكر لها بشكل فاضح عندما تجاهلت تماماً مطالبها، وراحت تركز كافة جهودها باتجاه مصالح الشركات متعددة الجنسيات فقط، لتكون الحصيلة اتفاقاً يسمح لبعض الدول ببيع ”رأسمالها الخالص” لشركات دولية عملاقة دون أدنى تسوية تقتضي من الشركات وضعها في مسؤولية الخسائر التي تلحقها بتلك الدول التي تبيعها رأسمالها الخاص… بالتأكيد لن يتعرض ”الاقتصاد الأخضر” للتبدد طالما أن الصناعيين والممولين يسعون للحفاظ على نضارته… لعلها بارقة أمل ضئيلة، سطعت من ثقوب الاتفاق الختامي أعلاه و الشديد قتامة، بالنسبة لجميع هؤلاء الذين يقاومون هذا النوع الجديد من جبهة القتال الذي يصطنعه عالم المشاريع المنحرفة ضد عالمنا الطبيعي…‏

ولعل الأنظمة الاقتصادية السائدة اليوم تحفز لاستخدام صيغ إنتاجية واستهلاكية مدمرة للغاية، وهي دون شك مسؤولة عن تدمير البيئة و المجتمع الذي نعيش بين ظهرانيه ففي الوقت الذي يتطلب الأمر ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة، نجد أن الممولين والصناعيين و المتهمين أصلاً بتدمير هذه البنى، ينصبون أنفسهم أصحاب الحلول الشافية والوافية…! ‏في الحقيقة لم يتم اتخاذ أي إجراء ملزم بهذا الشأن ولكن بالعكس فالسوق يحاول تسوية جميع المشكلات بمفرده، الأمر الذي يفسح في المجال لهذه المشكلات أن تستمر وتتفاقم…‏

وتعتبر هذه القمة أنجح القمم العالمية الفاشلة التي عقدت في شهر حزيران، مقارنة بقمتي الدول الغنية ”الثماني” في شيكاغو بالولايات المتحدة، و”العشرين” في لوس كابس بالمكسيك. وقمم الدول الغنية نوادي قمار مهمومة بالنقود، وليس هناك فشل مثل النجاح في النقود.

“المشتقات” المالية التي ضاعفت حجم النقود عشرة أضعاف حجم الإنتاج العالمي للسلع عبر التاريخ، هي الوجه الآخر للتنمية اللامستدامة التي تستنزف الأموال والموارد الطبيعية على حد سواء. وغياب أبرز زعماء العالم عن ”ريو+ 20” ليس دلالة على تضاؤل أهمية البيئة العالمية، بل تضاؤل شأن الزعامة العالمية.

لقد كانت الحصيلة النهائية للقمة، اتفاقاً يخلو من أي إشارة بوجوب التصدي للأزمات البيئية والاجتماعية التي تهز أركان العالم الأربعة. فمن منا لم يشهد، خلال العشرين سنة الماضية، و على نحو خاص نمواً وازدهاراًَ متنامياً لشركات متعددة الجنسيات و أثرها على مجريات العالم وهي على التوالي: شيل ـ بيتر وشينا ـ كوكا كولا ـ مونساتتو ـ وغيرها، وكل ذلك و بالطبع على حساب الشعوب و الحلول المقبولة للكرة الأرضية…‏ تلك الشركات تمكنت من انتزاع إشراف الأمم المتحدة على محاولاتها في تقديم جميع بيادقها بكل الميادين، وعلى رجاء خاص جداً لتقويض أي جهد يؤسس لعدالة اقتصادية و اجتماعية أو سيادة غذائية…‏

لقد تحولت القمة الحالية، كما سابقاتها، إلى مجرد قرارات، تبقى حبراً على ورق، لأن الأرقام المنشورة تبعث على التشاؤم، وهي تلح علينا أن نقرع ناقوس الخطر مرات ومرات. فالتوقعات تؤكد أن سكان العالم سيتجاوز عددهم 9 مليارات نسمة، عام 2050، أما معدل عدد السكان في البلدان الفقيرة فيزداد 4.3 بالمائة سنوياً، وسترتفع الحرارة بمعدل 3.5 درجات، كما يزداد انبعاث غازات الدفيئة بنسبة 3 بالمائة سنوياً، وسيتراجع عدد الكائنات الحية بنسبة 28 بالمائة.‏‏ وتجري إزالة الغابات بمعدل 13 مليون هكتار سنوياً، ويؤكد خبراء أننا بحاجة لكوكبين مثل الأرض لتلبية حاجات البشرية بحلول عام 2030، وعدد فقراء البلدان النامية يبلغ 43 بالمائة من السكان، علماً أن هناك نحو مليار شخص يفتقرون لمياه الشرب النظيفة في الوقت الذي اشترى فيه مستثمرون أجانب أراضي في بلدان نامية توازي مساحتها كل أوروبا الشرقية!‏‏ فالشركات الكبرى هي المسؤول الأكبر التي ترفع الشعارات كي تكدس مزيداً من الأرباح الضخمة، ولا يهمها لا التنمية المستدامة ولا الحفاظ على الأرض.‏‏

فما الذي يمكن أن يفعله لكوكب الأرض، الذي يهدده خطر تغير المناخ، زعماء أمريكا وبريطانيا وألمانيا الذين عجزوا عن الاتفاق على قرارات تنقذ الاقتصاد الرأسمالي العالمي من التلاشي؟
ومعضلة مصطلح ”التنمية المستدامة” مستدامة على الرغم من أنها أصبحت العنوان الرئيسي للقمة، وهذه ليست معضلة لغوية بل فلسفية، تتعلق بتحقيق تنمية مستدامة لا تستنزف الموارد الطبيعية. وتدعى القمة بإسمها المختصر ”ريو+20” إشارة إلى مرور عشرين عاماً على ”قمة الأرض”، وما بين القمتين نشأت شبكة الإنترنت التي وضعت العالم في أحضان سكان العالم وأتاحت لهم متابعة يوميات ”ريو+20” على مدار الساعة، وخلفياتها التاريخية على مدى الأعوام. وشارك عبر الإنترنت ملايين الناس في السجال الكوني حول ما يحدث للكون، وشاهدوا بأبصارهم وقلوبهم راقصة سامبا سمراء وخلفها لافتة مكتوب عليها ”نريد خبزاً لا قنابل”. الجمال البشري الفتان يتحدى مبتهجاً قنابل الموت. أليست هذه صورة العالم اليوم في كل مكان؟.

“حصيلة هذه القمة لم تجعل أحداً سعيداً، وعملي هو أن أجعل الجميع غير سعداء على حد سواء”، قال ذلك ”شا زوكانغ’ أمين عام قمة التنمية المستدامة ”ريو+20”. و”زوكانغ” هو دبلوماسي صيني نصف مصيب في الادعاءين على حد سواء، كذلك مسؤولو القمة المهمومون بمناقشة أجندات انتهت منها ”قمة ريو” الأولى عام 1992.

البيان الختامي للقمة الذي صدر بعنوان ”المستقبل الذي نريد” يكرر في 80 صفحة 59 مرة عبارة ”نؤكد مجدداً”. وماذا عند زعماء 188 دولة حضروا قمة ”ريو+20” سوى التأكيد على تأكيدات ”قمة ريو”  الأولى. فالموضوع يتعلق بإنشاء كوكب سماؤه صافية، وهواؤه نقي، ومياه أنهاره وبحاره ومحيطاته غير ملوثة، وسكانه لا يموتون من الجوع والأوبئة.

ورغم مصادقة جميع الدول على اتفاقيتي ”المناخ العالمي” و”التنوع الحيوي”، فإنها مثل بقية مشاريع الاتفاقات شبه معطلة. والمعاهدة الدولية الوحيدة الناجحة في الحفاظ على البيئة العالمية هي اتفاقية مونتريال لحماية الأوزون. والفارق الوحيد الذي يستحق الانتباه بين القمم العالمية الثلاث، حدّده زعماء دول ”بريكس” بأكفهم المتلاحمة في ”ريو+20”.

البرازيل والصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا، تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية التي لم تعد تقسم العالم إلى شمال وجنوب، أو إلى بلدان متطورة وبلدان نامية، فبلدان ”بريكس” الخمسة من شمال وجنوب الكرة الأرضية، وهي لا تعتبر متطورة ولا نامية، بل صاعدة. والبرازيل التي كانت تعاني عام 1992 التضخم والفساد والعنف، أصبحت القوة المالية الجديدة في أمريكا اللاتينية. وبينما كنا نستيقظ صباح كل يوم في قمة ريو 1992 على صور جثث أطفال مشردين يشاع أن البوليس يطهر الشوارع منهم، تعتبر البرازيل اليوم أنجح نموذج في القضاء على الفقر والجوع.

مشروع ”تصفير الجوع”  الذي شرعت بتطبيقه عام 2006، يقدم إضافة إلى الدعم المالي والتقني للمزارعين الصغار، برامج ”العلاوات العائلية” التي غيّرت حياة 12 مليون عائلة فقيرة. وتضع ”العلاوات العائلية” مبالغ شهرية مشروطة في حسابات مصرفية للعائلات الفقيرة، تتعهد مقابلها بتلقيح أطفالها ضد الأمراض السارية، وضمان إرسالهم إلى المدارس.

الإشادة ببرنامج ”تصفير الجوع” كانت موضوع كلمة الختام لأمين عام الأمم المتحدة في قمة ”ريو+20”، والذي تعهد بتبنّي إسم وطرائق المشروع لتغيير عالم ”يبيت فيه كل ليلة مليار إنسان على الجوع”. وبشّر ”بان كي مون” القمة بأن خوسيه دي سيلفا وزير الأمن الغذائي البرازيلي السابق، المسؤول عن نجاح مشروع ”تصفير الجوع”، انتخب مديراً عاماً لـ”منظمة الأمم المتحدة للزراعة والتغذية” التي تتولى مشروع ”تصفير الجوع”  العالمي.

والسؤال المطروح على المنظمة الدولية: من أين تأتي بالأموال لتصفير الجوع، وقد خفضت بلدان منطقة اليورو مساعداتها للبلدان الفقيرة بمقدار 700 مليون يورو العام الماضي؟ ولو كان مبلغ عشرين تريليون دولار الذي خصصته قمة دول ”العشرين” لإنقاذ البنوك المفلسة خلال أزمة عام 2008 قد استخدم لإنقاذ مليار إنسان من الجوع والفقر، لأنقذت معهم البيئة العالمية والبنوك التي عادت مفلسة. ولو أطلقت طاقة الإبداع المكتومة في نفوس مليار إنسان لتحرروا من الفاقة والجوع ولتضاعفت ملايين المرات المشاريع المقدمة في ”ريو+20” والبالغ عددها 900 مشروع.
بعض هذه المشاريع تولّد طاقة من الرياح والشمس تسد 20 في المائة من حاجة الطاقة الكهربائية لبلد صناعي مثل الدانمارك، ذكرت ذلك ”نيويورك تايمز” في تقرير عنوانه ”ليس كل ما في ريو خسارة“، أشارت فيه إلى أن اليوم المشمس في ألمانيا يدرّ طاقة تعادل 40 في المائة من الطاقة الكهربائية المستخدمة يومياً هناك. ويبلغ الإنتاج العالمي الحالي من طاقة الرياح والشمس 300 ميغاواط، تعادل ثلاثة أضعاف استهلاك الطاقة في بريطانيا.

ولابد أن نعترف أن شركات الطاقة كانت أحد الأسباب في عدم تحقيق تقدم بشأن التنمية المستدامة. ومن المقرر أن تعكف دول العالم ثلاث سنوات من أجل رسم أهداف التنمية المستدامة في المستقبل.
وكانت التوصية بتقليل استخدام الوقود الأحفوري وردت في عدد من التقارير باعتبارها خطوة لتقليل انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون. ولم يتحقق الكثير من التقدم، خلال القمة التي استمرت ستة أيام، في قضايا أخرى مثل حق الفقراء في الحصول على مياه نظيفة ونوعية مناسبة من الغذاء وأشكال حديثة من الطاقة. كما أعرب عدد من الدول عن سخطها من إزالة نص يتحدث عن حقوق المرأة الإنجابية من الإعلان النهائي.

مارتين لابانت، أحد أصدقاء الأرض و المشارك في القمة الرسمية ”ريو +20”، خلص للقول بأنه ”خلال هذه القمة، تكونت علاقات قوى جديدة بين دول صاعدة، و قوى عالمية قديمة وراحت هذه القوى جميعها تقدم بيادقها الاقتصادية، ولكن وفيما ”قادة” العالم غارقون في لعبتهم المفضلة، أعني لعبة الاحتكار و الاستئثاء LaMonooly، نجد الكرة الأرضية تتجه صوب الهاوية لتلامس قعرها”‏

واقع الأمر أن تدهور الأنظمة العالمية المشتركة بلغ حداً لا مثيل له في أيامنا هذه… وإن حاول هؤلاء القادة الذين يدعون زعامة العالم عقد المزيد من القمم والمؤتمرات، فإن لا شيء مفيداً سيتحقق سوى إتمام وإنجاز مصالحهم ومشاريعهم الكبرى… وعليه يجب على المواطنين والشعوب العودة لامتلاك ناصية مصائرهم والقبض على مفاتيح مستقبلهم و التمسك به أكثر من أي وقت مضى.

يذكر أن الامم المتحدة وصفت القمة بأنها ”فرصة واحدة خلال عقد من الزمان” لتحويل الاقتصاد العالمي إلى مسار الاستدامة.

 

قناة الجزيرة من الإيديولوجية الإخوانية إلى تقسيم الدول العربية!                                                  بقلم: مصطفى قطبي

 

من أرشيف رؤية

لقد غدت الحرب الإعلامية التي نشهدها اليوم هي الحرب الأكثر فتكاً والأقل خسارة بالنسبة للدول التي تستخدمها والأسرع تأثيراً على الشعوب المستهدفة. ولمعرفة هذه الحقيقة فإن من خطَط للسيطرة الاستعمارية على العالم العربي بشكل خاص، وضع الإعلام في قمة أسلحته وفوق بقية الأسلحة الحربية المتنوعة، لأن التحكم في ردود فعل الرأي العام يشكل أحد شروط شن الحروب الكبرى لفرض الهيمنة الصهيو ـ أمريكية وتحقيق رغبتهم الكبرى في شرق أوسط جديد وفق معايير الأصولية اليهودية والتكفير الوهابي لمسح الآخر والسيطرة على ثروات العالم، ومن هنا تكمن العلاقة المأزومة بين نظام عالمي قمعي وآخر، وبين تلك العلاقة التبادلية بين موت الأخلاق وبؤس النظام العالمي (المتحضر) الذي أدخل المجتمعات البشرية في دائرة الشك والفوضى والعبث والدوران حول قطب واحد، لأن القوة في القرن الواحد والعشرين لن تكون في المعايير الاقتصادية أو العسكرية، ولكنها تكمن في خزائن المعرفة، و خطورة الأمر يكمن فيمن يمتلك أدوات هذه القوة لتحقيق مآرب وأهداف خاصة لنشر معلبات إعلامية جاهزة وغسل عقول البشر للتحكم بهم واستغلالهم لأهداف اقتصادية أو سياسية أو آيديولوجية.

 

ففعل الكلمة أشد وقعاً من فعل الرصاصة، وقد لجأت الدول الاستعمارية والدول العميلة والمعادية لمصالح الشعوب، ذات المجتمعات المستقرة إلى فتح قنوات مشبوهة لضخ الرسائل الإعلامية الموجهة إلى مجتمعات وشعوب ودول محددة، لإضعاف وحدتها الوطنية ونخر مجتمعاتها، والانقضاض عليها وتفتيت كياناتها من خلال الترويج لأفكار بالية وإيقاظ نعرات طائفية والنفخ في أتون الفتن المذهبية وتأليب أبناء المجتمع الواحد ضد بعضهم البعض. والدليل الصارخ على وقاحة تلك الأقنية وضلوعها في التضليل هو ما نراه اليوم من ممارسات وتنفيذ للدور المعادي، ما تقوم به قناة الجزيرة القطرية التي تمثل رأس الحربة الصهيونية.

إن كل من يشاهد محطة التضليل الإعلامي (الجزيرة) القطرية منذ بداية أحداث (الربيع العربي) يدرك فوراً وبلا تردد أن للجزيرة وأخواتها وظيفة مخابراتية، فالطريقة الهستيرية لتغطية الجزيرة للأحداث وتحول مقدمي البرامج والمذيعين إلى (مقاتلين إرهابيين) يقومون بمهمة واضحة بنشر الفوضى وإشعال الحرب الأهلية وتعمد عدم إطفاء نيران الحرب الأهلية، التي كانوا هم المحرضين عليها، وتخليهم الصريح عن كل قواعد المهنة الصحفية مثل الموضوعية النسبية والحياد، مما يؤكد أنها كانت مشروعاً مخابراتياً صرفاً، اعتمدت أحقر عمليات الكذب والتزوير والتشويه لما يحدث ليس من أجل إسقاط أنظمة بل من أجل تضليل الرأي العام ودفعه في دهليز مسدود عمداً تنفيذاً للمخطط الصهيوني الذي لم يعد خافياً على أحد.

فقد أصبح من الواضح اليوم أن التغطية الإعلامية التي تقوم بها قناة الجزيرة للأحداث التي تجري في العالم بشكل عام وللأحداث التي تجري في الدول العربية بشكل خاص، ليست تغطية موضوعية أو مهنية، ولا تحقق الحد الأدنى من شعار الرأي والرأي الآخر الذي ظلت تسوقه منذ انطلاقتها في العام 1996، بل إن الأمر يتعدى ذلك ليتناقض مع ميثاق العمل الصحفي للقناة نفسها والذي تنشره على موقعها الإلكتروني، وتدعي الالتزام به دليلاً على مهنيتها وتأكيداً على مصداقيتها.

فهل كانت قناة الجزيرة الفضائية ومثيلاتها خديعة للعرب فعلاً؟ وهل كانت هذه القنوات فعلاً جسراً للعبور إلى العقل العربي لفكفكة ثناياه وخلاياه العروبية، وإعادة ترتيب أولويات عروبته والأسس التي يقوم عليها وصولاً لعقل متبلد لا حراك فيه ولا إحساس يتقبل مصافحة عدوه التاريخي كنوع من الاتكيت واللياقة والكياسة؟!... لنسف كل نفس عروبي ممانع مقاوم يرفض التطبيع بكل أشكاله والجسور الممهدة له لتمرير المؤامرات والخيانات ودس الدسائس!

لسنا هنا لنذكر أمثلة على ذلك (فالحقيقة كالشمس لا يستطيع أحد أن يحجبها) ولسنا هنا أيضاً من باب الهجوم على القناة، ولكننا سنحاول استعراض معلومات عن قناة الجزيرة، ونحللها بهدف الوصول إلى جزء من حقيقة القناة ودورها السابق والحالي. هي إذا مجموعة من الأسئلة المنطقية حولها ونترك الإجابة للقارئ، وسوف نسلط الضوء على بعض من ممارسات الجزيرة التي شكلت خطراً حقيقياً على الأمة العربية، وتلاعبت إلى حد كبير بعقل المشاهد العربي. ولا بد في البداية من الاعتراف بتلك الحرفية الكبيرة التي يؤدي بها كل العاملين في قناة الجزيرة عملهم، وليس المهنية الكبيرة، إذ أن هناك فرقاً بين الحرفية والمهنية. فبينما تعني الحرفية إتقان الحرفة وصولاً إلى الإبداع فيها في بعض الأحيان، تعني المهنية أن تكون حرفياً مع مراعاة الأخلاق والصدق في العمل.

وبالعودة قليلاً للوراء، وبالتحديد إلى ”حصريات” الجزيرة لتغطية الأحداث الساخنة في العالم التي تتركز في المنطقة العربية والشرق الأوسط على وجه الخصوص، كتغطية الجزيرة لوقائع الاحتلال الأمريكي للعراق منذ لحظة إشعال فتيل الحرب في الـ 2003، واحتكارها تزويد وسائل الإعلام العربية والعالمية بالبث الحي، إلى تغطية وقائع الحرب على لبنان في الـ2006، إلى حرب غزة في الـ 2008، إلى امتلاكها حصرية تغطية معظم الأحداث الرياضية الهامة على المستوى الدولي الذي لم يكن بريئاً، ولم يكن خدمة للقضايا العربية وتسخيراً لها أبداً، بل كان كمن يدس السم بالعسل ويضع الكحل في العين ليعميها!  إلى أن أتى ما يطلق عليه الربيع العربي، وطريقة التعاطي معه عبر مسميات ربيع الثورات العربية، وحديث الثورات العربية بتسخير شاشاتها لتأمين تغطية موتورة حاقدة مملوءة بالتحريض والتلفيق والتزييف والتضليل والانتقائية وغياب الموضوعية بانحياز سافر فاضح أطاح بميثاق الشرف والمهنية والحياد الذي تدعيه، وداسه بالأحذية، فبدا ما نشاهده له علاقة بكل شيء إلا الإعلام، وسط دهشة المتابعين والمشاهدين والمهتمين، ما استدعى منهم الفرملة وإعادة النظر بحقيقة ما يعرض ويبث ليكتشفوا خديعة الجزيرة الكبرى والأجندات المرسومة التي لم تكن يوماً إلا مطية وممراً للمشروع الأمرو ـ صهيوني في المنطقة العربية بمواجهة المشروع القومي العروبي الممانع حماية لإسرائيل وأمن إسرائيل، والسيطرة على منابع النفط والثروات العربية، والموقع الجيوسياسي الذي يميز هذه المنطقة من العالم.

فجزيرة قطر ليست دولة بترولية ثرية ـ وإن كان الغاز المسال هو مصدر دخلها الأول ـ مثل السعودية أو الكويت لتتحمل كل هذا الإنفاق الخرافي على قناة الجزيرة بدون أي هدف. فأمير قطر له علاقات قويه جداً بأمريكا، وهو واحد من أفضل أصدقائها (أتباعها) وحلفائها في المنطقة وقد تجسدت هذه الصداقة (التبعية) في إقامة أكبر قاعدة عسكريه أمريكية في المنطقة في قطر والرجل لم ينكر أبداً علاقته القوية بالكيان الصهيوني الأمر الذي يجعله يقيم مكتب للتمثيل التجاري لإسرائيل في قطر بدون أي مبرر وله تقريباً زيارات سنوية للكيان الصهيوني كما نعلم.

 

فهل ينفق الرجل كل هذه الأموال ليقيم وينشئ قناة إخبارية يمكن أن تعمل بحق ضد حلفائه وأصدقائه في واشنطن وتل أبيب؟

 أما القول أن رغبة أمير قطر في إنشاء قناة تهتم بالديمقراطية في قطر وغيرها، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدعي إنسان أن صاحب قناة الجزيرة يؤمن بحريه الكلمة وحرية الإعلام، وأنه كلف نفسه كل هذا الإنفاق لخدمة ذلك، فهو أمير قطر أي أن نظام الحكم أميري ملكي، الأمير فيه يحكم حكماً مطلقاً، لا وجود لمجلس شعب أو نواب ولا وجود لأي رقابة شعبية على إدارته هو أو حكومته لشؤون بلاده، بل ولا يجرؤ أحد من شعبه أن ينطق بكلمة عنه أو عن أسرته على الرغم من معرفتنا كيف تولى أمور الحكم؟ وما هي الصراعات التي نشأت داخل العائلة الحاكمة؟ وكيف تم تصفية الكثيرين من العائلة الحاكمة إن لم يكن جسدياً ففكرياً وعن طريق الإلغاء والإقصاء والحبس والإقامة الجبرية والإبعاد؟ وكثير منا يعرف دور الشيخة موزة في إدارة شؤون الإمارة ورسم علاقاتها خصوصاً مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فالكلمة الحرة الوحيدة التي يؤمن بها هي كلمة نفاق أو كلمة كاذبة تنفي عنه ما هو فيه، وأتصور أن وضع حرية الكلمة في قطر وحرية الإعلام في قطر أوضح من أن ينخدع أحد فيه، سيما وأن لا خبر عن داخل قطر منذ نشأة الجزيرة.

 

ومن منطق قراءة ما تذهب إليه محطة الجزيرة، أسجل العديد من النقاط التي أتمنى أن تعجب من يَطرب للجزيرة وشفافية الخبر حين يطل علينا مذيعوها وكأنهم يحاربون في قاعدة السيلية.

 

أولا: لقد أنجزت الجزيرة مهمتها الأولى بأن نقلت الصورة التي تريد أمريكا ومعها الاتحاد الأوروبي وغدت طرفاً مصدقاً تبنى على أساسه التقارير… وكم سمعنا من أمريكا وأوروبا أن الجزيرة كاذبة وبخاصة في الموضوع الفلسطيني واللبناني…

 

 ثانياً: نجحت المحطة في إظهار هويتها السياسية بعد سنوات طويلة من التخفي وراء شعارات كبيرة… أقنعت فيها الشارع أنها صوت الحقيقة.

 

 ثالثاً: تمكنت الجزيرة من توسيع دائرة مراسليها حول العالم ولكن هذه المرة بلا حدود وأعطت للمراسل حق الكلام حتى الثمالة… ودون أن يدخل في دورات تؤهله لذلك… فكل مراسل له الحق في الاتصال متى شاء ومتى رغب والخط لا يقطع إلا في حالة واحدة أن يخرج عن المتفق عليه.

 

رابعاً: علمتنا الجزيرة أن لغة الأرقام تنبع من حالة الود والخصام… فالسعودية والبحرين لا يعدان… أما سورية واليمن ومصر فتحت المجهر.

 

 خامساً: أظهرت المحطة كم الحب الذي تختزنه للشعوب العربية إلى درجة أنها نسيت أو تناست أن تغطي الكثير من الأحداث الفلسطينية والانتهاكات الصهيونية اليومية… وهذا بحد ذاته سؤال مشروع لمن يرى فيها منبراً حراً يناصر قضايا الشعوب العربية.

 

 سادساً: قد يكون للجزيرة جمهورها العريض الذي يرى عكس ما نراه، ولكن لن يطول الوقت حتى تؤكد لهم عكس ما يعتقدون وبخاصة أنها بدأت بحربها على رموز الممانعة وتهكمها على دول الممانعة.

 

 سابعاً: من يتابع الصحافة الصهيونية فسيجد قلة بل ندرة بالمقالات التي كانت تهاجم الجزيرة وأصبحت اليوم مرجعاً للقناة العاشرة، ومن يشكك بذلك فليتابع القناة الصهيونية العاشرة.

ثامناً: دون أن تقصد جعلتنا نفتش في مفرداتها عن أسباب انفلاتها من عقالها، والبحث في سياسات لدول عربية قدمت نفسها على أنها تخدم قضايا الأمة وتحاول أن تكون متوازنة لدرء الشبهات.

 

 تاسعاً: ما دامت الجزيرة حريصة كل هذا الحرص على القضايا العربية، فلماذا لا تفتح ملف القواعد الأمريكية في الخليج، ودور قاعدة السيلية في قطر ودورها في الحرب على العراق والعلاقات السرية والعلنية مع الكيان الصهيوني والمكاتب التجارية.

 

إن مقولات الجزيرة من مثل (الإعلام المحايد، والباحث عن الحقيقة)، هي أكاذيب صرفة. ولا يمكن تخيل إنفاق مبالغ طائلة لمجرد تقديم الحقائق، وهي نسبية على كل حال، فأي إعلام له هدف ورسالة محددة. ويعرف كل من عمل في الإعلام هذه الحقائق، كما يعرف أن المقولات المشار إليها، نظرية تماماً، ويتداولها الإعلاميون وأساتذة الإعلام، بوصفها ذاك.

 

لكن من يعمل في الإعلام، يعرف أيضاً أن هناك قواعد مهنية يجب مراعاتها، عند صوغ وتقديم الرسالة الإعلامية، كي تكون مقنعة وتحقق الهدف منها. ودون ذلك تصبح الرسالة على درجة عالية من الفجاجة، وتتعجل الوصول إلى الهدف بأية طريقة. وإذا كانت الوسيلة الإعلامية التي تقدم الرسالة على هذا النحو، قد بنت حضوراً لدى المتلقي فإنها تصبح أداة خطرة، بقدرتها على تمرير الأكاذيب بكونها حقائق منتهية، وهذا هو حال (الجزيرة). حيث تصر أنها مهنية وهي التي أغفلت عن قصد وأغمضت العين عن الذي يجري في البحرين وبأمر من حمد رئيس الوزراء القطري… وتقول لنا إنها مهنية.

 

فعلى مدى سنوات نشاطها سارت (الجزيرة) على خيط دقيق في تغطية الأحداث في دول الخليج العربي، فدولة قطر عضو في مجلس التعاون، لكن ذلك لم يمنع، ولمرات من تركيز حملات إعلامية، متصلة بـ(النكايات) بين الدول الخليجية. وهذه قصة طويلة، ليس مجال الخوض فيها الآن.
عند بدء التحركات الشعبية في البحرين، تعاملت (الجزيرة) مع الحدث. ولكن مع القرار الخليجي، بإرسال قوات عسكرية إلى مملكة البحرين، عمدت (الجزيرة) إلى نوع خاص من التغطية: التجاهل الكلي لما يحدث داخل المدن والقرى البحرينية، وتناول الوقائع من خلال الموقف الرسمي لدول مجلس التعاون، والذي سلك مسلكاً تصعيدياً ضد طهران، واعتبر التحرك الشعبي في البحرين، نوعاً من (الفتنة المذهبية).

 

(لا يحق للبحرينيين) هي العبارة التي تختصر تعامل (الجزيرة) مع الحدث الذي يدور على مقربة جغرافية منها. فلا ثورة هنا، ولا تنظير لكيفية إدارتها، ولا توضيح لطبيعة التدخل العسكري الخليجي في البلد الصغير، كما أن تشويهاً كبيراً قد لحق بمطالب من تحركوا مطالبين بالإصلاح، وبدور سياسي في بلادهم. إنه (الرأي والرأي الآخر) في أحد تجلياته القصوى، وفق (استراتيجية الجزيرة) القطرية.

 

و”الجزيرة” بهذا تمارس الميكافيلية في أوضح صورها، من خلال التضليل والخداع وبث الأكاذيب ما دام ذلك يحقق لها الشهرة وإثارة الجماهير والضغط على الحكومات وابتزازها، الأمر الذي أدى إلى التأثير على علاقة قطر بالبلدان العربية، لمسؤوليتها عن القناة وما تبثه، رغم زعمها بأنها تبث برامجها بحرية تامة ومن دون رقابة، لكن من الواضح أنها تعتمد حرية انتقائية.

 

فالحرية ليست رفاهية مطلقة، بل هي التزام ومسؤولية، ولذلك فعلى من يتحمل أمانتها أن يتحلى بصفات عليا، أولها إدراك خطورة الكلمة وأبعادها وتأثيراتها، بخاصة في فترة حرجة كالتي تمر بها أمتنا، بدءاً باحتلال العراق عام 2003 مروراً بتقسيم السودان والعدوان الأطلسي على ليبيا والفوضى في مصر وتونس واليمن وانتهاء بالمؤامرة على سورية من قبل الولايات المتحدة والصهيونية العالمية وعرب الجنسية وبضمنهم (حكام قطر والسعودية)، لكن ”الجزيرة” والقائمين عليها يشاركون في هذه المؤامرة مسخرين  الكلمة والصورة لقتل المواطن العربي وتحريك بؤر الإرهاب، دون أن يدركوا  أن ”الجزيرة”، والقنوات المماثلة، لن تستطيع حجب الحقيقة طويلاً، وليس لعمر التاريخ حد.

 

وبما أن قناة الجزيرة قناة قطريه أقامها حاكم قطر، وينفق عليها بأموال قطر، فالمنطق أن يكون الشأن القطري على قمة أولويات قناة الجزيرة. ذلك أن للإعلام دوراً مهماً في الرقي بمستوى الدول وفي تحقيق قدر من الرقابة والشفافية وغير ذلك. ولكن منذ أنشئت قناة الجزيرة لم يحدث أن تعرضت في أي من برامجها إلى ما يحدث في قطر، موقف غريب حقاً فهل هو ناتج عن أن القائمين على قناة الجزيرة يرون أن دولة قطر أصغر وأضأل من أن يهتم بها متابعو برامج الجزيرة؟ أم أن قطر تحولت إلى جنة حقيقية على الأرض حيث العدالة والحرية وتكافؤ الفرص والمساواة وتوزيع الثروات، وحيث لا يوجد مشكلات تحتاج إلى أن تلقى عليها قناة الجزيرة الأضواء؟


أتصور أنه لا هذا ولا ذاك، فقطر دولة عربية ولها الكثير من المواقف التي قد نتفق معها أو نختلف معها ولكنها مواقف تستحق أن تناقش على قناة الجزيرة والشأن الداخلي في قطر يهم كل عربي باعتبارها دولة عربية شقيقة مثلما يهمنا أمر ليبيا والسودان والصومال وجزر القمر وكلها دول عربية ولكن أتصور أن هناك خطاً أحمر على قناة الجزيرة ألا تقترب أبداً من الشأن الداخلي في قطر، وقناة الجزيرة حريصة على التقيد بهذا الخط الأحمر، فكل العاملين بها يدركون حقاً ما قد يحدث إذا فكروا مجرد التفكير في تجاوز هذا الخط الأحمر الذي فرضه صاحب القناة، وبذلك لا يكون هناك أي مجال للحديث عن أن الانتصار لحرية الكلمة وحرية الإعلام كان أحد أسباب إنشاء قناة الجزيرة.

 

اِن دولة قناة الجزيرة، تحاول وبسلاح ”الجزيرة” تغيير الخريطة السياسية للمنطقة برمتها، ومصادرة القرار السياسي لقوى وَجدت نفسها مربوطة بخيط هذه الإمارة الصغيرة، ومعلقة في فضاء جزيرتها، فإما أن تنصاع وتعلن الطاعة (وتأخذ المال والدعاية) وإما بالإمكان إسقاطها بسهرتين تلفزيونيتين تحريضيتين. ويبدو أن حكام تلك ”الجزيرة” الإعلامية، انهمكوا في الدور تماماً، لدرجة أنهم يتصرفون في المنطقة الآن، كقوة عظمى. قوة قوامها: محطة تلفزيونية ومليارات لا تحصى من الدولارات، ورصيد يبلغ صفراً من الديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان.

 

أي أن الحراك العربي الذي بدأ لأجل الديمقراطية والحرية والمشاركة في القرار السياسي، ولأجل أن يكون المواطن العربي حراً كريماً في بلده، يراد له أن ينتهي عند عرش هذا الأمير النفطي أو ذاك، وهم التابعون أصلاً لقوى الصهيونية العالمية، ولا يملكون قياد قرارهم السياسي، ويقال لنا الآن، أن إعلامهم يعمل لمصلحة الشعوب وحريتها وكرامتها. هؤلاء الذين يُعتبر انتقادهم من قبل أي مواطن في بلادهم جريمة لا تغتفر، ومن الكبائر التي لا كفارة عنها سوى القتل أو السجن أو النفي. لا بل إنهم يحرّمون التظاهرات شرعاً في بلادهم وفي هذا فتاوى شهيرة وواضحة.

 

تعتمد (الجزيرة) في تغطياتها أسلوبا يعرف بـ(الإشباع). وهو يعني من الناحية النظرية، الإحاطة بالخبر من كافة جوانبه، والذهاب نحو مناقشة كافة التفاصيل المتعلقة به. وقد حافظت على ذات الأسلوب في تعاملها مع تغطية الأحداث في سوريا، وحيث لم يكن هناك (حدث) يمكن تمطيطه والنفخ به، أحلت (الجزيرة) مكان (الإشباع الخبري)، إشباعاً من اللغة التحريضية والأكاذيب، وإن لم يكن هناك حدث بالمرة، جرى اختراعه، ومن ثم إشباعه بذات الأسلوب، فالمئات آلاف، والآلاف عشرات الآلاف، ومن ثم الصراخ والصراخ، عل أحداً يصدق.


ويمكن الافتراض استناداً إلى ما قدمته وتقدمه (الجزيرة)، أن المطلوب كان الوصول بالأكاذيب إلى استدعاء التدخل الغربي البشع الذي استدعته أكاذيب (الجزيرة) في ليبيا، وهللت له القناة على نحو ما تقدم. وبات من المعروف (ولعله كان مدركاً ومعروفاً منذ زمن) أن استهداف سوريا، هو استهداف لمواقفها الوطنية والقومية، وهو استهداف لخط المقاومة والممانعة، وفيه الكثير الكثير من محاولات الثأر للهزائم التي ألحقتها قوى المقاومة والممانعة بالمشروع الصهيوني، والمخططات الأمريكية.

 

فلسنا في جملة من يتوهمون أن في وسع الخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة، ـ وهو خطاب إيديولوجي ـ أن يكون خطاباً ”موضوعياً” و ”محايداً” ومنزهاً عن أي انحياز. ولكن بين ”الحياد” الكامل و (المستحيل) والانحياز السافر المفضوح مسافة غير قابلة للاختصار.

 

فقناة الجزيرة لا تخفي ميولها القرونوسطية ذات اللون الواحد الذي لا يمكن للمرء الخطأ حوله: فهي معادية للفكر القومي العربي وإن تبدي بعض ما تقدمه على أنه عروبي بشكل ما ولكنه في حقيقة الأمر ليس إلا من منظور إيديولوجي يحلم في عودة بسراب ”الخلافة العثمانية” البائدة.

أما اليوم فقد تبين للمواطن العربي تجييشها الذي لا يصب في مصلحة أحد إلا مشروعها القرونوسطية الذي لو تحقق فلن يحصد سوى المزيد من تشرذم وتابعية الشعوب العربية للآخرين غربيين كانوا أم ”عثمانيين جدداً” أم تتاراً مستجدين أم مماليك مستنسخين. ولم يعد خافياً علينا اتخاذ (الجزيرة) للقرضاوي أباً روحياً لها، وهذا ما يبرهن ويثبت معطيات قرونوسطية (الجزيرة) فهو الذي شرّع الاغتيال السياسي في أكثر من مرة، ومنها حين شرعن اغتيال القذافي وبشار الأسد وثلث الشعب السوري…

 

فالقرضاوي واحد من الذين شاركوا بكل وقاحة وصلابة في صنع المؤامرة الاستعمارية في قتل العرب فيما يسمى بالربيع العربي المصنوع في دهاليز وكالة المخابرات الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي وضع لبناته ”شمعون بيريز” واضعاً من نفسه داعية، يصول ويجول في خطاباته الرنانة معلناً وصايته على حقوق المسلمين جنباً إلى جنب مع أمير قطر، في مسرحية أمريكية بسلب هوية الإنسان العربي في القرن الواحد والعشرين، وهو بذلك لا يختلف عن الصهاينة في قتل العرب في فلسطين.

 

فقد بات أمر الشيخ ”يوسف القرضاوي” مفضوحاً في الشارع العربي ككل، بعد أن كشفت تدخلاته السافرة الأخيرة في الشؤون الداخلية للعديد من الدولة العربية، عن أنه يخطب وفقاً لأجندة النظام القطري وحلفائه من جماعة الإخوان المسلمين، لا وفقاً لأجندة وطنية تقوم على الحرية والعدالة والمساواة. ولن ينس له الإماراتيون تدخله في شأنهم الداخلي وتحريضه العالم الإسلامي ضد الإمارات بسبب ما تردد عن طردها لسوريين تظاهروا دون تصريح من الدولة، ولن ينس له السوريون دعوته الطائفية حين قرر تحويل ثورتهم إلى حرب طائفية بين السنة والعلويين الذين يمثلهم النظام، وغير ذلك من التدخلات السافرة، مستغلا الدين وتأويله للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وفقاً لمستلزمات جماعة الإخوان وحلفائها في النظام القطري.

 

تناقض واضح يكشف أن انتقائية الشيخ لا علاقة لها بالدين أو الدفاع عنه وعن معتنقيه، ولكن موجهة سياسياً وفقاً لأجندة انتمائية وتمويلية إخوانية وقطرية، فهو كما أصبح واضحاً للعيان يعمل ويتاجر بالدين لحساب من ينتمي إليهم ومن يموله، وهذا يفسر تطابق موقفه مع النظام القطري من التدخل الفرنسي في مالي، فرنسا التي دعاها للتدخل العسكري إلى ضرب ليبيا وسوريا، يرفض تدخلها الآن داعماً ومسانداً وحامياً لتنظيم القاعدة والتنظيمات التابعة والمنشقة عنها في جمهورية مالي، والتي كان بعضها يحمي نظام القذافي.

 

فإذا ما عدنا إلى مرجعية فتاوى ”القرضاوي” زعيم أبواق الغواية والفتنة وزبانيته، لوجدنا أنه قد حسم أمره وأخذ خياره في الوقوف إلى جانب صف أعداء الأمة، والتحق بنواطير رأس مال الحقبة النفطية، وتحالف مع غزاة الوطن العربي وعلى سبيل المثال حين أجمعت حركة التحرر العربية منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي على رفض الانضمام لحلف بغداد، أصرت مرجعية هذه الفتاوى على العمل مع حلف بغداد، والتحالف مع قوى الغرب الرأسمالي المستغل بحجة أنها قوى كتابية تقف في مواجهة الاتحاد السوفييتي الكافر الذي يتزوج فيه الأخ من أخته (على حد زعم هذه المرجعية)، وكان أن حملت عناصر هذه المرجعيات السلاح في مواجهة حركة التحرر العربية دون خجل أو استحياء، وازدادت شراسة في مواجهة قوى مقاومة الوجود الصهيوني على الرغم من معرفة هذه المرجعيات له بأنه غزو إحلالي لأولى القبلتين وثالث الحرمين وأرض الإسراء والمعراج والصراع مع هذا الغزو هو صراع وجود وليس صراع حدود…

 

أعرف أنه يمكن للكثيرين أن يتطوعوا للدفاع عن ”القرضاوي” ورفض كلامي، لا لشيء يستحقه الرجل، ولكن فقط لأنه رجل دين، والبعض يؤمن أن رجل الدين له حصانة أو قداسة، ولكني أقول وبعد كل الأخطاء القاتلة من مفتي الناتو، لم يعد له حصانة ولا قداسة، أرفض إلباسهما لأي فرد من المجتمع، ذلك أني أومن أن لا أحد فوق النقد والمسائلة، ومن أراد الديمقراطية وبناء مجتمع مدني فعليه أن يعرف أن الأمور لا تستقيم مع أحد فوق القانون، بمن فيهم رجال الدين، وإلا رجعنا إلى العصور الوسطى التي لا عودة لها مهما افتعل المجرمون من مسوغات دموية لعودتها.

قناة الجزيرة قناة ناطقه باللغة العربية فقط حتى وقت قريب في كل برامجها وهو ما يعنى أن المستهدف لها هو المتلقي العربي وليس أحداً سواه وهو ما يؤكد حقيقة أنها ليست قناة لنقل وجهة النظر العربية إلى الآخر، وليست قناة للدفاع عن الحقوق العربية أمام الآخر بل هي قناة عربية للعرب فقط، ويبدو جلياً من نوعية البرامج التي تقدم والتي كانت تستهدف النزاعات بين الدول العربية، والخلافات داخل الدولة الواحدة بين طوائفها وعرقياتها وحتى بين التوجهات الفكرية وبين أصحاب المواقف السياسية ضمن الدولة الواحدة، وهو الأمر الذي لم يترك أثراً إيجابياً على المواطن العربي في أي دولة كان. ثم جاء ما يسمى بـ(الثورات العربية) وكانت الطامة الكبرى حيث رأينا الحقائق تشوه والأخبار الكاذبة تنتشر والتحريض الداخلي وغياب الرؤى والحلول.

 

يقول ”مايكل وولف” الإعلامي الأمريكي المعروف في مقال له بعنوان ”حد الجزيرة”: إن الإعلام الأمريكي لديه رغبة جامحة في الجزيرة ومراسليها، لأنها تستخدم الأساليب التي يستخدمها التلفزيون الأمريكي، والأهم من ذلك أن الجزيرة عملت كمصدر معلوماتي ثمين للأمريكيين، وتفوقت في ذلك على المحطات الإعلامية الأمريكية نفسها، وزودتهم بمعلومات قيمة من ساحات الحرب. ويتابع ”مايكل وولف” بأن الإدارة الأمريكية تطمح في أن تصبح الجزيرة محايدة بالمعنى الأمريكي، بحيث يقتصر عملها على نقل الرؤية الأمريكية للأحداث، وتعمل إدارة الجزيرة من أجل الوصول إلى هذه الغاية. ويختم ”مايكل وولف” مقاله بقوله: إن قناة الجزيرة في طريقها إلى أن تصبح جزءاً من ماكينة الأمركة ولا سبيل لنجاحها، كما يقول وولف، إلا بتحولها إلى أداة تعمل على تحويل المشاهد العربي بشكل مضطرد إلى مستهلك جشع ومتلق لا يفكر!

 

فقناة الجزيرة انفضح أمرها، وأصبح أدائها الإعلامي مثل لوحة فسيفسائية جديدة من تركيب للألوان عجيب وهجين: من التعتيم الكامل على ما يجري في بلد، إلى التشديد الكامل على ما يجري في ثان إلى التحريض على نظام في بلد ثالث وهكذا دواليك، والضحية في هذا كله هي الرسالة الأصل: الخبر هكذا يتحول الخبر إلى موقف سياسي: بحجبه هنا وبتضخيمه هناك. بل هكذا يقع إنهاء الخبر من الأساس والتعويض عنه بالوقف السياسي.

 

فالكيل بمكاييل أصدق وصف لـ ”فلسفة قناة الجزيرة”، فهي هنا ثورية تبز الثوريين أنفسهم وتملي عليهم الخيارات والشعارات، وتخلط بين حابلهم ونابلهم، فتستضيف منهم النبيل والنظيف، مثلما تستضيف منهم من أجمع القوم على طويل خدمته لإسرائيل، وهي محافظة ورجعية تلوذ بالصمت على شرائع القرون الوسطى، ولا ببنت شفة تنبس عما يجري وراء ستار التعتيم المطلق، وما أغنانا عن القول أن الانتهازية والنفاق جوهر أية سياسة تكيل بمكاييل: في السياسة أو في الفكر أو في الإعلام، إذ هي تفتقر إلى أي مبدأ أو وازع أخلاقي يعصمها من السقوط المعنوي وفقدان الصدقية التي هي رأسمال السياسة والإعلام في عالم اليوم.

 

انكشفت (الجزيرة)، وانتهت مرحلة طويلة من التواطؤ، في التعامل مع هذه الوسيلة الإعلامية. ومع الانكشاف صار بالإمكان الإجابة عن كثير من الأسئلة التي كانت لغزاً محيراً، وأنتجت لمرحلة طويلة التواطؤ الذي أشرنا إليه.والسؤال الذي يطرحه أي مواطن عربي اليوم على إعلاميي قناة الجزيرة، ونعرف أنه ليس بمقدوركم الإجابة عنه ولو استعنتم بكل خبرات وإمكانات سادتكم وموجهيكم هو:

 

إلى أين تريدون الوصول بما تقومون به من تحريض على الفتنة وقتل الأبرياء، وتزييف الوقائع والافتئات على الحقيقة وفبركة الأحداث وتلفيق الاتهامات الباطلة ضد شرفاء الأمة العربية ومقاوميها الأحرار، وحماية الجماعات الإرهابية المسلحة وتغطية جرائمها الوحشية بادعاءات كاذبة مازلتم مصرين على نشرها وتكرارها والصراخ من هولها حتى بحّت حناجركم وانتفخت أوداجكم ومزقت سراويلكم و….؟


الشيء المخجل أنكم لم تخجلوا من أنفسكم أيها القادمون من بلدان المغرب والمشرق العربيين إلى قناة النفط والغاز الفضائية على الرغم من معرفتكم بأنكم تكذبون وتلفقون وتخدعون على حساب كراماتكم وأخلاقكم، لكنها ضريبة البحث عن الغنى والثروة ولن نقول الشهرة لأن أسماءكم وتاريخكم وعملكم صارت اليوم في الحضيض كما هو حال الجزيرة التي تعملون فيها، وستكتشفون حين تنجلي الحقائق قريباً وتجدون أنفسكم منبوذين على هامش الحياة الإعلامية العربية الشريفة والنظيفة والمعافاة، ومرفوضين في أوطانكم الأصلية والبديلة من الجميع حتى أقرب الناس إليكم، لأنكم كنتم صوت هذه القناة الطارئة والساقطة في ظلام الحقد والخيال بشرّ أعمالها وسيئ مواقفها، وستكتشفون كم كان الثمن الذي دفعتموه من كراماتكم ومستقبلكم ووجودكم غالياً ولن تسترجعوا شيئاً من أنفسكم وأحلامكم التي أضعتموها ركضاً وراء سراب خادع أغراكم به ممولو تلك القناة.

 

ألم تسألوا أنفسكم حين لهثتم نحوها: لماذا لا يوجد عاملون في تلك القناة من أبناء قطر التي أنشأتها إلا نادراً؟ ولماذا تعتمد فقط على المرتزقة (الأجانب) كما يسمونكم؟

 

إذا وجدتم الإجابة الصحيحة فستعرفون مدى المكابرة التي تستمرون فيها، وسترون من بعيد المصير الأسود الذي ينتظركم، وكل ما نأمله ألا يكون قد فات الأوان على التراجع عن الخطأ والعودة إلى الفضيلة التي طعنتموها كثيراً.


وما يحيرنا أيها المسؤولون والعاملون في تلك القناة أنكم بعد كل الفضائح التي غطتكم من الرأس إلى القدمين وعرت قنواتكم من كل شيء لم تستحوا، ما يعني ببساطة أنكم وقناتكم غائبون عن الوعي، ومن لا يستحي يفعل ما يشاء كما يقال، ولسنا بصدد تعداد هذه الفضائح لأن المشاهدين العرب في كل مكان يحفظونها عن ظهر قلب.

 

فنحن الآن لا نتحامل على قناة الجزيرة، لكننا نريد كشف الحقائق والدعوة إلى أخذ الحيطة من إعلام الجزيرة الموجه، وأن يدرك هؤلاء القائمون على محطة الجزيرة، بأنه كان لدينا فلسطين واحدة جريحة، وبفضلهم وفضل سياساتهم صار لدينا أكثر من بلد عربي جريح، ألم يسألوا أنفسهم من المستفيد الأول من نشر الفوضى في عالمنا العربي؟ ولماذا لم تلعب قناة الجزيرة دوراً إيجابياً يعود بالنفع على الأمة العربية وتلاحمها مادامت قناتهم تهتم بمصالح الأمة العربية وشؤونها بحسب ما يقولون، كأن تعمل على دفع الشباب للتظاهر والمطالبة بالوحدة العربية وفك حدود الدول العربية فيما بينها، وأن تشحن الشعوب للتظاهر لإيقاف الاستيطان في فلسطين وتحرير القدس الشريف المحتل.

 

فمعركتنا القادمة نحن مثقفي هذه البلاد العربية مع (الجزيرة) التي طلّقت الروح المهنية وامتهنت التجييش، وأعطت لنفسها حق الوصاية على الشعوب وعلى حاضرنا ومستقبلنا.

قناة الجزيرة… وصناعة الإرهاب في مصر…!                                                                               بقلم: مصطفى قطبي

من أرشيف رؤية 

في الأسابيع الأولى، وبعد حركة تصحيح مسار الثورة الذي شهدته مصر في 30 حزيران، بدا الأمر لكل المتتبعين أن الحرب ستكون في جزء كبير منها حرباً إعلامية وأن معركة الصورة ستكون أهم بكثير من معركة الرصاص. معركة الصورة بدت جديدة على الشعب المصري، وخصوصاً مع دخول إمبراطورية قطر الإعلامية في خضم المعركة، حيث تمتلك النفوذ السياسي والمالي.

في أي معركة عليك أن تتابع ما الذي يزعج عدوك وردة فعله تجاهه، وليعلم الكثيرون أن المعركة الآن هي لمعاقبة الشعب المصري أكثر منها لمعاقبة القيادة المصرية، لأن الشعب المصري بالكامل اختار الوقوف مع الوطن.

هي لعبة إعلام قذر ومأجور، وإرهاب إعلامي موصوف لاستهداف مصر في إطار ماكينة الحرب النفسية، والدلائل كثيرة، والحقائق واضحة أمام من أراد أن يحكم ضميره. فمنذ بدء المؤامرة على مصر، وماكينة إعلام ”الجزيرة” التابعة للنظام القطري المتآمر على مصر، يواصل فبركة الروايات والأكاذيب واختلاق ونسج شتى القصص الملفقة التي تستهدف مصر، حيث بات الإعلام التابع للأجندات الأمريكية والصهيونية في المنطقة يروج للمصطلحات التي تنطق بها ألسنة المسؤولين فيها والناشطين تحت مظلتها في عملية تعميم واضحة يمكن للمشاهد الفطن أن يكتشف من دون عناء أنها حرب نفسية إعلامية مدفوعة الثمن وبملايين الدولارات لم ير العالم مثيلا لها.


والمتابع لقناة ”الجزيرة”، ولاسيما خلال نشرات الأخبار التي تأتي دائماً على رأس الساعة، يرى كيف أن هذه القناة تضع الحدث المصري في مقدمة أولويات المشاهد مقارنة بالأحداث التي تخص دولاً أخرى، وتعطيه الحجم الأكبر من التغطية والتركيز عبر إضافة الأخبار المفبركة والتقارير المفخخة من أجل تسويق أمور بصورة متواترة بالشرح والنشر ضمنياً أو علنياًَ لتحقيق ما خطط له مسبقا، كالمطالبة ”بعودة المعزول ”مرسي” أو التدخل الخارجي، وفي المقابل تعمد هذه القناة نفسها إلى التقليل من أهمية الحلول السياسية الأخرى كوقف العنف واعتماد الحوار كحل سياسي سلمي للازمة.


وحين نتحدث عن قناة الفتنة والتحريض لابد من أن نتوقف طويلا عند قناة ”الجزيرة” التي تصدرت قائمة القنوات الشريكة في سفك الدم المصري باعتبارها منبراً حراً للإرهاب وذراعا تسويقيا له، ولا أحد ينكر عليها الأدوار المختلفة التي تفننت بها لقلب الحقائق وبث الأخبار الكاذبة والمخالفة للواقع، وشن حملة من الأكاذيب لتصعيد الوضع مصر.

 

لسنا هنا لنذكر أمثلة على ذلك (فالحقيقة كالشمس لا يستطيع أحد أن يحجبها) ولسنا هنا أيضاً من باب الهجوم على القناة، ولكننا سنحاول استعراض معلومات عن قناة ”الجزيرة”، ونحللها بهدف الوصول إلى جزء من حقيقة القناة ودورها السابق والحالي.

 

هي إذاً مجموعة من الأسئلة المنطقية حولها ونترك الإجابة للقارئ، وسوف نسلط الضوء على بعض من ممارسات ”الجزيرة” التي شكلت خطراً حقيقياً على الأمة العربية، وتلاعبت إلى حد كبير بعقل المشاهد العربي. ولا بد في البداية من الاعتراف بتلك الحرفية الكبيرة التي يؤدي بها كل العاملين في قناة ”الجزيرة” عملهم، وليس المهنية الكبيرة، إذ أن هناك فرقاً بين الحرفية والمهنية. فبينما تعني الحرفية إتقان الحرفة وصولاً إلى الإبداع فيها في بعض الأحيان، تعني المهنية أن تكون حرفياً مع مراعاة الأخلاق والصدق في العمل.

 

فجزيرة قطر ليست دولة بترولية ثرية ـ وإن كان الغاز المسال هو مصدر دخلها الأول ـ مثل السعودية أو الكويت لتتحمل كل هذا الإنفاق الخرافي على قناة الجزيرة بدون أي هدف. فأمير قطر له علاقات قوية جداً بأمريكا، وهو واحد من أفضل أصدقائها (أتباعها) وحلفائها في المنطقة وقد تجسدت هذه الصداقة (التبعية) في إقامة أكبر قاعدة عسكريه أمريكية في المنطقة في قطر، والرجل لم ينكر أبداً علاقته القوية بالكيان الصهيوني، الأمر الذي يجعله يقيم مكتب للتمثيل التجاري لإسرائيل في قطر بدون أي مبرر، وله تقريباً زيارات سنوية للكيان الصهيوني كما نعلم.

 

فهل ينفق الرجل كل هذه الأموال ليقيم وينشئ قناة إخبارية يمكن أن تعمل بحق ضد حلفائه وأصدقائه في واشنطن وتل أبيب؟

 

أما القول أن رغبة أمير قطر في إنشاء قناة تهتم بالديمقراطية في قطر وغيرها، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدعي إنسان أن صاحب قناة ”الجزيرة” يؤمن بحريه الكلمة وحرية الإعلام، وأنه كلف نفسه كل هذا الإنفاق لخدمة ذلك، فهو أمير قطر، أي أن نظام الحكم أميري ملكي، الأمير فيه يحكم حكماً مطلقاً، لا وجود لمجلس شعب أو نواب ولا وجود لأي رقابة شعبية على إدارته هو أو حكومته لشؤون بلاده، بل ولا يجرؤ أحد من شعبه أن ينطق بكلمة عنه أو عن أسرته على الرغم من معرفتنا كيف تولى أمور الحكم؟ وما هي الصراعات التي نشأت داخل العائلة الحاكمة؟ وكيف تم تصفية الكثيرين من العائلة الحاكمة إن لم يكن جسدياً ففكرياً وعن طريق الإلغاء والإقصاء والحبس والإقامة الجبرية والإبعاد؟ وكثير منا يعرف دور الشيخة ”موزة” في إدارة شؤون الإمارة ورسم علاقاتها خصوصاً مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فالكلمة الحرة الوحيدة التي يؤمن بها هي كلمة نفاق أو كلمة كاذبة تنفي عنه ما هو فيه، وأتصور أن وضع حرية الكلمة في قطر وحرية الإعلام في قطر أوضح من أن ينخدع أحد فيه، سيما وأن لا خبر عن داخل قطر منذ نشأة ”الجزيرة”.

 

إن مقولات ”الجزيرة” من مثل (الإعلام المحايد، والباحث عن الحقيقة)، هي أكاذيب صرفة. ولا يمكن تخيل إنفاق مبالغ طائلة لمجرد تقديم الحقائق، وهي نسبية على كل حال، فأي إعلام له هدف ورسالة محددة. ويعرف كل من عمل في الإعلام هذه الحقائق، كما يعرف أن المقولات المشار إليها، نظرية تماماً، ويتداولها الإعلاميون وأساتذة الإعلام، بوصفها ذاك.

 

لكن من يعمل في الإعلام، يعرف أيضاً أن هناك قواعد مهنية يجب مراعاتها، عند صوغ وتقديم الرسالة الإعلامية، كي تكون مقنعة وتحقق الهدف منها. ودون ذلك تصبح الرسالة على درجة عالية من الفجاجة، وتتعجل الوصول إلى الهدف بأية طريقة. وإذا كانت الوسيلة الإعلامية التي تقدم الرسالة على هذا النحو، قد بنت حضوراً لدى المتلقي فإنها تصبح أداة خطرة، بقدرتها على تمرير الأكاذيب بكونها حقائق منتهية، وهذا هو حال ”الجزيرة”.

 

و”الجزيرة” بهذا تمارس الميكافيلية في أوضح صورها، من خلال التضليل والخداع وبث الأكاذيب ما دام ذلك يحقق لها الشهرة وإثارة الجماهير والضغط على الحكومات وابتزازها، الأمر الذي أدى إلى التأثير على علاقة قطر بالبلدان العربية، لمسؤوليتها عن القناة وما تبثه، رغم زعمها بأنها تبث برامجها بحرية تامة ومن دون رقابة، لكن من الواضح أنها تعتمد حرية انتقائية.

 

وبما أن قناة ”الجزيرة” قناة قطريه أقامها حاكم قطر، وينفق عليها بأموال قطر، فالمنطق أن يكون الشأن القطري على قمة أولويات قناة الجزيرة. ذلك أن للإعلام دوراً مهماً في الرقي بمستوى الدول وفي تحقيق قدر من الرقابة والشفافية وغير ذلك. ولكن منذ أنشئت قناة ”الجزيرة” لم يحدث أن تعرضت في أي من برامجها إلى ما يحدث في قطر، موقف غريب حقاً…

فهل هو ناتج عن أن القائمين على قناة ”الجزيرة” يرون أن دولة قطر أصغر وأضأل من أن يهتم بها متابعو برامج ”الجزيرة”؟ أم أن قطر تحولت إلى جنة حقيقية على الأرض حيث العدالة والحرية وتكافؤ الفرص والمساواة وتوزيع الثروات، وحيث لا يوجد مشكلات تحتاج إلى أن تلقى عليها قناة الجزيرة الأضواء؟


أتصور أنه لا هذا ولا ذاك، فقطر دولة عربية ولها الكثير من المواقف التي قد نتفق معها أو نختلف معها ولكنها مواقف تستحق أن تناقش على قناة ”الجزيرة” والشأن الداخلي في قطر يهم كل عربي باعتبارها دولة عربية شقيقة، مثلما يهمنا أمر ليبيا والسودان والصومال وجزر القمر وكلها دول عربية، ولكن أتصور أن هناك خطاً أحمر على قناة ”الجزيرة” ألا تقترب أبداً من الشأن الداخلي في قطر.

 

وقناة ”الجزيرة” حريصة على التقيد بهذا الخط الأحمر، فكل العاملين بها يدركون حقاً ما قد يحدث إذا فكروا مجرد التفكير في تجاوز هذا الخط الأحمر الذي فرضه صاحب القناة، وبذلك لا يكون هناك أي مجال للحديث عن أن الانتصار لحرية الكلمة وحرية الإعلام كان أحد أسباب إنشاء قناة ”الجزيرة”.

 

اِن دولة قناة ”الجزيرة”، تحاول وبسلاح ”الجزيرة” تغيير الخريطة السياسية للمنطقة برمتها، ومصادرة القرار السياسي لقوى وَجدت نفسها مربوطة بخيط هذه الإمارة الصغيرة، ومعلقة في فضاء جزيرتها، فإما أن تنصاع وتعلن الطاعة (وتأخذ المال والدعاية) وإما بالإمكان إسقاطها بسهرتين تلفزيونيتين تحريضيتين. ويبدو أن حكام تلك ”الجزيرة” الإعلامية، انهمكوا في الدور تماماً، لدرجة أنهم يتصرفون في المنطقة الآن، كقوة عظمى.

 

قوة قوامها: محطة تلفزيونية ومليارات لا تحصى من الدولارات، ورصيد يبلغ صفراً من الديمقراطية والتعددية السياسية وحقوق الإنسان.

 

أي أن الحراك العربي الذي بدأ لأجل الديمقراطية والحرية والمشاركة في القرار السياسي، ولأجل أن يكون المواطن العربي حراً كريماً في بلده، يراد له أن ينتهي عند عرش هذا الأمير النفطي أو ذاك، وهم التابعون أصلاً لقوى الصهيونية العالمية، ولا يملكون قياد قرارهم السياسي، ويقال لنا الآن، أن إعلامهم يعمل لمصلحة الشعوب وحريتها وكرامتها.

 

هؤلاء الذين يُعتبر انتقادهم من قبل أي مواطن في بلادهم جريمة لا تغتفر، ومن الكبائر التي لا كفارة عنها سوى القتل أو السجن أو النفي. لا بل إنهم يحرّمون التظاهرات شرعاً في بلادهم وفي هذا فتاوى شهيرة وواضحة.

 

فنحن لسنا في جملة من يتوهمون أن في وسع الخطاب الإعلامي لقناة ”الجزيرة”، ـ وهو خطاب إيديولوجي ـ أن يكون خطاباً ”موضوعياً” و ”محايداً” ومنزهاً عن أي انحياز. ولكن بين ”الحياد” الكامل و (المستحيل) والانحياز السافر المفضوح مسافة غير قابلة للاختصار.

 

فقناة ”الجزيرة” لا تخفي ميولها القرونوسطية ذات اللون الواحد الذي لا يمكن للمرء الخطأ حوله: فهي معادية للفكر القومي العربي، وإن تبدي بعض ما تقدمه على أنه عروبي بشكل ما، ولكنه في حقيقة الأمر ليس إلا من منظور إيديولوجي يحلم في عودة بسراب ”الخلافة العثمانية” البائدة.

أما اليوم فقد تبين للمواطن المصري تجييشها الذي لا يصب في مصلحة أحد إلا مشروعها القرونوسطية الذي لو تحقق فلن يحصد سوى المزيد من تشرذم وتابعية الشعوب العربية للآخرين غربيين كانوا أم ”عثمانيين جدداً” أم تتاراً مستجدين أم مماليك مستنسخين.

 

ولم يعد خافياً علينا اتخاذ ”الجزيرة” لـ ”القرضاوي” أباً روحياً لها، وهذا ما يبرهن ويثبت معطيات قرونوسطية ”الجزيرة” فهو الذي شرّع الاغتيال السياسي في أكثر من مرة، ومنها حين شرعن اغتيال ”القذافي” و”بشار الأسد” وثلث الشعب السوري… واليوم الدور على القيادة والشعب المصري…

 

فـ”القرضاوي” واحد من الذين شاركوا بكل وقاحة وصلابة في صنع المؤامرة الاستعمارية في قتل العرب فيما يسمى بالربيع العربي المصنوع في دهاليز وكالة المخابرات الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي وضع لبناته ”شمعون بيريز” واضعاً من نفسه داعية، يصول ويجول في خطاباته الرنانة معلناً وصايته على حقوق المسلمين جنباً إلى جنب مع أمير قطر، في مسرحية أمريكية بسلب هوية الإنسان العربي في القرن الواحد والعشرين، وهو بذلك لا يختلف عن الصهاينة في قتل العرب في فلسطين.

 

فقد بات أمر الشيخ ”يوسف القرضاوي” مفضوحاً في الشارع العربي ككل، بعد أن كشفت تدخلاته السافرة الأخيرة في الشؤون الداخلية لمصر، عن أنه يخطب وفقاً لأجندة النظام القطري وحلفائه من جماعة الأخوان المسلمين، لا وفقاً لأجندة وطنية تقوم على الحرية والعدالة والمساواة، مستغلا الدين وتأويله للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة وفقاً لمستلزمات جماعة الأخوان وحلفائها في النظام القطري.

 

تناقض واضح يكشف أن انتقائية الشيخ لا علاقة لها بالدين أو الدفاع عنه وعن معتنقيه، ولكن موجهة سياسياً وفقاً لأجندة انتمائية وتمويلية إخوانية وقطرية، فهو كما أصبح واضحاً للعيان يعمل ويتاجر بالدين لحساب من ينتمي إليهم ومن يموله. وإذا ما عدنا إلى مرجعية فتاوى ”القرضاوي” زعيم أبواق الغواية والفتنة وزبانيته، لوجدنا أنه قد حسم أمره وأخذ خياره في الوقوف إلى جانب صف أعداء الأمة، والتحق بنواطير رأس مال الحقبة النفطية، وتحالف مع غزاة الوطن العربي.

 

أعرف أنه يمكن للكثيرين أن يتطوعوا للدفاع عن ”القرضاوي” ورفض كلامي، لا لشيء يستحقه الرجل، ولكن فقط لأنه رجل دين، والبعض يؤمن أن رجل الدين له حصانة أو قداسة، ولكني أقول وبعد كل الأخطاء القاتلة من مفتي الناتو، لم يعد له حصانة ولا قداسة، أرفض إلباسهما لأي فرد من المجتمع، ذلك أني أومن أن لا أحد فوق النقد والمسائلة، ومن أراد الديمقراطية وبناء مجتمع مدني، فعليه أن يعرف أن الأمور لا تستقيم مع أحد فوق القانون، بمن فيهم رجال الدين، وإلا رجعنا إلى العصور الوسطى التي لا عودة لها مهما افتعل المجرمون من مسوغات دموية لعودتها.

فقناة ”الجزيرة” انفضح أمرها، وأصبح أدائها الإعلامي مثل لوحة فسيفسائية جديدة من تركيب للألوان عجيب وهجين: من التعتيم الكامل على ما يجري في بلد، إلى التشديد الكامل على ما يجري في ثان إلى التحريض على نظام في بلد ثالث وهكذا دواليك، والضحية في هذا كله هي الرسالة الأصل: الخبر هكذا يتحول الخبر إلى موقف سياسي: بحجبه هنا وبتضخيمه هناك. بل هكذا يقع إنهاء الخبر من الأساس والتعويض عنه بالوقف السياسي.

 

انكشفت ”الجزيرة”، وانتهت مرحلة طويلة من التواطؤ، في التعامل مع هذه الوسيلة الإعلامية. ومع الانكشاف صار بالإمكان الإجابة عن كثير من الأسئلة التي كانت لغزاً محيراً، وأنتجت لمرحلة طويلة التواطؤ الذي أشرنا إليه. والسؤال الذي يطرحه أي مواطن عربي اليوم على إعلاميي قناة الجزيرة، ونعرف أنه ليس بمقدور إعلاميي قناة ”الجزيرة” الإجابة عنه ولو استعانوا بكل خبرات وإمكانات سادتهم وموجهيهم هو:

 

إلى أين تريدون الوصول بما تقومون به من تحريض على الفتنة وقتل الأبرياء، وتزييف الوقائع والافتئات على الحقيقة وفبركة الأحداث وتلفيق الاتهامات الباطلة ضد شرفاء الأمة العربية ومقاوميها الأحرار، وحماية الجماعات الإرهابية المسلحة وتغطية جرائمها الوحشية بادعاءات كاذبة مازلتم مصرين على نشرها وتكرارها والصراخ من هولها حتى بحّت حناجركم وانتفخت أوداجكم ومزقت سراويلكم و….؟


الشيء المخجل أنكم لم تخجلوا من أنفسكم أيها القادمون من بلدان المغرب والمشرق العربيين إلى قناة النفط والغاز الفضائية، على الرغم من معرفتكم بأنكم تكذبون وتلفقون وتخدعون على حساب كراماتكم وأخلاقكم، لكنها ضريبة البحث عن الغنى والثروة، ولن نقول الشهرة لأن أسماءكم وتاريخكم وعملكم صارت اليوم في الحضيض كما هو حال ”الجزيرة” التي تعملون فيها…

 

وستكتشفون حين تنجلي الحقائق قريباً وتجدون أنفسكم منبوذين على هامش الحياة الإعلامية العربية الشريفة والنظيفة والمعافاة، ومرفوضين في أوطانكم الأصلية والبديلة من الجميع حتى أقرب الناس إليكم، لأنكم كنتم صوت هذه القناة الطارئة والساقطة في ظلام الحقد والخيال بشرّ أعمالها وسيئ مواقفها، وستكتشفون كم كان الثمن الذي دفعتموه من كراماتكم ومستقبلكم ووجودكم غالياً ولن تسترجعوا شيئاً من أنفسكم وأحلامكم التي أضعتموها ركضاً وراء سراب خادع أغراكم به ممولو تلك القناة.

 

ألم تسألوا أنفسكم حين لهثتم نحوها: لماذا لا يوجد عاملون في تلك القناة من أبناء قطر التي أنشأتها إلا نادراً؟ ولماذا تعتمد فقط على المرتزقة (الأجانب) كما يسمونكم؟

 

إذا وجدتم الإجابة الصحيحة فستعرفون مدى المكابرة التي تستمرون فيها، وسترون من بعيد المصير الأسود الذي ينتظركم، وكل ما نأمله ألا يكون قد فات الأوان على التراجع عن الخطأ والعودة إلى الفضيلة التي طعنتموها كثيراً.


وما يحيرنا أيها المسؤولون والعاملون في تلك القناة أنكم بعد كل الفضائح التي غطتكم من الرأس إلى القدمين وعرت قنواتكم من كل شيء لم تستحوا، ما يعني ببساطة أنكم وقناتكم غائبون عن الوعي، ومن لا يستحي يفعل ما يشاء كما يقال، ولسنا بصدد تعداد هذه الفضائح لأن المشاهدين العرب في كل مكان يحفظونها عن ظهر قلب.

 

فنحن الآن لا نتحامل على قناة ”الجزيرة”، لكننا نريد كشف الحقائق والدعوة إلى أخذ الحيطة من إعلام ”الجزيرة” الموجه، وأن يدرك هؤلاء القائمون على هذه المحطة، بأنه كان لدينا فلسطين واحدة جريحة، وبفضلهم وفضل سياساتهم صار لدينا أكثر من بلد عربي جريح.

 

ألم يسألوا أنفسهم من المستفيد الأول من نشر الفوضى في عالمنا العربي؟ ولماذا لم تلعب قناة ”الجزيرة” دوراً إيجابياً يعود بالنفع على الأمة العربية وتلاحمها مادامت قناتهم تهتم بمصالح الأمة العربية وشؤونها بحسب ما يقولون، كأن تعمل على دفع الشباب للتظاهر والمطالبة بالوحدة العربية وفك حدود الدول العربية فيما بينها، وأن تشحن الشعوب للتظاهر لإيقاف الاستيطان في فلسطين وتحرير القدس الشريف المحتل.

 

فمعركتنا القادمة نحن مثقفي هذه البلاد العربية مع ”الجزيرة” التي طلّقت الروح المهنية وامتهنت الفتنة والتجييش، وأعطت لنفسها حق الوصاية على الشعوب وعلى حاضرنا ومستقبلنا.

لا تقارب ديني بين المذاهب بدون تقارب سيّاسي…؟                                                      بقلم: مصطفى قطبي

 من أرشيف رؤية

لقد اصطنع الاستعمار الغربي كل المبررات السياسية لتدخله في شؤون المشرق والمغرب العربيين، وطور أساليبه من عقيدة دينية صلبة إلى حملات عسكرية وغزو فكري وحروب نفسية، وصاغها في النهاية بنظرية سياسية واقتصادية واجتماعية، وفلسفها بكل ما لديه من فكر وثقافة جاعلاً مصطلح (الاستعمار) عقيدة وطنية لأوروبا، محاولاً بثها في أذهان الشعوب الأخرى على أنها حق طبيعي لشعوب أوروبا الراقية المتفوّقة في نشر رسالة الحضارة بين الشعوب المتخلفة لإنقاذها من ظلام القرون الوسطى. ومن ثم فإن مبادئ التمدين الجديد تحمل إلى البشرية قيمَ الاستعمار الأخلاقية ومُثلَه الإنسانية التي يجدر بالأقوى أن يطبقها على الأضعف.

هذا ما اعتمده الاستعمار الغربي مدركاً أهمية إضعاف الوعي الوطني وقتل الشعور القومي، ولا أدلَّ على خطورة هذا المخطط من المشاريع التي طبقها الماريشال (ليوتي) الفرنسي في المغرب العربي إذ قال: ”إن على الغرب أن يجعل العربي المراكشي أجنبياً عن العربي الجزائري، وأجنبياً عن العربي التونسي والليبي والمصري والسوري والعراقي”، منادياً بخلق جنسيات جديدة بين العرب تتميز بالخلاف بين المذاهب الإسلامية في كل بلد عربي، ودعا إلى وجوب إبراز هذه المذاهب وتطويرها بحيث يتحوَّل العرب من القومية العربية أو الرابطة الإسلامية إلى طوائف إسلامية متناحرة.

فوسط أمواج المد (تسونامي) لما يسمى ”الربيع العربي” انقلبت اليوم وتغيرت مواقف المنتسبين إلى راية الإسلام والمتبوئين رتبة ”علماء” فأضاعت حرمة الدماء والأخلاق والأعراض والأرض والدين، وانتهكت انتهاكاً غير مسبوق، كان من نتيجته اصطفافات طائفية ومذهبية مقيتة، أججتها وسائل الإعلام المشبوهة والفتاوى والخطب، فحُرِّفت فريضة ”الجهاد” عن سبق إصرار وترصد والتي تقوم على رفع الظلم عن المسلمين، وإزالة مظاهر الظلم والاحتلال عن أراضي المسلمين إذا اغتصبت، وهي فريضة في حكمها وأسبابها وأهدافها يستحقها اليوم الشعب الفلسطيني. إلا أن ما يؤسف له وما يؤلم، أنها تم حرفها لتكون أداة لقتل المسلمين بعضهم بعضاً، فامتشق الذين غرِّرَ بهم وخُدِعوا بهذا التحريف سيوفهم ليقطعوا بها أعناق أشقائهم في العقيدة والدم، وبالتالي أضحى الصراع مذهبياً مدمراً مقيتاً، بعد أن كان الصراع الأوحد هو الصراع العربي ـ الصهيوني، وأن لا عدو سوى العدو الصهيوني.

ومن مفرزات الخطورة أن التخطيط الأمريكي المتراكم وبمعاضدة من العالم الغربي برمّته تقريباً جعل من الضحية العربية تتصارع مع ذاتها وتعتدي على ذاتها، بل حدثت محاولات جدية لجعل الصراع ضمن المكونات الدينية للمنطقة العربية، وحتّى ضمن مكونات الدين الإسلامي، وأخطر أدواته التي ”تعمل” بغية إشعال وتأجيج (فتنة) إسلامية إسلامية تتمثل بفضائيات ومحطات تلفزيونية متفرغة للبحث في إشكاليات حساسة يزخر بها التراث الإسلامي وإبراز الأمور الخلافية واستثمارها للتحريض والاقتتال والفتنة… فلم يشهد التاريخ العربي ولا حتّى مسيرة وسائل الإعلام كلّها عبر التاريخ مرحلة من التحريض الطائفي الديني كما هو موجّه إلى العالم العربي اليوم.

والفضيحة قائمة بوجود أقمار صناعية خاصة بالبث الفضائي توافق على بث قنوات متخصصة بالفتن الطائفية والدينية… والأكثر فضائحية هي الأنظمة والدول التي تسمح لفضائيات متخصصة بالفتنة الدينية العمل على أراضيها، بل وتدعمها وتؤمن لها الكوادر والأموال والميزات والمغريات وتوظّفها كأداة من أدوات التآمر والاعتداءات على الآخر… إنّه انحطاط قيمي غير مسبوق ولا يمكنه أن ينتج إلا عن أنظمة زاد انحطاطها السياسي والأخلاقي وصولاً إلى تخصصها بصناعة الفتن الدينية!

اللافت فيما يتعلق بدراسات الحوار ”الإسلامي ـ الإسلامي” ميل معظم البحوث والمداخلات إلى الارتكاز على المشكلات المذهبية، بوصفها المنصة الظرفية لمشكلات الحوار الإسلامي ـ الإسلامي نفسه، وبطبيعة الحال فإن هذا المنحى من المعالجات والمقاربات سيعاود استهلال المراحل التاريخية السابقة التي كانت تربط باستمرار أزمة العقل الإسلامي بأزمة الفقه والأدلجة وعلم الكلام، وفي هذا السياق ستظل محنة الحوار عالقة في فخ الاجتهاد وأطواره ساحبة معها ذيول النصوص وتأويلاتها وانقساماتها لينتهي الأمر بنا إلى تعطيل الحوار وإغلاق نوافذه، لأننا ببساطة انطلقنا بمنهجية الحوار من أدوات المشكلة دون أي اهتمام بأدوات التغيير التي لا معنى لمفهوم الحوار في غيابها.

ولئن كنا لا نملك أن نماري في أن حالات عدة من إخفاق مشاريع التقريب بين المسلمين قد سُجلت في تاريخ الحوار فليس لنا أن نتجاهل أن مصادرة فكر التغيير الاجتماعي واستبعاد المثقف عن عملية التغيير قد جرّت حواراتنا الفقهية والكلامية إلى مزيد من السجال العقيم المتسلط بأحكامه المسبقة بين سلطوية النفي وسلطوية الإثبات وبذلك بقيت إشكاليات الحوار وأسئلته مطابقة لذهنيات التفكير المذهبي وقائمة عليه، ومن ثم تراجعت قضايا الوحدة والحرية والثقافة والتنمية على حساب المقولات المذهبية، وهي مقولات كان بإمكانها أن تثري تطلعات الحوار وآماله، فيما لو انطلقنا بتوظيف تراكماتها لمصلحة قضايا الوجود والمصير، فتتكامل مع قوى التغيير في أمتنا العزيزة بدل أن تخوض فجاعة الصراع مع المذاهب الدينية المخالفة، أو المذاهب الأيديولوجية النقيضة.

الحوار الإسلامي ـ الإسلامي نحو صياغة جديدة:

هل يعيد الحوار الإسلامي ـ الإسلامي صياغة نفسه؟ فيبتدئ من نقد الواقع الراهن لمحاكمة تاريخيه وماضيه بدل أن يبتدئ من نقد الموروث ويستغرق فيه ليتنصل في النهاية من مواجهة العصر وتحدياته. فإذا أردنا أن يقاس الحوار بمنجزاته فلا بد من استحضار هذا السؤال لتحديد الحوار الحضاري لحوارنا وتفهم معطياته لنقدم من خلاله الفرص الجديدة لبناء الذات ومواجهة التحديات. ذلك أن أي حوار يتورط في معركة المغالبات المذهبية هو حوار خاسر لأنه حوار بين كتب السلف الصالح وليس حواراً بين عقولنا نحن ومواجعنا نحن.

لذلك فإن أي تنظير لموضوعية الحوار الإسلامي ـ الإسلامي خارج ميدان النهوض الثقافي والاجتماعي المقاوم لاستلاب الهوية وخارج النهوض السياسي المقاوم للاحتلال الإسرائيلي لأرضنا العربية الإسلامية هو حوار ناقص مبستر وعاجز عن الاستمرار في الزمان والتاريخ لأنه يفصل إسلام الفكر والعقيدة عن وظيفته الربانية في الشهودية على الناس والتاريخ. ومن إهمالنا الواضح لمحددات الحوار وموضوعيته وأولوياته وقعنا في واحدة من أعظم المفارقات الساخرة، ففي الوقت الذي تمادى فيه علماؤنا ومفكرونا ومثقفونا في التحاور مع الاستشراق وفي الوقت الذي سقطنا في شبكة التحاور مع الصهيونية كان دخان الحروب الداخلية بين المسلم والمسلم يحجب أبصارنا عن المجازر التي ترتكبها إسرائيل يومياً.

ومن المؤسف المؤلم أن المقاومة التي تحصّنا بها لعدة أجيال تكاد تتبدد في هذا المدى الغائم من لا موضوعية الحوار الغائب أو المغيب. وأغلب الظن أن الحوار الذي أخطأ وجهته وساريته منذ أن طرد آخر عربي مسلم من غرناطة عام 1492م قد انتهى بنا إلى هذه الحروب الخادعة فيما بيننا لتمنعنا رغم أنوفنا من خوض حربنا الحقيقية وربما الوحيدة على أرض فلسطين، لنجد أنفسنا ونحن في بدايات القرن الواحد والعشرين جاهزين تماماً للالتحاق الكامل بمراكب الغرب عبر وسيطه الصهيوني.

ترى ألا يستفزنا هذا الواقع المرير إلى البحث عن وظيفة الحوار وفق التصور القرآني للإنسان والحياة، ليتمحور العقل الإسلامي حول تحليل المشكلات الأساسية لمجتمعاتنا المتنوعة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فنستدرك ما فاتنا من أسباب النهضة والكرامة بدراسة نقدية شاملة لمكامن التخلف الحقيقي في البلدان الإسلامية كافة والتي تتشابه ظروف تخلفها على الرغم من تعدد مدارسها الفقهية ومذاهبها الدينية؟.

لذلك يبدو لي أنه من الضروري فض الاشتباك بين الحواريات المهتمة بتطوير الوعي المذهبي ونقديات التراث وبين الحواريات المهتمة بنقد نظريات التنمية والخيارات المتاحة في ظل الهيمنة الاستعمارية. وإذا كان من الوارد هنا إرجاع مأزق الحوار الإسلامي ـ الإسلامي إلى اعتماده على مسلمات التراث كمادة أساسية لموضوعاته، فإن هذا الخطأ المنهجي لا يبرر التقاعس الثقافي والسياسي عن الاهتمام بتطوير الاهتمام بالجانب التنموي من الحوار، ولعل أبرز ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن رفض تمطيط المشكلات من الماضي إلى الحاضر والدعوة إلى تعميم عادة الحوار بين المثقف والسياسي والديني، يجب أن يتمثل بطريقة إيجابية تنطلق من مجانبة التشكيك ونبذ الخصومات المجانية بين قوى التغيير في مجتمعنا المتصدع. لأن افتراض سوء النيات سواء التقييم لأوضاعنا العامة، وافتراض سوء التقدير لأي حلول مقترحة لن تخدم إطلاقاً أغراض الحوار ومنطلقاته.

ومن نافل القول أن أشير هنا إلى أن التحولات الجذرية والعميقة، التي شهدها عالمنا الإسلامي بعد سقوط نظام الجامع والخلافة تتطلب الوقوف على وعي المساواة بين المؤسسة الدينية ومؤسسات المجتمع الأهلي لمعالجة قضايانا الحياتية بعيداً عن لعبة التصادم بين المواقع والأدوار لأن معركة التحرر من أخطبوط التبعية لاقتصاديات العالم الجديد وسياساته تخص الواقع الإسلامي كله على اختلاف اتجاهاته ومواقعه.

من هنا نسجل أن الحوار الإسلامي ـ الإسلامي ما لم يحسم أمره في بلورة مفاهيم الحرية والتعدد وحق الاختلاف ووعي التمايز والتنوع المحسوم بعقيدة التوحيد سيظل حواراً سكونياً لا يتجاوز ذاته إلى الآخر، ففي غياب مفهوم الحرية والحرية السياسية بالتحديد غابت الأعمال النقدية وارتمينا من وراء الشعور بالغبن الاجتماعي والاضطهاد الرسمي في قعر الانغلاق على خصوصيات الذات المذهبية أو الحزبية، ومن هذا الخندق بدأنا نخوض معركة الإصلاح والتغيير بسيل جارف من الممنوعات والمحرمات في ضوء فتاوانا المستندة إلى نظرة أحادية لمشكلات المجتمع الإسلامي فقلنا بوجوب قتال الطائفة الممتنعة عن الشريعة وقلنا بتحريم دخول البرلمان والأحزاب الوطنية وقلنا بتكفير الحاكم المبدل لشرع الله دون أن نبذل أي جهد يذكر في مجال الوعي التطبيقي للنصوص الشريفة، أو في تحديد مصطلحاتنا الشائعة، كمصطلحات الفقه والشريعة والحاكم والمنكر والطائفة والمواطنة ”لا تبقرن بأيديكم بطونكم فثم لا حسرة تغني ولا جزع”.

تجديد وظائف الحوار:

وقد يؤخذ على مشروع البحث عن وظيفة الحوار الإسلامي ـ الإسلامي في دائرة الدعوة إلى الانخراط في مشروع الداخل الإسلامي المتنوع والمتعدد مذهبياً وسياسياً، إشكالية التأخر الزمني، بمعنى أن هذه الدعوة سابقة لأوانها إلا أنني لا أرى أننا بمقدار ما نوفق في حسم إشكاليات العلاقة بين الإسلام ومعارضيه في الداخل سنقترب كثيراً من حسم إشكاليات العلاقة بين الإسلام ونفسه انطلاقاً من حرص القرآن الكريم على خط الاتصال بالآخر، كموضوع للهداية الربانية ليضيء من خلال ذلك أهمية الجدل والتعارف بعيداً عن لجاجة العناد الذي لا يحترز من الكذب والبهتان والافتراء وبعيداً عن لغة الازدراء بجهود الآخرين وتضحياتهم في بناء الأوطان والمجتمعات، لأن من شأن هذا المستوى من المناقضة في الجدال أن يعمق حالة الانفصال الداخلي وتوسيع شروخاته وتناقضاته لا يرجى معه أمل من آمال الأهداف المشتركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومجابهة أي عدوان خارجي بوجه عام عسكرياً، وسياسياً، وثقافياً ومن حقنا أن نبحث عن معيارية ما ومرجعية ما في هذا العصر الذي يتعرض فيه كل شيء للتسييس والاستغلال.

ومن حقنا أن نتساءل من أين ننطلق؟ من السياسة لضبط أجهزتنا الدينية والسياسية أم من الدين لحمايته من أبنائه؟

لابد أن نعترف أن الحوار بين المذاهب والجهود المبذولة للتقريب بينها كانت تتكسر دائماً على صخرة الخلافات السياسية، لكن ورغم ذلك، فإن المسلم العادي لا يشعر بالخلافات الموجودة بين المذاهب بدرجة القسوة نفسها التي تصور أحياناً في وسائل الإعلام، بل إنه يمكن اعتبار الجانب الأكبر من هذه الاختلافات سياسية الطابع والدوافع حتى وإن توارت خلف الدين.

وإذا جنبنا السياسة وبحثنا داخل الحوارات التقريبية نفسها سنجد أن أغلبها لم يكلل بالنجاح لأسباب عضوية كما يقول المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب منها أن التجارب المهمّة لم تؤمن آليات متابعة دقيقة وناجعة، فمشروع المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية استطاع أن يجمع كبار علماء المسلمين لكن ظلت التوصيات التي صدرت عنه مجرد حلم ينتظر التحقيق. كذلك افتقد مناخ الحوار للثقة والرغبة المتبادلة في أوقات كثيرة.

إذ إننا وبسبب فقدان الضوابط والمعايير في كثير من مجتمعاتنا الإسلامية ظلت أزمة الحوار الإسلامي ـ الإسلامي مجالاً سائباً يخترقه المرتزقة من رجال الثقافة والدين والسياسة. فالسنوات الماضية بما شهدت من تقلبات وانعطافات مهمة في العالمين العربي والإسلامي دفعتنا إلى إعادة تفحص مفهوم الحوار ووظيفته كيما نقف على شروطه الموضوعية برؤية واضحة المعالم والأهداف.

فهل أخطأت بعض الأنظمة في تقليل شأن الإسلام العقيدة والفكر حيث افترضت بلا وعي أن الدين هو مجرد عنصر تكميلي من مئات العناصر المكونة للأفق السياسي؟

وهل أخطأنا نحن بشعار استحالة التعايش بين الأنظمة والحركات الدينية فاعتبرنا أن المجتمعات الإسلامية لا يمكن أن تكون نموذج الغرب المسيحي الذي فرض العلمانية مبدأ وفلسفة، ولا حتى نموذج اليابان حيث تتكامل الروحانية البوذية مع البراغماتية الاقتصادية دونما توتر أو صدام؟

لقد أشار القرآن الكريم إلى ظاهرة الخبث في الجماعة الإسلامية الأولى واعتبر الامتحان ضرورة لتصفية الواقع المخلط لتمييز الشخصية الخبيثة من الشخصية الطيبة. فقال سبحانه: ”ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء”. العمران 179.

لذلك وبغض النظر عن الأخطاء التي احتملناها صواباً، فالحقيقة المرة أن حروبنا الداخلية كانت من أبشع الأخطاء التاريخية الحديثة لأن سفك الدماء المجانية لم يحقق إطلاقاً قيمة التمييز بين الخبيث والطيب.
قال رسول الله (ص) في وصيته الخالدة لأصحابه معترضاً على إلحاحهم عليه بممارسة هذا الأسلوب تجاه المنافقين: ”فكيف بالعرب إذا قالت إن محمداً يقتل أصحابه؟”.

فكيف نسقط هذا الجدار المصطنع في حين سميناه نقلاً عن الإعلام الغربي التنويريين والظلاميين؟

إذن لقد قمنا بعملية استنساخ كربوني واضح لعوامل الانحطاط في الماضي والحاضر دون أن نلتفت إلى أن تمسك الذهنية الإسلامية بنقل الماضي ومحاكاته جعلها عاجزة أو قاصرة عن مواجهة تحديات الواقع. كما أن الذهنية العلمانية التي لجأت إلى نقل الفكر الغربي ومحاكاته دون دراسة ودون تحديد الجوهري والثانوي منه ما جعلها عاجزة هي الأخرى وفاشلة عن تأمين الحد الأدنى لرفاه أمتنا ووحدتها وتقدمها. صحيح أن أشياء كثيرة قد امحت من قسماتنا وملامحنا، من خصائصنا وخصوصيتنا غير أن ذلك لا يسوغ شعورنا بالإحباط وحتى لا تستثمر الاختلافات فيما بيننا لمصلحة مشروع المتوسطية الجديدة يجب أن نحدد وظيفة الحوار وآفاقه من واقع حياتنا ومن واقع الاعتراف بتطويع الاختلاف وترويضه لمصلحة أهدافنا العليا في الحياة، ولمصلحة عروبتنا، وأقول عروبة عند هذا المنعطف الحرج من مصيرنا لأن العروبة هي العنصر الأثقل في إسلامية حوارنا ووحدتنا.
فهل ينجح الاستنفار الإسلامي الآن لدعمها في تحرير القدس الشريف؟ نكون قد تجاوزنا فعلاً وحدة الحبر على الورق، ووحدة الجامعة العربية، ووحدة منظمة التعاون الإسلامي، إلى أرضية اختبار هذه الوحدة وتحدياتها في الموقف التاريخي من مستقبل القدس الشريف على جبل أبو غنيم. هذا لو أردنا أن تعيش مهمومة بهموم جيلها وتاريخها.

وبهذا الوعي سيصبح الحوار الإسلامي ـ الإسلامي قاعدة صلبة للحوار المسيحي ـ الإسلامي وامتدادها إلى الحوار الإنساني ـ الإنساني. وبهذا الوعي نكون قد ساهمنا فعلاً من جهة أخرى بإعادة تفسير وتركيب المفهوم النبوي لحديث الفرقة الناجية بتفسير كينونتها ومضمونها بشهود الأمة وشهدائها وثقاتها الأحرار بعيداً عن التفسير المذهبي الطائفي النرجسي الضيق المحدود.

إن القرآن الكريم والمتمعن فيه ليجد أنه أوجد منهجاً فكرياً في التعامل مع الرأي والحوار الهادف، ليتوجب علينا دراسته واستقاء الأبحاث منه والتمعن في حيثياته وأصوله وذلك تجلى في العديد من المواقف القرآنية والقصص التي سردها الوحي الشريف لتحمل العبر وأصول التعامل مع المواقف التي يسودها الاختلاف وتحتاج الى الوقوف عند تفاصيلها المجمعة والتحليل العميق لذلك يوجد أن الرأي السديد والحوار الجاد هو قوة لا عنفية مضادة استخدمت لقلب موازين القوى الظالمة وتفعيل الشراكة المدنية والإدارة البشرية الجامعة وقد حدد ذلك المنهج الرباني خمسة مقومات علمية منهجية تضبط الرأي والحوار في المجتمع وهي:

1ـ التعاضد والتناصر بين أمة المسلمين فيما يخدم الاسلام ورفعته وقضاياه.

2ـ تأكيد الحق على الباطل مهما بلغت قوى الباطل وتأثيره وانجراف المجتمع من خلفه,.,

3ـ منع الانجراف الأعمى والتبعية نحو من هم دون وجه الحق وعلى غير نهج الحق,.,

4ـ عقلانية الرأي وموضوعية الحوار، وعدم النظر للمصلحة الذاتية وتغليبها.

5ـ بعد النظر في قضايا الأمة وعدم تسخير الرأي وتوجيه الحوار لخدمات جزيئيات آنية في أمر المجتمع وقضاياه…

إننا في الحقيقة لابد أن ننطلق من التكريم الرباني الشريف الذي حملته الآية الكريمة الدالة ”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا”.

فالوسطية هي وسطية العقل والقياس والفعل والسلوك والرأي الذي يصدر من توازن بين ما نريد وما يحكمنا من قيم إسلامية واجتماعية وما يرنو اليه المجتمع من تجاوز لمشكلاته ورسم لمسار أهدافه، فعلينا أن ننهج من الوسطية منهجاً قويماً نرسخه أولا في ذواتنا الإسلامية والاجتماعية ومن ثم نبذره في سياق الأهداف والتوجهات التربوية لنسقطه لاحقاً على النسق السياسي والاقتصادي وما يلحقهما من أنساق تشكل السقف الاجتماعي.

ولا يخفى على إخواننا وأبنائنا في المؤسسات والحركات الإسلامية أن الإسلام لا يمنع المسلم من إثبات وجوده ما دام هذا الإثبات مستنداً إلى الاعتراف بحق الآخر في الوجود وحقه في الاختلاف. بيد أن أزمة المقبول والمرفوض من الخلاف ستظل عالقة في أزمة التنابذ بالنصوص الشرعية في حوارات عقيمة تنطلق من احتكار الحقيقة المطلقة وتحتمي بشرعية التخطئة والتصويب بغطاءات دينية. ولكن في غياب الاختلاف الذي لا يصنع الخلاف، ترتكب المؤتمرات الإسلامية والحوارات الإسلامية ورطة الخلط بين مفهوم الاختلاف كمصدر للثراء الفكري ومفهوم الخلاف كمصدر للتباغض والقطيعة المعرفية، وتدمير الذات والهوية.

وحتى الآن لا يزال هناك من يرى في العالم الإسلامي أن ”لا خير يرجى” لتبقى ”الأمة الإسلامية مستعصية على الإجماع”، وأن لا تقارب دينياً بين المذاهب ولا أفق مرجواً لأي حوار مرتقب ما لم يسبقه تقارب سياسي.

لهذا أصبح التكامل والتنسيق بين العلماء ضرورة ملحة، لا ريب أنه يقوي رسالة الإسلام ويسمح بتوحيد الفتوى في فروع كثيرة ما يوحد الأمة ويحصنها من سيل الفتاوى المضللة والمشبوهة والمفتنة التي أساءت للإسلام وشوهت صورته، وأعطت صورة مغايرة، سواء لأعداء الإسلام أو الراغبين في معرفة حقيقة الإسلام. كما أن توعية المسلمين بالقوانين والأحكام الشرعية المستجدة على ضوء القضايا المستجدة، أمر مطلوب حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، وهناك وسائل وطرق كثيرة لنشر هذه التوعية.

ألم نرتكب في الماضي خطأ فادحاً بتقسيم وجودنا السياسي إلى تقدمي ورجعي، ثم اتضح لنا بعد سلسلة فجائعية من الهزائم أن هذا التقسيم لا معنى له على الإطلاق. ثم ارتكبنا خطأ مماثلاً بتصنيف وجودنا الفكري والثقافي إلى ديني وعلماني. وفي ظل الحوار الإسلامي يرتكب أفكاره الملتبسة بتجاوزه لوظيفته التي لا يمكن فصلها عن عالمية الإسلام فضلاً عن مشكلات الحضارة وقضايا الإنسان…

 

لماذا يُكرّم المبدع العربي… بعد وفاته…؟                                                                     بقلم: مصطفى قطبي

 

من أرشيف رؤية

ظاهرة تكريم المبدعين ظاهرة ثقافية وسلوك حضاري في حياة أي مجتمع كونه يحفز ويحافظ على التوازن الفكري والنفسي للنخب المثقفة من شعراء وأدباء وفنانين تشكيليين، غير أنه وبحسب ما تمليه ذهنيات تأبى التغيير ولا تريد تخطي أشياء ما عادت نافعة ولا لائقة سواء لشريحة المبدعين أو للحراك الثقافي ككل، وهي متفشية في الوطن العربي، لا يعترف بالمثقف والمبدع إلا إذا تمدد في قبره وتأكد أنه لن ينهض أبداً… عندها يفزع الكل ويجري أولو الأمر من مسؤولين وقائمين على الشأن الثقافي لإقامة احتفاليات التكريم وتنظيم الملتقيات والندوات على شرف رحيل المبدع، فكأنما يعربون عن فرحتهم بمغادرته الحياة وتخلصهم منه…

 

وإن كنا لا نعارض تكريم المثقفين الراحلين لما يحمله من عرفان لأعمالهم وما أضافوه للحقل الثقافي والمعرفي، فإننا نتساءل مع جل المثقفين والمبدعين: متى نقلع ونكف عن هكذا حرمان وتنكر وتجاهل للمثقف فقط لأنه موصوم بالحياة ويعاني من شبهة الحاضر ونجري لتبجيله والاحتفاء به فقط لأننا تأكدنا أنه ما عاد هنا… مات وغاب عن الوجود؟

 

اِن ظاهرة تكريم المبدعين وذكر خصالهم الحميدة بعد موتهم لم تكن حكراً على الثقافة العربية، إنما هي عقلية عربية، فالموت عند الإنسان في الثقافة العربية يرتبط بالكمال، وعليه أعتقد أن هذه الامتدادات التراثية أثرت على السلوك الثقافي وهو أننا لا نحتفي بالتجارب إلا إذا مات صاحبها، وهذا الأمر يجب تجاوزه من خلال إعادة علاقتنا بالحياة إلى مجراها الطبيعي وأن نكون أبناء الحياة وإذا جاء الموت كنا أبناء الآخرة، أما أن نكون أبناء الموت قبل أن يأتي ونكون سفراؤه بالحياة وهو لم يكلفنا بذلك أمر غريب وبشع، بالمقابل لا يمكن أن نقول عن التكريم سوى أنه تقليد طيب مهما كانت نوايا القائمين عليه لأنه يدخل في ثقافة الاعتراف وعليه لابد من تكريسه في مشهدنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والإعلامي، علينا أن تكون لنا الجرأة وأن نعترف بالتجارب الجيدة والجادة مهما كانت حتى وإن لم توافق مزاجنا الفكري، وعلينا أن نعترف بالجيد حتى نخلق نوعاً من التراكم والإمداد والتواصل.

 

ولا يختلف كثيراً عما يحصل حالياً مع بعض المبدعين وأصحاب الفكر، والذين يعمون أعينهم تحت وطأة ضوء خافت لتأليف كتاب تاريخي وثائقي مهم أو للكتابة عن أديب يستحق الوقوف عنده، وتفنى عظامهم على بسط يتيمة ترسم نقوشها على أجسادهم ثم يموتون عليها ويدفنون تحتها دون أن يدري أحد بهم أو يعيرهم أدنى اهتمام.

 

وفي ظاهرة غريبة نسمع أن فنانين ومبدعين عرب كرموا في الخارج بدول عربية وأوربية بينما يقومون بدور مزمار الحي الذي لا يطرب ببلدهم… و إذا أتينا لمعاناة الأدباء والكتاب نرى المشكلة أكثر تعقيداً وأشد إيلاماً، فربما تكون مقولة أن القارئ هو من يمنح الكاتب انتشاره صحيحة، حينما يتم الترويج لهذا الكاتب بالشكل الذي يستحقه.

 

أمّا حجة أن شعبنا العربي لا يقرأ في زمن تغلبت فيه الصورة على الكتابة ليست دقيقة، بل إن صحوة ثقافية تسود مجتمعنا بعد ابتذال الصورة وعدم تعبيرها. كما لن نقول إن الأدب الأصيل اللافت للانتباه ذهب مع الريح، بل يجب أن نسأل كيف لأديب يفترش البساط ويلتحف السماء أو السقف القرميدي أن يحقق انتشاراً لرواياته ويوزعها بآلاف النسخ وبتكلفة باهظة حتى يُعرف، وهنا تبرز مسؤولية الحكومات العربية وغيرها في البحث عن المبدعين، وتكريمهم بتحويل كتاباتهم إلى أعمال سينمائية ودرامية تلفزيونية.

 

اِن التراجع والانحسار الذي حدث على المستوى الثقافي العربي، جعل المثقف في حالة يرثى لها، نحن مصابون بالانكسار، كل ما في واقعنا يسيطر عليه أشباه المثقفين الذين يتيوؤون مناصب في مجالات مختلفة في هذه الحياة لا سيما في مجال الإبداع الثقافي، المثقف عندما يصاب بالترف الفكري أي يصبح لديه كماً معرفياً وحشداً للمعلومات في مخيلته وهذا الترف يستخدمه للممارسة اليومية للتعبير عن هموم شعبه وعن محيطه، وإن لم يستطع أن يعبر عن ذلك فهو يمتلك آلة تعطيل الحركة والتفاعل والحيوية والتواصل ويمتلك من القدرات، آلة التآمر لجعل المثقفين الحقيقيين في موقع هامشي، لأنه يخشاهم وهو يعرف أنهم الأحق بمنصبه وأنهم الحق في أن يتبوؤوا المكانة التي يستحقونها في وجدان الأمة…

 

حين نقول إننا متخلفون فهذا ليس وصفاً شعرياً، إنما نمط علاقة الناس فيما بينهم لأننا لسنا منفتحين على العالم وعلى ذواتنا، وحين نتكلم عن الأمراض والأوبئة التي تعشش بدواخلنا فإني لا أحمّل الناس مسؤولية ذلك إنما أحمّل الأزمة الشاملة التي تمر منها الأمة العربية، ولهذا أقول إن التكريم الذي يأتي بعد الموت يعتبر انتقاصاً من قيمة المبدع، ولا يقدم هذا التكريم أي إضافة للمكرم الراحل، لأنه في حكم الغائب ولا يرى ولا يحس بطعم ولذة تكريمه لا من بعيد ولا من قريب.

 

فالمبدع إجمالاً يعيش حالة انهزام مستمرة وحنين دائم إلى وطنه وإلى حالة مجتمعه، فهو يحتاج إلى مساعدة ومساندة الآخرين له، وحالة المبدع في الوطن العربي تنذر بالخطر إذ هناك من لا يتوفر على على قوت يومه ويستدين أموالاً حتى يتمكن من الاستمرار في هذه الحياة، وهناك الكثير من الحالات التي تعاني من ضيق العيش وتحيى حياة الضنك والفقر، رغم أن المبدع يفرط في صحته ويستهلك طاقته ويتآكل داخلياً، كل ذلك في سبيل إنتاج مادة فكرية تستعمل كمرجع يستمد منه حلولاً لتساؤلات تطرحها التنمية البشرية والاقتصادية…

 

لذلك نرى أنه من الضروري من القائمين على الهيآت الثقافية والفنية في الوطن العربي أن يهتدوا إلى تكريم المبدعين قبل أن تغلق جفونهم ويغادرون عالم الأحياء ويلتحقون بعالم الأموات لأنه حينها لا يجديه التكريم نفعاً ولا ضراً، فالتكريم بالنسبة للمبدع وهو حي يزيد من قيمته ويضاعف أعماله وطاقته مما يمكنه من مواصلة إنتاجه وعطائه.


وأخيراً وليس آخر، صدق أوغست كونت حينما قال: ( الرجال العظام ينالون الخلود الذاتي بعد موتهم عن طريق تكريم الأجيال المتلاحقة لهم) في محاولة منه لتبيان أننا لا يجب أن نحيل واجب التكريم والجزاء إلى اللاهوت، بل يجب أن نبدأه نحن.

 

وأقول: (ما أجمل أن ينال العظام الخلود الذاتي قبل موتهم أيضاً، وحينها لا بأس من الأسف عليهم بعد وفاتهم لا بسبب تقصيرنا نحوهم بل لفقدانهم فحسب).

 

Exit mobile version