ترامب يواجه انتقادات حادة من الحزب الجمهوري بسبب اجتماعه مع “قومي أبيض معادٍ للسامية”

ترجمة: رؤية نيوز

يواجه الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، انتقادات حادة من الجمهوريين، بما في ذلك بعض الذين خدموا في إدارته، على العشاء مع قومي أبيض بارز.

ويسلط هذا الحادث الضوء على أنواع الصراع التي يسعى الكثير من أعذاء الحزب الجمهوري تجنبها، خاصة وهم يسعون للانتقال من ترامب في السباق الرئاسي 2024، حتى وهم قلقون من أنه قد يفوز في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين.

وأعرب نائب الرئيس الأمريكي السابق، مايك بنس، عن أسفه من هذا التصرف، مُعلقًا في مقابلة لصحفية “نيوز نيشن” أن ترامب “كان مخطئا في منح قومي أبيض، معاد للسامية ومنكر الهولوكوست، مقعدا على الطاولة، وأعتقد أنه يجب أن يعتذر عن ذلك، كما يجب عليه أن يدين هؤلاء الأفراد وخطابهم البغيض دون شروط”.

وأوضح بنس أن ترامب “أظهر سوء تقدير في منح هؤلاء الأفراد مقعدا على الطاولة”، لكنه قال إنه لا يعتقد أن ترامب “عنصري أو متعصب”.

وواجه ترامب رد فعل سريعا من أعضاء حزبه الجمهوري، بعد استضافته “فوينتيس وويست” في منزله في مار إيه لاغو، الثلاثاء الماضي، وجاء الاجتماع بعد أسبوع من إعلان الرئيس السابق، أنه سيسعى للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لخوض سباق الرئاسة عام 2024.

وتحدث بنس، الذي يُنظر إليه على أنه مرشح جمهوري محتمل لانتخابات 2024، بشكل إيجابي إلى حد كبير عن سياسات ترامب والفترة التي قضاها في إدارته، لكنه قطع علاقته بالرئيس السابق، فيما يتعلق بتعامله مع هجوم 6 يناير 2021 على مبنى الكابيتول.

ولم يكن رد فعل بنس هو الوحيد من جهة أعضاء الحزب الجمهوري، فعلى سبيل المثال غرّد السيناتور الجمهوري من لوس أنجلوس، بيل كاسيدي، وهو أحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين صوتوا لإدانة ترامب في محاكمة السادس من يناير 2021، تعليقًا على الاستضافة قائلا “إن ترامب بهذه الاستضافة يُشجع الآخرين على التصرفات العنصرية ومعاداة السامية”، مؤكدًا أن هذه المواقف غير أخلاقية ولا ينبغي التساؤل عنها، قائلا “هذا ليس الحزب الجمهوري”، بحسب ما ذكرت صحيفة The Hill.

كما انتقد العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين صوتوا ضد إدانة ترامب، بما في ذلك الأقلية في مجلس الشيوخ السوط جون ثون (SD) والسيناتور ريك سكوت (فلوريدا)، الذي قاد ذراع الحملة الانتخابية للحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ وينظر إليه على أنه حليف لترامب.

وكان سفير ترامب السابق لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، قد انتقد في وقت سابق ترامب خلال الاجتماع، قائلا إن “حتى زيارة اجتماعية” من أولئك الذين يتبنون معاداة السامية أمر غير مقبول.

وكان الرئيس السابق دونالد ترامب قد استضاف في قصره بمار ايه لاغو في فلوريدا،  مغني الراب، الذي أدين على نطاق واسع وخسر صفقات تجارية في الأشهر الأخيرة بسبب خطابه المعاد للسامية، فوينتيس، وهو منكر صريح للهولوكوست استضاف في السنوات الأخيرة مؤتمرا للقوميين البيض.

ويعكس هذا الاجتماع مدى سهولة وصول شخصيات هامشية إلى ترامب منذ مغادرته البيت الأبيض، حيث أعرب مساعدون سابقون عن مخاوفهم بشأن من كان في أذن ترامب في الأسابيع الأخيرة من رئاسته، لكن من دون البنية التحتية للبيت الأبيض، فمن المرجح أن يمنح ترامب جمهورًا للمتطرفين مثل فوينتيس.

 

 

 

 

 

في أول تعليق رسمي لها.. الحكومة الصينية تدعو إلى قمع “القوات المُعادية”

دعا أكبر جهاز أمني في الصين، الثلاثاء، إلى قمع “القوات المعادية” بعد احتجاجات انتشرت في البلاد مؤخراً، على خلفية القواعد الصارمة التي تتبعها الحكومة الصينية لمكافحة كوفيد-19.

وإذ بدأت التظاهرات رافعة مطالب رفع الإغلاق والتساهل في الأزمة الصحية، توسّعت مطالب المحتجين لتشمل في بعض الأحيان المطالبة باستقالة مسؤولين، أبرزهم رجل الصين القوي شي جين بينغ.

وفي أوّل ردّ رسمي من بكين على ما يحدث، أكّدت لجنة الشؤون السياسية والقضائية التابعة للحزب الشيوعي الصيني -وهي اللجنة المسؤولة عن قوى الأمن في البلاد- إنه “من الضروري قمع نشاطات التخريب والإخلال بالأمن التي تقوم بها القوى المعادية، بحسب القوانين المعمول بها”، بحسب ما ذكرت رويترز.

وتحاول السلطات الصينية كبح الاحتجاجات الغاضبة التي حازت على تأييد دولي وخاصة من الأمم المتحدة.

ويشكل هذا الحراك نظراً إلى اتساعه الجغرافي، أهم تعبئة منذ التظاهرات المنادية بالديمقراطية في العام 1989.

ويمثل انفجار الاستياء الشعبي الذي استمر بالتعاظم في الأشهر الأخيرة في الصين وهي من الدول القليلة في العالم التي تستمر بتطبيق سياسة “صفر كوفيد” الصارمة جدا مع عمليات إغلاق وحجر متكررة وفحوصات “بي سي آر” شبه يومية.

وفي الخارج، تلقت هذه التظاهرات مؤشرات داعمة خصوصاً من جانب الرئيس الأمريكي جو بايدن. وفي دردشة مع صحافيين قال بايدن إن “البيت الأبيض يدعم حق التظاهر السلمي” مشيراً إلى أنه “يتابع عن كثب” ما يحصل في الصين.

وكان الناطق باسم المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، جيريمي لورانس، قد دعا الإثنين “السلطات إلى الرد على الاحتجاجات وفقاً لقوانين ومعايير حقوق الإنسان الدولية”.

اتفاق الحدود البحرية: لبنان وإسرائيل معلّقان بين اللاحرب واللاسلم

مهي يحي:
مركز مالكوم كارينغي
هذا الاتفاق التاريخي بعيدٌ كل البعد عن كونه اتفاق سلام، لكن باتت لدى الطرفَين الآن مصالح اقتصادية راسخة في الحفاظ على الهدوء على طول حدودهما البحرية المشتركة.

النهج السعودي المزدوج حيال السلفيين ..

أفضت سياسات تحديث المملكة العربية السعودية التي يشرف عليها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى عدد من التحولات في هيكلية مؤسسات الدولة والمجتمع السعودي. وكان المجال الديني أحد أبرز المجالات التي شهدت تغييرًا ملموسًا. من المعروف أن النظام السياسي الديني في المملكة، في أحد ركائز نشأته، قائم على تحالف بين عائلة آل سعود الحاكمة والسلفية الوهابية، لكن يبدو أن الأمير محمد ينحو بعيدًا عن هذا النهج، إذ يسعى إلى حشد الدعم في صفوف الشباب من خلال تخفيف القيود الدينية والاجتماعية التي هيمنت على نسق الفضاء العام في المملكة لفترة طويلة.

تثير هذه التحولات سؤالًا مهمًا حول مستقبل الروابط التي تجمع السعودية بالسلفية، وهي فرع من فروع الجماعات السنية، تتبنّى فكرة أن الإسلام هو ما ورد في القرآن والسنة من أقوال النبي محمد وأفعاله التي رسّختها الأجيال الثلاثة الأولى من أتباعه. وقد ساعدتها السعودية في نشر أفكارها على مدى العقود الماضية. وشكّل تقديم الدعم للسلفية إحدى أدوات القوة الناعمة التي استخدمتها المملكة لتوسيع نفوذها في المجتمعات المسلمة، كما حدث في اليمن. ففي العام 1982، أسّس العلّامة السلفي الذي كان يقيم في السعودية مقبل الوادعي دار الحديث في محافظة صعدة الحدودية مع السعودية، واعتُبر ذلك بمثابة نقطة انطلاقٍ للحركة السلفية في البلاد. دعمت السعودية الوادعي لتشكّل ثقلًا موازنًا في وجه المذهب الشيعي الزيدي في صعدة، الذي أبدى أعضاء بارزون فيه دعمهم للثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979.

لقد استفادت السعودية من التوسع السلفي في اليمن. فقد صوّر الخطاب السلفي المملكة على أنها الحامي الأول للإسلام، واستندت التعاليم السلفية بالدرجة الأولى إلى أفكار علماء سلفيين سعوديين، على غرار عبد العزيز بن باز ومحمد بن العثيمين ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ وغيرهم. وفي مرحلة لاحقة، بات الانقسام الديني في اليمن مدفوعًا بأفكار عابرة للحدود الوطنية، إذ أثّر السعوديون على السلفيين بينما أثّر الإيرانيون على الزيديين، ما أسهم لاحقًا في إشعال فتيل الحرب الأهلية اليمنية التي ما زالت تتوالى فصولًا حتى اليوم.

وعلى الرغم من تراجع مكانة السلفية على ما يبدو داخل السعودية، عكفت المملكة على تعزيز تحالفها مع السلفيين في اليمن، لا بل وسّعت تعاونها معهم في بعض المناطق على وقع احتدام وتيرة الصراع. ونظرًا إلى الاختلافات الإيديولوجية بين الجماعات السلفية والحوثيين المدعومين من إيران، أصبحت هذه الجماعات تشكّل قوة كبيرة مدعومة من التحالف العربي الذي تقوده السعودية. فقد تمكنت ألوية عسكرية عدة يغلب عليها العنصر السلفي من تغيير ميزان القوى على جبهات عسكرية أساسية، مثل ألوية العمالقة السلفية، المدعومة من السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي كانت رأس الحربة في عمليات السيطرة على المناطق الواقعة على الشريط الساحلي في غرب البلاد في العامَين 2017 و2018. ثم حققت مكاسب كبيرة منذ فترة ليست ببعيدة في معركة شبوة وسط اليمن.

لقد ترافقت العلاقة المتغيّرة بين الدولة السعودية والسلفيين في المملكة مع التحولات التي شهدتها البيئة السلفية في اليمن، إذ ينقسم السلفيون اليمنيون تاريخيًا إلى ثلاث فئات: أولًا، السلفيون الجهاديون؛ وثانيًا، السلفيون السياسيون الذين لديهم جذور سلفية لكنهم يسيرون على نهج الإسلام الحركي من خلال الانخراط في السياسة، مثل حزب اتحاد الرشاد وحزب السلم والتنمية؛ وثالثًا، السلفيون التقليديون الذين ينضوي تحت رايتهم معظم السلفيين اليمنيين. وفي حين تكافح الفئة الأولى وتتجاهل الثانية، تجد السعودية في السلفيين التقليديين ضالتها. تاريخيًا، امتنعت التيارات السلفية التقليدية عن الانخراط في السياسة ودَعت إلى طاعة ولي الأمر، لكن هذا المبدأ تزعزع بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء في العام 2014، حين وجد السلفيون أن الحوثيين الزيديين الذين عارضوهم قد أصبحوا ولاة الأمر الجدد باعتبارهم القوة العسكرية المهيمنة في عدد كبير من مناطق اليمن.

دفع هذا التبدّل في المشهد السياسي عددّا كبيرًا من أتباع السلفية التقليدية إلى الانخراط في مقاومة الحوثيين إلى جوار التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، ووجدوا أنفسهم في قلب الجبهات يتولّون قيادة الكثير من المجموعات المسلحة. كانت تحولات الأحداث في اليمن غير متصلة بالتغييرات التي أجراها محمد بن سلمان داخل المملكة، الأمر الذي أفرز مسار علاقة مختلفًا بين سلفيي اليمن والسعودية، حلت فيه الأخيرة في موضع ولي الأمر للسلفيين بينما تحول السلفيون إلى قوتها الصلبة في القتال. وبات السلفي المحارب المنخرط في المعارك هو نموذج السفلي المفضل للسعودية الجديدة.

لدى السعودية ثلاثة دوافع أساسية لتوطيد علاقتها مع الجماعات السلفية اليمنية. يتمثّل الدافع الأول في العداوة اللدودة بين السلفيين من جهة، والحوثيين الذين تحاربهم السعودية من جهة أخرى. ولا يقتصر الخلاف بين السلفيين والحوثيين على العقيدة وحسب، بل ينطوي أيضًا على بُعد عسكري. ففي العام 2014، استولى الحوثيون على مركز دمّاج في محافظة صعدة، وأرغموا السلفيين على مغادرة المنطقة. وتأجّج من جديد شعور السلفيين بالمظلومية حين توغّل الحوثيون في مناطق أخرى يتواجد فيها سلفيون. وحين أطلق التحالف بقيادة السعودية عملياته العسكرية في آذار/مارس من العام 2015، ظهر السلفيون على أنهم شركاء يُعتدّ بهم في العمليات البرية التي نفّذها التحالف.

الدافع الثاني هو أن السلفيين لا يمتلكون أجندة سياسية محددة يمكن أن تشكل عبئًا على السعودية أو الإمارات، إذ يرتكز هدفهم الأساسي على محاربة الحوثيين من منطلق ديني، ولا سيما بعد استيلاء الحوثيين على مركز دمّاج وطرد السلفيين من صعدة. وقد منح هذا الواقع السلفيين مكانة مميزة بين المجموعات اليمنية الأخرى التي تناصر أو تقاتل إلى جانب التحالف، ومن ضمنها حزب الإصلاح وبعض الانفصاليين الجنوبيين أو الأحزاب اليسارية الذين لديهم أجندات سياسية تتعارض في بعض الأحيان مع أهداف التحالف بقيادة السعودية.

أما الدافع الثالث فيتمثّل في الحفاظ على النفوذ الديني السعودي في اليمن، الذي ساعد الجماعات السلفية على إدامته خلال العقود الأربعة الماضية، والحيلولة دون دخول السلفيين في أي تسويات غير مرغوب بها مع الحوثيين. ويرى السعوديون أن الاتفاقات التي أبرمها بعض القادة السلفيين مع الحوثيين في مناطق شمال اليمن في العام 2014 مثيرة للقلق، إذ أدت إلى انصهار السلفيين في هذه المناطق وهيمنة الحوثيين على مراكزهم. هدفت تلك الاتفاقات إلى وضع حدّ للخطاب العدائي، والتواصل المباشر بين الطرفَين لمعالجة أي مسألة قد تطرأ، على الرغم من أن هذه الاتفاقات تشوبها الهشاشة لعدم التزام الحوثيين بها بشكل مستمر. يُشار إلى أن المملكة تقدّم الدعم العسكري والمالي للسلفيين، وتواصل في الوقت نفسه تمويل مراكزهم الدينية. ومع أن الصراع اليمني ألحق الضرر بالمؤسسات التعليمية في البلاد، لا تزال المدارس السلفية تواصل عملها، حتى إنها تتوسع في مناطق عدة من البلاد، من بينها عدن والضالع والمهرة.

من زاوية أخرى، يرى السلفيون أن وجود داعمين إقليميين لهم، كالسعودية والإمارات، أمر مهم، ليس فقط بسبب الدعم المالي، بل أيضًا لأن السلفيين يحاولون اكتساب نوعٍ من الشرعية في قتالهم ضدّ الحوثيين، ولا سيما بعد ظهور مخاوف من احتمال نشوء علاقة تجمع بين بعض السلفيين التقليديين ومجموعات مرتبطة بتنظيم القاعدة. لقد ساهم القتال في صفّ التحالف الذي تقوده السعودية في تخفيف حدة هذه المخاوف، لأسباب عدّة أبرزها انضمام السلفيين إلى الحكومة اليمنية. فمجلس القيادة الرئاسي المؤلف من ثمانية أعضاء، وهو الهيئة التنفيذية للحكومة المعترف بها دوليًا، يضمّ الزعيم السلفي، قائد ألوية العمالقة أبو زرعة المحرمي.

نظرًا إلى المشهد السياسي والعسكري السائد في اليمن، ستبقى العلاقة بين السعودية والسلفيين وطيدة هناك، على الرغم من التغيرات التي يشهدها المجال الديني داخل المملكة. وفيما تواصل السعودية معركتها في اليمن، سيبقى السلفيون شركاءها المفضّلين وجزءًا أساسيًا من شبكة نفوذها في البلاد. لقد طرأ تبدّل على دور الجماعات السلفية المدعومة من السعودية في اليمن على مدى السنوات الماضية. فبعد أن كانت السلفية لغاية العقد الماضي قوة ناعمة تنتشر من خلال التعليم الديني، أصبحت اليوم جزءًا من القوة الصلبة للسعودية، إذ بات طلابها مقاتلين في ساحات الحرب. ولا يقتصر هذا الواقع على اليمن وحسب، بل ينطبق أيضًا على مناطق أخرى مثل ليبيا، حيث شهدت الجماعات السلفية المدخلية المدعومة من السعودية تحولًا مماثلًا. وتكشف حالة الجماعات السلفية عن المسار المعقّد لعملية تبادل الأفكار الدينية عبر الحدود، ومدى قدرة القوى الخارجية على بناء نفوذٍ لها داخل مجتمعات الدول الأخرى.

نشر هذا المقال أساساً في بيرفيريل فيجون (Peripheral Vision).

أحمد ناجي باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركز أبحاثه على الشؤون اليمنية.

مقتدى الصدر والصراع على السلطة الدينية ..

مع أن الأحداث الأخيرة التي شهدها العراق ركّزت عمومًا على البعد السياسي للتيار الصدري، يبدو أن قدرة زعيمه على الدفاع عن نفسه على المستوى الديني تفسّر جوانب أساسية من سلطته.

إيلون ماسك يواصل “استفزاز” منتقديه.. استعرض على تويتر أسلحة يضعها إلى جانب سريره

يواصل الملياردير الأمريكي، إيلون ماسك، المالك الجديد لشركة تويتر، استفزاز منتقديه، وقالت صحيفة The Times البريطانية إن ماسك أثار الجدل حول ما إذا كان يتعمد استفزاز الليبراليين على منصة تويتر، بعدما نشر صورة لطاولة سريره تحتوي على مسدسين.

الصحيفة البريطانية أوضحت في تقرير لها، الثلاثاء 29 نوفمبر 2022، أنه بالفحص الدقيق، بدا أنَّ أحد المسدسين كان نموذجاً مقلَّداً دون مشغل من لعبة فيديو، والآخر نسخة طبق الأصل من مسدس فلينتلوك الكلاسيكي لجورج واشنطن.

إيلون ماسك كتب في التغريدة: “تحياتي، أنا مسكيت.. إيلون مسكيت”. والمسكيت هو سلاح ناري يستخدمه جنود المشاة.

بينما ينشر أغنى رجل في العالم تغريدات استفزازية منذ اشترى المنصة مقابل 44 مليار دولار، في أكتوبر.

حيث أكد، الأسبوع الماضي، أنه سيدعم ترشيح رون ديسانتيس، الحاكم الجمهوري لفلوريدا، لمنصب رئيس الولايات المتحدة، قائلاً إنه يريد “شخصاً عاقلاً ووسطياً”.

فيما تعهد الرئيس بايدن بالضغط من أجل المزيد من القيود على ملكية الأسلحة في الوقت الذي يتمتع فيه الديمقراطيون بالسيطرة الكاملة على الكونغرس، وقال: “فكرة أننا ما زلنا نسمح بشراء أسلحة نصف آلية هي فكرة مرضية”.

بينما استُكمِل تزيين طاولة السرير الجانبية لماسك بما بدت تميمة بوذية تبتية تُستخدَم للتأمل، وعُلب من المياه الغازية الخالية من السكر والكافيين، ومجموعة من الكتب في صندوق، منها دستور الولايات المتحدة.

قبل ذلك قال إيلون ماسك، إن عدد من سجلوا أنفسهم كمستخدمين جدد على منصة التواصل الاجتماعي بلغ “أعلى مستوى على الإطلاق”، في الوقت الذي يواجه فيه هجرة جماعية للمعلنين والمستخدمين ممن يفرون إلى منصات أخرى، بسبب مخاوف تتعلق بالتحقق من عدم زيف الحسابات وخطاب الكراهية.

في تغريدة له، مساء السبت 26 نوفمبر، أوضح ماسك أن متوسط عدد المشتركين بلغ أكثر من مليونين يومياً، خلال الأيام السبعة المنتهية يوم 16 نوفمبر، بزيادة 66% مقارنة بالأسبوع نفسه في عام 2021.

إيلون ماسك أضاف أن عدد الدقائق التي أمضاها المستخدمون نشطين على المنصة كانت أيضاً عند مستوى قياسي، إذ بلغت في المتوسط ما يقرب من 8 مليارات دقيقة يومياً على مدى الأيام السبعة المنتهية في 15 نوفمبر/تشرين الثاني، بزيادة 30% مقارنة بالأسبوع نفسه من العام الماضي.

كما قال ماسك، الذي يدير أيضاً شركة “سبيس إكس” (SpaceX) للصواريخ، وشركة “نيورالينك” (Neuralink) الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وشركة “بورينغ كومباني” (Boring Company)، إن شراء تويتر سيسرع من طموحه في إنشاء تطبيق “إكس” (X)، أو كما يسميه “تطبيق كل شيء”.

جامعة “إنديانا” ترفع العلم السوري على مدخلها تكريمًا لتفوق مُحاميٍّ فيها

رفعت جامعة “إنديانا” الأمريكية للقانون العلم السوري على المدخل الرئيسي لها، تكريماً لتفوق المحامي السوري “شادي السقا” في دراسة الماجستير.

ويُعد رفع العلم السوري على مدخل الجامعة هو الأول بعد إغلاق السفارة السورية في “واشنطن”.

وتعتبر جامعة “إنديانا” من أهم وأكبر الجامعات في ولاية “إنديانا” الأمريكية، حيث يوجد لها 9 أفرع، ومقرها الرئيسي في “بلومنغتون”.

يُذكر أن المحامي “شادي السقا” هو من بلدة “الروضة” في مدنية “بانياس”.

الأمم المتحدة تُصوت الشهر المقبل على استبعاد إيران من هيئة المرأة

كشف دبلوماسيون إن المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة سيصوت في 14 من ديسمبر على مشروع قرار أمريكي باستبعاد إيران من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، المعنية بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، في الوقت الذي تضغط فيه واشنطن لمعاقبة طهران بسبب حرمانها للنساء من حقوقهن وقمعها الوحشي للاحتجاجات.

ووزعت الولايات المتحدة، الاثنين، مشروع قرار بشأن هذه الخطوة، يُندد أيضا بسياسات إيران باعتبارها “تتعارض بشكل صارخ مع حقوق المرأة والفتيات ومع تفويض الهيئة المعنية بوضع المرأة”، بحسب ما ذكرت رويترز.

وبدأت إيران للتو ولاية مدتها أربع سنوات في الهيئة المكونة من 45 عضوًا، والتي تجتمع سنويا في مارس من كل عام وتهدف إلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

ومن شأن مشروع القرار الذي صاغته الولايات المتحدة “استبعاد جمهورية إيران الإسلامية بأثر فوري من الهيئة المعنية بوضع المرأة لما تبقى من مدة عضويتها التي تمتد من 2022-2026”.

وسيصوت المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة المؤلف من 54 عضوا على ما إذا كان سيطرد إيران من الهيئة أم لا.

وقال دبلوماسي في الأمم المتحدة تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته “الولايات المتحدة ودول أخرى تجري اتصالات مكثفة لحشد الدعم لإخراج إيران من هيئة الأمم المتحدة للمرأة”، وأضاف “يبدو أنهم يحققون نجاحا- بما في ذلك مع بعض الدول التي كانت مترددة في البداية”.

وتشهد إيران احتجاجات منذ وفاة المرأة الكردية مهسا أميني البالغة من العمر 22 عاما في حجز الشرطة في سبتمبر.

وتحولت الاضطرابات إلى انتفاضة شعبية من قبل الإيرانيين من جميع طبقات المجتمع، مما شكل أحد أكثر التحديات جرأة للقيادة الدينية منذ ثورة 1979.

وألقت إيران باللوم في الاضطرابات على أعدائها الأجانب وعملائهم.

العلاقات الأمريكية السعودية.. توتر أم تحول استراتيجي؟!

المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

أدى قرار مجموعة أوبك بلس في الخامس من أكتوبر 2022، بخفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يوميًا اعتبارًا من شهر نوفمبر 2022، إلى تصعيد التوترات في العلاقات الأمريكية السعودية، حيث تعهدت الإدارة الأمريكية بالرد “بشكل منهجي” على ما تعتبره اصطفافًا سعوديًا إلى جانب موسكو، في حين خرجت دعوات من الحزبين في الكونجرس الأمريكي لوقف المساعدة الأمنية للسعودية، فيما تؤكد المملكة العربية السعودية أن قرار مجموعة أوبك بلس قد أخِذ وفقًا لاعتبارات المصلحة الاقتصادية الوطنية.

و يعد التوتر الأمريكي السعودي الأخير أحدث حلقة في محطات التوتر السعودي الأمريكي، والذي اتخذ شكلًا أكثر وضوحًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي يستوجب معه بحث مسار تطور العلاقات الأمريكية السعودية، وصولًا إلى اللحظة التي بدأت معها التوترات في الظهور بشكل علني، وكذا بحث مسار هذه العلاقات واحتمالات استمرار هذا التوتر.

العلاقات السعودية – الأمريكية بين الصعود والهبوط

يعود تاريخ التحالف الأمريكي السعودي إلى عام 1943، عندما زار الملكان فيصل بن عبد العزيز وخالد بن عبد العزيز بزيارة البيت الأبيض بدعوة من الرئيس فرانكلين روزفلت حيث اتفقوا على ضمان الولايات المتحدة أمن المملكة ضد أي مخاطر داخلية أو خارجية مقابل التزامها بتأمين النفط الرخيص للولايات المتحدة واستمرار التفضيل السعودي لوصول شركات النفط الأمريكية إلى المملكة (الصيغة النفط مقابل الأمن)، وقد تم إضفاء الطابع الرسمي على الصيغة عام 1945 عندما التقى الملك عبد العزيز آل سعود وروزفلت وجهًا لوجه على متن السفينة يو إس إس كوينسي في قناة السويس.

وتطورت العلاقات الثنائية إلى تحالف أمني أوسع في 17 يناير 1951 عندما وقعوا أول اتفاقية دفاعية رسمية عُرفت باسم “اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة”، وقد نصت هذه الاتفاقية على بيع أسلحة أمريكية للسعودية وتدريب أمريكي للجيش السعودي، وخلال الحرب الباردة، عملت المملكة كداعم رئيسي للحفاظ على التدفق الحر للنفط وإبقاء النفوذ السوفيتي خارج المنطقة.

لكن العلاقات الثنائية شهدت مرحلة من الهبوط عام 1973 نتيجة الحظر النفطي الذي فرضته المملكة على الولايات المتحدة برئاسة ريتشارد نيكسون لدعمه إسرائيل في حرب أكتوبر، ومع ذلك تمت معاودة التعاون السعودي الأمريكي في أعقاب عملية السلام، شهدت الثمانينيات والتسعينيات تعاونًا غير مسبوق بين البلدين لمحاربة السوفييت في أفغانستان وخلال حرب تحرير الكويت.

لكن بدأت الأمور تتدهور مجددًا عام 2000 عندما فشل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في تحقيق سلام سوري إسرائيلي في مؤتمر شيبردستاون للسلام وسلام فلسطيني – إسرائيلي في كامب ديفيد، ثم شعر ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله أن كلينتون فشل في الضغط على إسرائيل بقوة كافية لتقديم تنازلات إقليمية، واعتقد حينها أن الصفقة السورية الإسرائيلية كانت ممكنة بشكل كبير عام 2000 وكانت ستخرج دمشق من المحور الإيراني وتعزل حزب الله وتمهد الطريق أمام صفقة فلسطينية إسرائيلية مماثلة.

كما أصيب الأمير عبد الله بخيبة أمل شديدة عندما انحاز الرئيس جورج دبليو بوش إلى أرييل شارون أثناء الانتفاضة الثانية عام 2001، ورفض الأمير لقاء بوش أو زيارة واشنطن رغم مناشدة الأب والأبن بوش. ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 ليفاقم التوترات في العلاقات الثنائية بين البلدين بعدما تبين وجود 15 شخصًا يحمل الجنسية السعودية بين المنفذين الـ 19، لتأتي حرب العراق وانتهاء سياسة الاحتواء المزدوج لإيران والعراق متسببة في تراجع الثقة المتبادلة بين واشنطن والرياض.

وخلال حقبة الرئيس الأسبق باراك أوباما خيم التوتر على العلاقات السعودية الأمريكية، ورغم أن جذور حذر السعوديين من أوباما تعود إلى تعليقاته عندما كان سيناتور بمجلس الشيوخ عام 2002، عندما وصف خلال تصريحاته النظام الملكي في الرياض بالحليف المزعوم، إلا أن الاستجابة الأمريكية للمتغيرات الإقليمية والدولية عززت المخاوف وحالة فقدان الثقة السعودية في الإدارة الديمقراطية لاسيمَّا بسبب دعمها لمخرجات الربيع العربي التي أطاحت ببعض الأنظمة المستقرة ما نظرت إليه المملكة بريبة واعتبره رسالة بتخلي واشنطن عن تقديم الدعم السياسي لحلفائها الإقليميين، بل اعتبرت إدارة أوباما جماعة الإخوان المسلمين جماعة معتدلة يمكن دمجها في العملية السياسية ورفعت الحظر الرسمي عن الاتصال بين دبلوماسييها والجماعة، كما كان تعاطف الإدارة الأمريكية مع التحركات في البحرين عام 2011 عاملًا آخر لتوتر العلاقات، كذلك تراجع أوباما عن خطه الأحمر الذي حدده ضد الرئيس السوري بشار الأسد بعدما قرر عدم توجيه ضربة عسكرية له على خلفية الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية عام 2013 مكتفيًا بالتنسيق مع روسيا بشأن تفكيك الأسلحة الكيماوية السورية.

إضافة إلى استراتيجية أوباما للتركيز على آسيا التي اعتبرتها الرياض تخليًا أمريكيًا عن التزاماتها الأمنية تجاه الشرق الأوسط، فضلًا عن تركيز جهوده الإقليمية على التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، لم يتم تضمين الرياض في مفاوضاته الأولية التي عُقدت سرًا في سلطنة عُمان عام 2013، والذي مكن طهران من تحسين وضعها الدولي وبيئتها الاقتصادية المحلية، وإنهاء عقود من العزلة الإيرانية وتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي تدريجيًا من خلال الإجراءات المشتركة مع روسيا في الحربين الأهليتين السورية واليمنية، بشكل مثَّل تجاهلًا لمخاوف السعودية التي اعتبرت الصفقة النووية تهديدًا قويًا، بينما لم تحقق التوازن المنشود في شرق أوسط تتقاسمه إيران ودول مجلس التعاون الخليجي وتتشارك فيه بحسب رؤية أوباما.

ويضاف إلى عوامل التوتر إقرار الكونجرس قانون جاستا الذي يسمح لعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 بمقاضاة الحكومات الأخرى، بما في ذلك الحكومة السعودية، للحصول على تعويضات، ومعارضة الكونجرس لصفقات أسلحة بحجة الخشية من استخدامها في الحرب اليمنية.

ورغم ذلك ظل الملف اليمني عامل توافق بين الدولتين، فقد كان لدى المملكة وإدارة أوباما رؤية مشتركة لليمن، حيث دعما حكومة عبد ربه منصور هادي، وعقب الانقلاب الحوثي عام 2014، دعمت إدارة أوباما المملكة في عملية عاصفة الحزم التي انطلقت مارس 2015 لمواجهة الحوثيين، ليس فقط لمساعدة وحماية الرياض كحليف ولكن أيضًا لحماية مصالحها في المنطقة والتعامل مع تهديد تنظيم القاعدة في اليمن؛ إذ قدمت إدارة أوباما الدعم الاستخباراتي واللوجستي للحملة الجوية التي قادتها الرياض، وأرسلت بعثة استشارية أمريكية إلى مقر العمليات السعودية وباعت أسلحة وذخائر إلى المملكة، كما أعلنت عن صفقات أسلحة جديدة للمملكة خلال عامي 2015 و2016 لتجديد مخزونها.

وقد يُنظر إلى الدعم الأمريكي للسعودية في اليمن باعتباره محاولة لتحسين العلاقات مع الرياض بعد إبرام الاتفاق النووي مع إيران.

وكان لهذه المتغيرات أن أدخلت العلاقات السعودية الأمريكية مرحلة من التراجع والشكوك تجلت أبرز مظاهرها في الاستقبال الفاتر لأوباما خلال زيارته للمملكة في أبريل 2016 لعقد قمة مع قادة مجلس التعاون الخليجي حيث استقبله أمير الرياض ووزير الخارجية السابق عادل الجبير بعكس القادة الخليجيين الأخريين الذين استقبلهم الملك سلمان بشخصه، وقد أظهر اجتماع أوباما وبن سلمان على هامش القمة حجم الاختلافات بين الرؤية الأمريكية والسعودية لتحقيق الأهداف الأمنية المشتركة، فبينما شدد العاهل السعودي على استخدام القوة للتعامل مع التهديدات، شدد الرئيس أوباما على ضرورة تضمين الدبلوماسية أيضًا.

 

ومع ذلك، ونظرًا لإدراك الإدارة الأمريكية حاجة الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تحالفاتها مع الدول المستقرة في الشرق الأوسط ومتابعة مصالحها الأمنية المشتركة مع المملكة بما في ذلك الحرب ضد الجماعات الإرهابية، فقد حاولت تهدئة المخاوف السعودية، لاسيمَّا بشأن الاتفاق النووي الإيراني، عبر الدفع بتوقيع صفقات عسكرية جديدة وأخرى أمنية، حيث زادت مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الرياض خلال إدارة أوباما بحيث أصبحت أول دولة في الشرق الأوسط تشتري أسلحة أمريكية تقدر بأكثر من 115 مليار دولار من خلال 42 صفقة منفصلة بين الفترة من 2009 إلى 2016، إضافة إلى أربع صفقات في أكتوبر 2010 بأكثر من 60 مليار دولار وهي الصفقة التي تجاوزت أي صفقات أبرمتها أي إدارة أمريكية منذ إقامة العلاقات بين البلدين وكانت أكبر قيمة لمبيعات الأسلحة لدولة واحدة في تاريخ الولايات المتحدة.

كذلك حافظت المملكة على مكانتها كواحدة من أكبر موردي النفط للولايات المتحدة، فقد حلت كثاني أكبر مصدر للنفط الخام للولايات المتحدة بعد كندا في أعوام 2015 و2016 و2017 و2018، وأيضًا كانت الرياض واحدة من أكبر الشركاء التجاريين لواشنطن في الشرق الأوسط، فقد بلغ حجم الصادرات السعودية إلى الولايات المتحدة عام 2016 حوالي 16.9 مليار دولار وبلغ حجم الصادرات الأمريكية إلى المملكة حوالي 18 مليار دولار.

وقد ساعد وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة في تخفيف بعض مخاوف السعودية التي نشأت عن سياسات الرئيس أوباما في الشرق الأوسط، وباتت المملكة أكثر اعتمادًا على واشنطن مما كانت عليه عندما كان أوباما في منصبه، حيث اتخذت ترامب خطوات لتحسين العلاقات الأمريكية السعودية كما أقام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان علاقة وثيقة مع صهر ترامب جاريد كوشنر.

وقد جعل ترامب الرياض أحد المرتكزات الأساسية لاستراتيجيته تجاه الشرق الأوسط واعتبرها شريك استراتيجي مهم للولايات المتحدة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والأمن الاقتصادي العالمي، وهو ما تجلى في كونها الوجهة الأولى لجولاته الخارجية عقب 4 أشهر فقط من توليه منصبه، وقد كانت زيارة مثمرة شهدت ثلاثة اجتماعات؛ قمة أمريكية سعودية، وقمة أمريكية وخليجية برئاسة السعودية، والقمة العربية الإسلامية الأمريكية بحضور أكثر من 50 رئيس دولة عربية إسلامية التي أتاحت فرصة لترامب لمخاطبة زعماء العالم الإسلامي والتي اعتبرها البعض مواجهة لخطاب أوباما الشهير في القاهرة عام 2009 عندما شدد على التزام الولايات المتحدة بالديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، كما شهدت الزيارة توقيع عقد أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار مع حزمة متابعة بقيمة 350 مليار دولار في العقد المقبل.

وقد نظر ترامب للعلاقات الأمريكية السعودية بمنطق رجل الأعمال البراجماتي وليس الرئيس السياسي المؤدلج بحيث لم تحتل موضوعات الديمقراطية وحقوق الإنسان مكانة جوهرية في التبادلات الثنائية مع تغليب المصالح الاقتصادية وهو ما تجلى في رفضه دعوات الكونجرس لوقف مبيعات الأسلحة المستقبلية للسعودية على خلفية مقتل الصحفي جمال خاشقجي معتبرًا أن قرار كهذا لن يصب في مصلحة واشنطن وسيدفع السعودية للاتجاه إلى الشركات الصينية والروسية لتلبية احتياجاتها الدفاعية، وهو ما يعني وقف استثمار تُقدر بـ 110 مليارات دولار في الولايات المتحدة، واعتبر المملكة حليفًا مهمًا في معكرته المهمة ضد إيران.

يضاف إلى ذلك انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة وشن حملة أقصى ضغط من العقوبات. علاوة على ذلك، لم تستخدم إدارة ترامب حرب اليمن كوسيلة للضغط على السعودية بل على العكس استمرت في دعمها العسكري للقوات السعودية في اليمن، بما في ذلك تزويد الطائرات الحربية السعودية بالوقود جوًا وتبادل المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي ووجود مستشارين عسكريين أمريكيين يقدمون المشورة العسكرية وتحسين أمن الحدود وعمليات الدفاع ضد الصواريخ الباليستية، وهو ما لاقي هجوم الكونجرس والجماعات الحقوقية الدولية، ودفعهم للمجادلة بأن الإدارة الأمريكية شجعت الرياض ومنحتها تفويضًا مطلقًا لمتابعة سياساتها في اليمن. ففي أبريل 2017، أكد وزير الدفاع الأسبق جيم ماتيس أن الولايات المتحدة تدعم الحرب السعودية في اليمن كوسيلة للدفاع ضد تحركات إيران في المنطقة، وأن السعودية كانت الشريك الأفضل في مكافحة الإرهاب، واستخدم ترامب حق الفيتو ضد قرار للكونجرس بإنهاء المساعدة العسكرية الأمريكية في الحرب السعودية في اليمن، بالإضافة إلى ثلاثة إجراءات أخرى تهدف إلى منع مبيعات أسلحة تزيد قيمتها على ثمانية مليارات دولار للسعودية والإمارات.

كما اتخذت إدارة ترامب موقفًا محايدًا من الأزمة بين الرباعي العربي وقطر ودعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى التفاوض وتسوية الخلاف فيما بينها. وأيضًا أكد الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستواصل دعم المملكة في جهودها الرامية إلى تعزيز المجتمع والاقتصاد السعودي وفقًا لرؤية المملكة 2030، ووصف قرار حق المرأة السعودية في القيادة بالخطوة الإيجابية نحو تعزيز حقوق المرأة وفرصها.

ومع ذلك، اتبعت المملكة سياسية أكثر تحوطًا نتيجة لحالة عدم اليقين في سياسة ترامب الخارجية غير الأيديولوجية أو المتوقعة ودعوته لاتباع نهج “أمريكا أولًا” في الشؤون العالمية وتركيزه على التهديدات الأسيوية المحتملة، وقراره سحب بطاريات منظومات الدفاع الجوي باتريوت من السعودية، الأمر الذي أدى لحالة من عدم الارتياح داخل المملكة لاسيمَّا أنها انتظرت توجيه ضربة عسكرية انتقامية أمريكية– ولو محدودة – لإيران عقب هجماتها على منشأتي بقيق وخريص النفطيتين في 14 سبتمبر 2019، لكن واشنطن اكتفت حينها تبنى ترامب موقف الحليف القوي للسعوديين.

تنامي التوتر السعودي الأمريكي في عهد بايدن

بدا أن هناك عهدًا جديدًا للعلاقات الأمريكية السعودية في طريقه للتشكل خلال الحملة الانتخابية والأيام الأولى لتولي جو بايدن منصبه كرئيس للولايات المتحدة، سواء على مستوى علاقات البلدين الثنائية أو على مستوى تنسيقهم على المستوى الخارجي.

أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال حملته الانتخابية سعيه إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران. تعزز هذا الحديث مع قرار الإدارة الأمريكية في 12 فبراير 2021 – خلال الأيام الأولى من تنصيبها – بإلغاء تصنيف الحوثيين اليمنيين كمنظمة إرهابية أجنبية، بدعوى دعم المساعدات الإنسانية الدولية في اليمن. أكدت هذه التحركات الشكوك السعودية بشأن تراجع العلاقات الأمريكية السعودية، بل يمكن القول إن هذه الشكوك قد توثقت أكثر عبر ما خرج من تصريحات بشأن مناقشات الاتفاق الجديد مع إيران، حيث اتجاه الجانب الأمريكي إلى إبرام اتفاق مع إيران ينصب تركيزه الأساسي على برنامج إيران النووي، دون الأخذ في الاعتبار – مجددًا- ملفي التدخلات الإقليمية لإيران أو برنامج الصواريخ الباليستية، بما يعني أن الاتفاق الجديد لن يعالج التهديدات الأمنية الصادرة عن إيران ووكلاءها ضد دول منطقة الخليج عامة، والسعودية على وجه التحديد.

وما زاد من تفاقم الأمر ما اعتبرته السعودية رد أمريكي “بطيء وغير فعّال” على هجمات الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية والحوثية على أهداف مدنية سعودية.

وفي ظل تكرار الحديث الأمريكي بشأن اقتراب الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، واقتران ذلك مع مشهد الانسحاب من أفغانستان، تنامي التساؤل لدي الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة بما في ذلك السعودية حول مدى مصداقية الولايات المتحدة كشريك مسؤول، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى إعادة تقييم المواقف والسياسات إزاء واقع ما بعد الانسحاب، والذي يصبح معه مسؤولية حل القضايا الإقليمية مسؤولية منفردة لدول المنطقة دون التعويل بشكل كبير على حتمية المشاركة الأمريكية كما السابق.

يمكن مشاهدة نتائج إعادة التقييم هذه عبر الشراكات الجديدة الناشئة في المنطقة، والقائمة على تهدئة أزمات المنطقة عبر الحوار، وهو ما برز في انعقاد عدد من جولات المحادثات ما بين السعودية وإيران، وعودة العلاقات السعودية التركية، وكذا العمل على حل الأزمة اليمنية.

ولكن في ظل تطور الصراع الدولي، حيث الحرب الروسية على أوكرانيا، مقرونًا بالفشل في التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، أعادت الولايات المتحدة وضع علاقاتها مع المملكة العربية السعودية كأولوية، لاسيّما في ظل ما تستطيع ممارسته من دور في مسار تحقيق الاستقرار بسوق النفط العالمي، وذلك نظرًا لما تملكه المملكة من قدرة على زيادة الإنتاج، وأيضًا من تأثير على تحالف أوبك بلس.

في مقابل هذا، أبرزت الحرب على أوكرانيا النهج السعودي الجديد إزاء علاقتها مع الولايات المتحدة، الأمر الذي برز في الالتزام السعودي باتباع سياسة محايدة إزاء أطراف الصراع، حيث إدانة الحرب إلى جانب رفض العقوبات المفروضة على روسيا أو أي سياسة من شأنها عزل روسيا على الصعيد الدولي، بما يعني رفض قاطع لكل ما تطالب به الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى ترجيح التكهنات الخاصة بوجود شكل من التوتر في العلاقة ما بين الدولتين، وفقط جاءت الأزمة الأوكرانية لتؤكد على وجودها.

معادلة النفط في العلاقات الأمريكية السعودية: منذ اندلاع الحرب، تطالب الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيون السعودية بزيادة إنتاج النفط الخام. وردًا على هذا، أوضحت المملكة العربية السعودية تمسكها بما نص عليه اتفاق أوبك بلس السابق مع روسيا بشأن زيادة الإنتاج النفطي إلى حد 400 ألف برميل يوميًا.

ومع ذلك، في الواحد والثلاثين من مارس2022، اجتمع تحالف “أوبك بلس” واتفق على زيادة طفيفة في إنتاج النفط، في الوقت الذي كان يؤكد فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن إطلاق كميات إضافية من “احتياطي البترول الاستراتيجي”.

لقد رأى أعضاء تحالف أوبك بلس أنه من الممكن تلبية الطلب العالمي المتنامي من خلال زيادة الإنتاج إلى 432000 برميل يوميًا، أما الكمية التي تعتقد الولايات المتحدة أنها مناسبة فتتجاوز ضعف هذا الرقم وتبلغ مليون برميل في اليوم، في حين يبلغ إجمالي الطلب العالمي حوالي 100 مليون برميل يومياً.

لقد لمّح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان في التاسع والعشرين من مارس إلى هذه النتيجة بإعلانه في مؤتمر للطاقة عُقد في دبي عن قيام “الجميع بتنحية السياسة جانباً”.

ولكن مع استمرار ارتفاع الأسعار وتنامي المخاوف من حدوث نقص في الأسواق العالمية، قرر أعضاء تحالف أوبك بلس تعديل إنتاج يوليو وأغسطس من النفط بزيادة قدرها 648 ألف برميل يوميًا، بدلًا من 432 ألف برميل يوميًا المقررة سابقًا، وهو الأمر الذي قوبل بترحيب من الجانب الأمريكي، وتقدير للدور السعودي في تحقيق هذا التوافق. أعقب هذا إجراء الرئيس الأمريكي جو بايدن زيارة إلى السعودية منتصف يوليو 2022، والتي كان من ضمن أهدافها محاولة إقناع المملكة زيادة إنتاجها النفطي، إلا أن الوقائع التالية أثبتت الفشل في تحقيق هذا الهدف.

في أغسطس، أعلنت أوبك بلس عن زيادة الإنتاج بمائة ألف برميل يوميًا فقط خلال شهر سبتمبر، وذلك نتيجة ضعف الطاقة الإنتاجية المترتبة عن نقص الاستثمارات في القطاع النفطي، هذا فضلًا عن أن معظم أعضاء المجموعة يضخون بالفعل قرب قدراتهم الإنتاجية القصوى، وغير قادرين على تلبية الدعوات الأمريكية لزيادة الإنتاج للمساعدة في مواجهة ارتفاع الأسعار.

تلي ذلك في أكتوبر القرار الأخير لمجموعة “أوبك بلس” الخاص بخفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميًا.

فور الإعلان عن تخفيض الإنتاج، خرجت عدة ردود فعل أمريكية رسمية رافضة لهذا القرار. فمن جانبه، صرح الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بأنه ستكون هناك عواقب على السعودية بسبب قرارها في إطار تحالف “أوبك بلس”.

فيما سبق ذلك تصريح عن المتحدّث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي “جون كيربي”، والذي أوضح أن الرئيس الأمريكي يريد إجراء “إعادة تقييم” للعلاقة بين واشنطن والرياض بهدف “التأكّد من أنّ (العلاقة) تخدم مصالح أمن الولايات المتحدة القومي”، وذلك نظرًا لدورها الرئيسي في قرار خفض الإنتاج، والذي لم يكن مبررًا لظروف السوق، ويتسم بكونه قصير النظر، وستستفيد منه روسيا، “في وقت لا ينبغي لأحد – بأي صفة – أن يحاول إفادة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”.

وفي وقت لاحق، أوضح كيربي عبر بيان نُشر في 13 أكتوبر، أن الولايات المتحدة قدمت للسعودية تحليلًا يظهر أنه لا يوجد أساس سوقي لخفض إنتاج النفط قبل قرار “أوبك بلس” بخفض الإنتاج، وأن مثل هذا القرار كان من الممكن أن يُتخَذ خلال اجتماع أوبك المقرر عقده في شهر نوفمبر.

فيما دارت المحادثات داخل الكونجرس الأمريكي بشأن تجميد مبيعات الأسلحة والتعاون الامني مع المملكة، وكذا بحث تمرير مشروع قانون عدم وجود كارتلات لإنتاج وتصدير النفط (NOPEC) والذي “يحظر على دولة أجنبية الانخراط في عمل جماعي يؤثر على السوق أو العرض أو السعر أو توزيع النفط أو الغاز الطبيعي أو أي منتج بترولي آخر في الولايات المتحدة.”

في مقابل هذا، أوضح وزير الطاقة السعودي أن القرارات الاستباقية التي اتخذتها “أوبك بلس” ساهمت في الحفاظ على سوق نفط مستدام، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق الذي يخفض مستويات الإنتاج سيمتد حتى نهاية عام 2023. وفي بيان صادر عن وزارة الخارجية السعودية، تم رفض كافة التصريحات الصادرة تجاه المملكة والتي تصف قرار أوبك بلس بأنه “بمثابة انحياز للمملكة في صراعات دولية وأنه قرار بني على دوافع سياسية ضد الولايات المتحدة”، مع التأكيد على أن حكومة المملكة قد أوضحت خلال تشاورها المستمر مع الإدارة الأمريكية أن جميع التحليلات الاقتصادية الخاصة بتأجيل اتخاذ قرار التخفيض لمدة شهر – والذي اقترحه الجانب الأمريكي- سيكون له تبعات اقتصادية سلبية.

أكد قرار أوبك بلس الأخير، وبيان الخارجية السعودية اللاحق له، التوتر القائم ما بين السعودية والولايات المتحدة. فعلى الرغم مما أُثير بشأن حصول بايدن على وعود سعودية خاصة بزيادة إنتاج النفط خلال زيارته الأخيرة إلى الرياض، إلا أن تفاصيل اللقاء الذي عقد ما بين الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي تشير إلى اتساع فجوة التوتر ما بين الجانبين. ردًا على حديث بايدن بشأن أهمية احترام حقوق الإنسان، أشار ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” إلى ازدواجية المعايير الأميركية في موضوع حقوق الإنسان، مسلطًا الضوء على قضية مقتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة بنيران إسرائيلية، وسوء المعاملة الأميركية للمعتقلين في سجن أبو غريب، فيما لفت أيضًا إلى أن الجهود الرامية إلى فرض بعض القيم على بلدان أخرى قد تؤدّي إلى نتائج عكسية.

من ناحية أخرى، يتزامن رفض السعودية تنفيذ المقترح الأمريكي الخاص بتأجيل قرار خفض الإنتاج لمدة شهر مع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ومحاولة بايدن وإدارته الديمقراطية الحفاظ على أغلبيتهم داخل الكونجرس، في ظل ضغط الوضع الاقتصادي الهش، والذي يغذيه ارتفاع نسب التضخم وارتفاع أسعار الوقود. وبناءً عليه، حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية تأجيل قرار خفض الإنتاج تجنبًا لما قد ينتج عن القرار من ارتفاع في الأسعار يسهم في التأثير على تفضيلات الناخبين.

. عدم الانحياز السعودي: يبدو أن هناك هدف أخر للرئيس الأمريكي قد فشل في تحقيقه خلال زيارته للمنطقة، والذي أوضحه في مقاله المنشور على صحيفة “واشنطن بوست” – في التاسع من يوليو 2022-. يتمثل هذا الهدف في التصدي للعدوان الروسي، وجعل الولايات المتحدة في موقع جيد يخوّلها التنافس مع الصين، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وهو ما يتعين معه التعامل مباشرة مع البلدان التي يمكن أن تؤثر على تلك النتائج.

لقد سلطت الحرب الروسية – بالفعل- الضوء على تحوط سعودي على الصعيد الدولي. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى العلاقات السعودية المتنامية سواء السياسية أو الاقتصادية مع كلًا من الصين وروسيا.

بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، وجهت السعودية، في مارس 2022، دعوة رسمية للرئيس الصيني تشي جين بينغ لزيارتها. ليس هذا فحسب، كشفت تقارير عن وجود محادثات سعودية صينية بشأن استخدام اليوان بدلًا من الدولار في مدفوعات النفط السعودي الموجه إلى الصين. وعلى الرغم من ضعف تأثير هذه الخطوة في مسار تعزيز مكانة اليوان في النظام المالي العالمي، ولكنها في الوقت نفسه تعزز من شواهد التوتر الأمريكي السعودي.

وعلى صعيد العلاقات مع روسيا، يشير التعاون بين البلدين في إطار صيغة أوبك +، وكذا النجاح السعودي في ترتيب الإفراج عن 10 أسرى من مواطني المملكة المغربية، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والسويد، وكرواتيا، في إطار عملية تبادل أسرى بين موسكو وكييف، عن مدى نجاح التنسيق السعودي الروسي.

وعلى صعيد التعاون العسكري، تشير البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن صادرات السلاح الصيني إلى المملكة العربية السعودية قد بلغت خلال الفترة من 2016-2021 نحو 210 مليون وحدة TIV (يستخدم معهد ستوكهولم وحدة Trend Indicator  Value أو وحدة قياس مؤشر الاتجاه، المعروفة اختصارًا ب  TIV، لقياس الاتجاهات في تدفق الأسلحة بين الدول، بمعنى آخر يقدم المؤشر قياس عمليات نقل القدرة العسكرية بدلاً من قيمتها المالية). فيما بلغت صادرات الأسلحة الروسية إلى السعودية خلال عام 2019 نحو 12 مليون وحدة.

وعلى الرغم من ضعف حجم تلك الصادرات مقارنة بحجم نظيرتها الواردة من الولايات المتحدة، ولكن يكشف التعاون في حد ذاته واتجاه السعودية إلى شراء أسلحة من كلأ من الصين وروسيا على وجه التحديد عن حالة التوتر القائمة، بحيث تتجه الرياض إلى شراء أسلحة ممن تعدهم واشنطن مهددين لنفوذها على الصعيد العالمي، ردًا على تخلي واشنطن عن حلفاءها في الخليج. وبشكل عام، تشير التحركات السعودية على وقع الأزمة في أوكرانيا إلى اعتماد نهج جديد في علاقاتها مع الجانب الأمريكي، من زاوية كون الولايات المتحدة شريك قوي ضمن شركاء آخرين، بما يحتم على الجانب السعودي محاولة تحقيق التوازن في علاقاتها مع جميع هؤلاء الشركاء.

تداعيات محتملة

رتبت التحولات في المواقف الأمريكية خلال الإدارات المختلفة تجاه السعودية بشكل خاص، والخليج بشكل عام تأثيراً على طبيعة العلاقات بين الدولتين، لذلك أثيرت مخاوف هذه الدول حول مصداقية الولايات المتحدة كشريك لها، وانعكس ذلك في توتر العلاقات في بعض الأحيان، واتجاه السعودية نحو مسار تنويع الشراكات مع قوى أخري من بينها روسيا والصين، والتفكير في حل القضايا الإقليمية بشكل منفرد دون التعويل بشكل كبير على مشاركة الولايات المتحدة. لكن على نحو آخر تظل للسعودية ولمنطقة الخليج أهمية مركزية لحلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين لما تحويه من موارد للطاقة، كما يظل الوجود العسكري الأمريكي في الدول الخليجية ذو أهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة لحماية الممرات المائية هناك وللحفاظ على نفوذها في المنطقة.

وعليه سوف يتم التوضيح في الآتي بعض التداعيات المحتملة للخلاف الأمريكي- السعودي:

  • توتر مؤقت: جاء قرار السعودية ودول أعضاء أوبك بلس بخفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يوميًا في توقيت حرج بالنسبة لإدارة بايدن خاصة أنها مقبلة على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في ديسمبر2022، مما يعنى احتمالية أن يضعف هذا القرار حظوظ الحزب الديمقراطي في الانتخابات بعد ارتفاع أسعار النفط، وتفسير البعض بأن قرار السعودية هو تدخلاً في السياسة الأمريكية لإلحاق الضرر بإدارة بايدن قبل الانتخابات، وأن السعودية تتدخل إلى جانب الجمهوريين. كما أن القرار مثل انحيازاً لروسيا حيث يحقق لموسكو موارد مالية هائلة، مما يزيد من نفوذها على الأوروبيين خاصة في ظل استمرار التضخم في سياق الحرب وتفاقم أزمة الطاقة خلال فصل الشتاء.

وهو ما جعل بايدن يعلن مراجعة العلاقات مع السعودية بعد انحيازها لروسيا في قرار أوبك بلس لتقييد إمدادات النفط العالمية، والحديث عن تقليص المبيعات العسكرية للسعودية، وهو ما اقترحه السيناتور “بوب مينينديز” والذي طالب بالتجميد الفوري لجميع جوانب التعاون مع السعودية، وخفض الوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج، بما يعكس التوتر الذي أصاب العلاقات وليس القطيعة.

وكما سبقت الإشارة، دعا أعضاء الكونجرس إلى إحياء مشروع قانون “حظر إنتاج وتصدير النفط” المعروف باسم NOPEC. لكن وفقاً لاستطلاع أجرته شركة (Morning Consult and Politico) حول موقف الداخل الأمريكي فإن أكثر من نصف الديمقراطيين واثنين من كل خمسة جمهوريين يدعمون مشروع القانون، في حين يعارض مشروع القانون بعض المؤسسات مثل “معهد البترول الأمريكي” وهو اتحاد تجارى لصناعة النفط والغاز الطبيعي حيث اعتبر أن مشروع القانون ضاراً للمصالح الأمريكية (التجارية والعسكرية)، كما ترى غرفة التجارة الأمريكية أن التشريع لن يكون له تأثير في ترويض أسعار البنزين.

من ناحية أخرى؛ اتخذت الولايات المتحدة إجراءات مضادة من خلال التخطيط للإفراج عن 10 ملايين برميل إضافية من النفط من احتياطيها البترولي الاستراتيجي في نوفمبر للتعويض جزئياً عن انخفاض إنتاج أوبك.

يعكس قرار أوبك بلس اتجاه السعودية في سياستها إلى تحديد إنتاج النفط وتسعيره بشكل مستقل عن واشنطن، وأنها تعمل لتحقيق أهدافها الاقتصادية والجيو -ستراتجية، ولديها تخوف من حدوث ركود عالمي مما دفعها إلى رفع أسعار النفط، بما يساعد في حمايتها من انخفاض الإيرادات بسبب التباطؤ الاقتصادي، خاصة أنه كان هناك مساعي من قبل واشنطن لوضع حد أقصى لسعر النفط الروسي.

كما تسعى السعودية إلى تنويع علاقتها الاقتصادية في مرحلة ما بعد الهيدروكربونات في جميع أنحاء العالم وبشكل خاص آسيا، فاليابان على سبيل المثال شريك رئيسي في الرؤية السعودية 2030، كما أن هناك تحولات داخلية في السعودية والخاصة بوضع تدابير حقوق المرأة – مثل الحق في القيادة، والسفر بحرية، والخدمة في الأجهزة الأمنية والجيش، وزيارة الملاعب مع العائلات كجزء من رؤيتها 2030، بما يعكس تحولاً في رؤية قادتها لمستقبل الدولة والذي سينعكس بالتأكيد على مساراتها الخارجية.

لكن بالرغم من التحركات الفردية لكل من السعودية ودول الخليج بعيداً عن التبعية الأمريكية، إلا أنه خلال زيارة بايدن للمنطقة وقّعت السعودية على العديد من الاتفاقات المهمة مع الولايات المتحدة في مجالات مختلفة مثل الطاقة النظيفة، والأمن السيبراني، واستكشاف الفضاء، والصحة العامة، والأمن البحري وتعزيز الدفاع الجوي السعودي، وهو ما يؤشر إلى استحالة حدوث قطيعة في العلاقات، بينما قد يتم تصنيف الخلاف الحالي بأنه توتر مؤقت وأن العلاقات تتخذ مسار التعاون أحياناً ومسار التوتر تارة أخرى في أحيان أخرى. هذا بالإضافة إلى توقيع الإمارات مع الولايات المتحدة في 1 نوفمبر 2022 على شراكة استراتيجية لاستثمار 100 مليار دولار في تنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة بطاقة إنتاجية تبلغ 100 جيجاوات.

من ناحية أخرى؛ تعكس استراتيجية الأمن القومي الأمريكي خلال الإدارات المختلفة المصالح الجيوسياسية للدولة وكيفية إداراتها  بما يضمن لها أمن المنطقة، حيث حرصت إدارة بايدن خلال الاستراتيجية على أمن المنطقة وعدم السماح لقوى من خارج الإقليم أو من داخله بتعطيل حرية الملاحة في الممرات البحرية في المنطقة بما فيها مضيق هرمز وباب المندب، وردع الأعمال التي تهدد الاستقرار الإقليمي، مع العمل في الوقت نفسه على تخفيض التوتر، والتهدئة لإنهاء النزاع بواسطة الدبلوماسية، وإقامة روابط سياسية واقتصادية وأمنية بين شركاء الولايات المتحدة، بما في ذلك إقامة هياكل مدمجة للدفاع الجوي والبحري، مع احترام سيادة كل دولة، واختياراتها المستقلة.

كما حدد أوباما محاور استراتيجيته للشرق الأوسط في محاربة الإرهاب وضمان أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، وأمن إسرائيل، بينما ركز ترامب على ألا تكون المنطقة حاضنة للإرهاب أو خاضعة لسيطرة أي قوة معادية لأمريكا، وأن تسهم في تحقيق استقرار سوق الطاقة.

وعليه تؤكد المعطيات السابق الإشارة إليها، أن العلاقات الأمريكية-السعودية قائمة بالأساس على المصالح، وتواجه لحظات من الخلاف والتوتر في بعض الأحيان ولا تسير على وتيرة واحدة، وأن الخلافات تفاقمت على خلفية مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

  • استراتيجية التحوط الاستراتيجي وتنويع الشراكات: تعكس التحركات السعودية خاصة -بعد الأزمة الروسية- الأوكرانية -عن تحركات وازنة لا تنحاز لطرف على حساب الآخر، فمن ناحية تحاول لعب دور الوسيط في الحرب الروسية الأوكرانية، وقد تبين ذلك في صفقة تبادل الأسرى الذي عمل عليها محمد بن سلمان، وفى نفس الوقت تم تقديم مساعدات إنسانية لأوكرانيا بنحو 400 مليون دولار،

ودفعت الخلافات مع الولايات المتحدة السعودية إلى تنويع شراكتها مع روسيا والصين، وأن هناك تحولاً نحو قدرات واستقلالية أكبر في القطاعات الأمنية لدول الخليج سواء مع الصين أو روسيا؛ إذ أن الصينيون لديهم خط إنتاج للصناعات العسكرية السعودية الجديدة (SAMI)، كذلك لديهم خط تجميع(CH-4) في السعودية، كما يساعد المتخصصون الصينيون الفنيين السعوديين على إنتاج صواريخ باليستية، وهناك حديث عن مساعدتهم في تطوير برنامج الرياض النووي. وفي عام 2017، كان هناك مشروع مشترك بين المؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا، كما تعمل الصين لبناء مصنع طائرات بدون طيار في السعودية من طراز Ch-4. على غرار MQ-1 Predator الأمريكية، بالإضافة إلى الحديث عن تفاوض سعودي صيني بشأن استخدام اليوان بدلًا من الدولار في مدفوعات النفط السعودي الموجه إلى الصين، وامتد التعاون مع الصين إلى مجال التعليم، حيث تحرك السعودية في عام 2019 – وهو الأول من قبل دولة عربية – لإضافة لغة الماندرين الصينية كلغة ثالثة في نظام التعليم الوطني، وإطلاق الإمارات في عام 2020 لبرنامج اللغة الصينية في المدارس العامة.

كل هذه العوامل مجتمعة عكست مشاهد التوتر الأمريكي السعودي وليس التحول الكلى في العلاقات. وبالرغم من تنويع الشراكات مع الأطراف الدولية الأخرى، من غير المرجح استبدال البنية التحتية الدفاعية الأمريكية في السعودية على المدى المتوسط.

ختاما؛ تكشف الأزمات الدولية والإقليمية عن أن العلاقات الأمريكية- السعودية هي علاقات براجماتية بقدر أكبر من أنها استراتيجية، قد تشهد نوعاً من الصعود في أوقات وهبوطاً في أوقات آخري، ويعود ذلك إلى رؤية ومصالح كل طرف، كما أن عدم ضمان الولايات المتحدة لأمن السعودية وباقي دول الخليج دفعها إلى تنويع شراكتها، وأن التحول في القرارات السعودية الأخيرة، وخاصة قرار أوبك بلس بالرغم من محاولات بايدن لاستقطاب هذه الدول في محورها، يكشف عن تحرك بعيداً عن التبعية الأمريكية، ليس بفقد الولايات المتحدة كلية خاصة أن العلاقات مع السعودية على مستوى الإدارات سواء جمهورية أو ديمقراطية تعكس براجماتية هذه العلاقات وأن الدولتين تجمعهما مصالح أمنية استراتيجية وليس النفط فقط.

ومن المرجح أن تعود العلاقات سواء في عهد إدارة جديدة قادمة أو الإدارة الحالية في حال استمراراها بعد الانتخابات نظرا لطبيعة المصالح التي تقوم عليها العلاقات، وأن التوترات الأخيرة ليست سببًا للتخلي عن العلاقة طويلة الأمد، وأن الرياض تظل لاعباً هاماً في الإقليم بالنسبة للولايات المتحدة، وسوقاً لا غنى عنه بالنسبة لمبيعات الأسلحة الأمريكية، حيث تمثل 24 ٪ من جميع مبيعات الأسلحة الأمريكية، وفقًا لتقرير عام 2021 الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. كما تحرص واشنطن على التدفق الحر للنفط والغاز من الخليج. من ناحية أخرى هناك تقديرات تشير إلى أنه من المرجح أن يرفع أعضاء الناتو إنفاق الجيش إلى 2 في المائة من الناتج المحلى الإجمالي لكل منهما، أو ما يقدر بـ 100-120 مليار دولار إضافية سنويًا – سيتدفق الكثير منها إلى صناعة الدفاع الأمريكية، وأن هذا التدفق الكبير الجديد سيقلل من أهمية دول مجلس التعاون الخليجي كمشتري رئيسي للأسلحة الأمريكية.

وهناك إحتمال وفرصة أخيرة للتوافق خلال اجتماع أوبك بلس المقرر عقده في ديسمبر 2022، بما يسمح للسعودية التوصل إلى تفاهمات بخصوص أسعار النفط ومعدل الإنتاج بما يحقق توافق مع تطلعات الولايات المتحدة، ويزيل التوتر الحالي.

غزو أخطر من السلاح! مستشرقون في خدمة الاستعمار الأوروبي..

وكالات:

شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر تصفية للهيمنة الأوروبية على الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية، الأمر الذي مثّل تحولاً حاسماً للجغرافيا السياسية العالمية التي كانت شبه مستقرة منذ القرن السادس عشر.

في ذلك الزمن، كان العالَم القديم (آسيا وإفريقيا) قائماً على حاله، منغلقاً وبعيداً عن التأثيرات الجبارة للثورة الصناعية. فقررت القوى الأوروبية إيلاء المزيد من الاهتمام لذلك العالم، بهدف استغلاله والتحكم فيه، وتمرير فائض البضائع المنتجة عبر أسواقه التجارية.

وقبل انطلاق الجيوش إلى تلك البلاد، التي كانت تعيش أزهى لحظات هدوئها، بدأت رحلات استكشاف أوروبية لا تُحصى في ظلّ الاهتمام الجماهيري بكلّ ما هو أجنبي وغير مألوف.

وبموازاة هذه الرحلات، بدأت تزداد المعرفة المنهجية الأوروبية عن الشرق، إلى جانب الأعمال الأدبية التي كتبها شعراء وروائيون أوروبيون وقعوا في غرام الشرق، من دون أن تطأه أقدامهم يوماً.

تمهيد الطريق أمام الاستعمار

معرفة الشرق، التي تنامت في أواخر القرن الثامن عشر، ساهمت بشكلٍ مباشر -وغير مباشر- في تمهيد الطريق أمام الاستعمار.

فعلى سبيل المثال، قبل الغزو الفرنسي لمصر بخمسة أعوام فقط، أقرّت المراسيم الثورية الفرنسية بإنشاء المدرسة العامة في المكتبة القومية لتعليم اللغات: العربية، والتركية، والفارسية، بهدف إرساء أسس المعارف عن الإسلام وعوالمه.

وقد شرح المفكر والناقد إدوارد سعيد هذه التفاصيل بدقة متناهية، في كتابه “الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق” الذي كشف من خلاله الغطاء عما يخفيه الغرب -تحت قناع الثقافة والدراسة العلمية- من مواقف سياسية لا ترمي إلا إلى تحقيق مطامع مادية استعمارية صرفة قائمة على الجشع.

من جهته، اعتمد نابليون على النتائج التي توصل إليها الكونت جي فولني؛ وهو رحالة فرنسي كان معادياً للإسلام بشدة، بالقدر الذي كان يعتقد به أن الطموحات الفرنسية يمكن أن تتحقق أخيراً في الشرق.

في كتابه “رحلة في مصر وسوريا”، الذي نُشر في مجلّدين عام 1787، قدّم فولني معلومات ثمينة -استفاد منها نابليون لاحقاً- عن العقبات التي يُمكن أن تواجه أي حملة فرنسية في تلك الأراضي الغريبة. وقد صنّفها كالتالي: إنجلترا، ثم الباب العالي، والمسلمون أنفسهم.

لذلك فقد حرص نابليون على إخفاء حملته ضدّ مصر، وإبقائها سراً، تحسباً من مهاجمة الأسطول الإنجليزي. وبمجرّد أن وطئت قدمه الإسكندرية، أرسل السفراء إلى الباب العالي لتجنب عداوة العثمانيين، وبعد يومٍ واحد من استقراره في القاهرة سحب السلاح الشخصي من المُسلمين (كان نزع السلاح الشخصي يُنظر إليه حين ذاك كنزع رجولة المرء) وهدم بوابات الأحياء، عملاً بنصيحة فولني التي تُشير إلى أن المسلمين أعداء طبيعيون لأي حملة فرنسية على بلادهم.

ومن رحم الحملة الفرنسية خرجت الخبرة الغربية الحديثة بالشرق، لتنطلق فترة التقدم الهائل في مؤسّسات الاستشراق، والتي تزامنت مع الفترة الذهبية للتوسع الأوروبي فيما بين 1815 و1914؛ حين اتسع نطاق السيطرة الاستعمارية الأوروبية المباشرة، من 35% إلى 85% خلال قرنٍ واحد، وكان النصيب الأكبر لصالح بريطانيا وفرنسا.

وعلى الرغم من تنافسهما في الكثير من الأصقاع، فإن البلدين تقاسما العالم الإسلامي الذي سقط معظمه تحت سيطرتهما؛ سواء فيما يخصّ التواجد العسكري، أو السلطة الفكرية على الشرق -أي الاستشراق- أو منظومة الأفكار التي تشرح سلوك الشرقيين وتنسب إليهم عقلية خاصة وجوّاً خاصاً بهم، والأهم أنها تضع تمييزاً متأصلاً بين التفوق الغربي والدونية الشرقية.

استشراق مع العلم وآخر خلف البنادق

في هذا السياق اختلف الاستشراق الفرنسي البريطاني -كمياً وكيفياً- عن أي دراسة أوروبية للشرق. فقد حققت الدولتان مكاناً مرموقاً في الدراسات الاستشراقية، بفضل أعظم شبكتين استعماريتين في القرن التاسع عشر.

وقطعت كلتاهما خطوات بعيدة في الاستشراق، أكبر بكثير من المساهمات التي قدّمتها كلّ من: إسبانيا، والبرتغال، وألمانيا، وإيطاليا، وروسيا؛ على أهمية ما قدّمته الدول الثلاث الأخيرة، وإن كان الألمان قد طوّروا الدراسات الاستشراقية لاحقاً.

فلم يكن للاستشراق الألماني مرتبطاً بأي حركة استعمارية، بحُكم تضاؤل الحضور الألماني في الشرق. وبحُكم عزل ألمانيا عن تقاسم المكاسب الاستعمارية، احتفظ الاستشراق الألماني بطابعه العلمي، وأُتيح له تطوير تقنيات البحث العلمي وتطبيقها على النصوص الشرقية.

تميزت المدرسة الألمانية في الاستشراق أيضاً بتركيزها على التراث العربي الإسلامي، كما يقول رضوان السيد في كتابه “المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصادر“، وذلك على عكس المدرستين الفرنسية والإنجليزية.

فقد انصبّ الجزء الأكبر من جهودهما على الواقع العربي الإسلامي، المفيد جداً للسلطات الاستعمارية، التي أرادت فهم طبيعة تكوين شخصية من تريد احتلال أراضيهم وواقعهم الاجتماعي، ومعرفة من يصلح للتعاون ومن يُشكّل تهديداً مُحتملاً.

وعلى الرغم من هذا، فقد اشترك الاستشراق الألماني مع نظيريه الفرنسي والبريطاني بتمتعه بالسلطة الفكرية على الشرق؛ وهي سمة يتميز بها أي جهد غربي لدراسة الشرق، وإنتاج أحكام عنه.

فالاستشراق -كما يقول إدوارد سعيد- يجعل الباحث يصف الشرق، ويتكلم باسمه، ويشرح أسراره لزملائه ومواطنيه وحكومته، ومن ثمّ يربط بحوثه بالأعمال الاستشراقية الأخرى وبجماهير القراء المتطلعين لمعرفة المزيد عن ذلك العالم الغامض، وكذلك بالمؤسسات السياسية؛ كما فعل العديد من الذين انخرطوا بأنفسهم في الجهود الاستعمارية، ومرغوا قِيَم العلم في تراب المطامع، مثل النماذج التي نوردها في هذا التقرير.

بالمر أفندي.. عصفور الأكاديمية الإنجليزية في سيناء

بعد اندلاع الثورة العرابية في مصر، شعر الخديوي توفيق بالقلق على مكانته، فاعتبر أن التدخل الأجنبي قد يساعده على الخروج من مأزق الضعف المُهين أمام أحمد عرابي. وبطلبٍ رسمي منه، قصفَ الأسطول البريطاني الإسكندرية، وشرع في غزو مصر عن طريق السويس، بهدف تشتيت الجيش المصري على جبهتين.

في المقابل، نهض عرابي بتنظيم المقاومة ضدّ البريطانيين الذين اعتقدوا أنه سيلقى معونةً من السلطان العثماني، وأن فرقاً عربية من سوريا ونجد ستهب لنصرته وفق منطق التضامن الإسلامي. فقررت الاستخبارات البريطانية أن تسدّ ثغرة سيناء أمام الداعمين المحتملين لعرابي، حتى لا تقع بين كماشةٍ، طرفها عرابي من الغرب وحلفاؤه من الشرق.

لم يكن هناك حلّ أمام الغزاة سوى الحصول على ولاء قبائل سيناء، ومن ثمّ تجنيد البروفيسور إدوارد بالمر، مقابل 500 جنيهاً إسترلينياً كدفعة أولى.

كان بالمر أستاذ قسم اللغات الشرقية في جامعة كامبريدج، وقد أتقن العربية إتقاناً مذهلاً، ولديه معرفة وثيقة بعرب سيناء، الذين أقام بينهم شهوراً قبل ثورة عرابي.

وضعت الاستخبارات البريطانية برنامجاً يتضمن أن يذهب إدوارد من الإسكندرية إلى يافا، ومن هناك يُغيِّر اسمه إلى “عبد الله أفندي” ويستبدل ملابسه بأخرى عربية، متقمّصاً دور تاجرٍ سوري؛ قبل أن يذهب إلى الجنوب الغربي من غزة ليجتمع بقادة قبائل “التياها”، و”الترابين”، و”الحويطات”، الموّزعين بين غزة وسيناء.

ووفقاً لما ورد في كتاب “حكايات من دفتر الوطن” لمؤلفه صلاح عيسى، شرح اللورد نورثبروك (وزير البحرية البريطاني) لبالمر وظيفته على وجه التحديد. انحصرت مهمة عبد الله أفندي في الاندساس بين القبائل البدوية وكسب ثقتهم وودّهم، عبر إعطاء رشوة مالية وتقديم هدايا، من أجل إقناعهم بالوقوف مع بريطانيا ضدّ عرابي.

وخلال أيام من العمل الدؤوب، توصّل عبد الله أفندي إلى اتفاقٍ مع زعماء “الترابين” و”التياها”، ينصّ على شراء ذمة 50 ألف بدوي مقابل 25 ألف جنيه، بواقع نصف جنيه للبدوي الواحد.

وفي أول أغسطس/آب 1882 انتقل الشيخ محمد (كابتن جيل، ضابط الاستخبارات البريطانية المتنكر في زيّ عالمٍ أزهري) إلى السويس ليعطي عبد الله أفندي 20 ألف جنيه، كي يسلّمها إلى العربان الذين اتفق معهم شفوياً على خيانة عرابي، مع مهمة تدمير أعمدة التلغراف في صحراء سيناء لمنع المراسلات البرقية بين عرابي وتركيا وسوريا.

وفي السابع من الشهر نفسه، تحرّك عبد الله أفندي والشيخ محمد نحو سيناء للقاء زعماء القبائل. وفي وادي سدر (جنوب سيناء) حطا رحالهما للاستراحة، في الوقت الذي نصب فيه مرافقوهما -من البدو- خيمة، وانصرفوا لإعداد الطعام.

في تلك الأثناء علم البدو المرافقون بأن حقيبةً مليئة بالنقود موجودة داخل الخيمة، فقرروا سرقتها. وحين كانت القافلة تستعد للرحيل، انطلقت رصاصات عدة قضت على المستشرق التعيس والضابط المغامر، اللذين دُفنا في صحراء سيناء، من دون أن تعبأ الحكومة البريطانية باستعادة رفاتهما أبداً.

مستشرق أخطر من فرقة عسكرية

في 26 مارس/آذار 1873 شنّت “حكومة الهند الهولندية” حرباً على سلطنة “آتشيه”، الواقعة في الأرخبيل الإندونيسي، حين كانت هولندا تحكم منطقة “جاوة”.

كانت القوات الهولندية تظن أنها ذاهبة إلى رحلةٍ ممتعة، لكنها فوجئت بعنف المقاومة التي اغتالت قائد الحملة العسكرية والقائد العسكري لمنطقة غرب سومطرة، الميجور جنرال جون كولر، ما سبّب صدمةً بالغة للغزاة.

تراجعوا قليلاً؛ لكن سرعان ما تحضرت القوات من جديد، وشنّت أعنف هجمة انتقامية سالت فيها دماء الآلاف بعدما استخدمت أبشع وسائل القتال، بما فيها نشر الكوليرا والتجويع وتصفية السكان العُزّل. انتهى الهجوم بالسيطرة على البلاط الملكي، واستسلام الملك، بعد خيانةٍ من أحد الأعيان.

لكن لم يكتب للوحشية الهولندية النصر الكامل، فقد واجهت مقاومةً عنيفة وشرسة حصرت الوجود الهولندي في مربّعٍ أمني محدود. فوجئت القيادة الهولندية بهذا الحصار، لكونها اعتقدت -نظراً لخبرتها في جاوة- أن استسلام الملك يعني استسلام جميع رعاياه.

بيد أن هذا الأمر لا ينطبق على المجتمع الآتشي المسلم. فبعد سقوط الملك، تصدّت جماعة العلماء للمقاومة، بالكلمة والسلاح. وإزاء هذه المقاومة، كان ماء وجه المملكة الهولندية يُهرق أمام نظرائها الاستعماريين، فضلاً عن نزيف خزانتها المالية وجنودها.

فكان لا بدّ من إعادة النظر في استراتيجية وتكتيكات الهجوم، من أجل تحقيق نصرٍ نهائي. وفي هذه الظروف، برز نجم المستشرق كريستيان سنوك هورجريني.

كان كريستيان قد بدأ في نهايات القرن التاسع عشر العمل على أطروحته للدكتوراه، في موضوع الحج. ولهذا الغرض اتجه إلى الحجاز عام 1884، حيث عاش سنةً كاملة وأشهر إسلامه وأتقن اللغة العربية وسمّى نفسه “عبد الغفار” -كما تعرّف إلى أحد أبناء الأعيان الآتشيين- قبل أن تصدر السلطات العثمانية قرارها بترحيله بتهمة التجسس.

بعد عودته في أغسطس/آب 1885 إلى هولندا، شرع كريستيان ينشر المقالات عن خطر الإسلام -وأتباعه في آتشيه- على أملاك هولندا.

وفي العام 1888 أرسل برقية إلى الحكومة الاستعمارية، يوضّح فيها خطر الطرائق الصوفية القادرية والنقشبندية على الحكومة الاستعمارية في الهند الهولندية. فكافئته وزارة الاستعمار بتعيينه مستشاراً سياسياً للحاكم العام لمنطقة الهند الهولندية الشرقية.

وفي 11 مايو/أيار 1889، بدأ كريستيان سنوك هورجريني العمل الوثيق مع صديقه القديم (أحد أبناء الأعيان الآتشيين) الذي التقاه أثناء زيارته الحجاز وجنّده، في سعيه لجمع معلوماتٍ استخبارية عن الطبيعة الاجتماعية لسكان المنطقة وعقلية هؤلاء، فيما يبدو أنها من أوائل الدراسات الأنثروبولوجية والإثنوغرافية والسوسيولوجية الاستعمارية عن المنطقة.

استطاع الرجلان إنجاز عملٍ ضخم، مؤلف من 4 مجلدات، تكشف الحياة الاجتماعية ونقاط الضعف التي يمكن أن ينسلّ منها الاستعمار ويفرّق قوى المقاومة، ليسود المنطقة بأقلّ الخسائر والتكاليف.

وكان لأبحاث كريستيان ودراساته دورٌ في وأد مقاومة آتشيه، ليس هذا فقط. فإشهار إسلامه، ودخوله إلى المسلمين، عاملان ساهما في نقل أسرارهم بدقة إلى الهولنديين.

ساعد أيضاً في وأد الحركة الجهادية الناشئة في جاوة. فكان دوره -من وجهة نظر السلطات الاستعمارية- بالغ الأهمية لفهم دور جماعة “العلماء”، قادة المقاومة الآتشية، والأساس الاجتماعي الديني الذي ارتكزت عليه مقاومة شعب الآتشيه ضدّ حكم الاستعمار الهولندي.

وكان له “الفضل” في شنّ حملةٍ على معقل المقاومة الجهادية في منطقة بيدي، يوم 1 يوليو/تموز 1898، واحتلال العاصمة المؤقتة للسلطنة.

ومع توجيهات كريستيان المستمرة وتوصياته، بدأت تتراجع المقاومة أخيراً مع عام 1907، لكن لم تفرض هولندا سيطرتها الكاملة على السلطنة إلا مع عام 1913؛ بعد نحو 40 عاماً من الحرب.

الجاسوسة التي أسّست العراق الحديث

لا تزال “الخاتون” (أي السيدة)، كما أطلق عليها أهل العراق، تحظى باحتفاءٍ وتمجيدٍ من الذين يجدون في أنفسهم “حنيناً عُصابياً” للحقبة الملكية.

أسهمت تلك السيدة -ذات التاريخ الغامض- في تأسيس العراق الحديث وتوسعة حدوده، كما هي بصورتها الحالية، بعد أن كانت بلاد الرافدين تقتصر على ولايات: البصرة، وبغداد، والموصل، والتي لا تجمعها أي سلطة مركزية.

لكن من أين أتت تلك السيدة؟ وكيف لعبت هذا الدور الحاسم؟

في 14 يوليو/تموز 1868 وُلدت غيرتورد بيل في إنجلترا لعائلة ثرية. لم تكن تحظى بالكثير من الجمال، على عكس حظها من الجرأة والصبر على التعلّم. وفي سنّ السادسة عشرة التحقت بجامعة أكسفورد، قسم التاريخ، وسافرت بعد تخرّجها مباشرةً إلى إيران حيث تعلّمت الفارسية.

وبسبب ولعها بالشرق تعلّمت العربية، وسافرت إلى سوريا ثم فلسطين عام 1899، حيث تنكرت بزيّ رجلٍ بدوي حتى تصل إلى جبل الدروز.

هناك، انطلقت في دراسة الآثار المحلية والواقع الاجتماعي، خلال إقامتها ما بين الدروز وقبيلة بني صخر، ثم نشرت كتاباً عن تلك الإقامة بعنوان “البادية والحاضرة” (The Desert And The Sown).

وفي يناير/كانون الثاني 1909 توجهت إلى العراق وعملت في مجال البحث الأثري مع عالم الآثار -الذي أصبح لاحقاً- “لورانس العرب”؛ وبعد رحلاتٍ استكشافية مثيرة، بين دمشق والجزيرة العربية، عادت إلى العراق عام 1915.

وبسبب معرفتها العميقة بالقبائل والواقع الاجتماعي في العراق والشام والحجاز، استُدعيت إلى “المكتب العربي” في القاهرة، وهو في الحقيقة مكتب الاستخبارات البريطانية الخاص بالعالم العربي.

خلال فترة تعاونها مع الاستخبارات، استفاد ضباط المكتب استفادةً قصوى من معلوماتها عن العرب، وكيفية التعامل معهم، والسيطرة عليهم، وتعبئتهم ضدّ الأتراك، وتشجيعهم على الانضمام إلى جانب البريطانيين. وعددٌ كبير من المراسلات بينها وبين مكتب الاستخبارات وثّقه كتاب “أوراق منسية من تاريخ الجزيرة العربية“.

وفي العام 1916 وصلت بيل إلى البصرة لمساعدة الحاكم البريطاني، بيرسي كوك، على اعتبارها ضابط اتصال بـ”المكتب العربي”، فأصبحت تساعد الحاكم وتدرِّب الجواسيس الجدد.

وبينما كانت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها، مُسفرةً عن هزيمة وتفكك الإمبراطورية العثمانية، طلبت الاستخبارات البريطانية من بيل دراسةً تحليلية عن وضع العراق وخريطة قواه الاجتماعية، بالإضافة إلى تقديم نصائح بشأن الخيارات المفيدة للمصالح البريطانية.

أنجزت مس بيل دراستها سريعاً، فكان “تقرير المصير في بلاد ما بين النهرين” بمثابة دليل عمل الإمبراطورية البريطانية في العراق، وهي الورقة التي منحتها مقعداً في مؤتمر السلام عام 1919 بباريس.

وحين عقد ونستون تشرشل مؤتمراً حول مستقبل العراق في القاهرة عام 1921، اختارها للمشاركة في تقرير مصير بلاد الرافدين، فأصرّت مس بيل على اختيار الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق. ولأنها المرجع في سياسة العراق، وافق المجتمعون على اختيارها.

لذا، وبمجرد وصول فيصل إلى عرش العراق، أصبحت بيل مستشارته السياسية، وأمّنت له ولاء القبائل، كما أشرفت على اختيار وزراء الحكومة؛ لتصبح الشخصية الأكثر تأثيراً في حكم البلاد، حتى لُقّبت بـ”الملكة غير المتوجة على العراق”.

في 12 يوليو/تموز، وُجدت مس بيل ميتة في سريرها نتيجة جرعةٍ زائدة من الحبوب المنومة. ذكر التقرير الرسمي أن الجرعة كانت عرضية، ولكن مصادر كثيرة تؤكد أنها انتحرت بعدما عانت من الاكتئاب طوال حياتها.

دُفنت “مس بيل” في المقبرة البريطانية ببغداد، المدينة التي قضت وقتاً طويلاً بين أهلها، وحضر جنازتها مئات الأشخاص الذين جاؤوا لتقديم الاحترام للمرأة التي كانوا يعتبرونها الخاتون و”سيدة البلاط العظيمة” وأحد مؤسسي دولة العراق.

ساحرة الصحراء.. الليدي هستر ستانهوب

في الثاني عشر من مارس/آذار 1776 وُلدت هستر ستانهوب لأسرةٍ مرموقة ونافذة سياسياً. لكنَّ أباها تمرّد على “نبل” العائلة، وبدّد ثروته تأييداً للثورة الفرنسية، لينحدر المستوى الاجتماعي لأسرتها، ويموت الأب.

فاضطرت أن تعمل سكرتيرة لخالها رئيس وزراء بريطانيا، الذي مات في ريعان شبابه عام 1806، بعدما طلب في وصيته تأمين علاوةٍ متواضعة لابنة أخته. لبّى البرلمان طلبه، وزاد عليه بتخصيص مبلغ 1200 جنيه شهرياً لها، وهو مبلغ كبير بمعايير ذلك الزمن.

لاحقاً فقدت هستر والدتها، ثم أخاها في حرب الإسبان ضدّ نابليون والاحتلال الفرنسي. وللخروج من حزنها، حاولت السفر وهي في الـ33 من عمرها، سائرةً خلف نبوءة أنها ستكون نسخة أوروبية من حاكمة تدْمُر زنوبيا “ملكة الصحراء”، التي حكمت أراضي شاسعة امتدت من العراق شرقاً وصولاً إلى مصر.

فسافرت عام 1810 إلى القسطنطينية، حيث استضافها السلطان العثماني محمود الثاني. وبعد نحو عام من الإقامة في منزلٍ قرب مضيق البوسفور، قررت القيام برحلة متعددة المحطات.

فسافرت أولاً إلى مصر، حيث قابلت محمد علي باشا، ثم إلى القدس وعكا؛ ومنها إلى صيدا اللبنانية، مدفوعة بفضولٍ استشراقي للتعرف إلى الدروز، فنزلت وحاشيتها في خان الإفرنج.

وفي غمرة انخراطها في حياةٍ شرقية بالكامل، تلقت دعوة من الأمير شهاب الثاني (أمير الدروز) فسارت إلى قصره في بيت الدين حيث أكرم وفادتها، قبل أن تنتقل من بعدها إلى ضيافة كبير مشايخ الدروز بشير جنبلاط في قصره بالمختارة.

سافرت لاحقاً إلى دمشق وجهزت لاحتفالٍ كبير، استدعت إليه القنصل البريطاني، وأجبرته على أن ينظم رحلتها إلى مدينة تدمر مع حاشيتها وعددٍ من مشايخ البدو. وفي 20 مارس/آذار 1814، وصلت إلى تدمر واستُقبلت استقبالاً ملكياً (باعتبارها زنوبيا الجديدة).

مكثت هستر ستانهوب في البادية شهراً كاملاً، وعقدت أواصر الصداقة مع بدو البادية السورية، حتى “تسلطنت” عليهم وسحرتهم بغرابتها وجرأتها. لكنها، وبعد انتشار الطاعون في سوريا، عادت إلى لبنان.

بمجرّد وصولها استقرت في منزلٍ بقرية جون (قرب صيدا)؛ طردت صاحبه بالقوة، وصادرت البيت ثم هدّمته لتشيّد مكانه قصراً سُمّي بـ”دار الست”، عاشت فيه حياةً فائقة الإثارة.

فقد ارتدت زياً رجالياً شرقياً ولبست عمامة، وكانت تسير بين الأهالي وهي تمتطي جوادها العربي وتمتشق السيف. فظنّها الأهالي جاسوسةً، لأن أي امراة عادية لا تفعل ذلك أبداً.

شرعت هستر تدرس اللغة العربية، وأحاطت نفسها بحرسٍ من الألبان وحاشية من الزنوج، الذين عاملوها كملكة، بتشريفة وبروتوكولات ملكية حقيقية.

ورغم كراهيتها لنابليون (بسبب أصله المتواضع) فقد ربطتها صداقةٌ متينة بالضابط الفرنسي بوتان (وهو ضابط في جيش نابليون)، والذي اختفى فجأة في جبال العلويين عام 1815.

وبعد أن أرسلت اثنين من مُخبريها إلى هناك، أفاداها بأن عصابةً من الأهالي قتلته، ترأست حملة تأديبية للاقتصاص من القتلة، بمساعدة والي صيدا مصطفى آغا. فنهبت حملتها 30 قرية، وقتلت 300 رجل وامرأة، كما أسَرَت النساء وباعتهن في طرابلس، جوارٍ وإماء.

عاشت الملكة أسيرةً لهلوساتها، وإيمانها اللاهوتي بالنبوءات، فحلمت بأنها ستكون أنثى المسيح وأنها ستركب حماراً إلى جانبه عند دخوله القدس. وبعد أن تركت المسيحية واعتنقت المذهب الدرزي، آمنت بعودة المهدي وسمّت مهرتها ليلى (مطية المهدي.

وقعت هستر ستانهوب في غرام شابٍ صغير، ودفنته في حديقتها عندما توفي، وانعزلت عن العالم وأدمنت الحشيش ومارست العرافة. وبعد أن عاشت دور الملكة، أصبحت تُسمّى “ناسكة جبل لبنان”.

لم تكن هستر مستشرقة عاملة في خدمة مكتب استخباراتي استعماري؛ لكنها كانت أسيرة الرؤية الاستشراقية للغرب، وهي رؤية لم تكن حكراً على الباحثين والأدباء، بل كانت شائعة بين جميع الغربيين الذين فكروا في الشرق ووقعوا في شباك غرابته.

واللافت بسيرة حياة ستانهوب، أنها -وبدلاً من أن تكتب عن غرابة الشرق، كعادة المستشرقين الذين سبقوها- ذهبت إليه وعاشت غرابته بكلّ طاقاتها، ومارست فيه سلطتها كسليلة عائلةٍ عريقة وصديقةً للقنصل البريطاني، وسيدة ثرية تشتري وتبيع في الشرقيين كما تشاء (بالمعنى الحرفي والمجازي) وتؤدبهم إذا ما لزم الأمر، بعد أن تنصب نفسها ملكةً عليهم ولو من دون مُلْك.

 

Exit mobile version