Car For Sale
For Sale a Toyota Sienna 2009 (golden) exterior color (Beige) interior. For more information please contact us at (551)-299-2220
or email
naifshaikh520@gmail.com
أديت الخدمة في الجيش المصري حيث “تعلمت عدم الخوف وكيفية التصرف تحت الضغط وعدم التردد”.مصري أمريكي يساعد الشرطة الأمريكية بالقبض على هارب
استطاع أحمد شعبان، وهو سائق مصري يعمل في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، مساعدة الشرطة في وضع نهاية لمطاردة مثيرة في شوارع لوس أنجلوس.
وتمكن أحمد شعبان من مساعدة فرق الشرطة التي تضمنت حوالي 40 ضابطا وهليكوبتر، يلاحقون مطلوبا هاربا بتهمة القتل.
ونقلت وسائل الإعلام الأمريكية في ولاية كاليفورنيا ما فعله الشاب المصري إثر ما قام به لإيقاف المطلوب، إذ أظهرت لقطات مقاطع فيديو كيف تحول أحمد شعبان إلى “بطل” عندما استخدم شاحنته الضخمة لاعتراض طريق سيارة الهارب، وصدمها ليوقفها في الحال، ثم أوقف شاحنته بعرض الشارع ليسد أي طريق يمكن أن يسلكه الهارب.
وفي حديث مع شبكة “فوكس نيوز”، روى الرجل المصري ما حدث، وأشار إلى أنه رأى المطاردة أثناء قيادته الشاحنة، لكن الوضع تغير عندما وجد أن المطاردة أصبحت بالقرب منه، فاعترض طريق الهارب بشاحنته حتى أن أكياس الهواء في سيارته انطلقت بسبب قوة الاصطدام، وقال الرجل المصري: “إذا لم أوقفه كان سيقتل شخصا آخر..كان هذا هو قلقي الرئيسي..فكرت فقط في إبعاده عن الطريق، إذ أن رجال الشرطة كانوا ورائه لفترة طويلة ولم يوقفوه، بينما سيارتي لديها القوة لفعل ذلك، كما أنه واجبي”.
وأوضح السائق المصري “كيف أبطأ حركته قليلا حتى يقابل سيارة الهارب عند التقاطع، وعندما حاول الأخير مرة أخرى المناورة للهروب من شاحنته العملاقة، فما كان منه إلا أنه أوقف الشاحنة بعرض الطريق حتى يحبسه تماما بينه وبين الشرطة من الناحية الأخرى”.
وعما إذا ما كان قد شعر بالخوف على سلامته، قال أحمد شعبان إنه أدى الخدمة في الجيش المصري حيث “تعلم عدم الخوف وكيفية التصرف تحت الضغط وعدم التردد”.
وأوضح أن “الشرطة شكرته، وكانت داعمة للغاية لما فعله، مشيدا بدورها، وأن ضباط الشرطة كان يمكنهم أن يستخدموا العنف لإيقاف الهارب، لكنهم فضلوا عدم فعل ذلك”.
وخلال المقابلة، ارتدى أحمد شعبان “تي شيرت” كتب عليه “أب مصري”، إلى جانب علم مصر.
القصة الكاملة لسد النهضة الذي يهدد بإشعال الحرب بين مصر وإثيوبيا
في سيناريو مُكرَّر ومُتوقَّع، انهارت الجولة الأخيرة من المحادثات حول سد النهضة في العاصمة الكونغولية كينشاسا، لتُصدِر مصر بيانا رسميا جديدا يُلقي باللوم على تعنُّت إثيوبيا ورفضها لجميع المقترحات المطروحة على طاولة التفاوض، وإصرارها على المُضي قُدما في خطط الملء الثاني للسد دون مبالاة باعتراضات القاهرة والخرطوم، في الوقت الذي صعَّد فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من نبرة خطابه في هذا الملف مُنتقِدا “سياسة الأمر الواقع” الإثيوبية، ومُؤكِّدا أن جميع الخيارات مفتوحة حال المساس بحقوق مصر المائية.
يُدرك المتابع لأزمة سد النهضة بين كلٍّ من السودان ومصر وإثيوبيا أنها ليست وليدةَ السنوات القليلة الماضية، لكنّ أحدا لم يكن يدري على وجه الدقة متى زُرعت بذور هذه الأزمة لتخوض الدول الثلاثة في خضم معاركها السياسية الآن، باستثناء “أسياس أفورقي” الرئيس الإريتري الذي حضر جلسة المؤتمر السنوي لقمة “منظمة الوحدة الأفريقية” التي عُقدت بالقاهرة عام 1993، ومنها وإليها نَسب المرحلة الأولى من الصراع في لقاء أجراه (1) مع التليفزيون الإريتري في يناير/كانون الثاني من عام 2016.
كانت القمة المعقودة في القاهرة أواخر يونيو/حزيران برئاسة مصرية وبحضور قادة القارة السمراء وبينهم “ميليس زيناوي”، زعيم “الجبهة الشعبية الديمقراطية الإثيوبية” ورجلها القوي حينها، قد شهدت وفقا لأفورقي حوارا حادا بين زيناوي وعمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية في ذلك الوقت، حاول فيه الأول طرح خططه لتنمية إثيوبيا الخارجةِ بالكاد مما يقارب ربع قرن من حروب أهلية ومجاعات أودت بحياة أكثر من مليون شخص، وبما يشمل خططا للتنمية في مجالات الطاقة والمياه على نهر النيل، لينتهي طرحه بسؤال حاد ومفاجئ من سليمان: مَن تظن نفسك؟
ميليس زيناوي (رويترز)لم يُجِب زيناوي مباشرة، وإن كان قد أجاب إجابة خاصة لراوي الحكاية أفورقي قائلا إنه سوف “يُري العرب” مَن يكون، وعمليا ستنطلق، بعد عام من تلك الواقعة، مجموعةٌ واسعةٌ (2) من مشروعات تنمية موارد المياه والطاقة بإثيوبيا بدأت بمحطات طاقة صغيرة وانتهت بمشروع السد العظيم، وبما سيجعل أفورقي يُصرِّح بأن سد النهضة ما هو إلا مشروع “عاطفي” و”سياسي” أكثر منه تنموي يهدف للنهوض باحتياجات الإثيوبيين.
على الرغم من هذا فإن الخلاف حول نهر النيل لم يكن وليد هذه الحادثة وحدها، بل إنه يرجع لعهد أطول منها بقرن تقريبا من الزمن، وإبان الاستعمار الأوروبي للقارة الذي ترى إثيوبيا أنه سلب دول المنبع حقها في المياه لصالح دولتَيْ المصب، مصر والسودان “التي كانت بدورها جزءا من مصر”، وكان الاستعمار البريطاني محتلا ونائبا عن كلتيهما في الهيمنة على مياه النيل لخدمة مصالحه في القارة.
كانت الهيمنة التاريخية (3) لدولتَيْ المصب على الحصة الكبرى من مياه النهر، وكما تراها أديس أبابا، تنبع بالأساس من قوة بريطانيا العظمى، حيث كانت مصر وقتها تحظى بأهمية إستراتيجية لإنجلترا دفعت الأخيرة للضغط على إثيوبيا لتوقيع اتفاقية عام 1902 التي تنص بنودها على عدم قيام إثيوبيا بأي مشاريع على النهر قد تُؤثِّر على حصة مصر من المياه، والبالغة حينها (84 كم³)، أي ما يعادل المياه المتدفقة كافة في نهر النيل.
تُشكِّل هذه الاتفاقية واحدة من اتفاقيتين لا تعترف بهما أديس أبابا في شأن المياه، وبينما تزعم إثيوبيا بأنها لم تُوقِّع اتفاقية 1902، وإن أُلزمت ببنودها بعد ذلك التاريخ بوقت طويل، فإن الاتفاقية الأخرى التي لا تعترف بها كذلك تخص كلًّا من مصر والسودان فقط، وعنهما حكومة الاحتلال البريطاني التي وقَّعت عام 1929 اتفاقا ألزم الخرطوم بالحفاظ على التدفُّق المنتظم للمياه عبرها إلى مصر، وإن خصَّصت الاتفاقية الجديدة لمصر حصة سنوية من المياه بلغت (48 كم³) وجعلت للسودان (4 كم³) بينما تُرك (32 كم³) أخرى غير مُخصَّصة.
لم تُواجِه مصر بعد ذلك مشكلة تتعلَّق بالمياه إلا حين استقلَّت السودان عن بريطانيا -ومصر بالتبعية- عام 1956، لتبدأ الخرطوم مرحلة التمرُّد على الهيمنة المصرية، ليس فقط بشأن حصتها من المياه، ولكن كذلك فيما يخص قدرة القاهرة على إقامة مشاريع تنموية خاصة بالمياه كإقامة سد أسوان على النيل (الذي بدأ عمله فعليا عام 1902)، ثم مضاعفةِ سعة خزانه مرة بعد أخرى عامَيْ 1908 و1933، دون أن تستطيع الخرطوم إقامة سد مماثل أو أقل سعة لتوليد الكهرباء داخل حدودها.

انتهى الأمر بالقاهرة عام 1959 لتعديل الاتفاقية السابقة مع الخرطوم بشكل أعاد توزيع حصص المياه السنوية بينهما، لتحصل الأولى على (55.5 كم³)، والثانية على (18.5 كم³)، وتُركت (10 كم³) المتبقية لاحتمالات تبخُّر المياه أو تسرُّبها من خزان السد أو غير ذلك من العوامل، لكن بإرضائها السودان كانت مصر تفتح على نفسها بابا لن يُغلق من مطالبة كل دول حوض النيل المُتبقية بحصة خاصة من مياه النهر، وإن كان استمرار الاستعمار والفقر الشديد لغالبية دول الجنوب الأفريقي حينها لا يزال حائلا دون إعلان هذه المطالب.
لم يخفَ أمر الصراع الناشئ حول المياه في الشرق الأفريقي على الدول الأوروبية المنسحبة حديثا، التي كانت لا تزال حاضرة بصور أخرى لرعاية مصالحها، لذا فقد كان التدخُّل السريع تحت مظلة الرعاية الدولية مُمثَّلة في الأمم المتحدة شيئا لا بد منه لحسم الصراع في مهده، لتبدأ منتصف الستينيات مرحلة ستستمر لأكثر من ثلاثين عاما من التعاون الدبلوماسي بشأن المياه، دون أن تشارك إثيوبيا في رُبع القرن الأول منها على أقل تقدير.

انطلقت المرحلة الأولى من تعاونات النيل المائية (4) الأفريقية تحت اسم “Hydromet Project” أو مشروع هيدروميت (اختصارا لـ “Hydrology” و”Meteorology” أو عِلمَيْ المياه والطقس)، ويهدف إلى تحسين خدمات الطقس والمياه في أفريقيا من خلال تعاون المؤسسات المسؤولة في المجال، وفي حين أن كلًّا من مصر والسودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا قد شاركت في أعمال المشروع بداية، قبل أن تنضمَّ إليهم لاحقا دولَتَا رواندا وبروندي، فإن 25 عاما من عُمر المشروع في الفترة ما بين (1967-1992) قد فشلت في تحقيق أهدافها بسبب امتناع إثيوبيا عن المشاركة، وبما حدَّ من قدرة المسؤولين والمشاركين في المشروع على العمل في نطاق “بحيرة تانا” الإثيوبية التي يتدفَّق (5) منها سنويا ما يعادل 80% من مياه نهر النيل، وفيما تأتي بقية المياه (20%) من “بحيرة فيكتوريا” في أوغندا وتنزانيا، فإن دراسة المياه والطقس الخاص بالأخيرة لن يُشكِّل فارقا كبيرا.
تزامنت نهاية المشروع في 1992 مع بداية لمشروع آخر مختص بالمياه شاركت فيه دول الحوض العشرة كاملة هذه المرة، تحت عنوان ‘اللجنة الفنية لتعزيز التنمية وحماية البيئة لحوض النيل” أو (TECCONILE) اختصارا، وفي حين لم تُشكِّل أعمال المشروع الجديد فارقا يُذكَر في تنمية المشاركة أو التعاون بين دول الحوض، فقد شكَّل عام 1993 نقطة فاصلة لكلٍّ من مصر وإثيوبيا، خاصة فيما يتعلَّق باتفاقيات المياه، عندما قرَّر الرئيس المصري (6) مبارك حينها توقيع اتفاقية ثنائية مع زيناوي يمكن في إطارها تحقيق تعاون مُثمر بين الدولتين في هذا الشأن، وفي إطار من مراعاة حقوق المياه والالتزام بالقوانين الدولية دون ضرر أو إضرار لكلتيهما.
لم تصمد هذه الوثيقة لفترة طويلة أمام التصلُّب المصري في رفضِ أيِّ مشاريعَ تنمويةٍ قد تُقام على النهر، وهو ما ظهر جليا في حادثة سليمان-زيناوي سابقة الذكر، لكنّ الأمور قد تعقَّدت أكثر بعد حادثة محاولة الاغتيال الشهيرة للرئيس المصري مبارك في أديس أبابا عام 1995، التي قطعت بسببها القاهرة علاقاتها الدبلوماسية كافة مع أديس أبابا، تاركة للأخيرة مجالا مفتوحا لتنفيذ مشروعاتها على النهر وسواه دون التفكير مرتين في العودة إلى القاهرة أو انتظار مباركتها.
محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995
شهد العام السابق لمحاولة الاغتيال إصدار أديس أبابا “السياسة القومية للطاقة” الأولى الخاصة بها مُتضمِّنة مجموعة واسعة من خطط بناء السدود ومشاريع الطاقة على أنهارها المختلفة، وفي حين أن المشاريع التي عملت على تنفيذها بالفعل في تلك الفترة كانت محدودة وصغيرة نسبيا، فإنها استغلَّت الخصومة مع مصر عام 1995 لتبدأ من فورها عمليات تحديث شاملة لمسوحات وأبحاث المياه والطاقة، ولتُطلقَ العِنانَ لسياستها القومية كي تتجاوز كونها حبرا على ورق، مانحة الضوء الأخضر لبناء سلسلة من مشاريع الطاقة المستهدفة على أنهارها، في وقت ستبدأ فيه حملة أخرى، دبلوماسية هذه المرة، متزعمة دول منبع حوض النيل لرفض الاعتراف وإعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات كافة الخاصة بتوزيع مياه النهر.
كانت حجة إثيوبيا في معارضة هذه الاتفاقيات أنها وُضِعت في فترة الاستعمار، وبما لم يَمْنَحْ دُوَلَ المنبعِ الحقَّ في توزيع عادل للمياه، فضلا عن إقامة المشاريع الخاصة بها على النهر، في وقت يُسمح فيه لدول المصب القيامُ بما تريده من مشاريع تنموية دون العودة لدول المنبع، وساعدها في التأسيس لحُجتها في تلك الفترة توجُّه مصر عام 1997 للقيام بمشروع “الوادي الجديد” الضخم، ودون إخطار دول المنبع، في وقت لم تتوقَّف فيه الشائعات عن خطط مصرية مُحتمَلة لتحويل مجرى مياه النيل إلى سيناء بهدف بيعها لإسرائيل.
لم تحتج إثيوبيا بعد ذلك إلى كثير من الجهد لتجذب إليها دول المنبع الثمانية في مواجهة دولتَيْ المصب لإعادة التفاوض على اتفاقيات جديدة تخص حصص المياه ومشاريع التنمية على النهر، وبينما كانت القاهرة لا تزال تُصِرُّ على قطيعتها مع أديس أبابا، فقد كان التفاف باقي دول الحوض حول الأخيرة، ورعاية البنك الدولي بمباركة القوى العظمى للمناقشات حول المياه، مُحفِّزا للوصول إلى اتفاقية وقَّعتها (7) عام 1999 تسع من أصل عشر حينها من دول الحوض تحت عنوان “مبادرة حوض النيل“، التي اضطرت مصر للانضمام إليها بضغط من المجتمع الدولي، بعد رفض مبدئي.

كان الإطار العام للمبادرة يدور حول خلق مؤسسة تُنظَّم من خلالها الرؤية والمشاركة والتعاون حول مياه النيل، وباعتبارها “أول اتفاق مؤسس” لحق عادل في المياه ومشاريع التنمية على النهر لدول الحوض كافة، فقد وضعت هذه الاتفاقية نهر النيل على الخارطة بوصفه مصدرا للسلام المائي، بدلا من كونه مصدرا للحروب في أدبيات المياه العالمية.
على الرغم من هذا؛ فإن الاجتماعات الدورية لوزراء مياه الدول التسعة لم تتجاوز كونها مساحة للاختلاف حول توزيع الحصص ومدى أحقية كلِّ دولة في إقامة مشاريعها الخاصة على النهر دون الالتفات لأثر التوزيع أو المشاريع على الدول الأخرى، الأمر الذي كان كفيلا بإنهاء المبادرة بعد أقل من عقد على تدشينها، وحتى بعد أن حلَّت اتفاقية أخرى محلها عام 2010، فإن الأخيرة كذلك لم تُفلح في إصلاح ما فسد بين دول النيل، لتبدأ كلُّ واحدةٍ منها باتخاذ طريقها الخاص للحصول على نصيبها من المياه فرديا، وعلى رأسها كانت إثيوبيا.
استطاعت أديس أبابا في تلك الأثناء، فرديا، تطوير خطتها الشاملة للتنمية الخاصة بالمياه والطاقة، والهادفة في المقام الأول إلى تحويل نفسها إلى أحد أكبر مُصدِّري الطاقة في القارة، وبحلول عام 2010 وانهيار المحادثات حول اتفاق يخص المياه، وجدت الفرصة سانحة للإعلان عن تدشين مشروعها القومي الأكبر منذ انتهاء الحرب الأهلية في 1991، الذي يهدف لتحقيق التنمية الشاملة من خلال بناء أكبر سد لتوليد الطاقة في أفريقيا على النيل الأزرق، وهو المشروع الذي سيعرفه العالم الآن باسم “سد الألفية العظيم” أو “سد النهضة”.
سد النهضة

يحظى النيل بنصيب الأسد من اهتمامات السياسة الخارجية المصرية منذ نشأة الجمهورية خاصة، وبما جعل “إعلانَ الحرب” هو الردَّ الرسمي المصري الوحيد في كثير من الأحيان على أية محاولة من الجنوب الأفريقي للعمل على النهر بمشاريع قد تُهدِّد حصة مصر من المياه، ومنذ عهد جمال عبد الناصر ووصولا للسيسي، فإن حجة مصر في ذلك هي استئثار دول المنبع بنصيب الأسد من الأمطار المنهمرة التي تُشكِّل لهم المصدر الرئيس للمياه والزراعة، بينما تعتمد مصر في أكثرَ من 85% من احتياجاتها إلى المياه وتوليد الطاقة على النيل فقط.

جعل هذا من استخدام ورقة الحرب، إلى جانب الضغط الغربي المرافق لكونِها ذاتَ أهمية إستراتيجية بالشمال الأفريقي، وسيلةَ القاهرة لربح معركة المياه لعقود، وإن لم ينفعها هذا مع خروج الاستعمار نهائيا من القارة السمراء مطلع التسعينيات ورغبة الدول -المستعمِرة سابقا- في رعاية مصالحها التي لا تزال قائمة هناك، وبهذا بدأت العُملة الصعبة للاستثمارات الغربية الضخمة تتدفَّق على دول حوض النيل، وإثيوبيا من بينها، وتمنحها هي الأخرى ثقلا موازيا بعض الشيء لمصر.
منحت أموال الاستثمارات الأجنبية فرصة لأديس أبابا كي تستعيد عملها النشط في بناء السدود الصغيرة والمتوسطة ومحطات الطاقة، وبحلول عام 2005 استبدلت (8) إثيوبيا سياستها القومية للطاقة (1994) بخطة الـ “25 عاما” أو خطة التنمية الشاملة التي ستُحَدَّث كل خمس سنوات بعد ذلك بهدف تحويل إثيوبيا من دولة فقيرة إلى أخرى متوسطة الدخل ورائدة في مجال تصدير الطاقة بأفريقيا، ومن خلال بناء شبكة واسعة من محطات توليد الطاقة والسدود الكبيرة والضخمة على أنهارها المختلفة، وبما يشمل النيل الأزرق.
كانت مشاريع (Gilgel Gibe 1, 2, 3) التي بدأت عملها في 2004 هي الخطوة الأولى على طريق تنفيذ السياسات الجديدة للطاقة، فقد دخلت السدود الثلاثة ضمن أهم مشاريع إثيوبيا الجديدة لتوليد الطاقة حينها؛ بسعة (184 ميغا وات) للأول و(428 ميغا وات) و(1870 ميغا وات) للثاني والثالث على التوالي، وإن استمدت هذه المشاريع أهمية خاصة أخرى أتت من كونها انطلقت بتمويل دولي مُتعدِّد ما بين البنك الدولي وكلٍّ من الحكومتين الإيطالية والصينية، وبنك الاستثمار الأوروبي وبنك التنمية الأفريقي، وبالتعاقد مع شركة البناء الإيطالية “ساليني امبرجيلو” التي تعمل واسعا في عدة مشاريع أفريقية خاصة بالطاقة.
Gilgel Gibe 3تشرح تلك المشاريع الحالة العامة وقتها من التدافع الدولي للمشاركة في مشاريع النهضة الأفريقية عامة والإثيوبية خاصة من ناحية، ومن ناحية أخرى تُوضِّح مدى سعي أديس أبابا للوصول بسرعة فائقة للهدف من خطة التنمية الإثيوبية الشاملة؛ ألا وهو التحوُّل بإنتاج الطاقة في إثيوبيا من سعة (473 ميغا وات) في 2005 إلى (981 ميغا وات) في 2012، وبتوقُّع أن تصل هذه القيمة إلى أكثر من ألفَيْ ميغا وات بحلول عام 2025 وفقا للخطة الأصلية التي كانت قد أعدَّتها شركة كندية خاصة للحكومة الإثيوبية، وإن ارتأت الأخيرة تعديلها ذاتيا ومضاعفة سعة الإنتاج المطلوبة بحلول عام 2010 لتتجاوز ثلاثة آلاف ميغا وات، في خطة جديدة اعتبرها البنك الدولي حينها “غير واقعية” و”غير مسؤولة”، نظرا لكونها تتجاوز بكثير احتياجات إثيوبيا من الطاقة، ولا تلتفت لموازنة خطتها مع قدرتها الاقتصادية والمالية، ولا مع بنيتها التحتية غير القادرة على استيعاب مثل هذه المشاريع الكبيرة.
لم تنتظر أديس أبابا موافقة أو مباركة أحد بأي حال على متابعة العمل في خطتها الطموحة، بل إنها تجاوزت ذلك في 2006 لتبدأ سريا العمل على ما يسمى بـ “المشروع إكس” (Project X) (9) الذي تضمَّن تحديث المسوح كافة الخاصة بمواقع الطاقة في إثيوبيا، وبما يشمل دراسة كان قد أعدَّها “مكتب الاستصلاح الأميركي” منتصف الستينيات لتحديد أفضل المواقع المُمكنة لبناء سدود كبيرة على أنهار إثيوبيا، وحدَّد حينها أربعة مواقع مثالية مُحتمَلة يقع أحدها على النيل الأزرق.
لم يكن “المشروع إكس” المزعوم الذي استنفرت له أديس أبابا قوَّتها منذ اليوم الأول ووصولا لإعلان بداية العمل عليه في 2010 سوى خطتها القادمة لبناء “سد الألفية” على النيل، باعتباره المشروعَ القادمَ من حقبة الحرب الباردة لإعادة إثيوبيا إلى مكانتها القديمة بوصفها قوة إقليمية مؤثرة أفريقيًّا وعالميًّا من خلال خطة غير مُتقنة للوصول بإنتاج الطاقة الخاصة بها إلى ما يقارب ستة آلاف ميغا وات بحلول عام 2018 كما كان مُتوقَّعا حينها، وبما يكفي لتصدير الكم الكبير من الطاقة الفائضة والحصول على العُملة الصعبة اللازمة لإعادة بناء إثيوبيا الجديدة.

بدأت إثيوبيا إذن الترويج للمشروع باعتباره مَعْبَرَها القادمَ تجاه التطوُّر والتقدُّم المستحقَيْن للشعب الإثيوبي، ولم يكن مُتوقَّعا بحال أن تمر الأمور بسلام دون مقاومة قادمة من الشمال الأفريقي للحفاظ على شريان الحياة الوحيد للقاهرة والخرطوم، ولتبدأَ من حينِها احتماليةٌ قائمةٌ للآن باندلاع حرب غير مسبوقة على المياه في حوض النيل.

استبقت إثيوبيا إعلان بناء السد في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2010 بتوقيع “اتفاقية الإطار التعاوني” (10) في الرابع عشر من مايو/أيار من العام نفسه بمدينة عنتيبي-أوغندا مع ثلاث من دول المنبع هي أوغندا وتنزانيا ورواندا، قبل أن تنضم إليهم بعد ذلك كينيا وبوروندي، وإن بدت في ظاهرها تعديلا جديدا للصورة القديمة من مبادرة 1999، فإن الاتفاق الجديد لم يكن سوى إقرار من دول المنبع بوقف العمل بالاتفاقيات كافة (الموقَّعة في ظل الاستعمار) والخاصة بالمياه والنهر واتخاذ الوثيقة الجديدة أساسا للتعاملات المائية القادمة.
رفضت كلٌّ من مصر والسودان الإطار التعاوني الجديد، كما رفضت كلتاهما إعلان السد على الرغم من طمأنة إثيوبيا بأن الهدف الوحيد من إنشائه هو توليد الطاقة وليس تخزين المياه أو الري، وتدخَّلت ثورات الربيع العربي المُندلِعة مطلع 2011 لمنع الأطراف كافة من اتخاذ خطوة فعلية تجاه التفاوض أو غيره، فيما استغلَّت إثيوبيا فرصة انشغال مصر لتُطلِق أعمال المشروع فعليا في الثاني من إبريل/نيسان 2011، واضعةً دولتَيْ المصب أمام الأمر الواقع، لتجد مصر نفسها في مايو/أيار، وبعد أن أُطيح بحكم مبارك وتولَّت حكومة انتقالية تسيير الأعمال في البلاد برئاسة عصام شرف، ساعيةً لإقامة حوار مع إثيوبيا، حوار انطلق في الشهر ذاته وأصبح الأول في جولات مكوكية (11) لن تتوقف لسنوات تالية بين أديس أبابا والقاهرة والخرطوم.

اتُّفِق مبدئيا على تشكيل “لجنة الخبراء” في سبتمبر/أيلول 2011 (2 من كل دولة و4 دوليين من خارج دول حوض النيل) ليكون أول انفراجة في المحادثات التي خيَّم عليها سابقا الخلافُ والتحيُّزُ بين الدول الثلاث، وإن لم يمنع هذا استمرار عمليات البناء على قدم وساق رغم مطالبات القاهرة-الخرطوم بوقفها حتى صدور تقرير الخبراء، وحتى يتسنى للمناقشات أن تتم في إطار من المعرفة بآثار السد المُحتمَلة على كلتيهما، مطالبات تجاهلتها أديس أبابا قبل أن تستبق الاجتماع النهائي للجنة الخبراء (12) الخاص بإصدار التقرير الختامي للجنة المُقرر في الحادي والثلاثين من الشهر ذاته، لتقوم في السادس والعشرين من مايو/أيار 2013 بإجراء تحويل في مجرى مياه النيل الأزرق بهدف استكمال أعمال بناء أساسات السد.
دخلت مصر بعد ذلك مرحلة حرجة من المفاوضات، نتجت عن الخلافات الداخلية التي حدثت بعد تولّي الرئيس الراحل محمد مرسي للسلطة في يونيو/حزيران 2013 والصراع السياسي الذي نشأ حينها بين حكومة الإخوان والدولة العميقة وعنه خرج تسريبان؛ أولهما كان لاجتماع حكومة مرسي مع بعض من قادة المعارضة لمناقشة سد النهضة، وهو الاجتماع الشهير الذي بُثَّ على الهواء باقتراحات بعض الحاضرين بعمل عسكري مصري ضد السد وإثيوبيا، أما الآخر فكان تسريبَ ويكيليكس لإحدى مراسلات البريد الإلكتروني لمسؤولين مصريين يتحدَّث عن طلب القاهرة من الخرطوم السماح للقوات المصرية الخاصة ببناء قاعدة عسكرية على حدود الأخيرة مع أديس أبابا، وموافقة الخرطوم؛ على أن تكون هذه القاعدة التي قد تنطلق منها القوات المصرية لضرب السد إذا ما وصلت المفاوضات لطريق مسدود.
بعد ذلك، كان إعلان الخرطوم في الرابع من ديسمبر/كانون الأول لعام 2013 على لسان الرئيس حينها “عمر البشير” دعمها لسد النهضة ضربة قاصمة للمساعي المصرية، وفي وقت لم تصل فيه الاجتماعات المستمرة لوزراء المياه والري للدول الثلاثة (التي بدأت في الخرطوم في نوفمبر/تشرين الثاني 2013) لاتفاق ما، فإن قمة الاتحاد الأفريقي المنعقدة في يونيو/حزيران 2014 بمدينة مالابو-غينيا الاستوائية قد شهدت أول انفراجة ممكنة للمفاوضات نتجت عن اللقاء المباشر الأول، ودون وسيط، للرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي برئيس الوزراء الإثيوبي “هايلي مريام ديسالين” الذي تولّى الحكم بالإنابة عام 2012 بعد وفاة ميليس زيناوي المفاجئة.
رئيس الوزراء الإثيوبي “هايلي مريام ديسالين” و الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” (رويترز)شهدت المفاوضات بعد ذلك حالة من التسوية المتبادلة بين مصر وإثيوبيا خاصة؛ ففي حين تنازلت الأولى عن طلبها المستمر بوقف أعمال البناء حتى الوصول إلى اتفاق ما، وافقت الثانية في المقابل على استكمال الدراسات الخاصة بالتأثيرات المُحتمَلة للسد على دولتَيْ المصب من قِبَل خبراء دوليين وبإشراف إثيوبي، وهي التوصية التي كان قد اقترحها من قبل تقرير “لجنة الخبراء” الذي اعترف وقتها بالتأثير السلبي للسد على الدولتَيْن، وإن ظلَّ التقرير ذاته سرًّا حتى سُرِّب للصحافة في 2014.
استمر ذلك الانفتاح في التفاوض وصولا للاجتماع الذي تم في الخرطوم ما بين 3-5 مارس/آذار 2015 بحضور وزراء كلٍّ من المياه والري والشؤون الخارجية للدول الثلاثة الذين أعلنوا للمرة الأولى منذ بدء التفاوض في 2011 التوصُّل إلى اتفاق حول السد يُراجَع من قِبَل رؤساء الدول ورؤساء الوزراء، وهو الاتفاق الذي وُقِّع بالفعل في الثامن والعشرين من الشهر نفسه تحت عنوان “اتفاق إعلان المبادئ” (13)، واعتُبر أول اعتراف مصري بحق إثيوبيا في بناء سد النهضة على نهر النيل، تلاه اعترافٌ آخرُ في التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه بتوقيع الدول الثلاثة لـ “وثيقة الخرطوم” (14) التي أكَّدت إعلان المبادئ ووضعت الخطوط العريضة لاستكمال الدراسات بشأن السد.

رسمت الاتفاقيتان السابقتان علامات استفهام عدة حول الطريقة التي تتعامل بها القاهرة مع ملف المياه كاملا، فالتوقيع عليهما مَثَّل اعترافا بحق أديس أبابا في إقامة سد قد يعوق وصول المياه إلى مصر دون حصول الأخيرة على التأكيدات الرسمية اللازمة لحقوقها المائية، لكن ذلك لم يكن المأخذ الوحيد على القاهرة في هذا الشأن، فقد كانت سنوات القطيعة ما بينها وأديس أبابا (1995-2011) قد وضعت حاجزا أمام قدرة البلدين على التعاون في الشأن الأمني والمخابراتي خاصة، وهو تعاون كان ضروريا طوال فترة المفاوضات، إذ أصبحت اجتماعات وزراء المياه والري الثلاثية مصحوبة -إلى جانب حضور وزراء الخارجية- بحضور مسؤولين من أجهزة مخابرات الدول الثلاثة.
بالتزامن مع ذلك، بدأت إثيوبيا تفرض جدارا مُتعمَّدا من السرية حول أعمال السد؛ بداية من سرية الدراسات الخاصة به وخطط بنائه، ومرورا بمنع الخبراء الدوليين والصحافيين من الوصول إلى السد، وليس انتهاء بإعلان المنطقة المحيطة به منطقة حظر طيران وإقامةِ قاعدة جوية للجيش بالقرب منه لحمايته من أية هجمات عدائية مُحتمَلة، سواء من الفرقاء المحليين أو الدوليين، وهي جهود أثبتت كفاءتها نسبيا عندما أوقفت الهجوم المُسلَّح (15) على السد في الأول من مارس/آذار 2017 من قِبَل مجموعة معارضة تابعة لحركة 7 مايو (أو قنبوت سبات)، وإن لم يخفَ على أحدٍ كونُ هذه الحماية العالية للسد هي نتيجة طبيعية لكون شركة المعادن والهندسة الإثيوبية التابعة للجيش “ميتيك” (METEC) هي واحدة من شركتين فقط مسؤولتين عن أعمال المشروع، بينما الثانية لم تكن سوى الشركة الإيطالية “ساليني امبرجيلو”.
أثارت تلك الثنائية شكوكا عدة محلية ودولية، خاصة بعد وفاة ميليس زيناوي في 2012 وعودة الاضطرابات إلى الشارع الإثيوبي مصحوبة بالتحقيقات بقضايا سوء الإدارة والفساد الحكومي، وبما شمل حينها “قطاع الأمن” المسؤول شبه كليا عن عمليات بناء السد، وتحديدا شركةَ “ميتيك” التي باتت في قلب هذه القضايا، وإن لم تتخذ خطوة تجاهها إلا بوصول رئيس الوزراء “آبي أحمد” للحكم في إبريل/نيسان 2018 وقيامه بمجموعة ضخمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية شملت الإطاحة بشركة “ميتيك” من أعمال السد وتوجيه تُهَمِ الفساد لـ 63 فردا من مسؤوليها.
رئيس وزراء إثيوبيا “أبي أحمد”لم تكن “ميتيك” الوحيدة هي موضع الشكوك في قضايا الفساد، فقد كانت “ساليني” الإيطالية نفسها في المكان ذاته عام 2006، وبتحقيق فتحته الحكومة الإيطالية نفسها يتعلَّق بمشاريع جليجل الثلاثة بإثيوبيا التي تولَّتها “ساليني” بالشراكة مع شركة الكهرباء الإثيوبية المملوكة للدولة المعروفة اختصارا بـ “EEPCO”، وارتبط التحقيق الإيطالي بأكبر “ائتمان للمعونة” بقيمة 220 مليونَ يورو منحه صندوقُ التنميةِ الإيطاليُّ منذ نشأته لمشاريع جليجل، واختارت الحكومة الإثيوبية في تلك الفترة التعامل مباشرة مع “ساليني” دون إجراء مناقصة عامة للشركات المحلية والدولية للمنافسة لإقامة المشروع.
تسبَّبت تلك القضايا بتأخُّر أعمال السد مرة بعد أخرى، آخرها كان عام 2019 لاستبدال بعض أعمال البناء التي كانت قد قامت بها شركة “ميتيك” في أساسات السد، ووصفتها الحكومة الإثيوبية بأنها دون المستوى ووجب تعديلها، وبما أضاف إلى تكلفة السد المُقدَّرة بالأساس بخمسة مليارات دولار كانت إثيوبيا قد قرَّرت جمعها ذاتيا ودون طلب قرض أو مساهمة دولية -لم تكن لتحصل عليها- مع رفض دولتَيْ المصب لوجود السد، وامتناع المؤسسات المالية والشركات الدولية عن إقحام نفسها في النزاع بين الدولتين، وهو الأمر الذي استمر حتى توقيع إعلان المبادئ بين الدول الثلاثة في 2015 الذي مهَّد الطريق لتدفُّق الشركات العالمية الصينية خاصة والأوروبية معها لنيل قطعة من كعكة إثيوبيا التنموية ومشاريعها العملاقة.

كانت المرحلة التالية لتوقيع وثيقة الخرطوم في نهاية 2015 سلسلة من المفاوضات المُتعثِّرة والخلافات حول الآثار الفنية للسد، وبشكل أهم حول المدة المُقترَحة لملء خزان السد الذي تبلغ سعته (74 كم³)، أي ما يعادل تقريبا حصتَيْ مصر والسودان من المياه، ففي حين ترغب مصر في مدة زمنية تصل إلى عشر سنوات لملء الخزان، ومع الوضع في الاعتبار سنوات الجفاف، فإن إثيوبيا ترغب في حصر هذه المدة بين 4-6 أو 7 سنوات فقط، مُعتبرةً أنها تنازلت عن رغبتها في ملئه خلال سنتين إلى ثلاث فقط كما كانت تريد.

ازدادت الأمور تعقيدا مع نهايات أكتوبر/تشرين الأول 2019 مع تلويح (16) رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالحرب ضد مصر لحماية السد إذا ما استدعى الأمر، ما اعتبرته القاهرة “غير ملائم” بل و”مخالفا لنصوص ومبادئ وروح القانون الأساسي للاتحاد الأفريقي”، وردت عليه بقبول دعوة الولايات المتحدة (17) إلى النقاش في واشنطن حول السد، بعد أن فشلت روسيا في المهمة ذاتها قبل ذلك بأيام قليلة (18).
تطلَّب الأمر أربعة أشهر من المفاوضات برعاية واشنطن، وجولات مكوكية من سفر وزراءِ الخارجية ووزراءِ المياه والري للدول الثلاثِ ما بينَ القاهرة والخرطوم وأديس أبابا وواشنطن للوصول إلى نسخة نهائية من مسودة اتفاق (19) كان من المفترض أن يُوَقَّع عليها نهاية فبراير/شباط 2020، قبل أن تُفاجئ إثيوبيا الجميع بالانسحاب (20) قبل التوقيع بحجة الانحياز الأميركي لمصر في المفاوضات، والزعم بأن الصيغة النهائية للاتفاق لم تكن ما تفاوضوا عليه.
وضع الانسحاب الإثيوبي نهاية عقد تقريبا من التفاوض الذي تُوِّج للمرة الأولى في واشنطن بصيغة نهائية شملت خارطة طريق تتَّفق عليها الدول الثلاثة حول خطة ملء السد والإجراءات الخاصة بتشغيله خلال السنوات العادية وسنوات الجفاف، ومنذ ذلك الحين عادت المفاوضات مجددا إلى مظلة الاتحاد الأفريقي في جولات تفاوضية قصيرة وغير مُجدية، وغالبا ما كانت تنتهي دون اتفاق، ومع اتهامات مُتبادَلة حول أسباب الفشل كما حدث في مفاوضات كينشاسا الأخيرة قبل أيام، في حين تتمسَّك إثيوبيا بموقفها المُتعنِّت مُصِرَّة على بدء الملء الثاني للسد في يوليو/تموز المُقبِل بغض النظر عن موقف القاهرة والخرطوم.
على كل حال، فإن العناوين الرئيسية للخلاف مثل مدة ملء الخزان وسنوات الجفاف لن تكون هي أكبر مشكلات القاهرة والخرطوم مستقبلا بأي حال، فغياب المصارحة الإثيوبية فيما يتعلَّق بإنشاءات السد، والشكوك التي صاحبت دراسات عدة من مشكلات مُحتمَلة في بنيته التحتية إلى جانب تورُّط كلتا الشركتين المسؤولتين عنه في أعمال فساد وسوء إدارة؛ كل هذا يدع احتمالية كبيرة قائمة لتصدُّع أو انهيار السد نفسه عند التوجُّه نحو ملء خزانه، وهو ما يُشكِّل خطرا مُحتمَلا على الدول الثلاثة إذا ما حدث، وبإضافة النقص المُحتمَل لحصة مصر من المياه وغياب التنسيق بينها وبين إثيوبيا في عمل كلٍّ من سد النهضة والسد العالي بأسوان على النيل، وما قد يُسبِّبه ذلك من مشكلات لمصر في تدفُّق المياه وتوليد الكهرباء، فإن أزمة المياه في مصر على وشك أن تتجاوز مجرد الوصول إلى مرحلة الفقر المائي التي أعلنتها القاهرة بالفعل.
أما ما يتعلَّق بالصورة الكبرى حول أزمة السد، فإن أفريقيا تختبر الآن مرحلة من توازنات القوى التي تلعب فيها دول الجنوب الفقيرة قديما دور القوى الصاعدة بقوة على ساحة التأثير؛ إما لثرواتها الجاذبة لرؤوس الأموال الكبرى، وإما لمواقعها الإستراتيجية في مواطن الصراعات القادمة عالميا التي وُضعت منطقة القرن الأفريقي رغما عنها في الوسط منها، وبما يمنح إثيوبيا فرصة لاستعادة دورها التاريخي المؤثر هناك، دور يبدو أنه على وشك إزاحة القاهرة من مكانتها القديمة على رأس القوى الأفريقية الكبرى.
وعلى الرغم من أن سنوات عدة قادمة قد تلزم دول الجنوب الأفريقي للاستقرار والخروج من عنق الزجاجة سواء سياسيا أو اقتصاديا، فإنه يجب على القاهرة الانتباهُ لهذا في محاولتها الخروج بأقل خسائر مُمكنة في نزاعها على المياه مع أديس أبابا التي تبدو وكأنها لا تُبالي بالتهديدات وليس لديها ما تخسره، على عكس مصر التي قد تجد نفسها خلال العقد القادم في مواجهة نقص حاد في مياه الشرب والزراعة اللتين تُشكِّلان عصب الحياة ومصدرها الأول للغالبية العظمى من الشعب، وهو ما سيضع الحكومة في القاهرة حينها في مواجهة صراع داخلي على تقاسم موارد المياه بالشكل الذي يُهدِّد مستقبل مصر التي عرفها العالم منذ آلاف السنين بوصفها هبة النيل.
______________________________________
المصادر
- Meles Zenawi’s Decision to Build Renaissance Dam was Out of Emotion: President Isaias
- Scaling – Up Renewable Energy Program Ethiopia Investment Plan (Draft Final)
- Ethiopia’s Challenge to Egyptian Hegemony in the Nile River Basin: The Case of the Grand Ethiopian Renaissance Dam
- Challenges for water sharing in the Nile basin: changing geo-politics and changing climate
- The River Nile and Ethiopia’s Grand Renaissance Dam: challenges to Egypt’s security approach
- Desecuritization, Domestic Struggles, and Egypt’s Conflict with Ethiopia over the Nile River
- Dispute over Water in the Nile Basin
- THE GILGEL GIBE AFFAIR
- Bridging the Gap in the Nile Waters Dispute
- Cooperative Framework Agreement
- The Grand Ethiopian Renaissance Dam: the road to the declaration of principles and the Khartoum document
- International Panel of Experts Report on Grand Ethiopian Renaissance Dam Project
- نص إعلان المبادئ حول مشروع سد النهضة
- وثيقة الخرطوم بشأن سد النهضة
- مصادر إثيوبية: إحباط هجوم مسلح على “سد النهضة”
- مصر ترفض تلويح آبي أحمد بـ”الحرب” لحماية سد النهضة
- أزمة سد النهضة.. عروض أميركية وروسية للوساطة
- موسكو تقترح الوساطة.. آبي والسيسي يتفقان بسوتشي على الحوار لحل أزمة سد النهضة
- سد النهضة.. التوافق على 3 أمور بين مصر وإثيوبيا والسودان
- رغم الخلافات الإقليمية.. اكتمال الإنشاءات في سد النهضة بما يسمح بتعبئة أولية
“الاقتصاد التشاركي” سبيل مصر نحو غزو أفريقيا إقتصاديا كتب – على ابو زيدان

رسالة الى الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيرس – أحمد محارم
الأسس الدينية للسلام العربي الإسرائيلي – بقلم الحاخام ديفيد روزين
أعرب الرئيس جو بايدن ووزير الخارجية بلينكن عن دعمهما لاتفاقيات أبراهام، وللمكتسبات التي حققها أسلافهما من أجل بناء السلام في الشرق الأوسط، كما أعلنا التزامهما بمواصلة الجهود الأمريكية لتوسيع دائرة السلام العربي الإسرائيلي. وإن تحقيق ذلك سيستلزم ليس فقط الدفع بعملية التطبيع كهدف استراتيجي، ولكن أيضا تعزيز الروابط بين الأديان تحت اسم إبراهيم وما يحمله من دلالة عميقة. فهذه الروابط عنصر أساسي لبناء السلام المستدام.
لقد كانت كل المحاولات السالفة لحل الصراع العربي الإسرائيلي، والنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين على وجه الخصوص، تتجنب بشكل مدروس ممثلي الجماعات الدينية من كلا الطرفين. وليس من الصعب فهم ذلك، بالنظر إلى العنف والكراهية المرتكبة باسم الدين، خاصة في الشرق الأوسط.
لكن، إذا كان المرء لا يريد أن يجعل الدين جزءًا من المشكلة، فلن يكون الحل بتجنبه.
يؤدي استبعاد الدين من العمليات الدبلوماسية إلى تهميش المتدينين المحبين للسلام وقيادتهم، والذين يمثلون الأغلبية الساحقة، وبالتالي إخلاء الملعب للمتطرفين، ومنحهم فرصة الظهور كأنهم الصوت الحقيقي للدين. إن إلغاء حضور الجماعات الدينية المعتدلة يعزز الانطباع بأن مبادرات السلام معادية لمصالح المتدينين الملتزمين. إذا كنا لا نريد جعل الدين جزءًا من المشكلة، فيجب أن نجعله جزءًا من الحل: فكلما كان الدين أكثر مرئيًا، كان ذلك أفضل.
يكمن جزء كبير من النجاح المبهر لاتفاقيات إبراهيم في الرؤية التي يجسدها اسمها. وقد شاركني أحد المصممين الرئيسيين لكواليس الاتفاقيات التعليق التالي:
لقد عزمنا بالفعل على تأليف هذه الشعوب الثلاثة في سلام من خلال رابط الدين الذي لا يمكن إنكاره. ولكي يكون هذا السلام سلامًا مستدامًا، نحتاج إلى جعل هذا الأمر ينبني على علاقات “بين الأشخاص” بدل العلاقات الصارمة بين الحكومات. لقد أردنا أن ينبني هذا الاتفاق على الدين والمعتقدات المشتركة من أجل تسليط الضوء على أوجه التشابه بدل إبراز الاختلافات.
يتميز العالم العربي على وجه الخصوص بكونه متجذرا بعمق في المعتقدات الدينية. ويعتقد الكثيرون أن أحد أسباب فشل محاولات صنع السلام الماضية هو عدم فهم مدى عمق وتجذر هويات أطراف الصراع في الموروث الديني. فالصراع لا يدور فقط حول الأرض والموارد والأمن والسلطة السياسية، بل يتضمن أيضًا الأصول غير الملموسة والتي تتعلق برؤية (وطريقة تلقين) كل شريعة للشريعة الأخرى.
لقد رأينا للأسف كيف تقوض التعاليم السلبية المبنية على الجهل حول الطرف الآخر كل الجهود الدبلوماسية البناءة. إذ أن خلق مناخ إيجابي ليس فقط من خلال التعاون التجاري والأمني، ولكن أيضًا من خلال المشاركة بين الأديان والتعاون والتعليم هو أمر بالغ الأهمية.
لقد تشرفت بمشاهدة الحوارات المذهلة بين الأديان التي جرت تحت رعاية الفاعلين السياسيين الرئيسيين على مدى السنوات الست الماضية. وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى جهود منتدى تعزيز السلام في المجتمعات الإسلامية، بقيادة الشيخ عبد الله بن بيه. والذي أسفرت أعمال قمته، التي استضافها الملك محمد السادس في مراكش، وإعلانه، إلى جانب تحالف الفضيلة الجديد الذي وقع في أبو ظبي من قبل قادة الديانات الإبراهيمية الأخرى ومجموعة من علماء المسلمين البارزين، إلى بزوغ رؤية إسلامية بناءة نحو التعددية واحترام الاختلاف الديني.
كما كان وثيقة مكة التاريخية الذي أصدرته رابطة العالم الإسلامي العام الماضي، والذي وقعه أكثر من 1200 عالم مسلم، إنجازا كبيرا أيضا.
لقد ساهمت هذه التطورات بشكل كبير في التغلب على الصور النمطية السلبية، وولدت نظرة مختلفة عن مجتمعاتنا ومكانتها في هذه المنطقة ومهدت الطريق لاتفاقات إبراهيم.
وهنا تكمن أهمية اسم إبراهيم. إذ أن إبراز الأب المشترك بين الديانات يوضح حقيقة أننا يمكن أن نعتبر عائلة واحدة، على الرغم من كل الاختلافات الكبيرة التي يجب احترامها.
لقد ساهم اسم أبراهام ولا يزال يساهم في إحداث تلك النقلة النوعية المنشودة في رؤى السلام وحل النزاعات بين القادة الدينيين والسياسيين على حدٍ سواء. جنبًا إلى جنب مع أهمية جميع مجالات التعاون الملموسة، فمن الأهمية بمكان تشجيع مبادرة “العلاقات بين الأشخاص” وتطويرها على جميع الأصعدة. ويمكن القول إن لحوار بين الأديان من شأنه أن يوفر ما يمكن تسميته بالمادة اللاصقة “النفسية والروحية” الضرورية جدًا لتطوير هذه العلاقات والحفاظ عليها وبناء السلام في المنطقة ككل.
إن التطبيع بين الدول مبني على المصالح المشتركة والاعتبارات السياسية البراغماتية. ولكن إذا كنا نطمح إلى إقامة سلام مستدام حق بين الناس، فيجب علينا أيضًا استحضار القيم والهويات التي تؤطر حياتهم.
الحاخام ديفيد روزين، المدير للشؤون بين الأديان الدولية باللجنة اليهودية الأمريكية ومقرها القدس.


The Religious Foundations Of Arab-Israel Peace This article was first published in English by Religion News Service March 26, 2021 By David Rosen
President Joe Biden and Secretary of State Blinken have expressed their support for the Abraham Accords, their predecessors’ Middle East peace-building achievement, and have committed to continue the U.S. effort to expand the circle of Arab-Israeli peace. To do so, it will be important not only to advance normalization as a strategic objective, but to bolster interreligious bonds in the specific and deeply significant name of Abraham. Such ties are an essential feature of sustainable peace.
Almost all past attempts to resolve the Arab-Israeli conflict, and that between Israel and the Palestinians in particular, have studiously avoided representatives of the parties’ faith communities. This is not difficult to understand, given the violence and hate perpetrated in the name of religion, especially in the Middle East.
If one does not want religion to be part of the problem, however, the answer cannot be to avoid it.
Excluding faith from diplomatic processes marginalizes peace-loving religionists and their leadership, who represent the overwhelming majority, and cedes the public square to extremists, allowing them to be seen as the authentic voice of religion. Concealing the presence of moderate religious communities intensifies the impression that peace initiatives are inimical to the interests of the devoutly religious. If we do not want religion to be part of the problem, it must be part of the solution: the more visible faith is, the better.
The impressive success of the Abraham Accords lies in no small part in the vision embodied in their name. One of the agreements’ key architects behind the scenes shared with me the following comment:
We did indeed intend on bringing these three peoples together for peace through the undeniable link of faith. For this to be a sustainable peace, we need to make this about ‘people to people’ relationships versus strictly government to government. We wanted this accord to be based on common and shared faith and beliefs to highlight our similarities versus differences.
The Arab world in particular is deeply rooted in religious faith. One reason past peacemaking attempts have failed, many believe, is a lack of understanding of how profoundly the identities of those involved in the conflict are rooted in religious heritages. The conflict is not only about territory, resources, security and political power. It also involves intangibles that relate to how each tradition views (and teaches about) the others.
Unfortunately, we have seen how ignoring negative teaching about the other undermines constructive diplomatic efforts. Creating a positive climate not just through trade and commerce and security collaboration, but also through interreligious engagement, cooperation and education is critical.
I have been privileged to witness firsthand the startling interreligious dialogues that have taken place under the auspices of the major political players over the past six years. Particularly notable has been the work of the Forum for Promoting Peace in Muslim Societies, led by Sheikh Abdullah Bin Bayyah. His summit, hosted by King Mohammed VI in Marrakech, and its declaration, as well as his new Alliance of Virtue signed in Abu Dhabi by leaders of the other Abrahamic religions and an array of prominent Muslim scholars, have trailblazed a constructive Muslim vision for advancing pluralism and respect for religious diversity.
Also groundbreaking was the remarkable Mecca Declaration issued last year by the Muslim World League, signed by more than 1,200 Muslim scholars.
Such developments have contributed enormously to overcoming negative stereotypes, generated a changed perception of our communities and their place in this region and paved the way for the Abraham Accords.
That is why the name Abraham is so significant. Highlighting our common father in faith demonstrates the fact that we may be seen as one extended family, despite all the important differences that must be respected.
The Abraham name served and serves to generate a much-needed paradigm shift in perceptions of peace and conflict resolution among religious and political leaders alike. As important as all the tangible areas of cooperation are, it is critical that the “people to people” engagement be encouraged to flourish at all levels. Interreligious dialogue can provide what might be termed as the “psycho-spiritual” glue that is so essential for developing and sustaining these relations and building peace in the region as a whole.
Normalization between states is built upon shared interests and pragmatic political considerations. But if we aspire to forge truly sustainable peace between people, we must also invoke the values and identities by which they define their lives.
Rabbi David Rosen is the American Jewish Committee’s Jerusalem-based International Director of Interreligious Affairs.

مصر تحاول تغيير مواقف دول حوض النيل من سد النهضة.. فمن يقف معها، ومن يساند إثيوبيا؟
كان توقيع مصر مؤخراً اتفاقيتين مع اثنتين من دول حوض النيل لهما طابع عسكري وأمني، إشارة إلى سعي القاهرة لحشد مواقف دول المنطقة لجانبها في مواجهة إصرار أديس أبابا على تجاهل حقوقها وحقوق السودان التاريخية في مياه النيل، ولكن هل تنجح مصر في تحقيق هذا الهدف بعدما كادت الأزمة تبلغ ذروتها؟
وفي خضم توتر متصاعد مع إثيوبيا بشأن سد النهضة الذي تقيمه أديس أبابا على نهر النيل، وقعت مصر اتفاقاً لتبادل المعلومات العسكرية مع أوغندا، وأعقبه توقيع بروتوكول تعاون عسكري مع بوروندي، وهما من بين 11 دولة تقع على حوض نهر النيل.
ووفق ما نقلته قوات الدفاع الشعبية الأوغندية (القوات المسلحة)، الأربعاء الماضي، فقد وُقع الاتفاق بين جهاز المخابرات المصرية ورئاسة المخابرات العسكرية التابعة للقوات الأوغندية، ولم تصدر عن القاهرة تفاصيل بشأن هذا الاتفاق حتى مساء الأحد.
وارتبط الاتفاق بصورة مباشرة بنهر النيل، حيث نقل البيان الأوغندي عن اللواء سامح الدجوي -الذي ترأس وفد المخابرات المصرية إلى كمبالا- قوله إن بلاده وأوغندا تتقاسمان مياه النيل، وأن ما يؤثر على الأوغنديين يؤثر بشكل أو بآخر على مصر.
كما شهد السبت الماضي إعلان الجيش المصري توقيع مصر وبوروندي بروتوكول تعاون عسكري يتضمن التعاون في مجالات التدريب والتأهيل بما يتيح تبادل الخبرات بين الجانبين.
ويعد الاتفاقان السابقان ثالث توقيع مماثل لمصر خلال شهرين؛ وذلك بعد توقيع القاهرة والخرطوم الشهر الماضي اتفاقية تعاون عسكري، إضافة إلى تنفيذ البلدين مناورات جوية مشتركة، وتبادل زيارات رفيعة، في وقت يتصاعد فيه حديث المسؤولين المصريين عن وصول المفاوضات مع أديس أبابا إلى طرق مسدودة، وتحذيرات من نشوب صراع مسلح بسبب السد الإثيوبي.
ما هي دول حوض النيل؟ ولماذا تنقسم إلى كتلتين شبه دائمتين؟
دول حوض النيل هو مصطلح يطلق على الدول الإفريقية التي يمر فيها نهر النيل.
وفي فبراير/شباط 1999، أطلقت في دار السلام مبادرة حوض النيل.
وفي فبراير 1999 تم توقيع مبادرة حوض النيل بين دول حوض النيل العشر، بهدف تدعيم أواصر التعاون الإقليمي بين هذه الدول.
ودول حوض النيل وفقاً للاتفاقية هي مصر، السودان، أوغندا، إثيوبيا، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، تنزانيا، رواندا، كينيا، إريتريا، حسب موقع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا.
وانضمت دولة (جنوب السودان) إلى دول حوض النيل بعد الاعلان الرسمي عن ميلادها في التاسع من يوليو/تموز 2011م
وتنقسم دول حوض النيل إلى نوعين، دول المنابع (إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، الكونغو الديمقراطية)، ودولتي المصب (مصر والسودان)، ويمكن وصف السودان بأنها دولة معبر أيضاً إضافة إلى كونها دولة مصب، وكذلك جنوب السودان.
وحتى قبل استفحال الأزمة بين مصر والسودان وبين إثيوبيا، كان هناك خلاف بين دول المنابع ودولتي المصب.

ويعود الخلاف أساساً الى توقيع (ست دول) من منابع النيل (إثيوبيا – أوغندا – كينيا – تنزانيا – رواندا – بوروندي) على الاتفاق الإطاري (الوثيقة القانونية) لمبادرة دول حوض النيل للتعاون التي انطلقت عام 1999م تحت إشراف مجلس وزراء الموارد المائية لدول وادي النيل.
وتحفظت (دولتا المصب) على هذا التوقيع خاصة (مصر) التي كانت لها ملاحظات حول المادة (14) من الاتفاق الإطاري، والمتمثلة بالأمن المائي من خلال ما يعرف بالاستخدام المنصف.
إذ تطالب مصر بحصتها الكاملة من المياه كدولة مصب وتعارض إنشاء أي مشروع على مجرى النهر إلا بموافقتها، كما ترى أنه يحق لها الإشراف والرقابة المستمرة على تدفق المياه من المنابع حتى المصب استناداً إلى اتفاقيات سابقة.
وظل الحوار قائماً بين دولتي المصب ودول المنابع فيما يتعلق بـ(مبادرة حوض النيل) منذ عام 1999م إلى أن أقدمت خمس دول من دول المنابع على التوقيع على الاتفاق الإطاري في مدينة (عنتيبي) في (أوغندا) يوم 14 مايو/آيار 2010، تلاه توقيع (بوروندي – كسادس دولة)، وبالتالي أصبح الاتفاق ساري التنفيذ بأغلبية دول حوض النيل بعد التصديق عليه في مجالسها النيابية.
واللافت أن الكونغو رغم أنها دولة منبع لم توقع على الاتفاق ربما لغرض إيجاد حل توفيقي بين دولتي المصب ودول المنابع من منطلق أنها ليست بحاجة إلى الانحياز لأي من الطرفين بحكم أنها دولة غنية بالمياه، إلى جانب أنها إحدى دول الحوض الرافدة بالمياه دولتي المصب (بالإضافة إلى إريتريا كمراقب).
وتأتي أهمية إثيوبيا بأنها تغذي نهر النيل الرئيسي بالمياه من خلال موسم الأمطار الكثيف الذي تشهده هضابها، وتصل للنيل عبر ثلاث روافد هي النيل الأزرق والسوباط وعطبرة، ويأتي منها نحو 70% من مياه النيل.
ولكن بقية دول المنابع لها أهمية بالغة لمصر والسودان، رغم أنها لا تقدم سوى 30% من مياه النيل لأن الأمطار لديها (منطقة هضبة البحيرات) تسقط طوال العام، وبالتالي تغذي النيل بالمياه الدائمة (في موسم فيضان النيل وغير موسم الفيضان).
ورغم الخلافات القديمة، لكن اللافت أن التحركات المصرية وأيضاً السودانية الأخيرة، أدت إلى تعزيز العلاقات مع العديد من دول حوض النيل أبرزها أوغندا وبوروندي، ولكن هذا لا يعني أن القاهرة والخرطوم قد كسبتا معظم دول حوض النيل.
وفي السنوات الأخيرة، توجهت مصر نحو إعادة التمركز بين دول إفريقيا، خاصة حوض النيل، بعد غياب لعقود، في إطار تبادل المعلومات الأمنية مع دول مثل الكونغو والصومال وموزمبيق وأوغندا، بالإضافة إلى دعم عمليات تنموية مرتبطة بالمياه.
تغيرات في مواقف أوغندا وبوروندي
تعد اتفاقيتا أوغندا وبوروندي مهمتين بالنسبة للقاهرة من زاوية تبادل المعلومات الأمنية بين مصر والدول المحيطة بإثيوبيا أو القريبة منها جغرافياً، حسبما قال الباحث المصري المتخصص في النزاعات الدولية والعلاقات الاقتصادية إبراهيم نوار لموقع “الجزيرة نت“.
ورأى أن الاتفاقيتين توفران لمصر المعلومات الضرورية لتكوين رؤية عن مسرح العمليات في حال نشوب صراع مع إثيوبيا.
وأشار إلى أن الاتفاق مع أوغندا يسمح أيضاً بتواصل مستمر بين مسؤولي المخابرات في البلدين فيما يتعلق بالأمن والاستقرار في المنطقة، التي تشهد تصعيداً في اعتداءات التنظيمات المتطرفة في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي.
وحول علاقة مثل هذه الاتفاقية بأزمة سد النهضة، أكد نوار أن بلاده تحاول تحسين شروط مفاوضات السد وإنهاء الأزمة سلمياً.
لكنه شدد على أنه في كل الأحوال يجب أن تستمر مصر في تطوير علاقاتها بالدول الإفريقية، وعلى وجه الخصوص دول حوض النيل؛ لارتباط مصالحها بها، بصرف النظر عن النزاع مع إثيوبيا بسبب سد النهضة.
ولفت الكاتب الصحفي الإريتري عبدالقادر محمد في تصريح لموقع الجزيرة.نت إلى تأثير إيجابي للتوجهات المصرية كمبادرة أوغندا المتعلقة بنهر الكونغو، التي تعتمد على توفير كميات ضخمة من المياه تسهم في تعويض النقص الذي تتخوف منه مصر والسودان،
الكونغو.. الموقف الأكثر تفهماً لمصالح دولتي المصب، فهل ينقذهما؟
من الملاحظ أن مواقف الكونغو تبدو أكثر تفهماً لمصالح دولتي المصب مصر والسودان أكثر من أغلب دول المنابع الأخرى، ويبدو هذا الموقف قديماً وسابقاً في الأزمة الأخيرة وما تبعها من تحركات مصرية.
وهناك علاقات جيدة تاريخياً بين مصر والكونغو، وقد يرجع أحد أسباب ذلك إلى أن الكونغو دولة غنية بالموارد بالمياه إذ تمتلك ثاني أطول نهر في إفريقيا وهو نهر الكونغو، بل إن هذا النهر هو أكبر من حيث كمية المياه التي يحويها من النيل، إذ يعد ثاني نهر في العالم من حيث كمية المياه التي يحملها في مجراه بعد الأمازون، كما أنه أعمق نهر مسجل في العالم.
وقد يكون أحد أسباب مواقف كينشاسا أن بعض منابع نهر الكونغو تبدأ خارج الكونغو الديمقراطية، بشكل يجعلها دولة مصب جزئياً (حتى لو كانت معظم منابعه من داخل البلاد).
وتظهر العلاقات الجيدة نسبياً بين القاهرة وكينشاسا في المساعدات التي وجهتها مصر للكونغو إضافة إلى الحديث الدائم عن مشروعات مصرية خاصة بنهر الكونغو، بما في ذلك ربط الكونغو بنهر النيل، والذي نفته القاهرة مؤخراً.
ولكن تظل الكونغو دول غير منخرطة بقوة في أحداث القرن الإفريقي، وهي رغم مواردها الهائلة، فهي دولة خارجة من أزمات وحروب أهلية، بحيث كانت تستحق لفترة وصف رجل إفريقيا المريض.
وهي ليس لديها حدود مباشرة مع إثيوبيا، وبالتالي فإن تأثير مواقفها معنوي خصوصاً مع توليها رئاسة الاتحاد الإفريقي.
جنوب السودان: ساحة منافسة بين مصر وإثيوبيا
رغم العلاقات المصرية السودانية التاريخية، إلا أن القاهرة احتفظت بعلاقات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت تقود جنوب السودان في الحرب التي خاضتها ضد الخرطوم للحصول على حق تقرير المصير، والتي انتهت باتفاق سلام أدى إلى انفصال الجنوب.
وزادت هذه العلاقة بين القاهرة وجوبا تحسناً خلال فترة توتر الأجواء بين القاهرة والخرطوم، بسبب التوجه الإسلامي لنظام البشير الترابي، خاصة بعد اتهام القاهرة لنظام البشير بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، حيث أفادت تقارير بدعم القاهرة للحركة في مواجهة السودان.
وفي الوقت ذاته، كانت الجبهة الشعبية لتحرير السودان لديها علاقات تاريخية مع إثيوبيا.
وانعكس ذلك في تقلب مواقف السودان في أزمة سد النهضة.
ويمكن القول إن جنوب السودان محور لتنافس مصري ـ إثيوبي قديم عززه نزاع “سد النهضة”.
وبين القاهرة وجوبا تعاون واسع في المجالات كافة، حيث أخذت مصر على عاتقها دعم الدولة الوليدة منذ استقلالها عن السودان عام 2011.
ويقول السفير أشرف حربي، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، إن “العلاقات بين البلدين تتضمن اتفاقيات واسعة، تضم تعاوناً تجارياً واقتصادياً وعسكرياً لدعم بناء مؤسسات الحكومة في جوبا، ووصل الأمر إلى ظهور تقارير بشأن إنشاء قاعدة مصرية في جنوب السودان”.
كما أن هناك حديثاً عن إحياء قناة جونقلي في جنوب السودان، وهي مشروع قديم يهدف إلى إنشاء قناة تتجنب مسارات النيل في السدود النباتية والمستنقعات التي تهدر روافد النيل الأبيض ولكنه جوبه بمعارضة شعبية في جنوب السودان قبل استقلاله عن السودان.
ولكن تظل هناك حالة من التقلب وعدم اليقين في مواقف جنوب السودان.

فلقد أفاد تقرير لموقع صحيفة العربي الجديد بأن بياناً صادراً من السفارة الإثيوبية في جوبا، ورد فيه أن وزير الري في جنوب السودان مناو بيتر قال إن بلاده “تدعم حقوق إثيوبيا في الاستفادة بمواردها الطبيعية”، معلناً أنها “سوف توقع على الاتفاق الإطاري لحوض النيل، وستصادق عليه بمجرد انعقاد البرلمان”.
ولكن مناو بيتر، وزير الموارد المائية والري بدولة جنوب السودان، نفى ما نشر عن دعمه لموقف إثيوبيا في بناء سد النهضة بالشكل الحالي.
كما اعتبرت جوبا مخاوف الخرطوم من الملء الثاني الأحادي لـ”سد النهضة” الإثيوبي، مشروعة، خلال لقاء مشترك بين الجانبين.
يمكن توقع أن مواقف جوبا من أزمة سد النهضة قد تكون مرتبطة بشدة مع تطورات علاقتها مع السودان، ولا سيما مدى تجاوب الخرطوم مع مطالب الحركة الشعبية لتحرير السودان جناح الشمال فيما يتعلق بحقوق المناطق التي تعتبرها نفسها ممثلة لها، وهي مطالب تشمل العلمانية في الحكم وتقليل المركزية بشكل كبير، وتغيير طابع الجيش السوداني، كما بدا في الاتفاق الإطاري، الذي وقعته الخرطوم مع الشعبية جناح الشمال، مؤخراً بوساطة من جنوب السودان.
وفي النهاية يظل جنوب السودان دولة ضعيفة وصغيرة ومنقسمة حصلت على استقلالها للتو، ولديها مشاكل داخلية كبيرة، وبالتالي على الأرجح فإنها تحاول الاستفادة من التلاعب بين الدول الكبيرة في المنطقة لا سيما مصر وإثيوبيا.
تنزانيا.. من سد نيريري إلى سد النهضة
أفادت تقارير بأن مصر تنفذ مشروع سد ومحطة “جوليوس نيريري” للسيطرة على فيضان نهر روفيجي فى تنزانيا، وهي من الدول الكبيرة بشرق إفريقيا، ولا يعرف هل يتم الأمر بمنحة مصرية كاملة أم جزئية أم أن الشركات المصرية تقوم بدور المقاول فقط.
وأُعلن أن الحكومة التنزانية قد قررت في ديسمبر من عام 2018 إسناد عقد إنشاء المشروع إلى شركات مصرية بتكلفة 2.9 مليار دولار.
وهو يعد مشروعاً قومياً عملاقاً، تنفذه شركتا “المقاولون العرب” و”السويدي إليكتريك”، تحت إشراف الحكومة المصرية، والتى وقعت فى ديسمبر عام 2018، عقد المشروع، بحضور رئيس جمهورية تنزانيا الاتحادية، والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أُعلن أن الشركات المصرية استطاعت إنهاء أعمال الحفر لسد جيوليوس.
ويعد هذا المشروع هو الأول من نوعه لمصر في الخارج، ويقدم المشروع لإمكانية التعاون بين دول المنبع ودول المصب بطريقة تفيد جميع الأطراف.
كينيا.. خلاف مع أديس أبابا حول تيغراي
تعد كينيا من أهم دول حوض النيل ومنطقة شرق إفريقيا وهي لها حدود مباشرة مع إثيوبيا.
ولم ينشر أن مصر وقعت اتفاقات مماثلة لاتفاقياتها مع بوروندي وأوغندا مع كينيا، ولكن الكاتب الصحفي الإريتري عبدالقادر محمد لفت إلى حدوث تطوير للعلاقات المصرية الكينية مستفيدة من الخلافات الكينية الإثيوبية متعددة الأوجه.
وأشار إلى أن كينيا كان لها موقف في جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الوضع في إقليم تيغراي الإثيوبي، وهي مواقف كانت مخالفة لرغبات إثيوبيا، حيث كانت نيروبي مساندة لعقد الجلسة وللمواقف المنتقدة لأديس أبابا وتعاطيها مع الأزمة السياسية والإنسانية في تيغراي.
ما مواقف أغلبية دول منطقة شرق إفريقيا؟
رغم هذا الحراك المصري اللافت، فإن الكثيرين يرون أنه جاء متأخراً.
إذ يرى الباحث النيجيري المختص في الشؤون الإفريقية حكيم نجم الدين في تصريح لموقع الجزيرة.نت أن أغلب الدول بشرق إفريقيا داعمة لمشروع سد النهضة، ليس فقط لأسباب استراتيجية مستقبلية، بل لمنافع تتوقعها هذه الدول من المشروع، وبالتالي لن تتراجع هذه الدول عن مواقفها.
وأوضح نجم الدين أن أوغندا من داعمي إثيوبيا بشكل علني منذ إعلان أديس أبابا خطتها لإقامة المشروع، خاصة أنها -وغيرها- أظهرت مراراً أنها تسعى إلى بناء محطات لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر النيل.
وأشار الباحث النيجيري إلى أن أهمية الاتفاق الأوغندي البوروندي مع مصر قد تكمن في كون الدولتين ضمن دول حوض النيل، ولكن يبقى من المستبعد تأثيرها في تغيير القرار الإثيوبي، لكنه أشار إلى أنهما قد يساعدان في التفاوض نيابة عن مصر، وحثّ إثيوبيا على بعض النقاط القابلة للتفاوض.
ولكنه يرى أنه يبقى تأثير الاتفاقيتين من الناحية العسكرية بلا أهمية كبيرة.
ويجب ملاحظة أن الدولتين ليس لهما حدود مع إثيوبيا، وبوروندي دولة صغيرة في المنطقة بينما أوغندا دولة متوسطة.
وقال نجم الدين إن أي توجّه الآن يجب أن يكون أخوياً وتشاركياً لكي يكون بالغ الأثر، حتى لا تشعر هذه الدول بأنها أداة استغلال لتهديد دولة إفريقية أخرى.
ويرى الكاتب الصحفي المصري يحيى غانم أنه من الصعوبة الحديث حول كون هذه الاتفاقيات تمثل خطوات نحو خلق تكتل إفريقي تقوده مصر ضد محور إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان وجنوب إفريقيا.
وأوضح أن الاتفاقيات مع الدول لتبادل معلومات عسكرية أو دفاع مشترك لا بد فيها من وجود خصم وهدف واضحين، وبالتالي هل بوروندي وأوغندا تتفقان مع مصر على وجود تهديد مشترك؟
الدول الإفريقية الكبرى مع من تقف؟
يرى الباحث النيجيري حكيم نجم الدين أن هناك دولاً إفريقية مؤثّرة لم تعلن بشكل صريح انحيازها لأي طرف، رغم أن تحركات مسؤوليها تؤكد انحيازها لإثيوبيا.
وذكر أن هناك اتفاقات عسكرية واقتصادية لإثيوبيا مع نيجيريا وجنوب إفريقيا وغيرهما، وهما من الدول التي لها مكانتها وأهميتها من حيث التأثير في الاتحاد الإفريقي والعلاقات الدولية، إلى جانب اتفاقات أخرى مع كينيا وغيرها بشرق إفريقيا.
ولم تخف مصر والسودان استياءهما من الوساطة الإفريقية التي تزعمتها جنوب إفريقيا، وأعلنت السودان فشل هذه الوساطة وطالبت باستبدالها بوساطة رباعية تضم إلى جانب الاتحاد الإفريقي كل من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والولايات المتحدة، وأيدت مصر هذا الموقف السوداني.
ويرى بعض من المصريين أن جنوب إفريقيا تسعى منذ إنهاء الحكم العنصري إلى تزعم القارة الإفريقية وإقصاء القاهرة (التي ساعدت جنوب إفريقيا ضد الحكم العنصري وكذلك العديد من دول القارة)، ويساعد بريتوريا على ذلك إرثها النضالي ضد العنصرية، وكونها أكثر دولة إفريقية تقدماً، كما أنها دولة ذات أغلبية سوداء، وليست دولة عربية كمصر.
آبي أحمد نجح في سلب مصر أهم حلفائها المفترضين بالمنطقة
كما أن مصر والسودان فقدا حليفاً مهما في الخلاف مع إثيوبيا وهو إريتريا التي كانت في خصومة شديدة مع النظام السابق في إثيوبيا، وخاصة أن النظام الإريتري نظام أمني يعاني حصاراً، ولديه القدرة على خوض المغامرات الأمنية وحتى الحروب.
ولكن مصالحة رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد لأسمرة، وتحالفه مع رئيسها أسياس أفورقي في حرب إقليم تيغراي (التي لعب الإريتريون الدور الأساسي في وأد ثورته)، حول إريتريا من خصم محتمل لإثيوبيا إلى حليف قوي.
كما أن الصومال تاريخياً له خصومة مريرة مع إثيوبيا التي يعتبرها أنها تحتل جزءاً من أرضه (تسميها أديس أبابا الولاية الصومالية)، ولكن هذا البلد لم يحظ بالقدر الكافي من الاهتمام من القاهرة، بل إن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك أعلن تفهمه للغزو الإثيوبي عام 2006 الذي أدى إلى انهيار حكم اتحاد المحاكم الإسلامية للصومال المعتدل نسبياً مما أدى إلى انتشار الحركات المتطرفة في البلاد (رغم أن القاهرة أبقت على علاقتها مع رئيس اتحاد المحاكم شيخ شريف أحمد).

واليوم باتت الصومال دولة مفتتة وحكومتها تعتمد على الدعم الدولي والإفريقي بما فيه الإثيوبي، وبالتالي لا يتوقع منها أي دور في الضغط على أديس أبابا.
أما جمهورية أرض الصومال الانفصالية الموالية للإمارات، فلقد أظهرت أبوظبي انحيازها لأديس أبابا في أزمتها مع القاهرة، كما أن أرض الصومال هي إحدى نقاط المصالح المشتركة بين الإمارات وإثيوبيا.
وبالتالي يبقى السودان هو الحليف الوحيد المحتمل لمصر في صراعها مع إريتريا، نتيجة أن الخرطوم مصالحها متضررة بشدة من ممارسات أديس أبابا سواء في أزمة النيل أو منطقة الفشقة، أما باقي دول حوض النيل التي عززت القاهرة علاقتها بها فستظل مواقفها في الأغلب معنوية، وسياسية، خاصة أن معظمها دول أصغر من إثيوبيا ولا يوجد حدود مباشرة بين أغلبها وبين أديس أبابا.
من السودان إلى أوغندا وبوروندي.. هل تسعى مصر لتطويق إثيوبيا في حوض النيل؟
في خضم توتر متصاعد مع إثيوبيا بشأن سد النهضة الذي تقيمه أديس أبابا على نهر النيل، وقعت مصر اتفاقا لتبادل المعلومات العسكرية مع أوغندا، وأعقبه توقيع بروتوكول تعاون عسكري مع بوروندي، وهما من بين 11 دولة تقع على حوض نهر النيل.
ووفق ما نقلته قوات الدفاع الشعبية الأوغندية (القوات المسلحة)، الأربعاء الماضي، فقد وُقع الاتفاق بين جهاز المخابرات المصرية ورئاسة المخابرات العسكرية التابعة للقوات الأوغندية، ولم تصدر عن القاهرة تفاصيل بشأن هذا الاتفاق حتى مساء الأحد.
وارتبط الاتفاق بصورة مباشرة بنهر النيل، حيث نقل البيان الأوغندي عن اللواء سامح الدجوي -الذي ترأس وفد المخابرات المصرية إلى كمبالا- قوله إن بلاده وأوغندا تتقاسمان مياه النيل، وأن ما يؤثر على الأوغنديين يؤثر بشكل أو بآخر على مصر.
كما شهد السبت الماضي إعلان الجيش المصري توقيع مصر وبوروندي بروتوكول تعاون عسكري يتضمن التعاون في مجالات التدريب والتأهيل بما يتيح تبادل الخبرات بين الجانبين.
ويعد الاتفاقان السابقان ثالث توقيع مماثل لمصر خلال شهرين؛ وذلك بعد توقيع القاهرة والخرطوم الشهر الماضي اتفاقية تعاون عسكري، إضافة إلى تنفيذ البلدين مناورات جوية مشتركة، وتبادل زيارات رفيعة، في وقت يتصاعد فيه حديث المسؤولين المصريين عن وصول المفاوضات مع أديس أبابا إلى طرق مسدودة، وتحذيرات من نشوب صراع مسلح بسبب السد الإثيوبي.
وفي السنوات الأخيرة، توجهت مصر نحو إعادة التمركز بين دول أفريقيا، خاصة حوض النيل، بعد غياب لعقود، في إطار تبادل المعلومات الأمنية مع دول مثل الكونغو والصومال وموزمبيق وأوغندا، بالإضافة إلى دعم عمليات تنموية مرتبطة بالمياه.
وفي تصريحات منفصلة للجزيرة نت، أكد محللان مصريان وآخران نيجيري وإريتري أن اتفاقيتي مصر مع أوغندا وبوروندي تتماسان بشكل مباشر مع أزمة السد، في إطار المساعي المصرية لتطويق إثيوبيا عبر دول حوض النيل.
وفي حين اعتبرها باحث مصري توفر فرصة لبلاده لتكوين رؤية عن مسرح العمليات في حال نشوب صراع مع إثيوبيا؛ أكد الباحث النيجيري أن أغلب دول شرق أفريقيا تدعم مشروع السد الإثيوبي، ليس فقط لأسباب إستراتيجية مستقبلية، بل لمنافع تتوقعها من المشروع.
مسرح العمليات
الباحث المصري المتخصص في النزاعات الدولية والعلاقات الاقتصادية إبراهيم نوار رأى أن اتفاقيتي أوغندا وبوروندي مهمتان من زاوية تبادل المعلومات الأمنية بين مصر والدول المحيطة بإثيوبيا أو القريبة منها جغرافيًّا، مؤكدا أنها توفر لمصر المعلومات الضرورية لتكوين رؤية عن مسرح العمليات في حال نشوب صراع مع إثيوبيا.
وأشار إلى أن الاتفاق مع أوغندا يسمح أيضا بتواصل مستمر بين مسؤولي المخابرات في البلدين فيما يتعلق بالأمن والاستقرار في المنطقة، التي تشهد تصعيدا في اعتداءات التنظيمات المتطرفة في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.
وحول علاقة مثل هذه الاتفاقية بأزمة سد النهضة، أكد نوار أن بلاده تحاول تحسين شروط مفاوضات السد وإنهاء الأزمة سلميا.
لكنه شدد على أنه في كل الأحوال يجب أن تستمر مصر في تطوير علاقاتها بالدول الأفريقية، وعلى وجه الخصوص دول حوض النيل؛ لارتباط مصالحها بها، بصرف النظر عن النزاع مع إثيوبيا بسبب سد النهضة.
علامات استفهام
وفي حين رحّب الكاتب الصحفي المصري يحيى غانم باتفاقيتي مصر مع أوغندا وبوروندي، فإنه طرح عدة علامات استفهام ترتبط بالهدف والتوقيت والخصم الواضح، والتفاصيل غير المعلنة.
وتساءل غانم عن سبب تأخر عقد مثل هذه الاتفاقيات، كي تعقد قبل أيام معدودة من بدء الملء الثاني لبحيرة سد النهضة، وبعد 10 سنوات من مفاوضات عقيمة مع الجانب الإثيوبي.
وأوضح أن الاتفاقيات مع الدول لتبادل معلومات عسكرية أو دفاع مشترك لا بد من وجود خصم وهدف واضحين، وبالتالي هل بوروندي وأوغندا يتفقان مع مصر على وجود هذا المهدد المشترك، مع وجود بعض المواقف المتمايزة تجاه إثيوبيا؟
وفيما إذا كانت المساعي المصرية من الاتفاقيتين تستهدف “تطويق إثيوبيا”، رأى غانم أن هذه الاتفاقيات تأتي في ذروة الأزمة، وتبدو في الظاهر أنها مسعى من مصر ودول أخرى لوضع إثيوبيا تحت الضغط.
بلورة تكتل أفريقي
لكن غانم شدد على صعوبة الحديث حاليا حول كون هذه الاتفاقيات تمثل خطوات نحو خلق تكتل أفريقي تقوده مصر ضد محور إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان وجنوب أفريقيا.
وحول نظرة أديس أبابا لهذه الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، أكد غانم أن إثيوبيا لن تنظر إليها بعين الرضا حتى لو لم تتأثر بشكل عملي بها.
وحذر من مساعي قوى عالمية تقف وراء إثيوبيا -مثل الاهتمام الأميركي بإنشاء السدود وارتباطها بإسرائيل، والتمويل الصيني الضخم هناك- في نقل القدرة من الشمال في مصر إلى الجنوب في إثيوبيا، بما يؤدي إلى إضعاف مصر.
الانحياز لإثيوبيا
في المقابل، رأى الباحث النيجيري المختص في الشؤون الأفريقية حكيم نجم الدين أن أغلب الدول بشرق أفريقيا داعمة لمشروع سد النهضة، ليس فقط لأسباب إستراتيجية مستقبلية، بل لمنافع تتوقعها هذه الدول من المشروع، وبالتالي لن تتراجع هذه الدول عن مواقفها.
وأوضح نجم الدين أن أوغندا من داعمي إثيوبيا بشكل علني منذ إعلان أديس أبابا خطتها لإقامة المشروع، خاصة أنها -وغيرها- أظهرت مرارا أنها تسعى إلى بناء محطات لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر النيل.
وأشار الباحث النيجيري إلى أن أهمية الاتفاق مع مصر قد تكمن في كون الدولتين ضمن دول حوض النيل، ويبقى من المستبعد تأثيرها في تغيير القرار الإثيوبي، لكنه أشار إلى أنهما قد يساعدان في التفاوض نيابة عن مصر، وحثّ إثيوبيا على بعض النقاط القابلة للتفاوض، فيما تبقى الناحية العسكرية بلا أهمية ملحوظة حتى الآن للدولتين.
وقال نجم الدين إن هناك إهمالا من قبل مصر في السنوات الماضية من حيث بناء الصداقة القوية والتحالف الاقتصادي مع دول ذات إستراتيجية في المنطقة، مشددا على أن أي توجّه الآن يجب أن يكون أخويا وتشاركيا لكي يكون بالغ الأثر، حتى لا تشعر هذه الدول بأنها أداة استغلال لتهديد دولة أفريقية أخرى.
وأشار إلى أن هناك دولا أفريقية مؤثّرة لم تعلن بشكل صريح انحيازها لأي طرف، رغم أن تحركات مسؤوليها تؤكد انحيازها لإثيوبيا، موضحا أن هناك اتفاقات عسكرية واقتصادية لإثيوبيا مع نيجيريا وجنوب أفريقيا وغيرهما، وهما من الدول التي لها مكانتها وأهميتها من حيث التأثير في الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن، إلى جانب اتفاقات أخرى مع كينيا وغيرها بشرق أفريقيا.
توازنات جديدة
في السياق ذاته، أكد الكاتب الصحفي الإريتري عبد القادر محمد علي أنه لا يوجد تأثير مباشر من اتفاقيتي مصر مع أوغندا وبوروندي على سد النهضة وإثيوبيا كخطوة منفردة، بقدر تعبيرها عن رؤية مصرية جديدة في التعاطي مع إثيوبيا وملف السد، ضمن إستراتيجية لتفعيل التعاون مع دول الحوض، لحماية أمن مصر القومي ومصالحها العليا.
وفيما يخص الموقف الإثيوبي، أشار إلى عدم الارتياح للخطوة المصرية في أروقة صناعة السياسة الخارجية في أديس أبابا، رغم عدم صدور رد فعل رسمي.
لكنه رأى في الوقت ذاته أن مصر تسعى في إطار ذلك إلى تطويق إثيوبيا عبر دول حوض النيل، مؤكدا أنها خطوة مهمة وإن أتت متأخرة جدا، وتهدف إلى خلق بيئة أمنية وسياسية صديقة وشريكة لمصر في جوار إثيوبيا.
وأشار في هذا الصدد إلى التنسيق المصري العالي مع السودان وزيارة السيسي إلى جنوب السودان وتوقيعه الاتفاقية الأمنية مع جوبا، والتسارع في العلاقات المصرية التنزانية، حيث تبني القاهرة سد جولويوس نيريري، وتطوير العلاقات المصرية الكينية مستفيدة من الخلافات الكينية الإثيوبية متعددة الأوجه.
وذكر أن هناك توجها لتعزيز الأمن المائي المصري من خلال التعاون مع دول الحوض، كمبادرة أوغندا المتعلقة بنهر الكونغو، التي تعتمد على توفير كميات ضخمة من المياه تسهم في تعويض النقص الذي تتخوف منه مصر والسودان، وكذلك العمل على إحياء قناة جونقلي في جنوب السودان.
وأضاف أن كينيا كان لها موقف في جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الوضع في إقليم تيغراي الإثيوبي، الذي كان على خلاف رغبة إثيوبيا، حيث كان مساندًا لعقد الجلسة وللمواقف المنتقدة لأديس أبابا وتعاطيها مع الأزمة السياسية والإنسانية في تيغراي.
ورأى أنه مع الانسداد الحاصل الآن في ملف السد، لن تستطيع دول الحوض دفع المفاوضات إلى الأمام، بعد أن أصبحت محصورة بين إثيوبيا ومصر والسودان، خلافا للوساطة بين الأطراف المعنية بالأزمة، مشيرا إلى أن أزمتي السد والحدود أفرزت اصطفافات جديدة بدول حوض النيل.
لكن باستثناء السودان من المبكر الحديث عن تحولات كبيرة في مواقف الدول الأخرى، لا سيما عند النظر إلى العلاقات الإثيوبية المتينة مع العديد منها؛ ممّا يصعّب مهمة القاهرة في هذا الخصوص، وفق الباحث الإريتري.
مؤسسة “كُن إنسانا للتنمية والرعاية” تحتفل بيوم اليتيم كتب – على أبو زيدان


