تصاعد الجدل حول أسباب ودوافع تنامي التطرف بين شباب المهاجرين في أوروبا، وأجريت العديد من الدراسات والاستقصاءات التي حاولت التعرف على الديناميات الاجتماعية المحركة للارهاب، والجذور والمحددات النفسية المهيئة لانغماس شباب يحيا في كنف الثقافة الأوروبية في أنشطة وممارسات ارهابية ضد مجتمعاتهم، وذلك في محاولة للوصول إلى فهم أعمق وتعامل أمثل يحول دون تصاعد الظاهرة في المستقبل، خاصة عقب ما أثير من تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الحكومات الأوروبية قد فعلت ما يكفي لتعزيز اندماج المهاجرين بشكل عام والمهاجرين المسلمين بشكل خاص في المجتمع الأوروبي، فقد أشار العديد من الخبراء إلى أن الفشل الماضي في دمج المسلمين بشكل كامل في الحياة المدنية والسياسية والاقتصادية الأوروبية قد جعل بعض المسلمين الأوروبيين أكثر قابلية للانجذاب نحو الإيديولوجيات المتطرفة، وتحاول الحكومات الأوروبية الآن الاستجابة لهذه المخاوف بمزيد من الاستراتيجيات التي تسير في مسارين متوازيين، الأول يهدف إلى تعزيز اندماج المسلمين في المجتمع الأوروبي، بينما يهدف المسار الآخر إلى تعزيز الإجراءات الأمنية وتشديد سياسات الهجرة واللجوء لمنع التطرف ومكافحة الإرهاب[1].
أولا: اشكالية السياق المهيىء للتطرف في أوروبا
شهدت العديد من الدول الأوروبية، وخاصة دول أوروبا الغربية، تدفقات ضخمة للمهاجرين المسلمين خلال منتصف القرن الماضي، وعلى الرغم مما تشير له الدراسات من أن نسبة السكان المسلمين في أوروبا تعد صغيرة نسبياً، فإنها تشير أيضًا إلى تزايد أعدادهم نتيجة لاستمرار هجرة المسلمين وارتفاع معدلات المواليد بين المسلمين مقارنة بغير المسلمين في أوروبا، ويطرح هذا الوجود المتنامي مجموعة واسعة من الإشكاليات المتعلقة بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية للحكومات الأوروبية، فالإدراك المتنامي بأن بعض شرائح المسلمين في أوروبا قد تكون أكثر عرضة للتطرف والتجنيد من قبل العناصر الإرهابية قد أثار العديد من المخاوف الأمنية والتي تصاعدت بصورة ملحوظة منذ هجمات الحادي عشر سبتمبر 2001[2].
ـ الإرهاب والتطرف الديني في أوروبا
وعلى الرغم من أن الارهاب في أوروبا لم يرتبط تاريخيا بالمسلمين، كما أن الهجومان اللذان وقعا في النرويج في يوليو 2011 من قبل متطرف نرويجي الأصل والجنسية وهو مسيحي يميني متطرف وغيره من هجمات دللت على أن العناصر الارهابية قد تنتمي لأي عرق أو دين أو أيديولوجية سياسية، على الرغم من ذلك فإن أحداثا أخرى مثل تفجيرات مدريد التي وقعت في مارس 2004 وقامت بها خليه استوحت أفكارها من تنظيم القاعدة، ومقتل صانع الأفلام الهولندي ثيو فان جوخ في نوفمبر 2004 على يد متطرف مسلم هولندي، وتفجيرات لندن في يوليو 2005، قد ساهمت في اعادة قضية “التطرف الإسلامي” المحلي إلى واجهة النقاش السياسي الأوروبي[3]. وقد برز الإسلام باعتباره المحور الرئيسي لمناقشات الهجرة والتنوع في أوروبا، وثارت العديد من النقاشات التي ركزت على انفصال المهاجرين المسلمين عن المجتمعات المضيفة، وتغذي هذه النقاشات المخاوف بشأن مدى توافق قيم المهاجرين مع القيم الديمقراطية الليبرالية للغرب، وحول المعتقدات الدينية الأصولية والتطرف “المحلي” الذي يمكن أن يؤدي إلى التطرف العنيف، وما تشير له التفسيرات الأصولية للدين من “أيديولوجيا” تتجه بعيدًا عن الحداثة التي تحفز على أقل تقدير الانسحاب من المجتمع وفي أسوأ الحالات العنف ضد المجتمع الأوسع الذي يُنظر إليه المهاجر على أنه يتنافى مع مبادئه الدينية. إضافة إلى ذلك فقد تحول بعض اللاجئين في أوروبا إلى أعداء للغرب وثقافته ووجوده، وعلى الجانب الآخر تحول الغرب بثقافته المغايرة ونمط حياته المختلف وممارساته المنافية لتعاليم الدين (من وجهة نظرهم) إلى عدو في الشرق الأوسط، وهو ما يمكن أن يطلق عليه “الخوف الأيدولوجي” لأنه يتضمن بشكل أو بآخر أشكال من الأيديولوجيات الأخرى: الإسلاموية، والفاشية، ومعاداة السامية وكل الأيديولوجيات القائمة على ممارسة العنف كأداة تغيير سياسي.[4]
ـ المهاجرون المسلمون في الغرب
في الوقت الذي يستخدم فيه المتطرفون الإسلامويون التطرف اليميني للادعاء بأن الغرب معادي وعنيف تجاه الإسلام يوجد على الجانب الآخر المتطرفون اليمينيون يستخدمون التطرف الإسلامي ليجادلوا بخطورة المهاجرين المسلمين على أمن المجتمعات الغربية، إذ يروج المتطرفون الاسلاميون بأن هناك حربا من الغرب ضد الاسلام يتم التدليل عليها من خلال تصاعد دعوات حظر الحجاب في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وحظر المآذن في سويسرا في عام 2009 ويستخدمون ذلك كتأكيد على القمع والظلم والعداء للإسلام ويحاولون استخدامه لأغراض الإثارة السياسية والتصعيد[5]، بل أحيانا تسعى التنظيمات الراديكالية إلى تحريض السلطات الغربية على اتخاذ تدابير أكثر تشدداً وقسوة من أي وقت مضى، والتي ينجم عنها فصل الشباب المسلم عن المجتمع وجعله أكثر تقبلاً للرسائل المتطرفة ومحاولات التجنيد، وتساهم النزاعات بين الجماعات في المجتمع والاستجابات السياسية التقييدية في جعل رسائل المتطرف أكثر مصداقية. ومن ثم فإن الشعور بأن المسلمين يواجهون الكثير من المظالم وأن الغرب يسعى لتغيير الإسلام أو تدميره، أو حتى أنه في حالة حرب مع الإسلام ، يمهد الطريق لإضفاء الشرعية على العنف كدفاع عن النفس، وبالتالي يجب على المسلم “الحقيقي” أن يتحمل القتال في وجه العدوان، ويصبح العنف شيئا واجبا، وأخلاقياً أو حتى إلزامياً للدفاع عن عقيدة المرء و”الإخوان” و”الأخوات” المهددين في جميع أنحاء العالم، ومن أجل تصحيح الأخطاء المتصورة يصبح المهاجرون متحمسون أخلاقيا لتبني العنف باسم جماعتهم الدينية ضد المظالم الغربية.[6]
وتواجه الأقلية المسلمة في أوروبا أشكالًا مختلفة من سوء التقدير والاقصاء، وهناك العديد من الدراسات التي توثق المشاعر العامة المعادية للمسلمين، والسلوكيات السلبية حيالهم، وليس فقط الحركات الشعوبية والسياسيون اليمينيون، بل يبدو هذا العداء متضمنا في تصريحات السياسيين الذين يجادلون بأن الإسلام لا يتوافق مع القيم والمعتقدات الغربية، مثل تصريح وزير الداخلية الألماني العلني بأن “الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا”، ويبدو أن المشاعر المعادية للمسلمين أكثر انتشارًا من مشاعر العداء ضد الأجانب بشكل عام في أوروبا[7]، وتتصاعد هذه المشاعر السلبية لتصل إلى حد الخوف المرضي من الاسلام لدى الغرب “فوبيا الاسلام”، والرهاب من المهاجرين المسلمين الذين تم تنميطهم دون تمييز في الغرب بوصفهم تهديدا محتملا وقائما.
ثانيا: فوبيا “المهاجر المسلم” والمجتمعات المستقطبة في أوروبا
أشارت دائرة الأمن والاستخبارات الدنماركية (PET) مبكرا (في عام 2007) إلى أن أكبر تهديد لدول مثل الدنمارك، كما هو الحال في معظم الدول الأوروبية، يأتي من مجموعات صغيرة، غير متطورة من الشباب المسلمين المتعاطفين مع إيديولوجية الجهاد العالمية التي ينتمي إليها تنظيم القاعدة، وبإمكانهم العمل بشكل مستقل، وبدون أي سيطرة، أو دعم وتخطيط من الخارج، فهؤلاء الأفراد قادرون على اختيار الأهداف والتخطيط والتمويل وتنفيذ الأعمال الإرهابية بأنفسهم، وأطلقت عليهم اسم “المتطرفون المحليون” “Home grown extremists”.[8] ويُعرَّف الإرهاب المحليHome grown terrorism بأنه عبارة عن أعمال عنف توجه في الغالب (وليس دائما) ضد أهداف في البلدان الغربية التي ولد أو نشأ فيها الإرهابيون لتحقيق أهداف سياسية أو أيدولوجية أو دينية.[9]
وقد لعبت الصورة النمطية للمهاجر وتحديدا المهاجر المسلم في أوروبا دورا محوريا في تعزيز حالة الخوف المرضي (الرهاب) لدى قاعدة عريضة من مواطني دول الاتحاد الأوروبي من خطورة المهاجرين وهو ما أدي إلى ما يمكن وصفه ب”فوبيا المهاجرين” وما يترتب عليه من انتشار ظاهرة التمييز العنصري في هذه الدول، وتتمثل ملامح الصورة النمطية السائدة في كون المهاجر[10]:
الصورة النمطية للمهاجر المسلم في أوروبا
يؤمن بدين مغاير للدين المسحي وبالتالي فهو يمثل خطرا دينيا يتعين التوجس منه والحذر إزاءه، والواقع أن هذه الصورة التي تمثلتها أذهان العامة من المسيحيين تعد بمثابة صدى للدعاية المحمومة التي قادتها البابوية أثناء الحروب الصليبية.
المهاجر هو حامل لمضامين ثقافية ولنمط من العادات والتقاليد التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنسجم مع الثقافة الغربية.
المهاجر يمثل خطرا ديموجرافيا، ويأتي هذا الخطر من مصدرين اثنين، أولا ارتفاع معدل المواليد بين عناصر الهجرة الإسلامية، وثانيا الانخفاض “المزعج” للمواليد الجدد بين السكان الأوروبيين، خاصة في ظل التوقعات التي يروج لها باحتمال أن تتحول بعض المدن الأوربية إلى مدن ذات أغلبية مسلمة ما بين 2020 و2025.
المهاجر هو مصدر للعنف والإرهاب والتطرف، وقد تعززت هذه الصورة عقب الممارسات الترهيبية التي ضربت أقطاب العواصم الغربية ورسختها التصورات الاستشرافية العنصرية التي جعلت من المهاجر المسلم إرهابيا يعشق القتل وقتل الرؤوس.
قد تكون النتيجة الأكثر خطورة للتأكيد على أن اللاجئين يشكلون خطراً أمنياً على الدول الغربية هو التأثير الاستقطابي الذي تحدثه هذه القضية على المجتمعات الديمقراطية، واستغلال وسائل الإعلام اليمينية أي صلة بين المهاجرين والعنف، في الوقت الذي يقلل فيه اليساريون في الغالب من التهديدات المحتملة للمهاجرين، ففي الولايات المتحدة اتجه دونالد ترامب في حملته الانتخابية إلى التركيز على ما يمكن وصفه بإثارة القلق تجاه الغرباء، وفي أواخر عام 2017، قام الرئيس الأمريكي في نهاية المطاف بإصدار قرار حظر السفر على أشخاص من عدة بلدان (غالبيتهم من المسلمين)، فقد كان رهاب الأجانب موجودًا أيضا في الحملة التي أدت إلى استفتاء بقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي (Brexit) في عام 2016. وفي أوروبا، أدى تدفق أكثر من مليون لاجئ في عام 2016 وحده إلى تنشيط الحركات اليمينية المتطرفة وزيادة شعبية الأحزاب السياسية القومية، مثل حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) الذي فاز في انتخابات البرلمان، ليمثل أول حزب قومي متطرف يفوز بمقاعد في البرلمان منذ الحرب العالمية الثانية، حيث حصل على 90 مقعدا وحل في المرتبة الثالثة في الانتخابات الألمانية التي جرت الأحد 24 سبتمبر 2017، مما أدى إلى موجة احتجاجات قام بها مناهضين للفاشية ثارت في شوارع برلين،[11] وفي ديسمبر 2017، سار الآلاف من المتعصبين البيض واليمينيين المتطرفين من مختلف البلدان في وارسو ببولندا، بشعارات مناهضة للهجرة ولافتات تتضمن اساءة موجهة إلى المسلمين في أوروبا، وهذا الاستقطاب الناشئ والذي من المتوقع أن يترتب عليه بالضرورة قيام كل طرف بشيطنة الطرف الآخر يشكل تهديدًا أكبر لاستقرار القارة من الأخطار التي تزعم وجودها داخل حركات اللاجئين نفسها.[12]
وعلى الجانب الآخر، أظهرت المسوح التي أجريت في أوروبا عامة أن السياق المجتمعي الأوروبي الأقل ترحيباً بالمهاجرين يرتبط بهوية دينية ومعتقد ديني أقوى، وأشكال أكثر صرامة للسلوك الديني بين المهاجرين المسلمين، والشباب المسلم، وبتوسيع نطاق “نموذج تحديد الرفض” في مجال علم النفس الاجتماعي إلى المجال الديني وجدت دراسات مختلفة في أوروبا أن الرفض والإقصاء مرتبطان بانتماء أقوى للمجموعات المسلمة وزيادة المشاركة في الممارسات الدينية، علاوة على ذلك، فإن السياق العدائي قد يعزز المعتقدات الأصولية ويدعم التطرف كشكل من أشكال المقاومة ضد مجتمع مضيف غير داعم، حيث تسمح الهوية الإسلامية للشباب المسلم بالتعبير عن استيائهم بطريقة متماسكة ومنظّمة.[13]
وتشير جميع النماذج النظرية تقريباً إلى أهمية إدراك المهاجر للقبول والاحترام والانتماء والاعتراف، وأن ثقافة الشكوك والمراقبة، ومشاعر التحقير والإذلال تحفز التشويش المجتمعي وفك الارتباط بالسياق وهو ما قد يجعل شباب الأقليات المسلمة أكثر تقبلاً للمعتقدات الأصولية والتطرف، وأن شعور الرفض والإذلال يحفز البحث عن الإدماج والكرامة، وتقدم الإسلاموية رداً على سعي الفرد للانتماء والاحترام ومخرجاً للإحباطات الناتجة عن شعور المهاجر بكونه مواطن من الدرجة الثانية يعيش في مجتمع غربي معادٍ لا مكان فيه للمسلمين[14].
خلاصة القول، فإن أوروبا اليوم تقف في مفترق طرق نتج عن ازدواجية مضطربة مقسمة بين حاجتها للبقاء مخلصة لقيمها وحرياتها ومبادئها الديمقراطية، والحفاظ على الحرية والعدالة والحاجة لحماية مواطنيها من الإرهاب الجديد، وصعود القادة والأحزاب اليمينية التي تطالب بالنقيض، وتعزز عودة “سياسات الخوف”. والحقيقة إن استثارة الخوف من عدو حقيقي أو متخيل يجب أن تتم كراهيته وقتاله هو أمر شائع سواء بين الإسلاميين المتطرفين أو الشعبويين المتطرفين في الولايات المتحدة وأوروبا، وتلك هي الأرض التي يجري تمهيدها للتغيير السياسي، ولعل الخطاب الذي يحض على الكراهية هو أقوى ناقل للكراهية من الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين الشباب في الغرب إلى الشباب في الشرق الأوسط، فتعزيز شعور الكراهية ضد عدو محدد تؤجج حربًا خطيرة، وغير تقليدية يعززها الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
نجح دونالد ترامب في إحداث ثورة بالمعايير السياسية الأميركية، ونجح في إثارة حماس ملايين المواطنين ودفعهم للمشاركة السياسية بصورة غير مسبوقة، ولا أتوقع أن تنتهي الترامبية حتى مع هزيمة ترامب وخروجه من البيت الأبيض كما تذهب توقعات أغلب نتائج الاستطلاعات.
قبل 4 سنوات مثّل ترامب تيار التغيير، الذي جاء مغردا من خارج دهاليز السياسة الأميركية مدركا أن بلاده والعالم يمران بلحظات استثنائية لا يجوز معها اتباع أساليب تقليدية سواء في الحملة الرئاسية أو في طريقة الحكم.
ومثلت طبيعة شخصية ترامب عنصرا جاذبا لملايين الناخبين ممن اعتراهم القلق على ما يرونه تغييرا سكانيا مقصودا خلال نصف القرن الأخير، والذي جاء نتاجا لهجرة ما يقرب من 60 مليون شخص من دول أميركا الوسطى الكاثوليكية بالأساس وآسيا غير المسيحية، لجعل أميركا ومجتمعها أكثر تنوعا واختلافا عما ألفه الكثير من الأميركيين.
وبلغ عدد سكان أميركا هذه العام ما يقرب من 330 مليون نسمة، منهم 60.4% من البيض مقابل 18.3% من الهيسبانيك (مكسيكيون كاثوليك بالأساس)، و13.4% من السود الأفارقة، و5.9% من الآسيويين، والبقية متنوعة. في ذات الوقت انخفضت نسبة البروتستانت من 50% في 2003 لتصل 36% في 2017، كما تقلصت نسبة المسيحيين إجمالا لتنخفض من 83% إلى 72% في الفترة نفسها، ويرفض الكثير من المتعصبين البيض البروتستانت الاعتراف بواقع أميركا الجديد، حيث يرون في التغيرات تلك تهديدا وجوديا لهم ولأميركا التي في مخيلتهم الجمعية.
قبل 4 سنوات فاز ترامب لمخاطبته جمهورا يشعر بالجرح والهزيمة بطريقة أبوية بها عطف ووعود غير واقعية؛ إلا أنها كانت ضرورية.
ويؤمن التيار المحافظ الواسع المؤيد لسياسات ترامب أن هناك صحوة دينية داخلية يصاحبها دعوات لدور متنامٍ للدين “المسيحي” في المجتمع، وهو ما يمثل انعكاسا أو صدى لأفكار فريق كبير من الأميركيين، الذين يقطن أغلبهم المناطق الريفية أو الجنوب، وضواحي الولايات المحافظة.
نجح ترامب لإدراكه عدم أهمية الإطار الأيديولوجي لأغلب الأميركيين مقابل إدراكه اهتمامهم الكبير (مثل بقية شعوب العالم) بهويتهم وانتمائهم الديني والإثني والعرقي.
قبل 4 سنوات فاز ترامب لمخاطبته جمهورا يشعر بالجرح والهزيمة بطريقة أبوية بها عطف ووعود غير واقعية؛ إلا أنها كانت ضرورية. أرضى ترامب المحافظين الاجتماعيين المتدينين، الذين يمثلون حجر الأساس وسط الفئات المؤيدة للحزب الجمهوري عن طريق الوقوف في وجه سياسات أقرتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ورأوها استفزازية ومعادية لقناعاتهم الدينية مثل تقنيين زواج المثليين أو دعم الجماعات المؤيدة للإجهاض بأموال دافعي الضرائب.
لم تكفِ خطابات ترامب العنصرية والفاشية خلال سنوات حكمه ضد كل ما هو غير مسيحي أبيض كي تثني الجمهوريين عن الاستمرار في دعمه؛ بل يبدو أنها كانت السبب المباشر وراء هذا الاصطفاف.
لم يتفوه ترامب حتى اللحظة بكلمه “آسف” أو “لم أكن أقصد ذلك”، وكان كل ما ذكره كفيلا بإسقاط أي مرشح تقليدي.
أدرك ترامب أهمية إثارة الجدل والحماس في ظل شعبوية يمينية متصاعدة حول العالم، وكذلك حجم الغضب في الداخل الأميركي من اقتصاديات وسياسات العولمة، التي تبنتها واشنطن، ومهدت لها الطريق خاصة مع هجرة المصانع للصين، وعدم توفر بديل للعمالة الأميركية.
وفاز ترامب لأسباب عدة من أهمها نجاحه في تحصين نفسه ضد أي أخطاء أو سقطات، يقول ما يقول، ويخطئ ما يخطئ، وذلك كله بدون حساب.
لم يتفوه ترامب حتى اللحظة بكلمه “آسف” أو “لم أكن أقصد ذلك”، وكان كل ما ذكره كفيلا بإسقاط أي مرشح تقليدي.
“أميركا أولا” و”لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” و”ضرورة بناء أسوار وحواجز لمنع الهجرة” كلها شعارات لم يخترعها ترامب؛ بل هي موجودة، ولم تختف منذ تأسيس الدولة الأميركية، ولن تختفي حال هزيمة ترامب.
انقسم المجتمع الأميركي، والذي يعكسه تقارب استطلاعات الرأي بين بايدن وترامب، وهو ما يظهر في صورة صراع ثقافي لم تشهد البلاد له مثيلا من قبل، ومهد هذا الانقسام الطريق لفوز ترامب بالرئاسة قبل 4 سنوات، وزاد ترامب من حجم وهوة الانقسام، وجعله مستمرا متوهجا حتى مع التعرض لجائحة حصدت أرواح ما يقرب من ربع مليون أميركي، وأصابت ما يقرب من 9 ملايين آخرين.
ومثّل ترامب وسيطرته على الجمهوريين بصورة كاملة بما فيها تيارات الحزب التقليدية واليمينية المحافظة؛ شهادة ميلاد جديدة في ظل استمرار التغيرات السكانية المعادية للجمهوريين.
قبل أشهر حث القس الشهير جيري فالويل جونيور أتباعه من المحافظين المسيحيين على “التوقف عن انتخاب مرشح طيب قد يكون قائدا مسيحيا مثاليا.. علينا انتخاب قائد محنك مثل ترامب في كل مستويات الحكم؛ لأن الديمقراطيين الليبراليين الفاشيين يلعبون بنا كي ندعم قادة محافظين ضعفاء من أصحاب الأخلاق الرفيعة”.
لا يتوقع أن تُسفر هزيمة ترامب في انتخابات 2020 أو نجاحه، ومن ثم خروجه من البيت الأبيض عام 2024، عن اندثار التيار الفكري، الذي عبر ترامب عنه وامتطاه خلال السنوات الأربع الأخيرة. سيجدد هذا التيار نفسه من خلال فرز عدد من الزعامات، التي دعمت ترامب بشدة، واقتربت منه، واستفادت من كشفه لطبيعة هذه التيارات اليمينية والتعبير الصريح عن هواجسها وتفضيلاتها.
ويبقى عدد من الساسة الجمهوريين ينتظرون خروج ترامب من المشهد لبدء خطوات البحث عن زعامة تيار وُجد ليبقى، شخصيات مثل السيناتور توم كوتن، والمندوبة السابقة بالأمم المتحدة نيكي هيلي، والسيناتور تيد كروز، ووزير الخارجية مايك بومبيو، والسيناتور ماركو روبيو، وبالطبع نائب الرئيس مايك بنس، ينتظرون طي صفحة ترامب ليبدأ التنافس فيما بينهم على تجديد الترامبية لتناسب غياب شخصية ترامب الطاغية.
كشفت وسائل إعلام صينية رسمية، الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2020، أن طبيب ووهان الذي تحول لون بشرته إلى اللون الداكن نتيجة لإصابته بفيروس كورونا قد تعافى بشكل تام وعاد لون بشرته إلى طبيعته.
يأتي ذلك بعد أن تصدر الطبيب الصيني “يي فان” وزميله “هو ويفينغ” عناوين الأخبار في بداية انتشار الوباء بعد تداول لقطات لهما في المستشفى عبر الإنترنت، وقد تحول لون جلديهما إلى البني الداكن.
وبينما تعافى “يي فان” من المرض، فإن زميله “هو ويفينغ” لم يستطع مقاومة الفيروس وتوفي في يونيو/حزيران 2020.
محطة CCTV الصينية الحكومية نشرت لقطات، الجمعة، للطبيب “يي فان” أثناء زيارة إلى المستشفى، قالت إنه قام بها ليشكر الأطباء الذين عالجوه، كما أكدت أنه أول ظهور له أمام الكاميرات بعدما عاد لون بشرته إلى طبيعته.
حالة غامضة: يشار إلى أن “يي فان” قد شخص بفيروس كورونا، في يناير/كانون الأول 2020، وتم نقله إلى المستشفى بعد تدهور حالته، ثم تحول لون بشرته إلى الأسود أثناء تلقيه العلاج، في حالة لم تتكرر بين المصابين بالفيروس وأثارت دهشة الأطباء.
بحسب مجلة “نيوزويك” الأمريكية، فإن السبب الذي يقف خلف تغيير لون البشرة لم يعرف على وجه التحديد، لكن بعض التقارير رجحت أنه أحد مضاعفات تلف حدث بالكبد بسبب المرض، بينما رأى أطباء آخرون أنه كان رد فعل لمضاد حيوي أُعطي للطبيبين في بداية علاجهما.
أشارت المجلة إلى أن حالة “يي فان” استدعت استخدام مضخة تقوم بتوزيع الدم عبر رئة اصطناعية وصولاً لمجرى الدم مرة أخرى حتى مارس/آذار، ثم خرج في نهاية المطاف من المستشفى في مايو/أيار.
وفي مقطع فيديو نشرته محطة CCTV الصينية الحكومية في أبريل/نيسان، قال فان إنه “تعافى بشكل أساسي” وتمكن من التنفس جيداً بشكل عام، لكن المشي كان لا يزال صعباً عليه بعض الشيء.
وفي الوقت الذي تلقى الطبيب الآخر “هو” نفس العلاج وبدأت صحته في التحسن، إلا أنه أصيب بنزيف في المخ وتوفي في 2 يونيو/حزيران، وأثارت وفاته رد فعل عنيفاً تجاه السلطات الصينية والطريقة التي تم بها التعامل مع الجائحة، بحسب المجلة.
السباق على المنطقة ٢٢ فى بروكلين يمثل واحدا من اهم السباقات والتى يمكن ان تحدد الحزب الذى يسيطر على مجلس الشيوخ
وقد اهتم كثيرا المرشح فيتو برونو بالنظام والقانون فى حملته الانتخابية وركز على القلق المحلى بشان الجريمة المتزايدة
برونو من مواليد بنسن هيرست وهو من اصول ايطالية وقد بدا حياته كمدير لنادى ليلى ورجل اعمال فى نادى اوديس الشهير فى منطقة باى ريدج عام ٢٠٠١ والذى اشتهر بعد ظهوره فى فيلم Saturday night fever
وواصل برونو ادارة عدد قليل من الاندية الاخرى فى الثمانينيات واسس شركه للترفيه واقامة وتنظيم المناسبات ثم تحول الى السياسة عام ٢٠١٧ حيث خاض تجربة لرياسة البلدة على تذكرة الحزب الجمهورى
واصبح رئيسا لنادى ادموند جى سيرجى الجمهورى فى بروكلين
يدين بشدة اي تعصب اي عنصرية ويهدف من خلال حملته الانتخابية الى تحقيق مزيد من الدعم للاسر المهاجرة وتحقيق الامن ودعم اصحاب الصناعات والاعمال الصغيرة والمتوسطة
يعتبر نفسه ابن المنطقة ويسعد بالتواجد بين افرادها ويامل ان تتاح له الفرصة ليمثلهم
منذ أعلن دونالد ترامب ترشيح نفسه لرئاسة أمريكا عادت العنصرية لتطل من جديد في أدبيات السياسة الأمريكية، نظراً لطبيعة الرجل العنصرية المثبتة والمعلنة، لكن وقتها كان البيت الأبيض يشغله رئيس أسود بالفعل، وبالتالي لم يكن ثمة ما يدعو للقلق، ثم جاء الوباء ومقتل جورج فلويد لينكشف الغطاء الزائف، فإلى أي مدى عمّقت رئاسة ترامب الانقسام في المجتمع الأمريكي، وهل تؤدي خسارته في نوفمبر/تشرين الثاني لتعافي ذلك المجتمع؟
رئيس أسود في البيت الأبيض
كان مشهد تأدية باراك حسين أوباما اليمين الدستورية كأول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية بمثابة دليل عملي على انتهاء قضية العنصرية في الدولة العظمى التي تقود العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى غير رجعة.
فالمشهد كان مهيباً بالفعل في ظهر ذلك اليوم، 20 يناير/كانون الثاني 2009، وجاء خطاب أوباما هادئاً ومركزاً على وحدة القيم البشرية والمساواة بين الجميع، لقد كان خطاباً للسلام وللتعاون، موجهاً للبشرية ككل، إيذاناً بعهد جديد لا توجد فيه تفرقة بين الأمريكيين بسبب لون بشرتهم أو معتقداتهم، واحتفل الكثيرون بنهاية عهد “سيطرة الرجل الأبيض” للأبد.
خطاب تنصيب أوباما 20 يناير 2009
عودوا من حيث أتيتم واتركوا بلادنا
لكن يبدو أن فترتي أوباما في البيت الأبيض كانتا استثناءً، وجاء الرد أكثر عنفاً مما تصور الجميع داخل وخارج الولايات المتحدة، حيث فاز بالرئاسة دونالد ترامب، الرجل الأبيض الذي يريد جعل “أمريكا بيضاء مرة أخرى”، بحسب وصف أغلب السياسيين، وأبرزهم نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الديمقراطية!
ونتوقف هنا عند أبرز تصريحات الرئيس ضد أعضاء في الكونغرس ينتمون للحزب الديمقراطي، عندما قال لهم، أو لهن بالأحرى “عودوا إلى بلادكم واتركوا بلادنا”!
والقصة هنا ربما تبدو مجرد مشاحنات سياسية بين الحزبين الأكبر في البلاد؛ فترامب الجمهوري حاول استغلال الخلافات بين أربع عضوات جدد في مجلس النواب (رشيدة طليب وإلهان عمر وأليكساندريا أوكاسيا كورتيز وأيانا بريسلي)، تنتمين للحزب الديمقراطي، وقيادات الحزب، بشأن قضية الهجرة واللاجئين، لكن تغريدات ترامب وتصريحاته فضحت مكنون القلوب وحقيقة الرئيس وقاعدته الانتخابية فيما يتعلق بالانقسام العميق داخل المجتمع الأمريكي، بين من يرون أنفسهم أصحاب البلاد (البيض) وبين الملونين بشكل عام والسود بشكل خاص.
فإلهان عمر ورشيدة طليب وكورتيز وبريسلي لسن فقط مواطنات أمريكيات، بل عضوات في الكونغرس، ورغم ذلك قال لهن ترامب نصاً “لماذا لا تعُدن إلى البلاد التي جئتن منها وتتركن بلدنا”، ولا يمكن بالطبع اعتبار ذلك خلافاً سياسياً بأي حال من الأحوال، وهذا بالتحديد ما عبر عنه عضو الكونغرس جيم هايمز (من أصل بيروفي) في تغريدة قال فيها: “على عكس العضوات اللائي هاجمهن ترامب اليوم، أنا عضو كونغرس مولود بالفعل في بلد أجنبي، لكنني ذكر، أبيض البشرة من أصول أوروبية، لذلك من المستحيل أن يهاجمني”.
هل جاء ترامب بالعنصرية إلى أمريكا؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المهم هنا أن نذكر أن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية مرتبط بتاريخ طويل من العبودية والتفرقة العنصرية بين المهاجرين البيض، الذين قدموا من أوروبا للعالم الجديد، بين المواطنين من القارة السمراء الذين تم جلبهم كعبيد للعمل في مزارع القطن والدخان، قبل نحو أربعة قرون أو يزيد قليلاً.
مهاجرون يحملون علم أميركا عند حدودها مع المكسيك/رويترز
ونضال المواطنين الأمريكيين السود من أجل الحرية والمساواة طويل وممتد، وبه محطات جوهرية أسهمت في تحقيق مطالب المساواة من الناحية القانونية بصورة لافتة، وصولاً إلى أن يتولى أوباما منصب الرئيس، لكن منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض قبل أربع سنوات، عادت قضية العنصرية لتكشف عن مدى الانقسام الذي لا يزال متجذراً داخل المجتمع الأمريكي، ويرى كثيرون أن العنصرية في البلاد هي القاعدة، وما سواها ليس سوى الاستثناء الذي يثبتها ويؤكدها.
في هذا السياق يعتبر ترامب تجسيداً لواقع الانقسام المجتمعي في أمريكا، وأحد أبطاله والمنادين به، فالرجل لا يتردد في التعبير عن عنصريته بمناسبة ومن دون مناسبة، ويشير إلى “بلدنا وقيمنا وأسلوب حياتنا” تعبيراً عن “المسيحيين البيض”، رغم أنه رئيس البلاد التي تُعرف باسم “أرض الأبطال” و “أرض الأحلام”، لكن التاريخ نفسه يكشف أن ذلك الانقسام الذي تعيشه أمريكا اليوم مرت به بالفعل قبل قرن من الزمان.
ما أشبه الليلة بالبارحة
ويرى كينيث تي. وولش، كبير مراسلي البيت الأبيض أن “الانقسام العظيم” الذي تشهده الولايات المتحدة في عهد ترامب يعيد للأذهان انقساماً مشابهاً مرت به البلاد والعالم أجمع عام 1919، أي قبل قرن من الزمان، فقد بدأ وباء الإنفلونزا الإسبانية في ذلك العام، كما عصفت بالبلاد موجة من التفجيرات المحلية أدت لحملة قمع منظمة ضد “الشيوعيين” المزعومين، أثارت مخاوف بروز دولة بوليسية في البلاد، وانطلقت موجة من الاحتجاجات العرقية (ضد العنصرية)، أودت بحياة 38 أمريكياً في شيكاغو، أواخر يوليو/تموز عام 1919.
واللافت أن كراهية المهاجرين ازدادت بشكل واضح، وكانت موجهةً نحو الأقليات من السود والملونين، وشهدت البلاد وقتها إضرابات متعددة، وهجمات متكررة على أحياء المواطنين السود، وتكوَّنت عصابات من البيض تستهدف السود والملونين، وعن تلك الفترة كتب المؤرخ ويدمير أن “الغالبية العظمى من الأمريكيين أرادوا استعادة حياتهم القديمة، لكن لم يكن هناك طريق واضح لتحقيق ذلك”.
في تلك الفترة ظهر عضو مجلس شيوخ من أوهايو اسمه ممرين هاردينغ، ركب موجة العنصرية ورفع شعار “دعونا نجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، ليصل إلى البيت الأبيض ويصبح رئيساً بالفعل، بطريقة تكاد تكون متطابقة مع الطريقة التي وصل بها ترامب للبيت الأبيض.
ويضيف ويدمير أن ذلك لم ينجح في انتشال البلاد من عنصريتها وانقسامها قبل 100 عام، لأنه ببساطة عمّق ذلك الانقسام المجتمعي وفشل في التعامل مع التغييرات العميقة التي كانت تمر بها البلاد وقتها، والأمر نفسه يتكرر مع ترامب الآن.
كيف فجّر مقتل جورج فلويد القصة من جديد؟
كان مقتل مارتن لوثر كينج أحد أبرز قادة السود الأمريكيين المنادين بالمساواة بمثابةمحطة رئيسية في نضال الأمريكيين من أصل إفريقي من أجل حقوق متساوية مع المواطنين البيض، فقد أدى مقتله على يد أمريكي أبيض، يوم 4 أبريل/نيسان 1968، إلى موجة كبيرة من الاحتجاجات امتد تأثيرها خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، فكينج كان رمزاً للنضال السلمي، ويحمل رسالة محبة وتسامح موجهة للجميع.
ورأى كثير من المؤرخين أن اغتيال مارتن لوثر كينج قد أحدث هزة عنيفة في المجتمع الأمريكي، وأحدث تغييراً حقيقياً في قضية العنصرية في البلاد، حيث سعت الولايات كل على حدة، والحكومة الفيدرالية في واشنطن، إلى تعديل القوانين التي تكرس للعنصرية أو تفرق بين المواطنين على أساس اللون أو العرق أو الديانة، وبدا أن قضية العنصرية في البلد الأقوى عالمياً، والذي يعطي زعماؤه السياسيون دروساً لنظرائهم حول العالم في الحرية والمساوة وحقوق الإنسان قد انتهت أخيراً، وأصبح المواطنون الأمريكيون جميعاً متساوين في الفرص والحقوق والواجبات.
لكن بعد مقتل كينج بأكثر من ستة عقود، وبالتحديد يوم 25 مايو/أيار الماضي، تعرّض مواطن أمريكي أسود للقتل خنقاً على أيدي رجال شرطة بيض في ولاية مينيسوتا، لتنفجر احتجاجات أكبر وأضخم مما شهدته أمريكا بسبب اغتيال كينج، وتخطّت حدود البلاد ممتدة إلى أوروبا وكندا، تحت شعار “حياة السود مهمة”، ليصبح المواطن جورج فلويد، الذي تعرّض للخنق بعد أن جثم الشرطي بساقيه على رقبته لمدة 9 دقائق تقريباً وسط حشرجة الرجل “لا أستطيع التنفس” دون أن يبالي الشرطي الذي بدا كمن يؤدي عملاً روتينيا يقوم به كل يوم، وهي الحقيقة بالفعل.
وهناك عدة حقائق تتعلق بالزخم الكبير الذي حققه مقتل فلويد، على عكس عشرات الحوادث المشابهة على مدار التاريخ الأمريكي، وأبرز تلك الحقائق هو مدى الانقسام المجتمعي الذي صاحب وصول دونالد ترامب للرئاسة، على خلفية مواقف عنصرية واضحة تجاه جميع المختلفين عنه كرجل أبيض مسيحي يؤمن بتفوق الرجل الأبيض على مَن سواه، وهي سمة شخصية موجودة منذ البداية، لكنه تعلّم كيف يوظفها لصالحه سياسياً، بصورة استدعت إجراء أبحاث ودراسات عن تلك السمة الترامبية.
وقد نشرت مجلةThe Atlantic الأمريكية تقريراً مطولاً بعنوان “تاريخ ترامب في التعصب الأعمى: كانت هناك أدلة طوال الوقت على عنصريته وعدم تسامحه، وتعلم ببطء كيف يوظفها لمصلحته”، رصد تاريخ الرجل الممتد في التعبير عن مواقفه العنصرية، وترامب ليس نكرة أو سياسي لم ينتبه له المواطنون إلا مع ترشحه للرئاسة، بل هو من أكثر الشخصيات شهرة في المجتمع الأمريكي بحكم عائلته فاحشة الثراء، وبحكم برنامجه الشهير “The Apprentice”.
وبالتالي فإن عنصرية ترامب وعدم تسامحه تجاه المختلفين عنه مادة إعلامية يرجع تاريخها لعام 1973، عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز وقتها تحقيقاً عن عنصريته تجاه العاملين في شركات عائلته، وللرجل تاريخ ممتد من التعليقات العنصرية الفجة في قضايا تخص الأقليات كالأمريكيين الأفارقة والمكسيكيين واللاتينيين والأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) والمسلمين واليهود والمهاجرين والنساء وحتى أصحاب القدرات الخاصة.
ولا يتوقف الأمر هنا عند تصريحات ترامب، بل إن تصرفاته أيضاً تعكس قناعاته العنصرية؛ فقد نشر إعلانات تطالب بإعدام 5 شباب سود ولاتينيين كانوا متهمين بجريمة الاغتصاب، وثبتت براءتهم لاحقاً، كما نشرت شهادات متعددة لعاملين في فنادقه الفارهة، تزعم أنه اعتاد عندما يدخل أحد الكازينوهات أن يقوم المديرون على الفور بإبعاد الزبائن السود الموجودين في الصالة، لكن اللافت هنا أن ترامب وصف نفسه في مقابلة معWashington Post عام 2016 أثناء حملته الانتخابية بأنه “أقل شخص عنصري يمكن أن تقابله في حياتك”.
ما أبرز الأقليات في أمريكا؟
يبلغ تعداد الولايات المتحدة الأمريكية 331 مليون نسمة هذا العام، ورغمالتعدد العرقي في البلاد التي ظلت على مدى عقود طويلة حلماً للهجرة وأرضاً للفرص وتحقيق الأحلام والثراء السريع، فإن غالبية السكان ينتمون للبيض المهاجرين من دول أوروبية، وهؤلاء يمثلون نحو 68% من مواطني أمريكا حالياً، ويأتي الأمريكيون من أصل لاتيني في المركز الثاني كأكبر أقلية في البلاد، ويمثلون 16.3%، ثم الأمريكيون الأفارقة أو السود، ويمثلون أكثر من 13% من السكان، وهناك أيضاً أقليات عرقية أخرى تنتمي للمنطقة العربية وإيران وآسيا وغيرها من مناطق العالم.
وبشكل عام يمكن القول إن تصنيف الأمريكيين من حيث العرق أو من يمثل أغلبية ومن يمثل أقلية مسألة معقدة للغاية، وتختلف من النظام الفيدرالي القومي إلى النظام المطبق في الولايات، لكن بشكل عام يعتبر المواطن أمريكياً ما دام حاصلاً على الجنسية ويحمل جواز السفر الأمريكي، وينص الدستور على المساواة المطلقة بين جميع المواطنين بغض النظر عن العرق أو اللون أو الديانة، لكن الواقع بالطبع مختلف بشكل تام عن النص الدستوري، وهو ما عاد مرة أخرى للواجهة مع وجود ترامب في البيت الأبيض، بعد الهدوء النسبي الذي شهدته مساحة الانقسام المجتمعي منذ ستينات القرن الماضي.
لماذا الانقسام المجتمعي أخطر في عهد ترامب؟
إذا كانت العنصرية والانقسام المجتمعي سمة جوهرية في الولايات المتحدة منذ بروزها على الساحة الدولية كقوة عظمى ناشئة قبل أكثر من قرن من الزمان، ثم هيمنتها على مقدرات العالم تقريباً وتشكيله سياسياً واقتصادياً وثقافياً منذ نهاية الحرب العالمية، فلماذا القلق إذن من بروز ذلك الانقسام على السطح مرة أخرى بوصول ترامب للرئاسة، وتفاقم ذلك الانقسام منذ مقتل فلويد في أواخر مايو/أيار؟
تعيدنا محاولة الإجابة عن هذا السؤال إلى المشهد الذي بدأنا به القصة، وهو تأدية أوباما لليمين الدستورية قبل 12 عاماً تقريباً، فوصول رئيس أسود إلى البيت الأبيض كان يفترض به أن يمثل المحطة الأخيرة في رحلة قطار العنصرية في أمريكا، فالرجل فاز بالرئاسة بأغلبية أصوات الأمريكيين من مختلف الأعراق والألوان، وليس فقط بأصوات السود الذين لا يمثلون أكثر من 13% كما ذكرنا، وهو مؤشر على تراجع العنصرية على المستوى المجتمعي وتجاوزها أخيراً.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رويترز
لكن الواقع كشف عن وجهه القبيح مرة أخرى بعد أن غادر أوباما البيت الأبيض، لأن ترامب أيضاً جاء للبيت الأبيض في انتخابات حصل من خلالها على المنصب، وترامب رجل عنصري كما ذكرنا وبالأدلة المعروفة للجميع، وبالتالي فإن فوزه في حد ذاته -بغض النظر عن التشكيك من جانب منتقديه في ذلك الفوز- مؤشر واضح على أن غالبية الأمريكيين لا يزالون يريدون العودة “لأسلوب حياتهم المعتاد”، حيث السيطرة المطلقة للرجل الأبيض، بحسب باحثين أمريكيين.
وجه الخطورة الآخر في تفجر قضية الانقسام المجتمعي على خلفية العنصرية من خلال مقتل فلويد واتساع رقعة الاحتجاجات واستمرارها هو قرارات الرئيس ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض على مستوى السياسة الخارجية تحقيقاً لشعاره “أمريكا أولاً”؛ ترامب سحب بلاده في يناير/كانون الثاني 2017 (بمجرد تسلمه الرئاسة رسمياً) من اتفاق الشراكة بين الأطلسي والهادي (أمريكا وأوروبا) وهي اتفاقية وقعها سلفه أوباما بهدف زيادة التعاون بين الشركات الأمريكية والأوروبية، وتلا ذلك انسحابات أخرى من اتفاقيات دولية سياسية واقتصادية ومناخية لتعزيز التعاون الدولي، في إشارة واضحة على أن الرجل يريد فرض إرادة أمريكا البيضاء على العالم.
وقياساً على نتائج تلك القرارات التي اتخذها ترامب على وضع بلاده على المسرح الدولي، نجد أن الولايات المتحدة قد خسرت كثيراً من مكانتها في زمن قياسي، وأصبحت الصين في وضع أقوى بشكل واضح، ولم تعد أمريكا صاحبة الريادة سياسياً واقتصادياً على الأقل، وهو ما انعكس على الأوضاع الداخلية أيضاً بصورة لم تعد خافية، ويمكن القول نها غير مسبوقة أيضاً.
كيف فضح الوباء عنصرية أمريكا المتجذرة؟
لا يمكن أن نحاول فهم طبيعة الانقسام المجتمعي الأمريكي في ظل إدارة ترامب دون التوقف عند تأثير وباء فيروس كورونا أو كوفيد-19 على الولايات المتحدة، بعد أن أصاب أكثر من 7 ملايين و400 ألف مواطن، وقتل أكثر من 209 آلاف، وأصاب اقتصاد البلاد في مقتل بعد أن فقد أكثر من 50 مليون أمريكي وظائفهم، وأوشك الاحتياطي الفيدرالي للبلاد على الإفلاس التام.
كورونا وباء عالمي أصاب أكثر من 33 مليوناً و580 ألفاً وأودى بحياة نحو مليون و7 آلاف (حتى ظُهر الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول 2020)، وعلى الرغم من ظهوره أولاً في مدينة ووهان الصينية العام الماضي، فإن الولايات المتحدة هي أكثر دولة تأثرت، ولا تزال في جميع المجالات، وذلك لأسباب كثيرة ومتنوعة، ليس هنا مجالها، حيث إن مساهمة الوباء في إظهار مدى عمق الانقسام المجتمعي مثلت مادة دسمة للتحليل والدراسة في الولايات المتحدة في عهد ترامب.
فقد أظهرت البيانات الصحية أن الأقليات دفعت ولا تزال ثمناً باهظاً مقارنة بالأغلبية البيضاء بين مواطني الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الوباء القاتل؛ وكان الأمريكيون من أصل آسيوي هم أول ضحايا العنصرية والكراهية، بعد أن أطلق ترامب على كورونا “الفيروس الصيني”، وتم رصد عشرات حالات الاعتداء الجسدي والتنمر اللفظي بحق مواطنين أمريكيين من أصل آسيوي بالفعل كاد بعضهم أن يفقد حياته بسبب الاعتداء.
وكان ذلك في بداية تفشي الوباء على الأراضي الأمريكية، في مارس/آذار الماضي، لدرجة أن وكالةبلومبيرغ نشرت يوم 21 من ذلك الشهر تقريراً بعنوان “كوفيد-19: الوباء الذي يقسمنا عرقياً وطبقياً” تناولت فيه عدداً من تلك الاعتداءات، واستطلعت آراء خبراء علم اجتماع ومحللين سياسيين وغيرهم أجمعوا على أن ترامب يتحمل وزر ذلك التقسيم وليس فيروس كورونا.
انتقد الكثيرون حملة ترامب بسبب حشد تجمعات انتخابية في أماكن مغلقة/ رويترز
لكن مع مرور الأيام والأسابيع وارتفاع حالات العدوى والوفيات بصورة رهيبة، واضطرار إدارة ترامب للرضوخ أخيراً واتخاذ قرار إغلاق البلاد في محاولة للسيطرة على الوباء، بدأت الحقيقة القبيحة المتعلقة بطبقية وعنصرية المجتمع الأمريكي تظهر شيئاً فشيئاً وتهدد السلم الاجتماعي ذاته؛ فقد اتضح أن الأقليات من السود واللاتينيين هم الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس الفتاك، لأسباب تتعلق بظروفهم المعيشية والوظيفية، كدليل صارخ على أن العنصرية تجاه الملونين لا تزال سائدة في الولايات المتحدة بصورة لم يعد ممكناً السكوت عنها.
ففي ظل الإغلاق وتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي أصبح واضحاً أن تلك الأمور رفاهية لا يمتلكها الجميع؛ فالمصانع لا بد أن تظل تعمل، وكذلك الصيدليات والمطاعم ومحلات البقالة وغيرها، وإذا كان المديرون وأصحاب تلك الأعمال يمكنهم إدارة العمل عن بعد، فالعاملون والموظفون مضطرون للذهاب للعمل، حتى لا تتوقف تلك الأعمال الحيوية، وبما أن أغلب تلك الفئة من الأقليات فإن فرص تعرضهم للعدوى تتضاعف.
كما أن الخدمات الصحية أيضاً تتسم بالطبقية واختلاف الدرجات ومدى توفرها بين الأغنياء وأصحاب الدخول المحدودة، وهذا عنصر آخر أسهم في ارتفاع نسبة الوفيات بين الأقلية السوداء مقابل أصحاب التأمين الصحي المتميز من الأغلبية البيضاء، وإذا أضفنا لذلك أماكن سكن هؤلاء سيئة التهوية والمزدحمة نجد أن “الوباء سلّط الضوء بالفعل على التمييز العنصري والتقسيم الطبقي والثقافي الذي لا يزال يحكم المجتمع الأمريكي”، وهو ما سلطت كثير منوسائل الإعلام الضوء عليه في تغطيتها للوباء القاتل.
هل تتعافى أمريكا إذا خسر ترامب؟
في هذا السياق من الظلم الاجتماعي الكامن، جاء مقتل جورج فلويد بمثابة شرارة سقطت على حقل فسيح عائم على بحيرة من الوقود، فاشتعلت النيران بسرعة قياسية، وتمددت من مينيسوتا إلى باقي الولايات في لمح البصر، ومنها انتقلت عبر الحدود إلى كندا وأوروبا وصولاً إلى أستراليا، فالعنصرية والظلم تجاه أصحاب البشرة السمراء لها تاريخ ضارب في الجذور، ومن الواضح أن تلك العنصرية البغيضة لا تزال كامنة في تلك المجتمعات.
ففي تحقيق استقصائي شارح، ألقت صحيفة واشنطن بوست، الشهر الماضي، الضوء على تداعيات مقتل فلويد وتكوين حركة “حياة السود مهمة”، في إطار الصورة الأوسع للتاريخ الأمريكي الطويل من الظلم وعدم المساواة، والواضح أن انتخاب ترامب رئيساً قبل أربع سنوات قد مثل شرخاً أكثر عمقاً في الانقسام المجتمعي الذي كان موجوداً بالفعل، لكنه لم يكن بمثل هذا الوضوح والخطورة كما هو الآن.
صحيح كما أوضحنا أن العنصرية والظلم وعدم المساواة كلها أمور لم يأت بها ترامب إلى أمريكا، لكن المؤكد أنه وظّف تلك العنصرية وامتطاها كحصان طروادة ليصل إلى البيت الأبيض، والمؤكد أيضاً أنه سعى وما زال لتعميق ذلك الانقسام من خلال إصراره على أن أمريكا دولة بيضاء، وأن من لا يعجبه ذلك عليه العودة إلى “بلاده” وتركها، ويبدو أن البعض يئس بالفعل وقرر العمل بنصيحة ترامب.
فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية وغيرها من الصحف الأمريكية تقريراً عن الارتفاع القياسي في أعداد الأمريكيين الذين تخلوا بالفعل عن جنسيتهم منذ أصبح ترامب رئيساً، وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري 2020 تخلّى أكثر من 5800 أمريكي عن جنسيتهم، بزيادة قدرها 1200% مقارنة بعدد من فعلوا ذلك في الأشهر الستة من عام 2019.
لكن الانقسام المجتمعي بسبب التمييز العنصري وعدم المساواة لن يختفي حال خسارة ترامب وفوز منافسه جو بايدن ونائبته السمراء كاملا هاريس، في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وستظل أمريكا تواجه تلك الأزمات ما لم تواجه التقسيم العرقي العميق بين مواطنيها، كما قال هاوارد فرينش في مقال له بنفس العنوان، منشور في يونيو/حزيران الماضي، تعليقاً على الاحتجاجات العرقية التي فجّرها مقتل فلويد.
من المعروف ان نظام الانتخابات فى الداخل الامريكى نعد نظاما معقدا ويختلف عن المفهوم التقليدى حول ذهاب المواطنين وادلاء كل مواطن بصوته فى دائرته الانتخابية حيث ان نظام المجمع الانتخابى يختلف عن المتعارف عليه فى دول العالم
وعلى مدى تاريخ الانتخابات الامريكية لم تحدث ازمة تواجه الانتخابات القادمة حيث ان الوضع حاليا يشير الى احتمالية حدوث ازمةًحيث ان نجاح او فوز الرئيس ترامب بفترة ثانية او خروجه فىً كلا الحالتين يمثل ازمة
لاحظنا ما قاله الرئيس السابق باراك اوباما من امله فى ان يكون الفارق كبيرا فى الاصوات ولا يكون هناك داعى للذهاب الى القضاء املا فى ان يصب هذا الكلام فى صالح المرشح بايدن
الملاحظ ان التصويت المبكر اطلعنا على ان هناك نسبة وصلت الى ٢٠ بالمائة من المواطنين قد صوتوا مبكرا ولم يكونوا مشاركين فى انتخابات عام ٢٠١٦ وان المشاركين من الديمقراطيين اكثر من الجمهوريين وان استطلاعات الراى تشير الى ان الفارق بينهما ليس بالكبير نسبيا مع الشعور بعدم الثقة فى موضوع استطلاعات الراى رغم ان الشعب الامريكى كان متعودا ان يتابعها ولكن ما حدث عام ٢٠١٦ عكس كل التوقعات والتى اشارت الى احتمال هيلارى كلينتون مع ان احدى الموسسات القوية توقعت فوز ترامب فى نفس التوقيت والظروف
الجديد الان بالداخل الامريكى ان حزب الكنبة سوف يذهب للتصويت هذه المرة بسبب الاستقطاب الايدولوجىً الحادث نحن الان امام انقسام فكرى وعقائدى ويظل السوال حايرا دائرا هل يبقى ترامب ام ياتى بايدن
ويظهر هنا حزب الكنبة كرقم مهم فى المعادلة ونتيجة لهذا الاستقطاب الايدولوجى يجعل هناك صعوبة فى التوقعات
وهنا يتحدث البعض عن دور الدين والسياسة فى هذه الانتخابات المثيرة للجدل
بايدن هو رييس كاثوليكىً وهو بعد ثانى رييس كاثوليكى بعد جون كنيدىً ومتعود الذاهب الى الكنيسة كرجل محافظ
وترامب يحاول ان يقدم نفسه كرجل محب للدين ولو اعتبرنا ان ترامب شخص غير متدين الا انه يخدم المشروع الدينى وله من المؤيدين من يقول يجب ان نقف معه
قاضية المحكمة العليا القاضية ايمى والتى رشحها الرئيس ترامب لهذا المنصب تنتمىً لجماعة الاخوة الدينية او جماعة الحمد والشكر والذى يخرج عن هذه الجماعة يتم التنكيل به ولانها كاثوليكية والكاثوليكية لها مدارس وجامعة كبيرة تسمى جامعة نوتردام وتنتمى للفكر الجمهورى بقوة
من هنا فان الدين حاضر بقوة فى الانتخابات
وهناك من يتحدث عن ان مستقبل امريكا سيكون اسبانى الناس من اصول اسبانية هم الاغلبية ويتزايدون وهناك امريكا الافريقية هذه الشريحة من المواطنين لها تاثير كبير فى اى انتخابات حالية او حتى مستقبلية
لا اليهود ولا المسلمين يكون لهم مثل هذا التاثير فى الحضور او المشاركة
قد يكون للجالية اليهودية ثقل او تاثير فى التاييد والدعم بشكل مباشر
ولا ننسى هنا مدى ولع واهتمام المواطن الامريكى بتاثير المشاهير حيث ان اوبرا وينفرى مذيعة التلفزيون الشهيرة متابعينها كانوا قرابة مليون صوت ذهبوا لصالح باراك اوباما خلال فترة حملته الانتخابية
ريجان كان ممثلا مشهورا وارنولد شوينزيجر والذى صار حاكما لولاية كالفورنيا والرئيس ترامب نجم تلفزيون الواقع من قبل واوباما والذى صار ميجا ستار
هنا يتحدث علم الاجتماع السياسى عن تاثير الدين والسياسة فى الانتخابات الامريكية عامة ومدى التاثير الواضح فى انتخابات ٢٠٢٠
منذ أعلن دونالد ترامب ترشيح نفسه لرئاسة أمريكا عادت العنصرية لتطل من جديد في أدبيات السياسة الأمريكية، نظراً لطبيعة الرجل العنصرية المثبتة والمعلنة، لكن وقتها كان البيت الأبيض يشغله رئيس أسود بالفعل، وبالتالي لم يكن ثمة ما يدعو للقلق، ثم جاء الوباء ومقتل جورج فلويد لينكشف الغطاء الزائف، فإلى أي مدى عمّقت رئاسة ترامب الانقسام في المجتمع الأمريكي، وهل تؤدي خسارته في نوفمبر/تشرين الثاني لتعافي ذلك المجتمع؟
رئيس أسود في البيت الأبيض
كان مشهد تأدية باراك حسين أوباما اليمين الدستورية كأول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية بمثابة دليل عملي على انتهاء قضية العنصرية في الدولة العظمى التي تقود العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى غير رجعة.
فالمشهد كان مهيباً بالفعل في ظهر ذلك اليوم، 20 يناير/كانون الثاني 2009، وجاء خطاب أوباما هادئاً ومركزاً على وحدة القيم البشرية والمساواة بين الجميع، لقد كان خطاباً للسلام وللتعاون، موجهاً للبشرية ككل، إيذاناً بعهد جديد لا توجد فيه تفرقة بين الأمريكيين بسبب لون بشرتهم أو معتقداتهم، واحتفل الكثيرون بنهاية عهد “سيطرة الرجل الأبيض” للأبد.
خطاب تنصيب أوباما 20 يناير 2009
عودوا من حيث أتيتم واتركوا بلادنا
لكن يبدو أن فترتي أوباما في البيت الأبيض كانتا استثناءً، وجاء الرد أكثر عنفاً مما تصور الجميع داخل وخارج الولايات المتحدة، حيث فاز بالرئاسة دونالد ترامب، الرجل الأبيض الذي يريد جعل “أمريكا بيضاء مرة أخرى”، بحسب وصف أغلب السياسيين، وأبرزهم نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الديمقراطية!
ونتوقف هنا عند أبرز تصريحات الرئيس ضد أعضاء في الكونغرس ينتمون للحزب الديمقراطي، عندما قال لهم، أو لهن بالأحرى “عودوا إلى بلادكم واتركوا بلادنا”!
والقصة هنا ربما تبدو مجرد مشاحنات سياسية بين الحزبين الأكبر في البلاد؛ فترامب الجمهوري حاول استغلال الخلافات بين أربع عضوات جدد في مجلس النواب (رشيدة طليب وإلهان عمر وأليكساندريا أوكاسيا كورتيز وأيانا بريسلي)، تنتمين للحزب الديمقراطي، وقيادات الحزب، بشأن قضية الهجرة واللاجئين، لكن تغريدات ترامب وتصريحاته فضحت مكنون القلوب وحقيقة الرئيس وقاعدته الانتخابية فيما يتعلق بالانقسام العميق داخل المجتمع الأمريكي، بين من يرون أنفسهم أصحاب البلاد (البيض) وبين الملونين بشكل عام والسود بشكل خاص.
فإلهان عمر ورشيدة طليب وكورتيز وبريسلي لسن فقط مواطنات أمريكيات، بل عضوات في الكونغرس، ورغم ذلك قال لهن ترامب نصاً “لماذا لا تعُدن إلى البلاد التي جئتن منها وتتركن بلدنا”، ولا يمكن بالطبع اعتبار ذلك خلافاً سياسياً بأي حال من الأحوال، وهذا بالتحديد ما عبر عنه عضو الكونغرس جيم هايمز (من أصل بيروفي) في تغريدة قال فيها: “على عكس العضوات اللائي هاجمهن ترامب اليوم، أنا عضو كونغرس مولود بالفعل في بلد أجنبي، لكنني ذكر، أبيض البشرة من أصول أوروبية، لذلك من المستحيل أن يهاجمني”.
هل جاء ترامب بالعنصرية إلى أمريكا؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المهم هنا أن نذكر أن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية مرتبط بتاريخ طويل من العبودية والتفرقة العنصرية بين المهاجرين البيض، الذين قدموا من أوروبا للعالم الجديد، بين المواطنين من القارة السمراء الذين تم جلبهم كعبيد للعمل في مزارع القطن والدخان، قبل نحو أربعة قرون أو يزيد قليلاً.
ونضال المواطنين الأمريكيين السود من أجل الحرية والمساواة طويل وممتد، وبه محطات جوهرية أسهمت في تحقيق مطالب المساواة من الناحية القانونية بصورة لافتة، وصولاً إلى أن يتولى أوباما منصب الرئيس، لكن منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض قبل أربع سنوات، عادت قضية العنصرية لتكشف عن مدى الانقسام الذي لا يزال متجذراً داخل المجتمع الأمريكي، ويرى كثيرون أن العنصرية في البلاد هي القاعدة، وما سواها ليس سوى الاستثناء الذي يثبتها ويؤكدها.
في هذا السياق يعتبر ترامب تجسيداً لواقع الانقسام المجتمعي في أمريكا، وأحد أبطاله والمنادين به، فالرجل لا يتردد في التعبير عن عنصريته بمناسبة ومن دون مناسبة، ويشير إلى “بلدنا وقيمنا وأسلوب حياتنا” تعبيراً عن “المسيحيين البيض”، رغم أنه رئيس البلاد التي تُعرف باسم “أرض الأبطال” و “أرض الأحلام”، لكن التاريخ نفسه يكشف أن ذلك الانقسام الذي تعيشه أمريكا اليوم مرت به بالفعل قبل قرن من الزمان.
ما أشبه الليلة بالبارحة
ويرى كينيث تي. وولش، كبير مراسلي البيت الأبيض أن “الانقسام العظيم” الذي تشهده الولايات المتحدة في عهد ترامب يعيد للأذهان انقساماً مشابهاً مرت به البلاد والعالم أجمع عام 1919، أي قبل قرن من الزمان، فقد بدأ وباء الإنفلونزا الإسبانية في ذلك العام، كما عصفت بالبلاد موجة من التفجيرات المحلية أدت لحملة قمع منظمة ضد “الشيوعيين” المزعومين، أثارت مخاوف بروز دولة بوليسية في البلاد، وانطلقت موجة من الاحتجاجات العرقية (ضد العنصرية)، أودت بحياة 38 أمريكياً في شيكاغو، أواخر يوليو/تموز عام 1919.
واللافت أن كراهية المهاجرين ازدادت بشكل واضح، وكانت موجهةً نحو الأقليات من السود والملونين، وشهدت البلاد وقتها إضرابات متعددة، وهجمات متكررة على أحياء المواطنين السود، وتكوَّنت عصابات من البيض تستهدف السود والملونين، وعن تلك الفترة كتب المؤرخ ويدمير أن “الغالبية العظمى من الأمريكيين أرادوا استعادة حياتهم القديمة، لكن لم يكن هناك طريق واضح لتحقيق ذلك”.
في تلك الفترة ظهر عضو مجلس شيوخ من أوهايو اسمه ممرين هاردينغ، ركب موجة العنصرية ورفع شعار “دعونا نجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، ليصل إلى البيت الأبيض ويصبح رئيساً بالفعل، بطريقة تكاد تكون متطابقة مع الطريقة التي وصل بها ترامب للبيت الأبيض.
ويضيف ويدمير أن ذلك لم ينجح في انتشال البلاد من عنصريتها وانقسامها قبل 100 عام، لأنه ببساطة عمّق ذلك الانقسام المجتمعي وفشل في التعامل مع التغييرات العميقة التي كانت تمر بها البلاد وقتها، والأمر نفسه يتكرر مع ترامب الآن.
كيف فجّر مقتل جورج فلويد القصة من جديد؟
كان مقتل مارتن لوثر كينج أحد أبرز قادة السود الأمريكيين المنادين بالمساواة بمثابةمحطة رئيسية في نضال الأمريكيين من أصل إفريقي من أجل حقوق متساوية مع المواطنين البيض، فقد أدى مقتله على يد أمريكي أبيض، يوم 4 أبريل/نيسان 1968، إلى موجة كبيرة من الاحتجاجات امتد تأثيرها خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، فكينج كان رمزاً للنضال السلمي، ويحمل رسالة محبة وتسامح موجهة للجميع.
ورأى كثير من المؤرخين أن اغتيال مارتن لوثر كينج قد أحدث هزة عنيفة في المجتمع الأمريكي، وأحدث تغييراً حقيقياً في قضية العنصرية في البلاد، حيث سعت الولايات كل على حدة، والحكومة الفيدرالية في واشنطن، إلى تعديل القوانين التي تكرس للعنصرية أو تفرق بين المواطنين على أساس اللون أو العرق أو الديانة، وبدا أن قضية العنصرية في البلد الأقوى عالمياً، والذي يعطي زعماؤه السياسيون دروساً لنظرائهم حول العالم في الحرية والمساوة وحقوق الإنسان قد انتهت أخيراً، وأصبح المواطنون الأمريكيون جميعاً متساوين في الفرص والحقوق والواجبات.
لكن بعد مقتل كينج بأكثر من ستة عقود، وبالتحديد يوم 25 مايو/أيار الماضي، تعرّض مواطن أمريكي أسود للقتل خنقاً على أيدي رجال شرطة بيض في ولاية مينيسوتا، لتنفجر احتجاجات أكبر وأضخم مما شهدته أمريكا بسبب اغتيال كينج، وتخطّت حدود البلاد ممتدة إلى أوروبا وكندا، تحت شعار “حياة السود مهمة”، ليصبح المواطن جورج فلويد، الذي تعرّض للخنق بعد أن جثم الشرطي بساقيه على رقبته لمدة 9 دقائق تقريباً وسط حشرجة الرجل “لا أستطيع التنفس” دون أن يبالي الشرطي الذي بدا كمن يؤدي عملاً روتينيا يقوم به كل يوم، وهي الحقيقة بالفعل.
وهناك عدة حقائق تتعلق بالزخم الكبير الذي حققه مقتل فلويد، على عكس عشرات الحوادث المشابهة على مدار التاريخ الأمريكي، وأبرز تلك الحقائق هو مدى الانقسام المجتمعي الذي صاحب وصول دونالد ترامب للرئاسة، على خلفية مواقف عنصرية واضحة تجاه جميع المختلفين عنه كرجل أبيض مسيحي يؤمن بتفوق الرجل الأبيض على مَن سواه، وهي سمة شخصية موجودة منذ البداية، لكنه تعلّم كيف يوظفها لصالحه سياسياً، بصورة استدعت إجراء أبحاث ودراسات عن تلك السمة الترامبية.
وقد نشرت مجلةThe Atlantic الأمريكية تقريراً مطولاً بعنوان “تاريخ ترامب في التعصب الأعمى: كانت هناك أدلة طوال الوقت على عنصريته وعدم تسامحه، وتعلم ببطء كيف يوظفها لمصلحته”، رصد تاريخ الرجل الممتد في التعبير عن مواقفه العنصرية، وترامب ليس نكرة أو سياسي لم ينتبه له المواطنون إلا مع ترشحه للرئاسة، بل هو من أكثر الشخصيات شهرة في المجتمع الأمريكي بحكم عائلته فاحشة الثراء، وبحكم برنامجه الشهير “The Apprentice”.
وبالتالي فإن عنصرية ترامب وعدم تسامحه تجاه المختلفين عنه مادة إعلامية يرجع تاريخها لعام 1973، عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز وقتها تحقيقاً عن عنصريته تجاه العاملين في شركات عائلته، وللرجل تاريخ ممتد من التعليقات العنصرية الفجة في قضايا تخص الأقليات كالأمريكيين الأفارقة والمكسيكيين واللاتينيين والأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) والمسلمين واليهود والمهاجرين والنساء وحتى أصحاب القدرات الخاصة.
ولا يتوقف الأمر هنا عند تصريحات ترامب، بل إن تصرفاته أيضاً تعكس قناعاته العنصرية؛ فقد نشر إعلانات تطالب بإعدام 5 شباب سود ولاتينيين كانوا متهمين بجريمة الاغتصاب، وثبتت براءتهم لاحقاً، كما نشرت شهادات متعددة لعاملين في فنادقه الفارهة، تزعم أنه اعتاد عندما يدخل أحد الكازينوهات أن يقوم المديرون على الفور بإبعاد الزبائن السود الموجودين في الصالة، لكن اللافت هنا أن ترامب وصف نفسه في مقابلة معWashington Post عام 2016 أثناء حملته الانتخابية بأنه “أقل شخص عنصري يمكن أن تقابله في حياتك”.
ما أبرز الأقليات في أمريكا؟
يبلغ تعداد الولايات المتحدة الأمريكية 331 مليون نسمة هذا العام، ورغمالتعدد العرقي في البلاد التي ظلت على مدى عقود طويلة حلماً للهجرة وأرضاً للفرص وتحقيق الأحلام والثراء السريع، فإن غالبية السكان ينتمون للبيض المهاجرين من دول أوروبية، وهؤلاء يمثلون نحو 68% من مواطني أمريكا حالياً، ويأتي الأمريكيون من أصل لاتيني في المركز الثاني كأكبر أقلية في البلاد، ويمثلون 16.3%، ثم الأمريكيون الأفارقة أو السود، ويمثلون أكثر من 13% من السكان، وهناك أيضاً أقليات عرقية أخرى تنتمي للمنطقة العربية وإيران وآسيا وغيرها من مناطق العالم.
وبشكل عام يمكن القول إن تصنيف الأمريكيين من حيث العرق أو من يمثل أغلبية ومن يمثل أقلية مسألة معقدة للغاية، وتختلف من النظام الفيدرالي القومي إلى النظام المطبق في الولايات، لكن بشكل عام يعتبر المواطن أمريكياً ما دام حاصلاً على الجنسية ويحمل جواز السفر الأمريكي، وينص الدستور على المساواة المطلقة بين جميع المواطنين بغض النظر عن العرق أو اللون أو الديانة، لكن الواقع بالطبع مختلف بشكل تام عن النص الدستوري، وهو ما عاد مرة أخرى للواجهة مع وجود ترامب في البيت الأبيض، بعد الهدوء النسبي الذي شهدته مساحة الانقسام المجتمعي منذ ستينات القرن الماضي.
لماذا الانقسام المجتمعي أخطر في عهد ترامب؟
إذا كانت العنصرية والانقسام المجتمعي سمة جوهرية في الولايات المتحدة منذ بروزها على الساحة الدولية كقوة عظمى ناشئة قبل أكثر من قرن من الزمان، ثم هيمنتها على مقدرات العالم تقريباً وتشكيله سياسياً واقتصادياً وثقافياً منذ نهاية الحرب العالمية، فلماذا القلق إذن من بروز ذلك الانقسام على السطح مرة أخرى بوصول ترامب للرئاسة، وتفاقم ذلك الانقسام منذ مقتل فلويد في أواخر مايو/أيار؟
تعيدنا محاولة الإجابة عن هذا السؤال إلى المشهد الذي بدأنا به القصة، وهو تأدية أوباما لليمين الدستورية قبل 12 عاماً تقريباً، فوصول رئيس أسود إلى البيت الأبيض كان يفترض به أن يمثل المحطة الأخيرة في رحلة قطار العنصرية في أمريكا، فالرجل فاز بالرئاسة بأغلبية أصوات الأمريكيين من مختلف الأعراق والألوان، وليس فقط بأصوات السود الذين لا يمثلون أكثر من 13% كما ذكرنا، وهو مؤشر على تراجع العنصرية على المستوى المجتمعي وتجاوزها أخيراً.
لكن الواقع كشف عن وجهه القبيح مرة أخرى بعد أن غادر أوباما البيت الأبيض، لأن ترامب أيضاً جاء للبيت الأبيض في انتخابات حصل من خلالها على المنصب، وترامب رجل عنصري كما ذكرنا وبالأدلة المعروفة للجميع، وبالتالي فإن فوزه في حد ذاته -بغض النظر عن التشكيك من جانب منتقديه في ذلك الفوز- مؤشر واضح على أن غالبية الأمريكيين لا يزالون يريدون العودة “لأسلوب حياتهم المعتاد”، حيث السيطرة المطلقة للرجل الأبيض، بحسب باحثين أمريكيين.
وجه الخطورة الآخر في تفجر قضية الانقسام المجتمعي على خلفية العنصرية من خلال مقتل فلويد واتساع رقعة الاحتجاجات واستمرارها هو قرارات الرئيس ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض على مستوى السياسة الخارجية تحقيقاً لشعاره “أمريكا أولاً”؛ ترامب سحب بلاده في يناير/كانون الثاني 2017 (بمجرد تسلمه الرئاسة رسمياً) من اتفاق الشراكة بين الأطلسي والهادي (أمريكا وأوروبا) وهي اتفاقية وقعها سلفه أوباما بهدف زيادة التعاون بين الشركات الأمريكية والأوروبية، وتلا ذلك انسحابات أخرى من اتفاقيات دولية سياسية واقتصادية ومناخية لتعزيز التعاون الدولي، في إشارة واضحة على أن الرجل يريد فرض إرادة أمريكا البيضاء على العالم.
وقياساً على نتائج تلك القرارات التي اتخذها ترامب على وضع بلاده على المسرح الدولي، نجد أن الولايات المتحدة قد خسرت كثيراً من مكانتها في زمن قياسي، وأصبحت الصين في وضع أقوى بشكل واضح، ولم تعد أمريكا صاحبة الريادة سياسياً واقتصادياً على الأقل، وهو ما انعكس على الأوضاع الداخلية أيضاً بصورة لم تعد خافية، ويمكن القول نها غير مسبوقة أيضاً.
كيف فضح الوباء عنصرية أمريكا المتجذرة؟
لا يمكن أن نحاول فهم طبيعة الانقسام المجتمعي الأمريكي في ظل إدارة ترامب دون التوقف عند تأثير وباء فيروس كورونا أو كوفيد-19 على الولايات المتحدة، بعد أن أصاب أكثر من 7 ملايين و400 ألف مواطن، وقتل أكثر من 209 آلاف، وأصاب اقتصاد البلاد في مقتل بعد أن فقد أكثر من 50 مليون أمريكي وظائفهم، وأوشك الاحتياطي الفيدرالي للبلاد على الإفلاس التام.
كورونا وباء عالمي أصاب أكثر من 33 مليوناً و580 ألفاً وأودى بحياة نحو مليون و7 آلاف (حتى ظُهر الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول 2020)، وعلى الرغم من ظهوره أولاً في مدينة ووهان الصينية العام الماضي، فإن الولايات المتحدة هي أكثر دولة تأثرت، ولا تزال في جميع المجالات، وذلك لأسباب كثيرة ومتنوعة، ليس هنا مجالها، حيث إن مساهمة الوباء في إظهار مدى عمق الانقسام المجتمعي مثلت مادة دسمة للتحليل والدراسة في الولايات المتحدة في عهد ترامب.
فقد أظهرت البيانات الصحية أن الأقليات دفعت ولا تزال ثمناً باهظاً مقارنة بالأغلبية البيضاء بين مواطني الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الوباء القاتل؛ وكان الأمريكيون من أصل آسيوي هم أول ضحايا العنصرية والكراهية، بعد أن أطلق ترامب على كورونا “الفيروس الصيني”، وتم رصد عشرات حالات الاعتداء الجسدي والتنمر اللفظي بحق مواطنين أمريكيين من أصل آسيوي بالفعل كاد بعضهم أن يفقد حياته بسبب الاعتداء.
وكان ذلك في بداية تفشي الوباء على الأراضي الأمريكية، في مارس/آذار الماضي، لدرجة أن وكالةبلومبيرغ نشرت يوم 21 من ذلك الشهر تقريراً بعنوان “كوفيد-19: الوباء الذي يقسمنا عرقياً وطبقياً” تناولت فيه عدداً من تلك الاعتداءات، واستطلعت آراء خبراء علم اجتماع ومحللين سياسيين وغيرهم أجمعوا على أن ترامب يتحمل وزر ذلك التقسيم وليس فيروس كورونا.
لكن مع مرور الأيام والأسابيع وارتفاع حالات العدوى والوفيات بصورة رهيبة، واضطرار إدارة ترامب للرضوخ أخيراً واتخاذ قرار إغلاق البلاد في محاولة للسيطرة على الوباء، بدأت الحقيقة القبيحة المتعلقة بطبقية وعنصرية المجتمع الأمريكي تظهر شيئاً فشيئاً وتهدد السلم الاجتماعي ذاته؛ فقد اتضح أن الأقليات من السود واللاتينيين هم الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس الفتاك، لأسباب تتعلق بظروفهم المعيشية والوظيفية، كدليل صارخ على أن العنصرية تجاه الملونين لا تزال سائدة في الولايات المتحدة بصورة لم يعد ممكناً السكوت عنها.
ففي ظل الإغلاق وتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي أصبح واضحاً أن تلك الأمور رفاهية لا يمتلكها الجميع؛ فالمصانع لا بد أن تظل تعمل، وكذلك الصيدليات والمطاعم ومحلات البقالة وغيرها، وإذا كان المديرون وأصحاب تلك الأعمال يمكنهم إدارة العمل عن بعد، فالعاملون والموظفون مضطرون للذهاب للعمل، حتى لا تتوقف تلك الأعمال الحيوية، وبما أن أغلب تلك الفئة من الأقليات فإن فرص تعرضهم للعدوى تتضاعف.
كما أن الخدمات الصحية أيضاً تتسم بالطبقية واختلاف الدرجات ومدى توفرها بين الأغنياء وأصحاب الدخول المحدودة، وهذا عنصر آخر أسهم في ارتفاع نسبة الوفيات بين الأقلية السوداء مقابل أصحاب التأمين الصحي المتميز من الأغلبية البيضاء، وإذا أضفنا لذلك أماكن سكن هؤلاء سيئة التهوية والمزدحمة نجد أن “الوباء سلّط الضوء بالفعل على التمييز العنصري والتقسيم الطبقي والثقافي الذي لا يزال يحكم المجتمع الأمريكي”، وهو ما سلطت كثير منوسائل الإعلام الضوء عليه في تغطيتها للوباء القاتل.
هل تتعافى أمريكا إذا خسر ترامب؟
في هذا السياق من الظلم الاجتماعي الكامن، جاء مقتل جورج فلويد بمثابة شرارة سقطت على حقل فسيح عائم على بحيرة من الوقود، فاشتعلت النيران بسرعة قياسية، وتمددت من مينيسوتا إلى باقي الولايات في لمح البصر، ومنها انتقلت عبر الحدود إلى كندا وأوروبا وصولاً إلى أستراليا، فالعنصرية والظلم تجاه أصحاب البشرة السمراء لها تاريخ ضارب في الجذور، ومن الواضح أن تلك العنصرية البغيضة لا تزال كامنة في تلك المجتمعات.
ففي تحقيق استقصائي شارح، ألقت صحيفة واشنطن بوست، الشهر الماضي، الضوء على تداعيات مقتل فلويد وتكوين حركة “حياة السود مهمة”، في إطار الصورة الأوسع للتاريخ الأمريكي الطويل من الظلم وعدم المساواة، والواضح أن انتخاب ترامب رئيساً قبل أربع سنوات قد مثل شرخاً أكثر عمقاً في الانقسام المجتمعي الذي كان موجوداً بالفعل، لكنه لم يكن بمثل هذا الوضوح والخطورة كما هو الآن.
صحيح كما أوضحنا أن العنصرية والظلم وعدم المساواة كلها أمور لم يأت بها ترامب إلى أمريكا، لكن المؤكد أنه وظّف تلك العنصرية وامتطاها كحصان طروادة ليصل إلى البيت الأبيض، والمؤكد أيضاً أنه سعى وما زال لتعميق ذلك الانقسام من خلال إصراره على أن أمريكا دولة بيضاء، وأن من لا يعجبه ذلك عليه العودة إلى “بلاده” وتركها، ويبدو أن البعض يئس بالفعل وقرر العمل بنصيحة ترامب.
فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية وغيرها من الصحف الأمريكية تقريراً عن الارتفاع القياسي في أعداد الأمريكيين الذين تخلوا بالفعل عن جنسيتهم منذ أصبح ترامب رئيساً، وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري 2020 تخلّى أكثر من 5800 أمريكي عن جنسيتهم، بزيادة قدرها 1200% مقارنة بعدد من فعلوا ذلك في الأشهر الستة من عام 2019.لكن الانقسام المجتمعي بسبب التمييز العنصري وعدم المساواة لن يختفي حال خسارة ترامب وفوز منافسه جو بايدن ونائبته السمراء كاملا هاريس، في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وستظل أمريكا تواجه تلك الأزمات ما لم تواجه التقسيم العرقي العميق بين مواطنيها، كما قال هاوارد فرينش في مقال له بنفس العنوان، منشور في يونيو/حزيران الماضي، تعليقاً على الاحتجاجات العرقية التي فجّرها مقتل فلويد.
في المقالة التَّالية، من مجلَّة الأتلانتيك الأميركيَّة، يحاول الصحفيّ المخضرم جيمس فالو معالجة العمل الصّحفي في إعلام الديمقراطيين والتطرُّق إلى العيوب العديدة التي لعبت دورا في صعود نجم الرئيس دونالد ترامب. بالتحديد، يعالج الكاتب بدعة الحياد الصحفي في أزمنة الاستقطاب بوصفها وضعية سلبيّة تتناقض مع دوره كونه سُلطة تُراقب وتحاسب باسم النَّاس، فانحيازُ الصحفيّ ضروري وحاسم حينما تمتهن السلطة الكذب والخداع وتزييف الحقيقة.
إنَّنا نرى خطأ فادحا، ومأساة ممكنة تتكشَّف الآن. قد تسري هذه الجملة على نواحٍ لا تُحصى في الحياة الاقتصادية والطبيّة والحكومية والبيئية حاليا، لكن ما يجول بذهني هو ما يكاد يكون فشلا أسطوريا في استجابة الصّحافة لحقائق عصر ترامب.
يتصرف العديد من أكبرِ محرّرينا ومراسلينا تأثيرا كما لو أنَّ القواعد التي سادت تحت الرؤساء الأميركيين السابقين لا تزال سارية. لكن هذا الرئيسَ مختلف، والقواعد مختلفة، وما لم تتأقلَم بسرعة، فستكون الصحافة شاهدا على مؤسسة أخرى أخفقت في لحظة من الضّغط الخانق.
بعدد من الطُّرق المهمّة، تُكرِّر المنافذُ الإعلاميّة الخطأ الذي ارتكبه المستشار الخاصّ السابق روبرت مولر. في كتابه حول تحقيق مولر، بعنوان “جرائم وجنح حقيقيّة” (وفي مقالة عبر صحيفة النيويوركر)، يجادل جيفري توبين أن خطأ مولر الفادح كان نوعا من مثالية مكانُها زمن آخر، وحملت ما تحملُ السَّذاجةُ من عواقب. كان مولر على علم بالمعايير الأخلاقية التي سيودّ الحفاظ عليها لنفسه ويصرّ على فريقه الالتزام بها، لكنّه لم يستوعب أنَّ الناس الذين يتعامل معهم يعتقدون أنَّ تلك المعايير للحمقى، لم يتصوَّر مولر أن مدّعيا عاما في منصبه يُمكن أن يُحرِّف فحوى تقريره عن قصد، وهو بالطبع ما قام به بيل بار. أراد مولر أن يتجنَّب مواجهة غيرَ لائقة، أو أن يظهر تحقيقه بمظهر “متصيّد المعلومات”، التي قد يأتي بها السعي وراء استدعاء هيئة محلَّفين من عِلية القوم إلى شهادة ترامب، فلم يتكلَّم مع ترامب تحت القسم، أو على الإطلاق. نظر ترامب وبار وفريقهما إلى هذه اللَّياقة على أنَّها علامة ضعف من الممكن استغلالها.
كتاب جيفري توبين بعنوان “جرائم وجنح حقيقيّة”
يجري أمر مماثل حاليا مع العديد من العاملين في الصّحافة. إنَّهم يتصرَّفون مثل مولر، يريدون التأكُّد من أنَّهم يتَّبعون خصائص كانت لتبدو منطقيَّة عند التعامل مع شخصيَّات أُخرى في عصور أخرى، لكنهم الآن يتعاملون مع دونالد ترامب، وهو يرى سلوكَهُم نقطةَ ضعف يُمكن أن يستغلَّها بلا هوادة.
بقدر ما لم يتفطَّن مولر إلى هذه الحقائق حينها، فعل إعلامنا المطبوع والمسموع والمرئي قبل أربع سنوات. تسابقت الشبكات لبثّ خطاباته الحاشدة بلا نهاية بدءا من منتصف العام 2015 صعودا، مانحة إيَّاه من الزَّمن المجَّاني على الهواء ما يُقدَّر بقيمة مليارَيْ دولار أميركي. لماذا خطاباتهُ هو، لا خطابات هيلاري كلينتون أو خطابات بيرني ساندرز؟ لأنَّها عُدَّت بثا تلفزيونيّا رائعا، ولأنَّ التقييمات أخذَت ترتفع في أثناء بثِّ تلك الخطابات. مع مُضيّ السباق، برهنت قنوات الكابل على توازنها المفترَض عبر رصدِ حلقات النقاش السياسية لا مع مَن يُمثِّلون نقاط الآراء المحافِظة ولكن مع المنتمين إلى القبليّة السياسيّة والمتحمّسين حتّى الموت، أشخاص سَيدافعون عن ترامب مهما فعل أو قال. (إحدى هؤلاء هي اليومَ السكرتير الصّحفي للبيت الأبيض، وملخّصاتها الصحفيّة لا تختلف عن تصريحاتها الصادمة سابقا عبر قنوات الكابل). كما أنَّ اختيار المشاركين في حلقات النقاش لم يعكس باقة من وجهات النظر حول السياسات؛ لقد كان بثّا لكوميديا الحياة اليوميّة، مع أشخاص يلعبون أدوارهَم المتوقَّعة الواضحة.
في خضمّ سعيها وراء طقس التوازن، أخذت الشبكات توازِنُ تغطيتَها لمغارِم ترامب الأخلاقيَّة وعيوبه الشخصيّة، التي كانت لتُبرهِنَ على افتقاد للأهلية لدى أي مرشّح آخر لأيّ وظيفة أخرى، بالتحقيق المكثَّف لما أُصِّرَ على كونه مشكلات خطيرة تتعلق برسائل البريد الإلكترونيّ الخاصّ بهيلاري كلينتون. قبل ستة أسابيع على إعلان النتائج، نشر غالوب تحليلا تنبؤيًّا يُظهِرُ أكثرَ ما سمعه الأميركيُّون بشأن كل مرشّح من المرشّحين. فيما يخصُّ ترامب، كانت أكثر الكلمات التي سمعها النَّاس من تغطياته الإعلاميّة كافَّة هي: “خطاب/هجرة/المكسيك”. فيما يخصُّ كلينتون، غطَّت كلمة واحدة على أُخرياتها: “رسائل البريد الإلكتروني”. التَّاليتان على القائمة، أقلُّ تمييزا، وهُما “كذب، ومؤسسة”. (مؤسّسة كلينتون، التي أسّسها بيل كلينتون، كانت محلَّ تدقيق مستمرّ ومتواصل لما يُقال إنّه تعاملات مشبوهة، وكان يقابل هذا التدقيق كشف جديد كلَّ أسبوعين حول إمبراطوريّة ترامب). قبل أسبوع على إعلان النتائج، كرَّست صحيفة نيويورك تايمز كامل النصف العلويّ من صفحتها الأولى لمقالات حول قيام مدير الإف بي آي جيمس كومي بإعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكترونيّ، وكان عنوان المقال الرئيسي على الصفحة الأولى للصحيفة: “رسائل جديدة من البريد الإلكترونيّ تدُكُّ حملة كلينتون في الأيَّام الأخيرة للسباق”، ويقول عنوان آخر على الصفحة الرئيسيَّة: “مع تبقّي 11 يوما، ترامب يقول إنَّ الكشفَ عن الرَّسائل يغيّر كل شيء”.
في الأسبوع الماضي فحسب خرج تلويح جديد بتلكَ التغطية، التي تُجمَلُ عادة بعبارة “لكنْ رسائل بريدها الإلكتروني!”. في الأربعاء، الموافق 9 سبتمبر/أيلول، خرجَ إلى الإعلام تسجيل بوب وودوارد لترامب قوله إنَّه فيما تعلَّق بفيروس كورونا، فقد “أرادَ باستمرار التقليل من أهميتّه”، هذا إلى جانب مزاعِم فاضحة من بطانتهِ بأنَّ وزارة الأمن الدَّاخلي كانت تزيِّف معلومات استخباريّة للتقليل من خطر التدخل الرُّوسي في الانتخابات وعُنف جماعات الفوقيّة البيضاء. موضوعيّا، لم يكن أيٌّ من هذه القصص أكثر أهميّة من تحقيق كومي القصير بشأن فضيحة لطالما أخذت أكبر من حجمها. لكن في موسم الانتخابات هذا، حصل كل واحد منها على عنوان عمود صحفيّ خجول في الصفحة الأولى لمجلة التَّايمز. بينما منحت الواشنطن بوست، على العكس منها، اكتشافات وودوارد شريطا على امتداد صفحتها الأولى.
مَن يعرف أي نهاية كانت تنتظر السباق الانتخابي في 2016، وما إذا كان رجل مثل ترامب لينتهي بالمنصب الذي انتهى إليه، لو أنَّ أي عامل من مئة عامل آخر قد سلك طريقا مختلفا. لكنّ العاملَ الأهمَّ كان إحجامَ الصحافة عن الإقرار بما تتعامل معه حقّا: شخص يستخدم الحقد العِرقي أداة صريحة، كذبه وفساده جاوزا كل ما لدى آل كلينتون معا، وما كان لدى معظم الرؤساء السابقين، ومعرفته بالمؤسسة الشاسعة التي هو على وشكِ تسلُّمها أقلّ من تلك التي لدى أي موظّف آخر في الكابيتول هيل بل ومعظَم المهاجرين الذين تمكّنوا من اجتياز امتحان المواطنة الأميركيّة (شديد التطلُّب).
ها قد مرَّت أربع سنوات، ونحنُ نستفيقُ في فيلم “Groundhog Day” (فيلم تتكرر فيه أيام البطل دون أي تغيير يذكر) إنَّما أبعد ما نكونُ عن الفهمِ الحتميّ المكتسب بشقّ الأنفُس لبيل موراي أنَّ بإمكانه أن يتعلَّم مهارات جديدة بمرور الوقت. بالنسبة إلى موراي، كانت تلك الأشياء هي تعلُّم العزف على البيانو والحديث بالفرنسيَّة. بالنسبة إلى الصَّحافة، في الأيامِ الـ 49 القادمة، فإنَّ هذه قد تتعلّق (من بين أشياء أُخرى) بثلاث من أكثر العادات تدميريَّة عند التعامل مع ترامب. بالمختصر، إنها اعتناقُ المكافئ الخاطئ، أو المساواة بينَ الطرفين، وعقليّة مدير الحملة، أو عقليَّة سباق الخيول، ثمَّ حبُّ المشاهدة، أو السَّعي وراء تقييمات المشاهدات والنقرات.
هل هذه مشكلات مألوفة؟ أجل بالطَّبع! بقدرِ ما كانت مألوفة أغنية “I Got You Babe” وهي تدور كل صباح على ساعة المنبّه في فيلم “Groundhog Day”. وعلى مدارِ السَّنوات القليلة الماضية، كانت موضوع تحليل حريص، مستمرّ على يد أمثال مارغريت سوليفان، المحررة في الواشنطن بوست وآخر محرر عام مؤثّر بحقّ في صحيفة نيويورك تايمز (قبلَ أن تُزيل الصحيفةُ مخطِئة ذلك المنصب)، ودان فرومكن، الذي عمل سابقا في “الواشنطن بوست” ويعمل حاليا في “برس ووتش”، وجاي روزن الذي عمل سابقا في جامعة نيويورك ويعمل حاليا في “برس ثينك”، وإريك بوليرت، الذي يعمل في “برس رَن ميديا”، وغريغ سارجنت، الكاتب في “ذا بلام لاين” بصحيفة الواشنطن بوست، وبريان باتلر، المحرر في “كروكد ميديا”، وإريك ألترمان من كليَّة بروكلين بجامعة مدينة نيويورك، ومؤلّف الكتاب الجديد “كذب في الدَّولة”، واللغويّ جورج لاكوف، الذي قدَّم مفهوم مواجهة الأكاذيب بما سمّاه “شطيرة الحقيقة”، وآخرين غيرهم. عن نفسي، ألَّفت كتابا بعنوان “تفتيت الأخبار” قبل نحو 25 عاما، واستُخرِجَت منه مقالة غلاف للأتلانتك، حول اتجاهات كتلك التي كانت مُلاحظَة آنذاك ثمَّ ما فتئت تنتشر بمرور السنوات.
إنمَّا لأنَّ هذه الاتجاهات مألوفة بالتحديد فهي مهمة. كما أثبَت إد يونغ في آخِر مقالة له حول الجائحة في الأتلانتيك، ومثلَما جادل آدم سيروير، وإبرام إكس. كيندي، وآخرون حول نضالات العدالة العِرقيَّة، فإنَّ من النادر أن تكون المشكلات الجديدة هي ما يعوق طريقنا، بل إنَّها المشكلات القديمة والإخفاقات والنقاط المبهمة والتحيُّزات ذاتها، مرارا وتكرارا.
كيف يُعقل أننا نرى هذه الأنماط من جديد، وكيف نتصرَّف حيالها؟ “تكافؤيَّة الطَّرفين” هذا هو المصطلح الذي يلخِّصُ خوف معظم الصحفييّن مما يبدو أنَّه “الانحياز لطرف” في النزاعات السياسيَّة، والتشوّهات الناجمة عنها.
بالتأكيد، فإن الانحياز لطرف هو سلوك جوهري في الصحافة. كل شيء نكتبه أو نبثّه هو شيء نقول إنَّه يستحق مزيدا من الاهتمام عن الأشياء التي لا نناقشها. قالب الصفحة الأولى، ورقيّا أو عبر الإنترنت، وقت الهواء الذي نعطيه للتقارير التلفزيونيَّة أو الإذاعية، نبرة العناوين وزاوية التركيز فيها، وكلُّ شيء على قائمة أدوات الاتِّصال هو انعكاس خيارات. عندما نحقق ونعرضُ القصص الفاضحة، فإننا ننحاز لصالح أهميَّة تلك المواضيع، وصحّة روايتنا. محرر صحيفة من القرن التَّاسع عشر كانت تسمَّى “المانشستر غارديان” آنذاك جادل أنَّ وظيفة الصحيفة هي “رؤية الحياة بوصفها دفقا مستمرّا ورؤية الحياة بوصفها كلًّا واحِدا” في تنويع على البيت الشِّعري للشاعر الإنجليزي ماثيو أرنولد. كلَّ خيار يتمحور حول الاستمرارية والكلّية يُمثِّل انحيازا لطرف دون آخر.
لكن في المسألة الضيِّقة، المحدَّدة والمتعلِّقة بالخلافات الجمهوريّة الديمقراطيَّة، فإنَّ مراسلي الصُّحف والبَثّ منزعجون بعمق من الظهور بمظهر المنحاز. لقد نوقشت هذه المسألة بشكل جيّد جدا على مدى سنوات، على سبيل المثال في رسالة بعنوان “المنظر من اللا مكان”، بقلم جاي روزن في عام 2010، وفي مقالة من دان فرومكين قبل عدَّة أسابيع. أبسط نسخة من هذا الرأي تتمثّل في ارتياح المُراسلين بالاقتباس أوّلا عن طرف ومن ثمَّ الطرف الآخر، فيما يبدو حيادا بين الطَّرفين عندَ عرض اتِّهام من الاتهامات، ومن ثمَّ تكوين استجابة. إنَّه دور مَثَّله جون روبرتس، خلال جلسات الاستماع لتعيينه لمنصب رئيس قضاة المحكمة العليا، بأنَّ دوره قاضيا إنما كان فقط “إحصاء الكُرات والضَّربات” [I]، أو كما تقول العبارة الترويجيّة المضحكة لشبكة فوكس نيوز “نحنُ ننقل، أنتَ قرِّر” (ما على الرّسول إلا البلاغ).
خاض كلُّ واحد في الصَّحافة نقاشات لا تُحصى بشأن حدود الموضوعيَّة، لكنَّ قوَّة الدَّافع الذاتي لا تزال تظهر حتَّى يومنا، في 2020، وبعدد من الطُّرق المختلفة.
بعضُ التغطيات عرض اعتياديّ، واستجابيّ حتى لبيانات يعرفُ المراسل يقينا أنهَّا ليست قرينة الصدق، كما لو أنَّها صادقة. (بالتَّالي، “مكافئ زائف”). أحدثُ الأمثلة الصَّاعقة كان قصَّة للأسوشيتدبرس في 4 سبتمبر/أيلول، بعنوان “نسخ متنافسة من الحقيقة تحدِّد الأسبوع الأوَّل من حملة الخريف الانتخابيَّة”، واستهلَّت:
“نيويورك (أسوشيتدبرس) – على متن قاطرة الحملة الانتخابية مع الرئيس دونالد ترامب، الجائحة انتهت بنسبة كبيرة، الاقتصاد يستعيد عافيته، والقتلة من الغوغاء يتسللون إلى الضَّواحي الأميركية.
مع الديمقراطيّ جو بايدن، الجائحة تتفشى، الاقتصاد لا يُساعد الطبقة العاملة، والعنصريَّة المنظَّمة تهدد حيوات السود في أرجاء أميركا.
سباقُ الأسبوع الأوَّل إلى الانتخابات قدَّم نسخا مختلفة على نحو مُربك من الحقيقة مع ارتحال الرئيس الجمهوريّ ومنافسه الديمقراطيّ من واشنطن وديلوير إلى ويسكونسن وبنسلفانيا، كل واحد من الرجلين في مهمَّة طارئة لبيع رسالة محددة للناخب القلق.
كلُّ هذه الرَّسائل المتضاربة تحملُ في أقلّ الأحوّال نزرا يسيرا من الحقيقة، بعضُها أصدق بكثير من غيره…”.
جُملة “بعضها أصدق بدرجة أكبر من غيره” هي طريقة للتأشير إلى ما يعرفه الصحفيّ يقينا: إنَّ ادعاءات بايدن تقع ضمن مدار وتركيز سياسي طبيعي، أمَّا تلك الخاصّة بترامب فعارية عن الحقيقة. الولايات المتَّحدة ليست على مشارف انتهاء كابوس الجائحة بأي شكل، ولم يكد الاقتصاد يستعيد نصف الوظائف منذ فبراير/شباط، ولا تزال أصعب الفترات تلوح في الأفق، ولا تزال معدَّلات الجرائم في المناطق المدنيَّة قرب معدّلاتها المتدنيَّة في العقود الأخيرة، والجريمة لا تتسرَّب للضَّواحي. لكن القصَّة تُقدِّمهما كونها منظورات محضة “متباينة إلى حدٍّ كبير” مع غمزة وإيماءة مبطَّنة بأنه ليست كل هذه الادّعاءات على القدر نفسه من الحقيقة: “بعضها أصدق كثيرا من غيره”. ماذا يمكن للمُراسل أن يكتب بدلا من ذلك؟ شيء من قبيل: “ترامب يُجري حملته بناء على رؤية مضللة للولايات المتحدة، ويأمل أن يكون بإمكانه دفع ما يكفي من الناس لتصديقها لكي يفوز”. في عصر آخر، كان جهابذة “الموضوعيّة” في وكالات الأنباء ليعتبروا بيانا من هذا النّوع أكثرَ “تدخليّة”، لكنّه أصدق بكثير بالنسبة لحقائق هذه اللحظة، وكان سيبدو بمظهر أفضل من منظور التَّاريخ.
كما برهَن دانيال ديل مرارا وتكرارا، فإنَّ ترامب يكذب في تصريحاته العامَّة عشرات المرَّات يوميا. كذلك يفعل ممثلّوه: الأربعاء المنصرم، زعمت كايلي ميكاني، السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، بأريحية في غرفة المؤتمرات الصحفية في البيت الأبيض أنَّ ترامب “لم يُقلِّل أبدا” من تهديد الفيروس، بعد دقائق على إذاعة مراسل السي إن إن بوب وودوارد شريطا مسجَّلا للرئيس يقول فيه إنّه “دائما ما أراد التقليل من أهمية الفيروس”. لقد كان السكرتاريون الصحفيّون والرؤساء السابقون يكذبون حينما كانت الحقيقة غير ملائمة أو محرجة. ترامب يكذب فحسب. كما يُقتبَس عن دان كوتس، مدير الاستخبارات القوميّة السابق في إدارة ترامب، يقول بوب وودوارد: “بالنسبة له، الكذبة ليست كذبة. إنها ما يعتقده وحسب، إنه لا يعرف الفارق بين الكذبة والحقيقة”.
قد لا يُدرك الناس خارج المجال الصّحفي كم من المهمّ، ثقافيّا ومهنيّا، للمراسلين والمحررّين أن يتصرَّفوا بناء على تأثيرات هذا الواقع، أي معرِفَة أنَّ ما يقولُه رئيس أو كبار ممثّليه يحمل صفرا من القيمة الفعليَّة. إن كنتَ تُحاول أن تُخطِرَ الجُمهور، فمن الأفضل ألَّا تنقل ما يقولُه أو يعارضه أو يفعله هذا الرئيس، ما لم تكُن هناك مؤشِّرات خارجيَّة على صحّة أقواله. وما من داعٍ بالتأكيد لتقديم ادعاءات ترامب على أرضية مكافئِة لمعلومات أخرى. مرة أخرى، ذلك لأنَّ السجلَّ يقول إنّه إذا ما تفوَّه ترامب أو ممثّلوه بأمر، فعلى الأرجح أقوالهم عارية عن الحقيقة. لكنَّ الطّبع يغلب التطبُّع، ويظلُّ الحافزُ لإضافة عبارة “يقول بعض النقَّاد إنَّ…” قويا جدا.
خُذْ مثالا آخر كان ينبغي أن يُستفاد منه: في مارس/آذار من العام الماضي، نشر ويليام بار ملخّصا مضللا إلى حدٍّ كبير لتقرير مولر، زاعما أنّه قدَّم شهادة براءة لترامب. وقد صدَّقتهُ كلٌّ من النيويورك تايمز والواشنطن بوست، وعنونت صحيفة النيويورك تايمز “مولر يتوصَّل إلى عدم وجود مؤامرة روسيَّة ضد الولايات المتحدة”، بينما أعلنت الواشنطن بوست “مولر يقول بعدم وجود مؤامرة”. بعدها بعدَّة أسابيع، بعد أن تشكَّى مولر (بكياسة) ضد سلوك بار وصدر التقرير الكامل، أخذَت الصحف والمنافذ الإعلاميَّة تنشر الأخبار حول تحريفات بار المقصودة. بالنِّسبة إلى الواشنطن بوست، كانت واقعة بار حالة شاذّة من نشر خبر يتبنى مزاعِمَ ترامب ظاهريّا. بالنسبة لنيويورك تايمز، فمن سوء الحظَّ أن الأمر كان أكثرَ تمثيلا لآرائه.
في الأسبوع الماضي، بعدما كتبَ جيفري غولدبرغ في الأتلانتيك حول نعت ترامب للمحاربين القدامى في الجيش “بالحمقى” و”الفشلة”، نشرت الواشنطن بوست مقالة حول الادّعاءات تحت عنوان “ترامب يقول إن جرحى وقتلى الحرب في الجيش الأميركي فاشلون. بحسب تقارير”. بينما قدَّمت التايمز القصَّة كما لو أن الخبر يدور حول اعتراضات ترامب:
“ترامب يُنكِر بشدّة قوله إنَّه نعت الجنود الموتَى “بالفشلة” و”الحمقى””.
العنوان الفرعيّ كان لافتًا أيضا:
“التقرير، في الأتلانتيك، قد يكون إشكاليا للرئيس لأنَّه يعتمد على دعم معتبر من الجيش في أوراق إعادة انتخابه”.
هذا يعني أن الخبر كان يتعلَّق بما قد تعنيه اعتراضات ترامب سياسيّا. لقد قُدِّمت الحكاية كونها طريقةً لتفادي الظهور بمظهر المنحاز، مع أنَّها منحازة عمليّا. وإليكُم ما ظهَرَ لي عند العودة إلى الخبر للتأكّد منه:
“ترامب يواجه استياء شعبيا عقب ما يُقال إنه ملاحظات ساخرة أبداها من الجنود الموتى. تقرير في الأتلانتيك قال إن الرئيس نعت الجنود المقتولين في المعارك بالحمقى والفاشلين. وقد أنكرَ المزاعِمَ بحزم، لكن بعض المقرّبين منه قالوا إنَّ تعليقاته تتسق مع تعليقات سرّية أخرى ألقاها كانت تزدري الجنود”.
قبل عقود من الزمن في كتاب “تفتيت الأخبار”، كتبت حول النزوع الذي يكاد يكون غير قابل للمقاومة لتحويل جوهر أي شيء إلى الطريقة التي سوف يبدو فيها من وجهة نظر سياسية ذات تأثير. مثلما يتمكّن المعلِّق الرياضيّ الحفاظ على حياده بين الفِرَق، مع التعبير عن آراء قاطعة حول طريقة الدِّفاع أو إذا ما كان تكتيك الهجوم الخاطف فعّالا، يتمكّن الكُتَّاب السياسيون من أن يتجنّبوا الانحياز بالتعبير عن أحكامهم بالتعليق التكتيكي.
كتاب “تفتيت الأخبار.. Breaking the News”
هذا يثيرُ حكاية أُخرى بشأن أشخاص يُعانون الأَمَرَّين في الرغبة المُلِحّة لمساواة الطرفين، مثل العبارة الأسلوبيّة “قد يُثير تساؤلات”، فلنأخذ قصَّة نُشرت الأسبوع الماضي في النيويورك تايمز حول دوغلاس إيموف، زوج كامالا هاريس، وإليكُم العنوان الرئيسي والعنوان الفرعيّ في القصَّة:
هل تقف السيرة المهنيّة لدوغ إيمهوف عائقا أمام حلف بايدن/هاريس؟
يمتلك السيد إيمهوف، زوج السيناتور كامالا هاريس، سجلا طويلا مُحرِّكا قضايا لاثنتين من كبريات شركات البلاد، مما يفرض صراعات محتمَلة قد تتطلّب التدقيق.
لاحظ اللَّمسات الواردة في التقديم التي تبدو بأنَّها لا تنحاز لطرف على حساب آخر، لكنَّها تنحاز في الواقع:
“يفرض صراعات محتملة”، مجددا عدم الانحياز لطرف بالتزامن مع الإعلان عن وجود خطب ما.
“قد يتطلب التدقيق”. كان هذا أيضا هو التقديم الذي انتهجته كل التقارير تقريبا فيما يخص بريد هيلاري كلينتون. إحقاقا للحق، لعلّها موجودة، لكنني لم أجد مقالات تُقدَّم على شكل استكشافات فيما إذا كان حصول العلامة التجاريَّة لإيفانكا ترامب على الموافقة في الصين أو ترويج أقارب جاريد كوشنر لأعمالهم التجارية في الصين، يمكن أن يفرض “صراعات محتملة”.
ومن الخبر نفسه، في الجزء المتعلّق بارتباط إيمهوف بشركة قانونيّة، هي “DLA Piper”، التي تمتلك ذراعا من جماعات الضغط أيضا:
يظل من غير الواضح ما إذا كان السيد إيمهوف سوف يستمرّ بممارسة القانون بأي صفة، لكن الحفاظ على رابط بشركة لديها ممارسات تحشيد وضغط مزدهرة في واشنطن ومكاتب في أماكن مثل موسكو والرياض قد يكون إشكاليا. ويبحَثُ النقّاد حاليا في قوائم وكيله لدى (DLA) وشركة سابقة، إذ تضمَّنت ممثّلين ينظر إليهم بعين الشكّ المصوّتون التقدّميّون الذين يعتمد عليهم الديمقراطيّون للمساعدة في الإطاحة بالرئيس ترامب.
“يظلَّ من المبهم/ قد يكون إشكاليا/ النقّاد يعملون حاليا على تلميع/ ينظر إليه بعين الشكّ المصوّت التقدّمي”؛ هكذا ينحاز المرء ويُعبِّر عن أحكامه الخاصّة مع الظهور بمظهر مَن لا يفعل ذلك. وثمَّة جُمل أخرى تحمل التأثير ذاته: “من المقابلات، تتشكّل صورة بأن”؛ عندما ترى تلك الجملة أو شيئا ما يُشابهها، تُدرك أنك تُصادف شخصا كان يجب أن يكتب التَّالي: “بدأت أعتقد” أو “من الأخبار المنقولة التي وردتني”، لكنه يعملُ ضمن قيود تجعل جملة مثل “تتشكّل صورة بأنَّ” تبدو جملة “موضوعيّة” أو “مما وردني” تبدو حُكما، كما أنَّها طريقة تجعلك تبدو كما لو أنك لن ترحَم أيًّا من الطرفين.
إليكم إيضاحا حديثا لمدى القوّة التي بلغها الميل نحو سباق الخيول الآخذ بالتزايد: في الأحد الماضي، 12 سبتمبر/أيلول، أجرَت صحيفة نيويورك تايمز استطلاعا للآراء يُظهر تقدُّم بايدن بتسع نقاط في ولاية مينيسوتا، وكان العنوان على مقالتها حول الولاية كالتالي: “مينيسوتا: البعض يرى هامشا لترامب”. أو كما حدث البارحة، مثلما لاحظ مات فايسر من الواشنطن بوست ضمن تغريدة، عندما ألقى جو بايدن خطابه حول التغير المناخي، ثمَّ تلقّى من الصحافة ثلاثة أسئلة: عمَّ سيكون خطابه في فلوريدا في اليوم التَّالي؟ لماذا تتدنَّى أرقامه في أوساط الناخبين ذوي الأصول الإسبانية؟ وهل ستُحارب بضراوة أكبر؟ كما جادلت في مواضع كثيرة من كتاب “تفتيت الأخبار”، فإنَّ أسئلة من هذا النّوع كثيرة في غمرةِ هوس المراسلين السياسيين بأسئلة مُرتجَلة.
وأقترح التَّالي: اتباع نصيحة وردت في مقالة لدان فرومكين، أو أخرى كتبها جاي روزن، بشأن كيفيَّة التخلّي عن حجّة تكافؤيّة الطرفين وتوجيه القدرات التحليلية التي تنزع باتّجاه التعليق التكتيكي بهدف القول بوضوح إنّ شخصا ما يُمارس الكذب وشخصا آخر لا يفعل ذلك، والإفصاح عمّا هو على المحكّ. يجادل روزن أيضا أن الإعلام مطالب بتشكيل “فريق محاكاة تهديد” بهدف التنبؤ بالجهود المبذولة لتقويض الانتخابات القادمة، فما هو على المحكّ أكثر من مجرّد سباق آخر.
تسلية المشاهدة دائما ما ستجلب جمهورا أكبر من جمهور الأخبار. خلال عامَيْ 2015 و2016، ثبتَ أنَّ مُعدِّي البرامج التلفزيونية يعجزون عن مقاومة الجماهير التي تجلبها عروض ترامب. أمَّا الآن فقد اختفى عنصر الجِدَّة من تلك العروض، وبات جمهورها مقتصرا على المخلصين. لكنْ لم يزل بوسعك أن ترى الاستهواء لتغطية كل ما يفعله، مباشرة، والأهمَّ من ذلك، التسلّي بآخر مُزحة أو فورة غضب له. إن أعظم ميزة إستراتيجية يمتلكها ترامب هي التضليل: إجبار أو إغواء العقل الجماعيّ لنسيان ما حدث بالأمس، إذ تُطلَق ألعاب ناريَّة جديدة اليوم. بينما ظلّت مأساة القنصليّة الأميركية في بنغازي، ليبيا، عندما كانت هيلاري كلينتون تعمل وزيرة للخارجيّة تظهر في الأخبار لسنوات، وخضعت على الأقلّ لعشر جلسات استماع في الكونغرس. مرَّت أقل من ثلاثة أشهر منذ آخر مرة ظهرت فيها الرشوة الروسيّة لقتلة الجنود الأميركيين في أفغانستان، بجانب شح التغطية الإعلاميَّة للخبر.
دونالد ترامب ضعيف في استقاء المعرفة من الكتب، لكنّه حاذق جدا في إدارة الانتباه. والتحدّي الذي يواجهه المراسلون والمحررون إنَّما يكمن في إبقاء الانتباه مُسلَّطا على موادّ “أخبار الأمس” التي ستكون مهمّة غدا، فيما يخصّ حالة الاقتصاد وموضع أميركا من العالم وبُنَى الحُكم الديمقراطيّ. إن الأمر يتعلق برؤية الأشياء بوصفها دفقا مستمرّا ورؤيتها بوصفها كلًّا واحِدا، أي أن نكون أكثرَ شبها بماثيو أرنولد، وأقلَّ شبها بقط يُطارد نقطة من ضوء الليزر”.
عندما يُنادي مستشار رئاسي أُدين بعدد من الجنح ثمَّ أفلَت من العقاب بفضل تدخّل مباشر من ترامب بتطبيق “القانون العرفي” في حال جاءت نتائج الانتخابات ضدَّ ترامب، فإنَّ ذلك لا ينبغي أن يكون خبرا ليوم واحد فقط. وروجر ستون الذي أطلَق ذلك النداء الأسبوع الماضي معروف بتمثيليّاته الانفعاليّة. لكننا إن كنّا قد تعلّمنا شيئا حول ترامب ورفاقه، فهو التشكيك في حقائقهم مع الإيمان التامّ بنيّاتهم. كذلك الأمر مع جهود ترامب نزع الشرعيّة سلفا عن أي صوت لا يصبّ في صالحه. إنَّ عزفه اللا منتهي على نغمة “النظام مهترئ، أيَّها الرفاق، النظام مهترئ” يبلغ من التدميرية أنْ تكون له سابقة واحدة فقط في التَّاريخ الأميركي الحديث كلّه. كانت هذه النقطة محل إصرار من الرئيس الأميركيّ قبل أربع سنوات، حتى مالت كفّة أصوات المجمع الانتخابي لصالحه. لا يمكننا أن نتأكد مما هو أكثر تدميرية حاليا: رئيس يحثّ طيفا واسعا من الجمهور جهرا على التشكيك بالعمليّة الانتخابية، أو أن يرحّب ذلك الرئيس نفسه بالتدخّل الأجنبي بتلك العمليّة. وكلاهما خطوات باتّجاه السلطويّة والخطر، والوعي بهما يُمكن أن يُشكِّل عمليّة التغطية الصحفية يوميا. حول ضعف التغطيّة الإعلامية كتبت مارغريت سوليفان مؤخرا: “إنَّ التاريخ لن يرأف بنا”. لكن لا يزال هناك وقت للتكيُّف.
كل مؤسسة أميركية تخضع للاختبار حاليا، من الشرطة إلى خدمات البريد، من القضاء إلى أنظمة التصويت، من الصحة العامّة إلى التعليم، ومن مجالس بلديات المدن إلى مجلس الشيوخ الأميركي، جميعُهم يرزحون تحت الضغوط التي لم نكن نتوقّعها، يتحمّلون الضربات من كل مكان دفعة واحدة. وقد يعتمدُ مستقبل البلاد على استجابتنا نحن لهذه الضغوط.
إنَّ المؤسسة التي أنا جزء منها، ألا وهي الإعلام، تخضع للاختبار الآن. إنَّ الصحافة ليست الجزء الوحيد من الأزمة المؤسساتيّة في أميركا، لكنّها جزء مهمّ من المأزق الذي نحن فيه، ومن الأمل بالخروج منه.
فمنذ ميلادِ الصَّحافة وهي متثاقلة الخُطى ومضطربة وارتجاليّة. نحن في أحسن أحوالنا نلتقطُ الأمور على حقيقتها بوتيرة عاديّة، وبشكل تزايدي، لكننا نلتقط كثيرا من الأشياء على عكس ما هي عليه. معظمنا في هذه المهنة يبذل أقصى ما لديه من قدرات متواضعة، لكنَّ أي أمل بالقيام بشيء أفضل يعتمد على القدرة على التعلُّم. سرعان ما ستظهر السَّاعة 6 صباحا، ثمَّ سيبدأ المنبّه بغناء “I Got You Babe” مرة أخرى، لكن اليوم يمكننا القيام بالأمور على نحو أفضل.
تُعتبر الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 غير اعتيادية، ليس فقط لأن الاستقطاب وصل فيها إلى مُستويات غير مسبوقة، سواء بين العرقيات أو الأيديولوجيات في المُجتمع الأمريكي، أو لأنها تجري في ظل جائحة كورونا التي تُخيم على القطاع الصحي، بالإضافة إلى الآثار الاقتصادية الناتجة عنها التي تضرب عمق الاقتصاد الحقيقي، لتشكل واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية إن لم تكن الأسوأ على الإطلاق؛ بل لأنه يُتوقع لها أن تكون الأكثر تكلفة في تاريخ الانتخابات الرئاسية على الإطلاق، حيث سيبلغ الإنفاق عليها مستوى 5.16 مليارات دولار بعد استبعاد آثار التضخم، وسيبدو الفرق في حجم الإنفاق، خاصة أن انتخابات عام 2008 بين الرئيس “أوباما” والسيناتور الجمهوري “جون ماكين” قد تجاوز الإنفاق فيها بالكاد حد الـ3.3 مليارات دولار، أما سابقتها في عام 2016 فقد تكلفت نصف ذلك الرقم عند 2.58 مليار دولار، الأمر الذي يستوجب التوقف عنده بالفحص والتحليل، لنتعرف على مصادر هذه التمويلات وتباينها بين المُرشحين.
أولًا- ارتفاع غير نمطي:
تُشير مُعدلات نمو الإنفاق على الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى أن العام الحالي سيشهد مُعدلات نمو غير مسبوقة، على الرغم من أن مُعدّلات نمو الإنفاق مُنذ انتخابات عام 2000 لم ترتفع ما بين انتخابات والتي تلتها عن 30%، فيما شهدت انتخابات عام 2012 تراجع مُعدلات الإنفاق بنسبة 11%، تلتها انتخابات 2016 بتراجع آخر بنسبة 13%. ووفقًا لتوقعات “مركز السياسة المستجيبة” (Center for Responsive Politics)، سوف تسجل انتخابات العام الجاري نموًّا بمُعدل 100% تقريبًا، كما يوضّح الشكل التالي:
معدّلات نموّ الإنفاق على الانتخابات الرئاسية الأمريكية
Source: Center for Responsive Politics, 2020 Presidential Race.
يظهر من الشكل أن توقعات الإنفاق خلال العام الجاري كسرت اتجاه الانخفاض الذي سيطر على السباقين الماضيين، وقد وُجِّه هذا الإنفاق -في مُعظمه- حتى الآن إلى وسائل الإعلام بمُختلف أنواعها، حيث وجهت حملة “بايدن” لوسائل الإعلام ما يقارب 236.8 مليون دولار بنسبة 67.1% من جُملة إنفاقها، فيما اكتفت حملة “ترامب” بإنفاق 221.5 مليونًا بنسبة 61.1% من إنفاقها على الحملات الدعائية. كما دفعت حملة “بايدن” نحو 43.2 مليون دولار كرواتب للعاملين فيها، فيما اكتفت حملة “ترامب” بـ18.5 مليون دولار كرواتب.
ويرجع السبب الأهم في ارتفاع إنفاق حملة “بايدن” عن حملة “ترامب” إلى أن الأول استطاع جمع تمويلات أكثر لحملته وفقًا لـ”اللجنة الفيدرالية للانتخابات” (Federal Election Commission)، حيث وصلت مُجتمعة من كل أوجه التمويل إلى 708.5 ملايين دولار، بينما توقفت حملة “ترامب” عند 595 مليون دولار تقريبًا، لذا كان “بايدن” قادرًا على الإنفاق بمُعدلات أكبر بلغت في إجماليها حتى 20 سبتمبر 484.4 مليون دولار، في مُقابل 455.3 مليونًا، ما أبقى تحت تصرف “بايدن” مبلغ 224 مليون دولار، وهو رقم يفوق ما تبقى لدى حملة “ترامب” الذي بلغ 157.2 مليونًا، وهو ما يُعطي “بايدن” أفضلية، حيث يستطيع توسيع الفارق بينهما في استفتاءات التصويت الأولية، فلطالما أثبتت الانتخابات الأمريكية أن الحملة القادرة على جمع تبرعات أكبر تصل بمُرشحها للبيت الأبيض، وهو ما تكرر على الأقل في سباقات ما بين عامي 2004 – 2012، حيث فاز دائمًا المُرشح الأكثر إنفاقًا، لكن ذلك لا يعني أن “ترامب” قد يتجه للخسارة بشكل مؤكد، فقد سبق له أن أثبت قدرته على الفوز رغم المُخصصات الدعائية الأقل لحملته. ففي انتخابات 2016، جمعت “هيلاري كلينتون” نحو 700 مليون دولار، فيما جمعت حملته نحو 434 مليونًا، لكنه استطاع الفوز عليها وفقًا لبيانات مركز السياسة المستجيبة.
ثانيًا- مصادر التمويل:
خلال الانتخابات الأربعة الماضية كان الديمقراطيون في مُعظم الأوقات قادرين على جمع تمويلات أكبر من تلك التي استطاع الجمهوريون جمعها، باستثناء انتخابات 2004 عندما جمع “بوش الابن” مبالغ أكبر من “جون كيري”، ولا تُشكل انتخابات 2020 استثناء آخر من هذه القاعدة، ويوضح الشكل التالي حصيلة الانتخابات السابقة من 2004 – 2016.
تمويل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الفترة من 2004 وحتى 2016
Source: Center for Responsive Politics, 2020 Presidential Race.
يأتي الجزء الأكبر مما استطاعت حملة “ترامب” جمعه من المُساهمين الأشخاص الذين دفعوا تبرعات أقل من 200 دولار، حيث جمعت من هؤلاء نحو 251.9 مليون دولار بنسبة 52.88% من إجمالي ما جمعته حملته، بينما استطاعت حملة “بايدن” جمع نحو 203.6 ملايين من الفئة ذاتها بما يُمثل 37.8% فقط من التمويلات التي جمعتها الحملة. على العكس من ذلك جمعت حملة “ترامب” مبالغ أقل من المُساهمين الكبار، سواء الأشخاص أو الكيانات، وذلك بنحو 222.9 مليونًا بنسبة 46.7% من التمويلات، بينما كانت حصيلة حملة “بايدن” من الفئة ذاتها أكبر، وذلك بما إجماليه 282.5 بنسبة 52.5%، وفقًا لبيانات مركز السياسة المستجيبة.
وبالإضافة إلى الحملتين الانتخابيتين، يوجد ما يُسمى بلجان الإنفاق السياسي المستقلة (independent expenditure-only political action committees) أو “Super PACs”، وتقوم هذه اللجان بجمع تبرعات ومُساهمات من جميع أنحاء البلاد، ولها الحق في أن تُنفق قدرًا غير مُحدد على دعم المُرشح الذي تختاره باستقلال عن حملته، بشرط ألا تُنسق مع حملة المُرشح ولا تعمل بالتعاون معها. وتختلف لجان الإنفاق السياسي المستقلة عن لجان الإنفاق الأخرى في أن هذه الأخيرة لا تُنفق باستقلال، ويجب أن يكون إنفاقها من خلال الحملة الانتخابية. ويُلخّص الشكل التالي ما جمعته أهم ثلاث “لجان إنفاق مستقلة” Super PACs والمُرشح الذي تدعمه:
Source: Center for Responsive Politics, 2020 Presidential Race.
مفاد ما سبق أن لجان الإنفاق المستقلة (Super PACs) الداعمة للمرشح “جو بايدن” كانت قادرة على جمع مبالغ أكبر من تلك التي استطاعت حملة “ترامب” جمعها، لكن -في الوقت ذاته- استطاعت حملة “ترامب” جمع قدر أكبر من المُساهمات من أشخاص تبرعوا بأقل من 200 دولار، وهو ما يعني أن هناك قدرًا أكبر من الأفراد المُستعدين للتصويت له، وهو مؤشر يجب أخذه في الاعتبار، حيث إن التصويت في النهاية تصويت أفراد لا مؤسسات، كما يدل اتجاه الأفراد للتبرع على نية أكيدة للتصويت، حيث إن عددًا كبيرًا من المُصوتين في استطلاعات ما قبل الانتخابات لا يذهبون للإدلاء بأصواتهم، ولعلّ ذلك يُفسر كيف فاز “ترامب” بانتخابات عام 2016 رغم ما أظهرته هذه الاستطلاعات من فارق لصالح “هيلاري كلينتون”.
أما بالنظر إلى المستوى القطاعي فإن القطاعات التي تدعم كلا المُرشحين مُختلفة تمامًا، وهو ما ينعكس على انحيازات كلا المُرشحين ويُبرزها كذلك، حيث إن التدفقات النقدية القطاعية إما تتجه إلى مُرشح بسبب دعمه الفعلي للقطاع، أو لأنها تحاول الحصول على هذا الدعم في المُستقبل لدى وصوله للحكم. ويوضّح الشكل التالي أهم خمسة قطاعات ساهمت سواء للحملة أو للجان الإنفاق المستقلة الداعمة لكل مُرشح:
Source: Center for Responsive Politics, 2020 Presidential Race.
يتّضح من الشكل أن مُعظم تمويل حملة “ترامب” من زاوية القطاعات أتى من المُتقاعدين، ويلاحظ أن أشد مؤيدي “ترامب” من كبار السن البيض شديدي التعصب في ولايات الجنوب (تكساس، وفلوريدا) اللتين ساهمتا بالفعل بالجزء الأكبر من التبرعات له بنحو 94.3 مليون دولار، فيما ساهمت الفئة نفسها من المُتقاعدين لبايدن، لكن أغلب الظن أنهم من الأقليات والملونين، ويحصل باقي القطاعات التي ساهمت لترامب بالفعل على دعمه وعلى رأسها القطاعان العقاري والطاقة الأحفورية، بعد أن شهد القطاعان تحولًا عنهما في سنوات “أوباما”، وما يعد به “بايدن” من دعم أكبر للطاقة المُتجددة والصناعات التكنولوجية. في الوقت ذاته، ينحاز لبايدن قطاعات المُثقفين، وأهمها المُعلمون والمُحامون وكذلك المُستثمرون في أسواق الأوراق المالية الذين يرون فيه عامل استقرار يحمي استثماراتهم، وبديلًا لترامب شديد التقلب الذي يُشكل خطرًا داهمًا على استثماراتهم رغم ما أحرزته أسواق المال في عهده من نمو غير مسبوق.
لعل آخر ما ينبغي النظر إليه في جانب مصادر التمويل هو ديموغرافيا الممولين، التي تُظهر ارتفاع مُساهمات السيدات في حملة “بايدن” عن “ترامب”، حيث ساهمت النساء بإجمالي 170.6 مليون دولار بنسبة 46.2% من إجمالي التبرعات، فيما ساهمن بنحو 112.07 مليونًا وبنسبة 37.3% فقط لحملة “ترامب”، وهي نتيجة غير مُفاجئة بعد مواقف “ترامب” العدائية من السيدات وحملات النقد التي وُجهت له لطريقة تعامله مع السيدات في العموم وزوجته على وجه الخصوص.
زاوية أخرى يجب النظر إليها في جانب الإنفاق وهي النفقات الموجهة إلى إعلانات مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعدما أثير من جدل حول تأثيرها على نتيجة انتخابات 2016 وصل للقول بأنها كانت العامل الحاسم في فوز “ترامب”. وفي هذا الصدد، يلاحظ أن حملة “ترامب” أنفقت مبالغ أكبر على إعلانات مواقع التواصل الاجتماعي بلغت 186.2 مليون دولار، وجهت مُعظمها لموقع “فيسبوك” بنحو 107.9 ملايين، فيما دفعت لموقع “جوجل” نحو 78 مليونًا، فيما اكتفت حملة “بايدن” بإنفاق 115.1 مليونًا، استحوذ “فيسبوك” منها على 72.5 مليونًا، و42 مليونًا وُجهت لجوجل. ولعلّ في ذلك ما يُفسر -في جزء منه- ارتفاع مُساهمات الأفراد لحملة “ترامب” عن “بايدن”، إذ تتميز وسائل التواصل الاجتماعي بالقدرة على الحشد والتأثير عن طريق الاستهداف بقدر أكبر من وسائل الإعلام العادية.
استنادًا إلى ما سبق، يتضح اختلاف آليات عمل الحملتين وقطاعات الموالين لهما مما انعكس على المبالغ المُجمعة والفئات التي دفعتها، وهو ما سينعكس في النهاية على نتيجة الانتخابات، خاصة في ضوء ما أثبته “ترامب” خلال الانتخابات الماضية من كفاءة في الإنفاق رغم انخفاض قدرته على جمع التبرعات.
تشغل قنوات الإعلام المرئي بالولايات المتحدة الأمريكية دورًا أساسيًا في مسار الانتخابات ومتابعتها وعرضها على جمهور الناخبين. وقد تمحورت الدراسات التي تناولت أدبيات العلاقة بين وسائل الإعلام والانتخابات بالولايات المتحدة حول قضيتين تمثلان الشاغل الأكبر في هذا الصدد، هما: أولًا، تحيزات وسائل الإعلام الأمريكية التي تسببت في تعزيز الاستقطاب بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. والقضية الثانية تتمثل في الأثر المتفاوت لوسائل الإعلام المرئي على السلوك الانتخابي للجمهور الأمريكي. من هنا، فثمة أهمية لإيضاح حجم الاستقطاب في وسائل الإعلام الأمريكية قبيل الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها الشهر المقبل. فضلًا عن محاولة الإجابة عن تساؤل هام، مؤداه: إلى أي مدى تؤثر وسائل الإعلام على تفضيلات الجمهور الانتخابية؟
تعميق الاستقطاب
تتسم وسائل الإعلام الأمريكية والقنوات التلفزيونية -في الوقت الراهن- بحالة من التحزب الشديد، مع العلم بأن تحيزات القنوات التلفزيونية ليست بالظاهرة الجديدة، وهو ما يبدو في نتائج العديد من الدراسات التي تناولت علاقة التحيزات الإعلامية والانتخابات، ويرجع بعضها إلى نهايات تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة، وبالتالي فما تشهده التوجهات الحالية لوسائل الإعلام الأمريكية حيال الانتخابات الرئاسية من استقطاب جزء من أزمة ممتدة منذ سنوات، وقد بدا هذا الاستقطاب بوضوح في استطلاع الرأي الذي أجراه “مركز بيو للدراسات” (Pew Research Center) في نهاية عام 2019، بشأن الاستقطاب في وسائل الإعلام الأمريكية قبيل الانتخابات الرئاسية، والذي أظهرت نتائجه وجود حالة انقسام واضحة وعميقة لدى الشعب الأمريكي فيما يتعلق بالثقة في مصادر المعلومات التي تعرضها وسائل الإعلام المرئية عن الانتخابات الرئاسية. ويرجع الاستقطاب العميق بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن قنوات التلفزيون إلى عددٍ من الأسباب، أبرزها:
تزايد فجوات الثقة: فقد توصلت نتائج الدراسة التي قام بها “مركز بيو” و”مؤسسة جالوب نايت” (Gallup/Knight Foundation) إلى أن الجمهوريين والديمقراطيين يضعون ثقتهم في بيئتين إعلاميتين متناقضتين تقريبًا. علاوة على ذلك، تشير الدلائل والبيانات الصادرة عن المسوح إلى أن الاستقطاب الحزبي في متابعة المصادر الإعلامية وفجوات الثقة بها قد اتسع في السنوات الست الأخيرة. إذ أُجريت دراسة مثيلة في أواخر عام 2014، وبالمقارنة، أظهرت النتائج زيادة نسبة التعبير عن عدم الثقة لدي الجمهوريين وذوي الميول الجمهورية في العديد من وسائل الإعلام التقليدية، مثل: إذاعة “سي إن إن” (CNN)، و”إم إس إن بي سي” (MSNBC)، وشبكة “إن بي سي نيوز” (NBC News)، وحتى الصحف المطبوعة مثل “نيويورك تايمز” (New York Times)، وذلك في الوقت الذي اتسمت فيه مستويات ثقة الديمقراطيين وذوي الميول الديمقراطية في المصادر الإعلامية بالتغير المحدود، وفي حالات أخرى تجسدت في مزيد من الثقة في عدد من وسائل الإعلام مثل صحيفة “بوليتيكو” (Politico)، وصحيفة “واشنطن بوست” (Washington Post).
ومن بين 30 مصدرًا من مصادر الإعلام، سواء المرئية أو المقروءة، كشفت النتائج عن عدم ثقة الموالين للحزب الجمهوري في 20 من تلك المصادر، وأن سبعة مصادر إعلامية فقط هي التي تثق بها الأوساط الجمهورية، بينها اثنان حصلا فقط على نسبة ثقة 33% فأكثر. ويأتي على رأس تلك المصادر قناة “فوكس نيوز” (Fox News) التلفزيونية بنسبة 65% والتي يثق بها الجمهوريون أكثر من أي مصدر إعلامي آخر، تعقبها قناة “إيه بي سي” (ABC) بنسبة 33%.
أما بالنسبة للديمقراطيين، فتعبر النتائج عن صورة معكوسة عن الوضع الذي أتت به بيانات الجمهوريين. إذ تعرب أغلبية الموالين للحزب الديمقراطي عن ثقتها في 22 من المصادر الإعلامية الثلاثين المطروحة للاستقصاء، منها 13 مصدرًا إعلاميًا تجاوزت نسبة الثقة بها 33% على الأقل، وأن المصادر الثمانية التي لا يتم الوثوق بها يقع معظمها بين تلك التي يثق بها الجمهوريون.
ولكن في وسط هذا الاستقطاب العميق الناتج عن اختلاف نسب الثقة بين الجمهوريين والديمقراطيين واتساع فجواتها في المصادر الإعلامية، يوجد مصدران إعلاميان وإخباريان تخطت نسب الثقة بهما نسب انعدام الثقة عند كل من الجمهوريين والديمقراطيين وهي شبكة “بي بي إس” (PBS) التلفزيونية، وصحيفة “وول ستريت جورنال” (Wall Street Journal).
تحيزات حزبية: من أكثر الاختلافات وضوحًا بين الجمهوريين والديمقراطيين هو أن قطاعات كبيرة من الديمقراطيين تعرب عن ثقتها في عدد أكبر بكثير من مصادر الإعلام والأخبار مقارنة بالجمهوريين، الأمر الذي يعكس حالة كبيرة من الاستقطاب حول مصداقية المصادر الإعلامية والثقة بها. فضلًا عن نمط الاستقطاب والتحزب في مواقف الجمهوريين والديمقراطيين حول مصداقية مصادر الأخبار، وهو أمر واضح أيضًا في المصادر التي يعتمد عليها موالو الحزبين لمتابعة الانتخابات.
وبشكل عام، يحصل الجمهوريون والموالون للحزب الجمهوري على الأخبار الانتخابية والسياسية من مجموعة محدودة من المصادر مقارنة بالديمقراطيين، مع اعتماد 60% من الجمهوريين على مصدر واحد هو “فوكس نيوز”، ومتابعة نسبة 24% لقناة “سي إن إن” (CNN) على الرغم من عدم الثقة بها. من ناحية أخرى، يعتمد الديمقراطيون -بما في ذلك المستقلون الذين يميلون إلى الديمقراطيين- على مجموعة كبيرة من المصادر، مع اعتماد متزايد على قناة “سي إن إن” (CNN) بنسبة 53% من المتابعين الديمقراطيين، تعقبها شبكات “إن بي سي” (NBC) بنسبة 40%، و”إيه بي سي” (ABC) بنسبة 37%، و”سي بي إس” (CBS) بنسبة 33%، و”إم إس إن بي سي” (MSNBC) الإخبارية بنسبة 33% على التوالي. وعلى الرغم من عدم ثقة الديمقراطيين في قناة “فوكس نيوز”؛ إلا أن نسبة متابعيها من الديمقراطيين 23%، وهو الأمر الذي يبرهن على أن متابعة مصدر إعلامي معين لا يعبر بالضرورة عن الثقة فيه.
انقسام أيديولوجي: إذ يُظهر المعيار الأيديولوجي لقطبي الحزبين بين المحافظين الجمهوريين والليبراليين الديمقراطيين أكبر الفجوات في الثقة بالمصادر الإعلامية.فقد عبّرت النتائج الاستقصائية عن أنه في حين حصلت قناة “فوكس نيوز” على نسبة ثقة 65% ونسبة 23% لقناة “سي إن إن” بين أوساط الجمهوريين بشكل عام، كانت نسب الثقة أكثر تطرفًا بين أوساط المحافظين الجمهوريين بنسبة 75% في “قناة فوكس نيوز” وانخفاض الثقة إلى نسبة 16% في قناة “سي إن إن”.
الأمر نفسه ينطبق على الديمقراطيين، ففي حين أن نسبة الثقة بين أوساط الديمقراطيين المعتدلين في قناة “سي إن إن” 67% ونسبة 23% لقناة “فوكس نيوز”؛ فإن الثقة في قناة “سي إن إن” بين الأوساط الليبرالية والأيديولوجية لدى الديمقراطيين تصل إلى 70%، وانخفضت إلى 12% لقناة “فوكس نيوز”، الأمر الذي يشير إلى تزايد فجوة الثقة بين المحافظين الجمهوريين والليبراليين الديمقراطيين حول قناتي “سي إن إن” و”فوكس نيوز”، عن فجوة الثقة بين جمهور الحزبين المعتدلين بشكل عام.
دوافع انخفاض الثقة
يمكن إرجاع انخفاض نسب الثقة في وسائل الإعلام لدى الجمهوريين بشكل خاص إلى العوامل التالية:
١- هجوم “ترامب” على وسائل الإعلام: إذ هاجم الرئيس الأمريكي “ترامب” في مناسبات عدة عددًا كبيرًا من وسائل الإعلام، من أبرزها شبكة “سي إن إن”، متهمًا إياها بأنها تروج لأخبار مفبركة، وهو الأمر الذي لقي صدى بين أوساط الجمهوريين. كما هدد “ترامب” باتخاذ إجراءات قانونية خاصة ضد صحيفة “نيويورك تايمز” نتيجة نشرها فضائح أخلاقية عن شخص الرئيس. فضلًا عن اعتبار “ترامب” وسائل الإعلام السبب الرئيسي في زيادة حدة حالات العنف في المجتمع الأمريكي.
٢- ربط الدعم لـ”ترامب” بالثقة في وسائل الإعلام: يصف 31% من الجمهوريين بشكل عام المراسلين والإعلاميين بانعدام الأطر والمعايير الأخلاقية، في مقابل نسبة 5 % من الديمقراطيين. إلا أن تلك النسبة أعلى لدى الجمهوريين المؤيدين بشكل تام للرئيس “ترامب” لتصل إلى 40% ونسبة 57% إذا تمت إضافة المؤيدين بشكل نسبي.
٣- الوعي السياسي: إذ إن الأفراد المهتمين الذين لديهم وعي بشكل كبير بالقضايا السياسية والانتخابية تظهر بينهم حالات الاستقطاب بشأن الثقة في وسائل الإعلام. ففي حين أن فجوة الثقة بين الديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين بشأن وسائل الإعلام تصل إلى 46%، إلا أن تلك الفجوة تتسع لتصل إلى 75% بين الديمقراطيين ذوي الوعي السياسي الكبير ويثقون بنسبة 91% في وسائل الإعلام، والجمهوريين ذوي الوعي السياسي بنسبة ثقة 16% فقط، بينما تقل تلك الفجوة إلى 16% فقط بين الديمقراطيين من ذوي الوعي السياسي الأقل بنسبة 62% ونظرائهم من الجمهوريين بنسبة 46%.
٤- التقسيم الديموغرافي: تعبر بعض التقسيمات الديموغرافية الخاصة بخصائص السكان، سواء العرق أو الدين أو التعليم أو حتى السن، عن نسب ثقة متباينة بشأن وسائل الإعلام، ونظرتها نحو الآخر. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يُظهر الأمريكيون من أصول إفريقية ثقة أكبر في مؤسسات الأخبار وفي القنوات التي تتابع قضاياهم عن الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء أو من أصول إسبانية. كما أن الأمريكيين الأكبر سنًا أكثر ولاءً لمصادر الأخبار المفضلة لديهم عن الأمريكيين الأصغر سنًّا.
٥- دور الإعلام في المجتمع: إذ يتبنى الجمهوريون رؤية سلبية عن دور الإعلام في المجتمع بشأن اهتمام وسائل الإعلام بحصولهم على وظائف جيدة، وأن الإعلام يتسبب في تآكل الديمقراطية وغير مهني وذو نوايا سيئة في نشره للتقارير الإخبارية.
وسائل الإعلام وحدود التأثير
تناولت دراسة صادرة عن “جامعة بيركلي الأمريكية” الأثر الذي خلّفته قناة “فوكس نيوز” على السلوك الانتخابي لمتابعيها، وذلك بعد اتساع نطاق القناة بين عامي 1996 و2000 ووصولها إلى 20% من المدن الأمريكية، وقد توصلت نتائج الدراسة إلى عدم وجود أثر ملحوظ لقناة “فوكس نيوز” المحافظة على السلوك الانتخابي لمتابعيها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عامي 1996 و2000، والذي لم يتعدَّ نسبة 2.1% من المتابعين لصالح التصويت للحزب الجمهوري. فضلًا عن عدم وجود أثر لتلك القناة على نسبة الإقبال على التصويت في الانتخابات، على الرغم من إسهامها في دفع المحافظين الجمهوريين إلى زيادة إسهاماتهم في الحملات الحزبية وأثرها على البرامج السياسية للمرشحين المحليين للولايات. وتُرجع الدراسة السبب وراء عدم التأثير الكبير للقناة إلى قدرة الناخبين ووعيهم في ذلك الوقت بالتحيز الإعلامي.
وفي تقدير مقابل خاص بنسب الإقناع لدى القناة، كشف أنه في عام 2000 تحول 58% من مشاهدي “فوكس نيوز” الذين كانوا ديمقراطيين في البداية إلى دعم المرشح الجمهوري بحلول نهاية الدورة الانتخابية. وفي عام 2004، كان معدل الإقناع 27%، و28% في عام 2008. فضلًا عن أن أثر “فوكس نيوز” ازداد في السباقات الرئاسية اللاحقة في 2004 و2008.
وفي سياق متصل، قامت دراسة صادرة عن دورية “أميريكان إيكونوميك ريفيو” (American Economic Review) عام 2017، بقياس أثر قناة “فوكس نيوز” على الانتخابات الأمريكية والتصويت لمرشحي الحزب الجمهوري في الفترة من 2000 إلى 2012. وكشفت الدراسة عن بعض النتائج التي تدور -في مجملها- حول مساهمة القناة المحافظة بأثرها في زيادة نسبة التصويت للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية، كما تسببت مشاهدة القناة في حدوث تحول كبير في اتجاه اليمين في مواقف المشاهدين، مما يُترجم إلى رغبة أكبر بكثير في التصويت لمرشحين جمهوريين.
وقدّرت الدراسة أنه لو لم تكن قناة “فوكس نيوز” موجودة، لكانت حصة المرشح الجمهوري للرئاسة من تصويت الحزبين أقل بمقدار 3.59 نقاط في عام 2004 و6.34 نقاط في عام 2008. بمعنى أنه لولا قناة “فوكس نيوز” لكان المرشح الديمقراطي “جون كيري” هو الفائز في التصويت الشعبي لعام 2004، ولكان تحوَّل فوز “باراك أوباما” عام 2008 إلى فوز ساحق بأكثر من 60٪ من أصوات الحزبين. فضلًا عن توصل الدراسة إلى أن مشاهدة ثلاث دقائق إضافية من قناة “فوكس نيوز” أسبوعيًّا في عام 2008 كان من شأنه أن يجعل الناخب الديمقراطي أو الوسطي أكثر احتمالًا بنقطة مئوية واحدة للتصويت للجمهوريين في ذلك العام. وفي المقابل، توصلت الدراسة إلى أن تأثيرات قناتي “سي إن إن” (CNN)، و”إم إس إن بي سي” (MSNBC)، على ناخبي الوسط محدودة نسبيًّا؛ وذلك لعدم تبنيها أجندة أيديولوجية تهدف لإقناع المشاهد بمرشح معين. فقد أقنعت قناة “إم إس إن بي سي” (MSNBC) 8% فقط من الجمهوريين بالتصويت للديمقراطيين في انتخابات 2008.
في انتخابات 2016، كانت قناة “فوكس” هي المصدر الأكثر شعبية لدى المتابعين، فضلًا عن توصيفها من قبل العديد من الدراسات بأنها أداة بروباجاندا لترامب. وقد تابعت نسبة 20% من جميع الناخبين قناة “فوكس” كمصدر إخباري رئيسي لهم. كما أوضح رئيس “مركز نيسكانين للأبحاث” بواشنطن، أنه لولا قناة “فوكس نيوز”، لكان الرئيس “ترامب” قد خرج من البيت الأبيض بسبب تقرير لجنة ميلر. إذ إن القناة تمكنت من حشد تأييد للرئيس عن طريق البروباجاندا والدعاية الضخمة التي أطلقتها دعمًا له، وهو الأمر الذي يتمتع به الرئيس “ترامب” دون غيره من رؤساء أمريكا السابقين.
في الختام، تشير أحدث التقديرات الصادرة في سبتمبر 2020، إلى أن أقل من نصف الأمريكيين يشعرون بالثقة في وسائل الإعلام، كما أن نسبة 63% يرون أن التشكيك فيما تروجه وسائل الإعلام الأمريكية هو أمر جيد ويدعو إلى مزيد من الرؤية النقدية للمحتوى الإعلامي، مع وجود أفق لإعادة بناء الثقة مرة أخرى. إلى جانب أكثر من 60% لا يشعرون بوجود رابط شخصي بالقناة الإخبارية التي يتابعونها. وقد تؤدي نسب الاستقطاب المتزايدة والتحزبات في الإعلام إلى ضيق هوامش الحركة أو التحول من مناصر لأحد الحزبين إلى الآخر. إضافة إلى تزايد فجوة الثقة بين الجمهوريين أنفسهم في وسائل الإعلام التي يتابعونها من 65% في “فوكس نيوز” إلى 33% لقناة “إيه بي سي” (ABC)، وفي الوقت نفسه ثبات نسبي للثقة لدى الديمقراطيين، ما يجعل الحشد الجمهوري معتمدًا بشكل كبير على قناة “فوكس نيوز” وحملاتها الدعائية والإعلامية التي تتبناها.
ومع عدم إمكانية إغفال الدور والأثر الكبير لمصادر الإعلام في مسار الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ إلا أن الأمريكيين -بوجه عام- أصبحوا أكثر دراية بسياسات وديناميكيات تلك القنوات، ويطرحون العديد من التساؤلات حول شفافية تمويلها، باستثناء الفئة الأكثر تشددًا وانحيازًا من الجمهوريين والمحافظين تجاه قنواتهم الإخبارية.