05/09/2020



صوت العرب من أمريكا
05/09/2020



يبدو أن البرامج الترفيهية، ومنها الكاميرا الخفية، تحولت عن هدفها الأساسي في رسم الابتسامة والفرح على وجوه ضيوفها ومتابعيها من المشاهدين، وتحوّلت بشكل جذريّ إلى حلقات يتفنن بها مقدموها لترهيب وتخويف ضيوفهم، وتصويرهم في مشاهد تفقدهم السيطرة على انفعالاتهم، نتيجة حوادث طارئة مختلقة، قد يكون أقلها الشتائم والضرب والبكاء… وحسب الوصفة المصرية، فإنّ ”رامز جلال” نجم كوميدي! وبناء على هذه الوصفة استضافت قناةMBC هذا العام (النجم)، وقدمت له ملايين الدولارات، فقط لتقديم برنامج لإزعاج الآخرين باسم (رامز مجنون رسمي).
حيث يقوم برنامج ”رامز جلال”، على فكرة استدراج الضحايا لاستضافتهم في برنامج بعنوان “الحقيقة”، من تقديم الإعلامية أروى، ليظهر بعد ذلك رامز بشكل مفاجئ، ويبدأ في تعذيب وإذلال الضحية، من خلال وسائل مختلفة. وأقل ما يقال في هذا البرنامج، أنه يتجاوز كل الحدود في التلاعب بمشاعر ومصائر المشاركين على اختلاف قدراتهم وتقبلهم لمواجهة الصعاب.
فهل فقدت هذه البرامج بوصلتها وتاهت إلى مجالات ابتداع مواقف مؤذية للضيوف والمشاهدين معاً، أم هو إفلاس العقول المعنية في القنوات العربية، أدى بنا إلى استنساخ برامج غربيّة وإنتاجها بشكل يسيء إلى ذوق المشاهد العربي ويستخف بعقله؟
لقد تابعت حلقات من برنامج ”رامز مجنون رسمي”، محاولاً فهم ما يجري فيها، وما تحاول قوله، فما وجدت سوى تصوير تقني لحفلة وحشية بربرية، يجري خلالها انتهاك كل القيم والمعايير الإنسانية والحضارية للإنسان تحت عناوين التسلية والإضحاك، وبرؤية سطحية وتمويل خليجي أعمى… تماماً كتقنيات الزوم والضوء والإثارة في حفلات الإعدام التي تقيمها داعش لضحاياها، والتي تنتهي بموت حقيقي… وهذا هو الفارق الوحيد بينها وبين دراما ”رامز مجنون رسمي”… صحيح أن النهاية السعيدة في هذه الدراما الهمجية لا توصلها إلى (دراما) الموت الداعشي الرهيب، لكنها أيضاً لا تلغي عيش الضحية دقائق رهيبة من الخوف والذعر، كتلك التي يعيشها ضحايا داعش قبل إعدامهم!
إذ كيف لعقل إنساني أن يجد في إرغام البعض على عيش دقائق رهيبة من الهلع والرعب والتدمير الذاتي والإحساس بالنهاية الوشيكة… أن يجد فيه إضحاكاً وتسلية للبعض الآخر، لو لم يكن هذا العقل مرضاً سادياً لا ينتشي إلا بألم الآخر وبؤسه… ولو لم يكن يفترض سلفاً أن عقول مشاهديه هي من الطينة ذاتها؟
تكلفة باهظة وضعت على برنامج لا هم له سوى إحضار ضيوف والزج بهم في مواقف مرعبة، وكل تفصيل في البرنامج يوحي لنا بمدى التدهور الفني والبرامجي الذي نعيشه، مبالغ طائلة تصرف لأمثال هذه البرامج… وهو ليس البرنامج الوحيد الذي يعتمد أسلوب المقالب…! وبالرغم من اختلاف أمزجة المتابعين وعشق بعضهم لها، واستمتاع البعض الآخر بتعرض الآخرين للتلاعب بأقدارهم ولو على سبيل المزاح وتعريتهم أمام الملأ، بحيث يفقد غالبيتهم السيطرة على مشاعرهم وردود أفعالهم وألفاظهم، إلا أنه لابد من وجود رادع وقانون يضبط ويلجم البعض عن الذهاب في رغباتهم ”الإبداعية” إلى حدود يصل في أقلها إلى الأذية النفسية، على علمنا بوجود اتفاق مسبق يضمن حق المشارك المالي.
وحتى لا نتهم بالمبالغة والتحامل على هذا البرنامج، فقد طالبت إدارة مستشفى الصحة النفسية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة والسكان بمصر، من النائب العام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بفتح تحقيق عاجل والتدخل الفوري لوقف عرض برنامج “رامز مجنون رسمي”. وجاء في البيان: ”فقد لاحظنا باهتمام برنامج ”رامز مجنون رسمي”، ووجدنا أنه يحمل كثيراً من العنف والتعذيب والسخرية والاستهانة بالضيوف، والتلذذ بالآلام التي يسببها للآخرين، وممارسة التنمر عليهم، وسط ضحكات مقدم البرنامج، وبما يتنافى مع آدمية الإنسان والإنسانية، التي يجب أن يتعامل الناس بها، مع بعضهم، مما يعد استهانة بالقيم الإنسانية وتعمداً لنشر السلوكيات المرضية، وما تتضمنه من التلذذ بتعذيب الآخرين والحط من كرامتهم الإنسانية، وهذا ما نراه يمثل خطراً وتهديداً على الصحة النفسية للمواطن المصري، ومشاهدي البرنامج، كباراً وصغارا”.
وبدورنا نتساءل: ما المغزى من برنامج يقوم مقدمه على تخويف الناس حتى الموت؟ ولماذا هذا المال الكثير من محطة تأكدت أن كوميديانها المراهق لا يملك حس الدعابة والمرح؟
لماذا يكون رامز جلال هو الوحيد الذي يضحك من فعلته، فيما الضيوف يخبرونه أنه ثقيل الدم؟
لم يتقبل أي ضيف من الضيوف هذه المزحة التي تصيبهم بالهلع والرعب، وبدلاً من تقبل المزحة بعد كشفها، كانوا يهينونه ويضربونه، وهو في المقابل يستمر في الضحك. وحسب الوصفة المصرية، وبعد هذا الهراء، سيصبح ”رامز جلال” أشد نجومية مما كان عليه، فليس معيار الكوميديا الآن في خفة دم الممثل، بل في ثقل دمه وسماجته وكره الناس له.
نجوم الكوميديا الكبار ينتزعون من المشاهد الكئيب الابتسامة، ويملأون أرجاء المنزل بضحكات المتفرجين، أما ”رامز جلال” فلا يعنيه كل هذا الهراء، هو يريد أن يضحك، حتى وإن أصيب الآخرون بالجلطات بسببه وماتوا أمام عينيه.
هل شاهد هؤلاء “المبدعون المزيفون” حلقات بريطانية و فرنسية من (الكنديد كاميرا) التي كانت تجمع بين التسلية والضحكة اللطيفة، وعدم الإضرار بالضحية باحترام صورته الحميمية وحقوقه الشخصية وصحته البدنية والنفسية؟ وهل قرؤوا ميثاق الشرف الإعلامي والاتصالي الذي وضعته منظمة الأمم المتحدة لتقنين وعقلنة البرامج التليفزيونية ذات الطابع الترفيهي والعلاقة التي يجب أن يحترم الجميع نواميسها بين المنتج التليفزيوني والمواطنين؟ وهل أدرك هؤلاء المتهورون القائمون على مثل هذه البرامج التي تسمى زورا وبهتاناً ”كاميرا خفية”، أن كرامة الناس ليست لعبة وأن العنف المجاني المتدفق بالرعب والهول والاستهتار والاستخفاف بالناس ليس محورا للتسلية.
وللأسف الشديد، نرى أن السعي وراء الربح السريع هو الهدف بإعادة إنتاج البرامج الغربية الفكاهية منه أو الترفيهية، بطريقة رديئة أثرت على المشاهد العربي وأساءت إلى ذوقه الفني والاجتماعي، وانحدرت إلى مستوى التهريج وإضاعة الوقت والأموال عليها، والفارق يبدو كبيراً بين الكاميرا الخفية بالنسخة المصرية التي يقدمها ”ياسر جلال”، وبرامج التسلية والضحك التي تقدم في العالم، فلا علاقة هنا للتقنيات وحرفية الإخراج والتصوير التي يمتاز بها الغرب بشكل عام، بل الفرادة ترتبط بالفكرة الذكية واللطيفة القادرة على انتزاع الضحك من صدور الجماهير المغمومة من دون أن يضطر أحد من المتابعين إلى وضع ”حبة تحت اللسان” من أجل احتمال فداحة المقلب كما يجري في كاميراتنا الخفيفة الظل!
خلاصة الكلام: ربما آن الأوان لإعادة التفكير قليلاً بما يتم تقديمه على الشاشات، فهي في أبسطها و”أهضمها” انتهاك واعتداء على خصوصية الغير وملمح من ملامح عديدة ترسم حقيقة من يقدم عليها، عدا عن افتقادها الرسالة أو الهدف. فمهما كانت المسميات التي تأتي ضمنها تلك البرامج إلا أنها ترسم بطريقة أو أخرى صورة إنساننا في نهاية الأمر، ولا بد سيأتي أحد ما مهما بلغت درجة احترامنا وتقديرنا له ليوجه لنا أصابع الاتهام بالتخلف والسادية والتمتع بعذاب الآخرين.
باحث وكاتب صحافي.
أصبح واضحاً أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قررت انتهاج سياسة التصعيد ضد الصين بشأن دورها في وباء كورونا القاتل، لكن التضارب اللافت في التصريحات يثير تساؤلات حول ما إذا كان الأمر توزيع أدوار متفقاً عليه أم مجرد تضارب عشوائي؟
نبدأ القصة من فصلها الأحدث، وبالتحديد القنبلة التي فجرها وزير الخارجية مايك بومبيو، مساء الأحد 3 مايو/أيار، عندما قال إن “هناك أدلة هائلة على أن هذا (فيروس كورونا) بدأ من هنا (معمل ووهان). قلنا منذ البداية إن هذا الفيروس نشأ في ووهان بالصين. لقد أخذنا الكثير من التجهم تجاه ذلك من الخارج، لكن أعتقد أن العالم كله يمكن أن يرى الآن”، مضيفاً: “هناك قدر كبير من الأدلة التي جاءت من هذا المختبر في ووهان”.
الاتهامات الأمريكية للصين بشأن فيروس كورونا ليست جديدة بالطبع، لكن الجديد هو حديث بومبيو عن “أدلة هائلة”، حيث إن هذا النوع من التصعيد كان دائماً الخطوة التي يقف عندها سقف الاتهام الأمريكي الذي يركز على تستر الصين عن حقيقة الفيروس في بداية ظهوره وإخفاء خطورته وقمع الأطباء والصحفيين الذين حاولوا التحذير من خطورته.
وفي مقابلته مع قناة ABC الأمريكية، قال بومبيو إن ”أفضل الخبراء حتى الآن يتصورون فيما يبدو أنه من صنع الإنسان. ما من سبب لعدم تصديق ذلك في هذه المرحلة“.
الصين لم ترد بشكل رسمي على اتهامات بومبيو، لكن صحيفة جلوبال تايمز، التي تديرها صحيفة الشعب اليومية الرسمية التابعة للحزب الشيوعي الحاكم، قال في افتتاحية لها أمس الإثنين 4 مايو/أيار رداً على مقابلة بومبيو إنه ليس لديه أي دليل على أن الفيروس جاء من مختبر في ووهان، ودعت الولايات المتحدة إلى تقديم الأدلة، وأضافت: ”إدارة ترامب تواصل خوض حرب دعاية غير مسبوقة أثناء محاولتها عرقلة الجهود العالمية لمكافحة جائحة كوفيد-19“.
افتتاحية الصحيفة الرسمية الصينية سخرت من بومبيو الذي كان يشغل مدير المخابرات المركزية الأمريكية، وركزت هجومها على “الطريقة الأمريكية” في إطلاق الاتهامات بناء على “أدلة لا يراها أحد” وتحدت بومبيو والإدارة الأمريكية أن تظهر ما لديها من أدلة مزعومة.
صحيفة الغارديان البريطانية نشرت اليوم تقريراً بعنوان “شبكة العيون الخمس تناقض نظرية تسرب كوفيد-19 من المعمل”، نقلت فيه عن أجهزة مخابرات الدول الخمس – بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا – قولها إن الأدلة لا تشير إلى أن الفيروس القاتل تم تصنيعه داخل معمل ووهان، وإنهم يشعرون بالتوتر بسبب التصعيد بين بكين وواشنطن.
النتائج التي توصلت إليها أجهزة المخابرات لا تنفي أن الصين ربما تكون تسترت بالفعل على الفيروس وأخفت حقيقته في بداية ظهوره، كما أكدت أن معايير السلامة في مختبر ووهان للفيروسات ربما لا تكون مُحكمة أو مطابقة لمعايير السلامة الخاصة بتلك المنشآت، إلا أنه لا يوجد أي شيء يشير إلى حدوث تسرب من المعمل يمكن أن يكون السبب في انتشار الوباء، بحسب المصادر التي تحدثت للصحيفة.
نظرية المؤامرة الخاصة بنشأة الفيروس في مختبر ووهان كنتيجة لتجارب أو حتى كسلاح بيولوجي لم تجد من يدعمها من جانب المجتمعات العلمية ولا المخابراتية وهناك ما يشبه الإجماع على أن الفيروس نشأ بصورة طبيعية وانتقل من أحد الخفافيش إلى الإنسان في سوق الحيوانات البرية والبحرية في ووهان، وهو يبعد كيلومترات عن المختبر.
تقرير “العيون الخمس” أيضاً نقلته شبكة CNN الأمريكية التي علقت عليه بالقول إن الخبراء يعتقدون أنه يضع مزيداً من الضغوط على إدارة ترامب؛ كي تكشف عن أدلتها المزعومة بشأن نشأة وطبيعة الفيروس، حيث إن التقرير المخابراتي يؤكد ما تم التوصل إليه من قبل من كون الفيروس طبيعياً ولم يتم تخليقه بشرياً باستخدام الهندسة الوراثية.
أمس الإثنين 4 مايو/أيار نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحليلاً بعنوان “الصين سوف تكون رأس الحربة في انتخابات 2020″، تناول بالتفصيل الدور المتوقع أن تلعبه العلاقات الأمريكية-الصينية في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، التي يسعى خلالها ترامب للفوز بفترة رئاسية ثانية.
ترامب سيواجه منافسه الديمقراطي جو بايدن في معركة لم يكن متوقعاً لها أن تكون عنيفة لولا وباء كورونا؛ فقبل تفشي الوباء كان ترامب في موقف قوي لسببين رئيسيين، يتمثلان في الاقتصاد المزدهر وصلابة قاعدته الانتخابية، في مقابل تفتت منافسيه الديمقراطيين، لكن الأمور اختلفت بصورة كبيرة مع تفشي الوباء.
حتى كتابة هذا التقرير اليوم الثلاثاء 5 مايو/أيار أصيب أكثر من مليون و213 ألف أمريكي بالفيروس القاتل، بينما فقد نحو 70 ألف حياتهم، وسط تقارير تقول إن الحصيلة اليومية للوفيات في الولايات المتحدة ربما تقفز لثلاثة الآف بنهاية الشهر الجاري، كما أصيب الاقتصاد الأمريكي في مقتل، ولا يبدو أن حزمة المساعدات الفيدرالية القياسية بقيمة 2.3 تريليون دولار ستكون كافية وسط تقارير عن اتجاه الإدارة لاقتراض أكثر من 3 تريليونات أخرى لمواجهة تداعيات الوباء.
ومن المعروف عن ترامب أنه يركز كل جهوده وتصريحاته وقراراته للفوز بفترة رئاسية ثانية، لذلك يعتبر التصعيد ضد الصين هو حجر الزاوية في حملته الانتخابية، خصوصاً أن استطلاعات الرأي تسبب تنامي مشاعر الأمريكيين العدائية تجاه الصين بشكل عام وليس فقط بسبب الوباء.
وأظهر استطلاع رأي جديد لمركز Pew الشهير أن 66% من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه الصين مقابل 26% فقط لديهم نظرة إيجابية، ويعد هذا تحولاً درامياً لم يحدث منذ 2005 عندما بدأ المركز استطلاعاته بشأن مشاعر الأمريكيين تجاه الصين، والتي كانت في حدود 43% يحملون مشاعر إيجابية مقابل 35% يحملون مشاعر سلبية، بحسب تحليل فورين بوليسي.
ترامب رئيس يميني شعبوي، وسيمثل التصعيد ضد الصين بالنسبة له طوق النجاة على مستويين؛ الأول تحويل الأنظار عن الانتقادات الداخلية ضد إدارته وضده بشكل خاص بسبب تعامله مع الفيروس، والتأخر في وضع الاستعدادات الكفيلة باحتواء التفشي وإنقاذ الأرواح كما حدث في دول أخرى حول العالم، وجعل النقاش يدور حول الصين ودورها في نشر الوباء حول العالم.
تركيز الجدال حول الصين سيمكن ترامب أيضاً من لعب ورقة الاقتصاد عن طريق إقناع الناخبين بقدرته على استعادة الازدهار وخلق فرص العمل بسرعة من خلال إجبار الصين على دفع تعويضات تريليونية عن دورها في نشر الوباء، وهي الرسالة التي يتوقع مستشاروه أن تغطي على الاتهامات له بالتقاعس عن حماية أمريكا في مواجهة الوباء القاتل وتداعياته الاقتصادية.
لكن التصعيد الأمريكي ضد الصين قد يكون سلاحاً ذا حدين، فبكين لن تقف مكتوفة الأيدي وربما تخرج الأمور عن السيطرة، وهو ما يشير إليه تقرير حصري نشرت رويترز اليوم الثلاثاء 5 مايو/أيار نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة قالت إن تقريراً صينياً يحذر من أن بكين تواجه موجة عداء متزايدة في أعقاب تفشي فيروس كورونا المستجد قد تقلب علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى مواجهة مسلحة.
التقرير الذي قدمته وزارة أمن الدولة، أوائل الشهر الماضي، لزعماء كبار في بكين بينهم الرئيس شي جين بينغ خلص إلى أن المشاعر العالمية المناهضة للصين وصلت أعلى مستوياتها منذ حملة ميدان تيانانمين عام 1989، وأوضح أشخاص مطلعون على محتوى التقرير، رفضوا كشف هوياتهم نظراً لحساسية الموضوع، أن بكين تواجه، نتيجة لذلك، موجة مشاعر معادية تقودها الولايات المتحدة في أعقاب الوباء وتحتاج إلى أن تستعد لمواجهة مسلحة بين القوتين العالميتين في أسوأ سيناريو.
التقرير من إعداد المعاهد الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة، وهي مؤسسة فكرية تابعة لوزارة أمن الدولة، أكبر جهاز مخابرات في الصين، ولم تستطع رويترز تحديد إلى أي مدى يعكس التقييم الحاد الموصوف في التقرير المواقف التي يتخذها قادة الدولة في الصين، وإلى أي مدى سيؤثر على السياسة، إن كان سيكون له تأثير. لكن عرض التقرير يبين مدى الجدية التي تتعامل بها بكين مع التهديد برد فعل عنيف يمكن أن يهدد ما تعتبره الصين استثماراتها الاستراتيجية في الخارج ورؤيتها لمكانتها الأمنية.
ويُنظر على نطاق واسع للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة على أنها في أسوأ مراحلها منذ عشرات السنين، مع تزايد انعدام الثقة ونقاط الاحتكاك جراء مزاعم الولايات المتحدة بعدم عدالة التجارة والممارسات التكنولوجية إلى النزاعات حول هونغ كونغ وتايوان والأراضي المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.
ومع تكثيف ترامب انتقاده لبكين وتهديده بفرض تعريفات جمركية جديدة على الصين، والحديث عن أن إدارته تدرس اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الصين بسبب تفشي المرض، ربما تكون الساحة الدولية على موعد مع سيناريوهات لا تبشر بالخير، رغم أن حرب الوباء بين البشر والفيروس لا تزال مستعرة.
كشفت ورقة بحثية صادرة عن البنك الاحتياطي الفيدرالي في مدينة نيويورك الأمريكية، أن هناك علاقات وثيقة بين ظهور جائحة الإنفلونزا في عام 1918 وصعود الحزب النازي في ألمانيا، محذّرة من آثار سلبية “محتملة” لفيروس كورونا.
تبين الدراسة أن المدن التي شهدت أكبر عدد من الوفيات شهدت انخفاضاً في الإنفاق الاجتماعي، وأن “الوفيات الناجمة عن إنفلونزا 1918 ارتبطت بزيادة نسبة الأصوات التي حصل عليها المتطرفون اليمينيون”، وفق تقرير نشرته وكالة Bloomberg الأمريكية.
نسبة البطالة: من جانبه كتب الخبير الاقتصادي كريستيان بليكلي: “تصمد تلك النتائج حتى عندما نسيطر على عوامل: التركيبة العرقية والدينية للمدينة، ونسب البطالة الإقليمية، ونسب التصويت السابقة لليمين، والخصائص المحلية الأخرى التي يفترض أن ترفع نسب التصويت المتطرفة. وقد شكلت الوفيات الناجمة عن جائحة الإنفلونزا في 1918-1920 المجتمع الألماني بشكل عميق”.
ومع مواجهة الاقتصاد العالمي لأعمق ركود في وقت السلم منذ قرن تقريباً، ومنذ حقبة الكساد التي وصل فيها النازيون إلى السلطة بسبب تفشي فيروس كورونا، يسلط البحث الضوء على خطر الآثار الاجتماعية طويلة الأمد في حالة لم تقدم الحكومات جهوداً كافية.
أهمية الإنفاق: من جانبها حثت كريستينا جورجيفا، المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي، البلدان على إنفاق كل ما يمكنها إنفاقه للحد من تداعيات الفيروس.
فيما تجادل الورقة البحثية بأن جائحة عام 1918 قد تكون غيَّرت بشكلٍ خاص “التفضيلات المجتمعية” لدى الشباب، بالإضافة إلى إثارة استياء الأجانب.
إلى ذلك، فقد كتب المؤلف: “نحن حذرِون في تفسير نتائجنا، ومع ذلك تقدم الدراسة مساهمة جديدة في مناقشة ما يتعلق بالآثار الطويلة الأجل للأوبئة”.
ليبيا الآن في أسوأ حالاتها على شتى الصعد، ولم يبق أمامها سوى الانشطار بين السيء والأسوأ.
فمنذ إطاحة المجموعات المسلحة بدعم من حلف الناتو، بحكم الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي عام 2011، انزلقت ليبيا إلى هوة الاضطرابات والانقسامات وغياب السلطة المركزية وانتشار التنظيمات الإرهابية التي تحاول فرض نفوذها وسيطرتها على مختلف المدن والمناطق ولا سيما في العاصمة طرابلس التي تنتشر فيها ميليشيات حكومة الوفاق المدعومة من النظام التركي... أما الشعب الليبي،
فلم يستشعر من المؤسسات المحلية الإقليمية أو الدولية التي تدعي حرصها على معالجة الوضع أية إجراءات استباقية عملية جادة يمكن أن تطمئن المواطنين الليبيين على مستقبلهم ومصير بلدهم المنكوب.
وفى ظل هذا المشهد المعقد، خرج المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي يوم 27/04/2020 بخطاب متلفز، وقال فيه: ”نعلن إيقاف العمل بالاتفاق السياسي ليصبح جزءا من الماضي بقرار الشعب الليبي مصدر السلطات” مؤكدا أن حماية حقوق الشعب الليبي ستكون من أولويات الجيش”. كما أعلن حفتر قبوله إرادة الشعب الليبي بتفويضه في الدفاع عن حقوقه وتهيئة الظروف لبناء مؤسسات الدولة المدنية الدائمة متعهدا العمل بأقصى الطاقات لحماية حقوق الشعب وتحقيق طموحاته وأمانيه في التحرير والاستقلال والقضاء على الإرهاب.
وصراحة، لقد تتبعت كل الردود من الداخل الليبي المتمثل بحكومة فايز السراج، المدعومة من النظام التركي ومشيخة قطر، والخارج الذي تمثله دول كانت السبب الرئيسي فيما وصلت إليه ليبيا من مآسي… ولا بأس أن نذكر، لأن الذكرى تنفع، فقد كثر البكاء والبكاؤون على اتفاق الصخيرات باعتباره منجز تاريخي… والحقيقة غير ذلك… !
في كانون الأول 2015 أدى توقيع اتفاق سياسي بمنتجع الصخيرات بالمغرب، بإشراف الأمم المتحدة إلى تشكيل حكومة وفاق وطني، لكن هذا الاتفاق، الذي فشلت جميع محاولات تعديله، أدى إلى تعزيز الانقسامات، بحسب خبراء. وقالت آنذاك، فيدريكا سايني فاسانوتي، من مؤسسة بروكينغز في واشنطن، ”أعتقد أنه لم يقدّم البتة حلاً حقيقياً”، معربة عن أسفها ”لخسارة وقت قيم لأن الاتفاق لم يلق في أي وقت اعترافاً من الشعب الليبي”. ولم تلق حكومة الوفاق المنبثقة عن الاتفاق إجماعاً منذ دخولها طرابلس في 30 آذار 2016، وما زالت عاجزة عن فرض سلطتها في أنحاء واسعة في البلاد ما زالت خاضعة لعشرات الفصائل المسلحة، كما أن خصومها طعنوا في شرعيتها على أساس أنها تولّت مهامها بدون الحصول على ثقة البرلمان المنتخب في 2014، والذي يتخذ من طبرق شرق البلاد مقراً، وفق ما ينصّ عليه اتفاق الصخيرات.
وتعثرت حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، والمدعومة من الأمم المتحدة، وفشلت في تثبيت أقدامها في ظل غياب الإجماع عليها، وعجزها عن وضع حد لانفلات السلاح من جهة، والأزمة الاقتصادية من جهة ثانية. وسبق أن تعالت أصوات محلية ودولية بضرورة تعديل اتفاق الصخيرات بما يضمن تشكيل حكومة موسعة تضم كافة الليبيين، مؤكدة في الوقت ذاته على أهمية دور قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر وأنه رقم لا يمكن تجاهله في معادلة الاستقرار بليبيا.
ولعل من الضروري الإشارة إلى جملة من التطورات التي وصلت بالأزمة الليبية إلى هذا المأزق، الخطير، وإلغاء اتفاق الصخيرات، ونجملها في النقاط التالية:
أولا: إن الأطراف الداخلية الليبية تتحمل مسئولية كبيرة عما آلت إليه أحوال ليبيا، بتمسكها بمصالح ذاتية ضيقة على حساب استقرار وأمن وأمان بلادها، وإضاعتها أكثر من فرصة للتسوية السياسية، حتى ولو بشيء من التضحية بالمصالح الخاصة وتوحيد الأهداف والقوى الوطنية، لمحاربة الميليشيات والتنظيمات الإرهابية المدعومة من تركيا، في إطار الجهود الرامية لإعادة الاستقرار لربوع الأراضي الليبية، ويتجلى ذلك بوضوح في استمرار وجود حكومتين وبرلمانين وقوات مسلحة تابعة لكل جهة حاكمة وذلك برغم الحوارات المستمرة منذ إعلان اتفاق ”الصخيرات” الذي رتب بعض الخطوات لإنهاء الانقسام القائم في ليبيا.
ثانيا: لا يمكن تبرئة اتفاق الصخيرات كليا من مسؤولية المشهد الراهن للازمة الليبية، حيث ولد مبتسرا في بعض جوانبه بعجزه عن تحقيق حالة الوفاق والإجماع المنشودة وتوحيد جميع القبائل الليبية على اختلاف أطيافها وتياراتها، وتجاهله لقوى فاعلة على أرض الواقع، مما فتح الباب أمام عدم فاعليته في مراحل مبكرة جدا، وأدى ذلك إلى مطالبات كثيرة بتعديله، وكانت هناك استعدادات بالفعل لتحقيق ذلك، إلا أنه من الواضح أن قوى داخلية وإقليمية ودولية كذلك ترفض ذلك تحقيقا لمصالح خاصة في ضرب الجيش الوطني الليبي وتقليص مكانة قائده خليفة حفتر، والنتيجة الواضحة لذلك هي إسقاط اتفاق الصخيرات.
ثالثا: لعبت التدخلات الإقليمية والدولية غير المسؤولة دورا تخريبيا اتسم بالسعي لتحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية بخاصة في إطار الصراع على الثروات النفطية الليبية، وكذلك بالأنانية الشديدة التي كانت تبدت بوضوح في حماية المصالح الأوروبية والغربية عموما دون التركيز على إقامة السلام الشامل في ليبيا، وأبرز تلك المصالح الانحياز لحكومة طرابلس على حساب الأطراف الأخرى وقضايا اللاجئين والهجرة غير الشرعية، وربما الشرعية أيضا، فمنذ البداية أعربت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن دعمها الكامل لحكومة الوفاق الوطني وعزمها العمل على نحو وثيق مع حكومة الوفاق الوطني التي اعتبرتها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا.
رابعا:أغلب الظن أن من بين التطورات المهمة التي أدت إلى تفجير الموقف على هذه الشاكلة في الداخل الليبي صعود نجم قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، وظهوره كرقم صعب في المعادلة الليبية ونجاحه إلى حد كبير في الحصول على شرعية دولية من جانب أطراف خارجية.
أما رؤية المجتمع الدولي والدول الفاعلة في الملف الليبي، فتظل محل خلاف خارجي أكبر وأعمق من خلاف الليبيين أنفسهم. ومن حقنا أن نتساءل: هل موقف المجتمع الدولي مما يحدث في ليبيا نزيه وعادل؟ سؤال يقتضي منا عودة إلى الماضي، من أجل الحكم على واقع الأمر اليوم فماذا عن ذلك؟
إثر اندلاع ما أطلق عليه ثورة 17 فبراير في ليبيا كانت الأصوات متعالية في العالم الغربي بضرورة التدخل السريع لإنقاذ الثورة الوليدة هناك… والشاهد أن الأمر لم يكن ثورة شعبية بقدر ما كان تخطيطا مسبقا يمثل الحلقة الأولى من سلسلة متصلة الحلقات لإعادة تشكيل المنطقة، وعليه يحق القول أن من صنعوا الأزمة انطلاقاً من أحداث 17 فبراير، وما سبقها من تمهيد، قامت به المراكز البحثية والتدريبية لقيادة هذه الثورات في كل من لندن وباريس وواشنطن، ثم خلق تحركات وتضخيمها إعلامياً باستخدام عملائهم من بني الوطن من الليبيين والعرب، إلى أن تمكنوا من تنفيذ مؤامراتهم بإسقاط النظام”.
في شهر مارس من عام 2011 صرح رئيس الوزراء البريطاني ”ديفيد كاميرون” بأن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات صارمة لضمان أن الشعب الليبي يمكنه أن يمارس حياته من دون خوف مع الحصول على احتياجاته الأساسية للحياة، وهذا هو ما يطلبه مجلس الأمن، وهذا ما نسعى إلى القيام به. هنا ”يقول تقرير صادر عن مجموعة ”استراتيجيك كلتشر موتديشن”، أن كاميرون قام هو وعصبته بإحداث كارثة. ويضيف التقرير أنه حينما توقف هجوم الولايات المتحدة وحلف الناتو على ليبيا بعد مقتل الرئيس الليبي معمر القذافي، تم إخبارنا بأن الحرب نجحت في تحقيق الديمقراطية عن طريق القصف الجوى، ويمكن تلخيص هذا في العبارة التي قالتها السيدة هيلاري كلينتون على شبكة CBS في 20 أكتوبر من عام 2011 بعد مقتل القذافي، حيث قالت: ”لقد جئنا وشاهدنا ثم مات”!
ثم ماذا هل اهتم الناتو والولايات المتحدة بمصير العملية السياسية والتوافق الوطني في ليبيا أم ترك الأمر للأهواء والمغامرات الشخصية؟ ”الديلي تليجراف” البريطانية تذكرنا بأن هناك محاولات جرت في هذا الإطار، كانت فاشلة عن قصد وعمد ونية أم عن جهل وعدم معرفة بطبيعة الشعب الليبي وبجغرافية الجماهيرية الليبية ذاتها؟ لا يهم فالنتيجة واحدة فهي كما نراها الآن. لقد حاولت الولايات المتحدة عقب الإطاحة بالقذافي وضع خطة لتدريب وإعداد أشخاص في ليبيا، وعندما انزلقت البلاد إلى العنف تخلت واشنطن عن خطتها… وحرصت على ترك القيادة للأوربيين… هل نجح هؤلاء في إدارة المشهد هناك أم أن الليبيين الآن يجنون الحصاد المر؟
للأسف المأسوف على شبابه، ليبيا محيرة للعقول، لمن لم يقرأ بعد كيف ارتهن مصيرها لمواصفات أن تظل لا دولة برعاية دولية، لكي تبقى منهوبة مسروقة والكل يأكل من هذه الجبنة الطيبة على طريقته، ويتعاطى مع الواقع الليبي كأنه يجب أن يبقى على تلك الحال طالما أن الجميع مقتنع ومتفاهم دون أن يتفاهم على تحقيق مساواة في تلك السرقات والاستباحات الرهيبة.
لم تعد القاعدة الاستعمارية الجديدة ”فرق تسد”، بل ”قسّم تقي نفسك شر الإرهاب”، وفي كل الحالات تظل منطقتنا مصدر ابتكار القاعدة وساحة تطبيقها. وطالما ظلت الدولة غائبة والانقسام مسيطرا ستظل ليبيا ملاذا جاذبا، ويترتب على ذلك أن الكثير من القوى الدولية لن يميل للحلول العسكرية، التي ستأتي معها بالفوضى والتفكك الاجتماعي والفراغ السياسي.
خلاصة الكلام: بعد دفن اتفاق الصخيرات، التطورات الأخيرة ستلقي بلا شك بظلالها على سمعة المشير خليفة حفتر كشخصية قوية، وكسياسي مؤثر يمتلك قوة عسكرية في ليبيا، والشعب الليبي يقف الآن على أبواب اختيار مصيري، عليه أن يتسلح بمسؤولية ووطنية، ورؤية مستقبلية شاملة وصائبة. لكن الرؤى المستقبلية لا تقود إلى أكثر من رسم ملامح الطريق، أما اجتياز الطريق نفسه، فيحتاج إلى ما هو أكثر من خريطة: الوحدة والتضامن والإرادة الخيرة.
باحث وكاتب صحفي من المغرب.