أخبار من أمريكاتحليلات سياسيةعاجل
عبدول السيد على أبواب مفاجأة تاريخية في ميشيغان.. هل يهزم المال السياسي ويدخل مجلس الشيوخ؟
إعداد: رؤية نيوز – نيويورك
قبل يومين فقط من الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان، المقرر إجراؤها الثلاثاء 4 أغسطس 2026، يقف الدكتور عبدول السيد أمام الفرصة الأكبر في مسيرته السياسية، بعدما انتقل من مرشح تقدمي يحاول اللحاق بمنافسيه إلى المرشح المتقدم في استطلاعات الرأي، في واحدة من أكثر المعارك الانتخابية الأمريكية إثارة واستقطابا هذا العام، حيث ستحدد الانتخابات هوية المرشح الديمقراطي الذي سيخوض معركة نوفمبر على المقعد الذي يخليه السيناتور الديمقراطي غاري بيترز.
من هو عبدول السيد؟
اسمه الكامل عبد الرحمن محمد السيد، ويبلغ من العمر 41 عاما. ولد ونشأ في ولاية ميشيغان لأسرة أمريكية من أصول مصرية، وارتبط اسمه منذ شبابه بالتفوق الدراسي والعمل العام والرياضة الجامعية. درس الأحياء والعلوم السياسية في جامعة ميشيغان، وتخرج بتقدير مرتفع، قبل أن يحصل على منحة رودس المرموقة للدراسة في جامعة أكسفورد.
حصل السيد على الدكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد، ثم حصل على درجة الطب من جامعة كولومبيا في نيويورك، وعمل أستاذا مساعدا في علم الأوبئة بكلية ميلمان للصحة العامة في كولومبيا. كما نشر وشارك في أبحاث تتعلق بالصحة العامة والتفاوتات الصحية والعوامل الاجتماعية المؤثرة في المرض.
وفي عام 2015، عاد إلى ميشيغان لتولي منصب المدير التنفيذي ومسؤول الصحة في مدينة ديترويت، حيث شارك في إعادة بناء إدارة الصحة بالمدينة بعد سنوات من التراجع والإفلاس، وقاد برامج تتعلق بفحص الرصاص في المدارس، وصحة الأطفال، ومواجهة التلوث، وتوفير النظارات الطبية للتلاميذ. وشغل لاحقا، بين عامي 2023 و2025، منصب مدير إدارة الصحة والخدمات الإنسانية والمحاربين القدامى في مقاطعة واين.

تجربته السياسية الأولى
لم تكن انتخابات مجلس الشيوخ تجربته الأولى. ففي عام 2018، خاض الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمنصب حاكم ميشيغان في مواجهة غريتشن ويتمر، التي أصبحت لاحقا حاكمة الولاية.
وعلى الرغم من خسارته، حصل السيد، الذي كان مرشحا شابا قليل الخبرة الانتخابية، على نحو 30% من الأصوات وأكثر من 340 ألف صوت، محتلا المركز الثاني. وأظهرت النتيجة وقتها أنه يمتلك قاعدة حقيقية بين الشباب والتقدميين والعرب والمسلمين وبعض الناخبين السود وسكان المدن الكبرى.
بعد تلك الانتخابات، واصل نشاطه في الإعلام والسياسات الصحية، وقدم برامج صوتية وكتب عن إصلاح النظام السياسي والرعاية الصحية، كما شارك في فريق العمل المشترك بين حملتي جو بايدن وبيرني ساندرز المعني بسياسات الرعاية الصحية عام 2020.
كيف تغير سباق مجلس الشيوخ؟
بدأ السباق الديمقراطي بمنافسة ثلاثية بين عبدول السيد، وعضوة مجلس النواب هايلي ستيفنز، وعضوة مجلس شيوخ الولاية مالوري مكمورو.
لكن مكمورو علقت حملتها في 5 يوليو، فتحولت الانتخابات إلى مواجهة مباشرة بين جناحين داخل الحزب الديمقراطي: جناح تقدمي يقوده السيد، وجناح مؤسسي معتدل تمثله ستيفنز.
وتحظى ستيفنز بدعم قيادات المؤسسة الديمقراطية، وفي مقدمتهم حاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر، وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، والسيناتور غاري بيترز، والسيناتورة السابقة ديبي ستابنو.
في المقابل، يدعم السيد السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، والسيناتوران إليزابيث وارن وكريس فان هولن، إلى جانب نقابة عمال السيارات المتحدة UAW، وحزب العائلات العاملة وشبكات تقدمية واسعة.

الأرقام تميل بوضوح لمصلحة السيد
أحدث استطلاع مستقل أجرته كلية إيمرسون يومي 26 و27 يوليو، وشمل 700 من الناخبين المرجح مشاركتهم في الانتخابات الديمقراطية، أظهر تقدم عبدول السيد بنسبة 54% مقابل 39% لهايلي ستيفنز، مع بقاء 6% فقط من الناخبين دون قرار.
وعند احتساب ميول المترددين، ارتفعت نسبة السيد إلى 57% مقابل 41% لستيفنز. وبلغ هامش الخطأ في الاستطلاع نحو 3.7 نقاط مئوية.
الأرقام تكشف أيضا عن انقسام واضح بين الأجيال:
يؤيد الناخبون تحت سن الخمسين السيد بنسبة 67% مقابل 25% لستيفنز، بينما تتفوق ستيفنز بين من تجاوزوا الستين بنسبة 53% مقابل 39%.
كما يتقدم السيد بين الناخبين المستقلين بنسبة 60% مقابل 33%، وهي نقطة بالغة الأهمية لأن ميشيغان تسمح للناخب باختيار المشاركة في الانتخابات التمهيدية لأي من الحزبين دون تسجيل حزبي مسبق.
معركة الناس في مواجهة المال
أصبحت قضية التمويل السياسي المحور الرئيسي في الحملة. فقد أنفقت منظمات خارجية عشرات الملايين من الدولارات لدعم هايلي ستيفنز أو مهاجمة عبدول السيد.
وأنفقت جماعات مرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «إيباك» ما يقرب من 30 مليون دولار لمصلحة ستيفنز، فيما اقترب إجمالي إنفاق المنظمات الخارجية المؤيدة لها من 50 مليون دولار، ووصلت الحجوزات الإعلانية المعلنة لمصلحتها إلى أكثر من 60 مليون دولار.
لكن هذا الإنفاق الضخم لم ينجح، حتى الآن، في وقف تقدم السيد، بل ساعده على تقديم نفسه باعتباره مرشحا مستقلا عن أصحاب الأموال وجماعات الضغط.
وتقول حملته إنها تمتلك أكثر من عشرة آلاف متطوع، وإن المتطوعين يطرقون أبواب نحو عشرة آلاف منزل يوميا، بينما يرفع أنصاره شعار: “إخراج المال من السياسة، ووضع المال في جيوب الناس، وتوفير الرعاية الصحية للجميع”.
أبرز مواقفه السياسية
يقدم عبدول السيد نفسه باعتباره تقدميا شعبويا، لكنه يقول إنه ليس اشتراكيا ديمقراطيا، بل مؤمن باقتصاد السوق مع ضرورة مواجهة الاحتكارات وسيطرة الشركات الكبرى.
ويدعو إلى تطبيق نظام Medicare for All لتوفير التأمين الصحي الشامل، وخفض أسعار الأدوية، وإلغاء الديون الطبية، وتوسيع الإسكان منخفض التكلفة، ودعم العمال والنقابات والصناعات الأمريكية، وفرض قيود أكثر صرامة على أموال الشركات ولجان العمل السياسي.
وفي السياسة الخارجية، ينتقد بشدة الحروب الأمريكية والمساعدات العسكرية الخارجية، ويدعو إلى إنفاق جانب أكبر من الأموال داخل الولايات المتحدة على الصحة والإسكان والطرق والتعليم.
كما وصف الحرب الإسرائيلية على غزة بأنها إبادة جماعية، وطالب بوقف الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو الموقف الذي جعله هدفا رئيسيا لإيباك والجماعات المؤيدة لإسرائيل.
ولو فاز في نوفمبر، فسيصبح أول مسلم ينتخب عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو ما يمنح السباق بعدا تاريخيا يتجاوز حدود ولاية ميشيغان.
نقاط قوته
أهم عناصر قوة السيد هي الحماس الكبير بين الشباب والناخبين التقدميين، ودعم نقابة عمال السيارات، ووجود قاعدة عربية ومسلمة كبيرة في ديترويت وديربورن ومقاطعة واين، إضافة إلى خبرته في الصحة العامة وقدرته الخطابية والتنظيم الميداني القوي.
كما أن تقدمه بين المستقلين يشير إلى أن رسالته المناهضة للمؤسسة السياسية قد تجذب بعض الناخبين الذين سبق أن صوتوا لدونالد ترامب أو بيرني ساندرز، ثم شعروا بالإحباط من الحزبين التقليديين.
ولا تبدو هويته العربية والإسلامية، حتى الآن، عائقا حاسما في الانتخابات التمهيدية، خصوصا أنه ولد وعاش معظم حياته في ميشيغان، ويقدم نفسه باعتباره ابن الولاية قبل أي تعريف آخر.
نقاط الضعف والمخاطر
المشكلة الأساسية التي ستواجه السيد، خصوصا في الانتخابات النهائية، هي محاولة الجمهوريين تصويره باعتباره مرشحا يساريا متطرفا بسبب دعمه للرعاية الصحية الشاملة، ومواقفه من إسرائيل، ودعوته السابقة إلى إلغاء وكالة الهجرة والجمارك ICE.
كما تتفوق ستيفنز بين قطاعات من الناخبين الأكبر سنا وبين عدد من الناخبين السود التقليديين في ديترويت، وهي مجموعات تتميز بارتفاع نسبة مشاركتها في الانتخابات التمهيدية.
وقد تسببت بعض عباراته الحادة، ومنها تصريح أشار فيه إلى السيناتور جون فيترمان بوصفه «غولا»، في توفير مادة دعائية لمنافسيه. وسيكون عليه في حالة الفوز بالترشيح أن ينتقل سريعا من خطاب المواجهة داخل الحزب إلى خطاب أكثر اتساعا وقدرة على توحيد الديمقراطيين والمستقلين.

من سيفوز في الانتخابات التمهيدية؟
الترجيح الواضح حاليا هو فوز عبدول السيد بالترشيح الديمقراطي.
فالفارق البالغ 15 نقطة في استطلاع إيمرسون، مع بقاء 6% فقط من المترددين، يجعل مهمة هايلي ستيفنز صعبة للغاية. وحتى لو نجحت الحاكمة ويتمر وقيادات الحزب في تحريك الناخبين الأكبر سنا لمصلحتها، فإنها تحتاج إلى تحول استثنائي في الساعات الأخيرة لقلب النتيجة.
فيما تُقدّر فرص فوز السيد في الانتخابات التمهيدية بنحو 75 إلى 80%، ومُتوقع حصوله على نسبة تتراوح بين 52 و57% من الأصوات، مقابل 43 إلى 48% لستيفنز. وهذا تقدير تحليلي وليس نتيجة محسومة، لأن طبيعة المشاركين الفعليين ونسبة إقبال الناخبين السود وكبار السن يمكن أن تقلص الفارق.
ومن سيفوز في انتخابات نوفمبر؟
سيواجه الفائز الديمقراطي الجمهوري مايك روجرز، عضو مجلس النواب السابق والرئيس الأسبق للجنة الاستخبارات، الذي خسر انتخابات مجلس الشيوخ في ميشيغان عام 2024 أمام إليسا سلوتكين بفارق يقل عن عشرين ألف صوت.
لذلك فإن روجرز ليس منافسا ضعيفا، بل يمتلك اسما معروفا وقاعدة جمهورية قوية وخبرة في الانتخابات على مستوى الولاية.
الاستطلاعات العامة ليست موحدة
فقد أظهر استطلاع في أواخر يونيو تقدم السيد على روجرز بنقطة واحدة، فيما أظهر استطلاع آخر تقدمه بخمس نقاط. وفي المقابل، تشير استطلاعات أخرى ممولة من مجموعات أعمال إلى أن ستيفنز قد تكون أقوى من السيد في مواجهة روجرز. ولهذا تصنف المعركة العامة باعتبارها سباقا متعادلا يمكن أن يذهب إلى أي من الحزبين.
وإذا فاز السيد بالتمهيدي وتمكن من توحيد الديمقراطيين، وركز حملته على تكاليف المعيشة والصحة والوظائف والفساد السياسي، فقد تميل الكفّه إلى فوزه في نوفمبر بفارق ضئيل للغاية، ربما في حدود 51% مقابل 49%.
أما إذا تحولت الانتخابات إلى استفتاء على مواقفه من إسرائيل أو ICE، أو خسر نسبة مؤثرة من الديمقراطيين المعتدلين والناخبين اليهود وسكان ضواحي غرب ميشيغان، فقد يتمكن مايك روجرز من انتزاع المقعد.
الخلاصة
عبدول السيد لم يعد مجرد مرشح عربي أو مسلم يحاول تسجيل حضور رمزي، بل أصبح المرشح الأوفر حظا للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في واحدة من أهم ولايات الصراع السياسي في أمريكا.
فوزه في الانتخابات التمهيدية سيكون هزيمة كبيرة للمؤسسة الديمقراطية ولإنفاق جماعات الضغط، وفوزه في نوفمبر سيجعله أول مسلم في مجلس الشيوخ، وسيحول سياسيا أمريكيا من أصول مصرية إلى أحد أبرز الوجوه الصاعدة داخل الحزب الديمقراطي.
لكن التحدي الحقيقي لن يكون الفوز يوم الثلاثاء فقط، بل إثبات أن الخطاب التقدمي المناهض للمؤسسة يستطيع الانتصار أيضا في ولاية متأرجحة لا تمنح ولاءها الدائم لأي حزب.
