أخبار من أمريكاتحليلات سياسيةعاجل
الجنوبيون أمام الأمم المتحدة في نيويورك.. مطالب بالاستقلال ورسائل إلى المجتمع الدولي وتساؤلات حول الدعم الإقليمي

نيويورك – رؤية نيوز
شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن حراكًا شعبياً واسعاً لم يقتصر على المواطنين المقيمين في الولايات المتحدة بل امتد ليتوافد المشاركون من مختلف الولايات ومن كندا، للتعبير عن غضبهم وقلقهم البالغ إزاء التدهور الحاد في الأوضاع الأمنية والمعيشية التي تشهدها مناطق الجنوب العربي، ورفع الصوت عالياً أمام مراكز القرار الدولي حول حقيقة المجريات الميدانية والسياسية.

من دعا إلى الوقفة؟
بحسب الدعوة التي سبقت الفعالية، أعلنت الجالية الجنوبية في مدينة نيويورك تنظيم الوقفة ودعت أبناء الجنوب المقيمين في مختلف الولايات الأمريكية إلى المشاركة فيها.
وقالت اللجنة التحضيرية إن الهدف من التحرك هو تسليط الضوء على قضية الجنوب وإيصال مطالب المشاركين إلى المجتمع الدولي وصناع القرار، وفي مقدمتها حق تقرير المصير واستعادة دولة جنوبية مستقلة كاملة السيادة.

لماذا خرج المشاركون؟
ركزت الوقفة على عدد من المطالب السياسية، أبرزها رفض المشاركين لأي ترتيبات يرون أنها تتجاوز تطلعات الجنوبيين، والمطالبة بأن تكون قضية الجنوب جزءا أساسيا ومستقلا من أي عملية سياسية مستقبلية تتعلق بمستقبل اليمن.
كما رفع المشاركون شعارات تنتقد الأوضاع السياسية والاقتصادية والخدمية في مناطق الجنوب. ووصفت وسائل إعلام جنوبية مؤيدة للمجلس الانتقالي الوقفة بأنها احتجاج على ما سمته «الوصاية» ومحاولات مصادرة القرار السياسي الجنوبي؛ وهي توصيفات تعكس موقف منظمي ومؤيدي الوقفة.

تنديد بالتدخلات السعودية وتنامي الخطر الإرهابي
وركز المتظاهرون في خطاباتهم على تداعيات التدخلات الأخيرة، مشيرين إلى أن قيام القوات السعودية بضرب القوات الجنوبية بالتزامن مع انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة قد أسفر عن تداعيات كارثية؛ حيث أدى هذا الفراغ إلى تنامي نشاط الجماعات الإرهابية في المحافظات الجنوبية، وساهم بشكل مباشر في تقوية ميليشيات الحوثي.
ووفقاً للمشاركين، فإن تسليم الجبهات العسكرية سلمياً وتجريد المناطق المحررة من مكاسبها فتح الطريق أمام الميليشيات الحوثية للسيطرة على الممرات المائية والملاحة الدولية — وهي الممرات التي كانت تؤمنها وتضمن سلامتها القوات الجنوبية بدعم إماراتي.
وأكد التقرير الميداني للمظاهرة أن تسليم منطقة “باب المندب” الاستراتيجية للحوثيين بات يهدد الأمن والسلم العالمي بشكل مباشر، معتبرين أن تسليم السلاح للحوثيين في جبهة “المخا” يفضح حقيقة الادعاءات حول مواجهة التمدد الحوثي.

تحذير من تمكين “الإخوان” والمطالبة بدعم قيادة “الزبيدي”
وفي تصريح خاص على هامش التظاهرة، صرح وائل الخيلي الشعيبي، رئيس منظمة “عدن إمباير”، بأن أبناء الجنوب جاءوا ليؤكدوا للعالم رفضهم المطلق لتسليم إدارة الدولة والمعركة لتيار “الإخوان المسلمين”، محذراً من أن تمكين هذا التيار يضع المنطقة بأكملها على خطورة متزايدة ويرعى نمو القوى الإرهابية التي تضر بالأمن والسلم الدوليين.
وأضاف الشعيبي أن المتظاهرين رفعوا أرفعة أعلام “الجنوب العربي” وصور الرئيس عيدروس الزبيدي، مؤكدين تمسكهم الثابت باستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة تحت قيادته.

مطالبات دولية بسحب الملف من الرياض
واختتم المشاركون مظاهرتهم بتقديم نداء عاجل إلى المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والإدارة الأمريكية، يطالبون فيه بضرورة سحب الملف اليمني كاملاً من المملكة العربية السعودية.
وأرجع المتظاهرون هذا المطلب إلى ما وصفوه بـ “الفشل الواضح” للسياسات الحالية في إدارة الملفات الأمنية والخدمية، والعجز عن تحرير صنعاء، وهو الفشل الذي توج بسقوط منافذ مائية دولية جيو-استراتيجية مثل باب المندب في أيدي الميليشيات الحوثية.

حضور سياسي واضح للمجلس الانتقالي
ورغم أن الدعوة إلى الفعالية صدرت باسم الجالية الجنوبية، فإن التقارب بينها وبين المشروع السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي كان واضحا.
فقد رفع مشاركون صور رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، بينما سبق لخالد اليماني، مستشار هيئة رئاسة المجلس الانتقالي والمكلف بملفه السياسي في الولايات المتحدة، الدعوة إلى المشاركة في الوقفة.
وعقب انتهاء التجمع أمام الأمم المتحدة، انتقل عدد من المشاركين إلى قاعة سبأ، حيث عقد لقاء تضمن مداخلات لممثلين عن الجاليات الجنوبية من ولايات أمريكية مختلفة.
وبحسب تغطية «عين الجنوب»، تحدث خلال اللقاء خالد اليماني، كما تحدث الدكتور أحمد عاطف، رئيس المكتب الانتقالي في واشنطن، وتركزت المناقشات على الأوضاع في الجنوب ووحدة القوى المؤيدة لقضيته ومستقبل التحرك السياسي.

ما الرسالة التي أراد المشاركون إيصالها؟
اختيار نيويورك وتوقيت الوقفة بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة لم يكن عشوائيا.
فالرسالة الأساسية التي سعى المشاركون إلى إيصالها للأمم المتحدة والوفود الدولية هي أن قضية الجنوب، من وجهة نظرهم، يجب ألا تبقى ملفا فرعيا داخل الأزمة اليمنية، بل ينبغي أن تكون حاضرة بصورة مستقلة في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل البلاد.
كما حاولت القوى الجنوبية في تحركاتها الأخيرة في الولايات المتحدة ربط مستقبل جنوب اليمن بأمن البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية، خصوصا مع التصعيد العسكري المستمر في المنطقة. وكان خالد اليماني قد قدم في نيويورك، قبل الوقفة بأسبوع، إحاطة تناول فيها تأثير التطورات في باب المندب والبحر الأحمر على أمن الطاقة والمصالح الأمريكية.

لماذا تكتسب الوقفة أهمية الآن؟
تأتي الوقفة في مرحلة شديدة التعقيد في اليمن، مع تصاعد المواجهة مع الحوثيين وتجدد الاهتمام الدولي بأمن باب المندب والبحر الأحمر.
وفي الأيام المحيطة بالوقفة، كان الملف اليمني حاضرا بقوة في اجتماعات الجمعية العامة، حيث ناقشت قوى دولية وإقليمية تصاعد العمليات الحوثية وتهديداتها للملاحة والأمن الإقليمي.
ومن هنا يحاول مؤيدو المشروع الجنوبي الاستفادة من اللحظة السياسية لطرح أنفسهم أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي باعتبارهم طرفا لا يمكن تجاهله عند مناقشة مستقبل اليمن.

وهل تقف الإمارات وراء الوقفة؟
أثار الظهور الواضح لشعارات المجلس الانتقالي وصور قياداته تساؤلات لدى البعض حول وجود دعم إقليمي للوقفة، وتحديدا من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وهذه التساؤلات لها خلفية سياسية معروفة، إذ ارتبط المجلس الانتقالي خلال السنوات الماضية بعلاقة دعم وثيقة مع الإمارات. ووصفته وكالة أسوشيتد برس في يناير 2026 بأنه جماعة انفصالية مدعومة من الإمارات، فيما قالت رويترز في بداية العام إن المجلس كان يحظى بدعم إماراتي.
كما سبق لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن أن أشار إلى دعم الإمارات للمجلس الانتقالي وتأثيرها على قياداته، مع تأكيد أبوظبي في إفاداتها للفريق أن علاقاتها بتلك الأطراف تركز على دعم عملية السلام وخفض التصعيد.
لكن المشهد تغير جزئيا خلال 2026؛ فموجز حديث لمكتبة مجلس العموم البريطاني يقول إن الإمارات سحبت ما تبقى من قواتها من اليمن في يناير 2026، ويصف المجلس الانتقالي بأنه كان مدعوما من الإمارات.
أما بالنسبة لوقفة نيويورك يوم 22 سبتمبر نفسها، فلم تظهر حتى الآن أدلة علنية موثوقة تثبت أن الحكومة الإماراتية قامت بتمويلها أو تنظيمها أو توجيهها مباشرة.
ومن ثم، فإن وجود علاقة سياسية تاريخية بين الإمارات والمجلس الانتقالي يفسر التساؤلات عن الدور الإماراتي، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن أبوظبي تقف مباشرة وراء هذه الفعالية.

الخلاصة
تكشف وقفة نيويورك عن محاولة واضحة من القوى والجاليات المؤيدة لمشروع جنوب اليمن لنقل قضيتها من الساحة المحلية إلى المجال الدولي، مستفيدة من وجود قادة ووفود العالم في اجتماعات الجمعية العامة.
والرسالة التي أراد المشاركون إيصالها تبدو واضحة: أي تسوية سياسية لمستقبل اليمن، من وجهة نظرهم، ينبغي أن تتعامل بصورة مباشرة مع قضية الجنوب وحق الجنوبيين في تحديد مستقبلهم السياسي.
لكن يبقى السؤال حول حجم الدعم الخارجي لهذا التحرك ومصادر تمويله وتنظيمه مفتوحا، ولا سيما في ظل التاريخ الطويل للعلاقة بين المجلس الانتقالي ودولة الإمارات، من دون وجود دليل معلن حتى الآن يثبت تمويلا إماراتيا مباشرا لوقفة نيويورك.
