كانت روسيا أول دولة تصدّق على اتفاقية لإنشاء “تجمع احتياطي” من العملات الأجنبية بقيمة 100 مليون دولار، هذا التجمع، المعروف باسم ترتيب الاحتياطيات الطارئة، هو في الأساس مخزن للعملات الأجنبية يمكن لأي دولة من دول البريكس الانغماس فيها إذا احتاجت إلى ذلك.
امتلاك احتياطي من العملات الأجنبية قد يساعد في استقرار اقتصاد دول البريكس، وهذا بدوره يشجع التجارة والسياحة، وغالباً ما يعني بطالة أقل، حيث يأتي الاستقرار عادةً مع أسعار صرف ثابتة.
وتحاول الصين وروسيا إقناع العديد من الدول بتسوية التجارة مع اليوان الصيني وليس الدولار الأمريكي. تواصلت روسيا مؤخراً مع المملكة العربية السعودية وحثت الدولة الغنية بالنفط على قبول عملة البريكس بعد إطلاقها.
الصين تحاصر نفوذ الدولار في العالم.. لكن بحذر
تتزعم الصين مجموعة بريكس المتمردة على هيمنة الدولار، ويبدو أن العقوبات الغربية ضد روسيا تزيد من وتيرة الانفصال الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، خاصةً في حال استغلت بكين الفرصة لتعزيز الجاذبية العالمية لعملتها وهيكلتها المالية.
لكن الصين تشارك بحذر في جهود إزاحة الدولار عن عرشه، إذ يجب أن تضمن عدم تعريض مصارفها للعقوبات الغربية في حال زادت خطوط الائتمان التي قد تمنحها لروسيا.
وبالنظر إلى أن نحو 75% من فواتير البضائع الصينية المتداولة تُدفع بالدولار؛ فإن حظر الصين من نظام مقاصة الدولار والسويفت ستكون له تداعياتٌ لا تُحتمل على المصارف الصينية والاقتصاد العالمي معاً.
واستعرض تقرير لموقع Business Insider الأمريكي ما وصفه بعدم رغبة الصين في إلغاء دولرة الاقتصاد العالمي وعدم جعل اليوان بديل الدولار في الوقت الحالي على الأقل لسببين:
بكين لن تخفف القيود على دخول وخروج الأموال
تبدو الصين حريصةً على زعزعة الهيمنة الأمريكية العالمية، لكنها تود فعل ذلك بشروطها. وعلى مدار العقد الماضي واصلت الترويج لاستخدام اليوان بدرجة أكبر دون الإخلال بالأمن المالي، ومن المستبعد أن تحاول الصين تغيير ذلك الإيقاع الآن.
باختصار، بكين لن تتمكن من تحرير حسابها الجاري بالكامل مطلقاً، لكنها ستظل قادرةً على الاستمرار في تدويل اليوان.
ويصعب عليها تحمل تكلفة العجز المالي
تأتي مكانة وهيبة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية مقابل ثمن يجب دفعه، ويتمثل في عجز الحساب الجاري الأمريكي بصورة أبدية.
السبب هو أن الطلب العالمي على الدولار الأمريكي أكبر من الطلب الأمريكي على الواردات المدفوعة أيضاً بالدولار.
ولهذا تضطر الولايات المتحدة إلى التعامل مع معدلات عجز متزايدة دائماً من أجل الحفاظ على مكانة عملتها الاحتياطية.
ولا تريد الصين أن يسود اليوان فتضطر إلى دفع مثل تلك الفاتورة.
روسيا كانت تخطط لإسقاط الدولار قبل الحرب
قبل حرب أوكرانيا بعام، أي في ربيع عام 2021، أعلن وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف أمام منتدى بطرسبرغ الاقتصادي أن بلاده ستتخلى نهائياً عن الدولار الأمريكي، وقدم صورة تفصيلية للمشروع الروسي:
لدينا اليوم نحو 35% من استثمارات صندوق الثروة السيادية بالدولار و35% باليورو من حيث الهيكل، وسوف تصبح الهيكلة الجديدة على النحو التالي:
الدولار صفر.
اليورو 40%.
اليوان الصيني 30%.
الذهب 20%.
الجنيه الإسترليني والين 5% لكل منهما.
بعد اندلاع الحرب أصبحت روسيا أقرب لتنفيذ مخططها لإسقاط الدولار، فقد شنت واشنطن حرب العقوبات الاقتصادية على موسكو، فتم حظر بعض البنوك الروسية من جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (SWIFT)، التي يهيمن عليها الدولار، والتي تتيح للبنوك في جميع أنحاء العالم التواصل بشأن المعاملات عبر الحدود.
وتم تجميد ما لا يقل عن نصف احتياطيات روسيا من العملات الأجنبية البالغة 640 مليار دولار بسبب القيود التجارية.
كل هذا أجبر روسيا على البحث عن عملات بديلة لاستخدامها في المعاملات الدولية.
ورغم تضرر اقتصاد الحرب الروسي من جراء العقوبات، فهو لم يُصَب بالشلل، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن 16% من صادراتها تُدفع الآن باليوان، مقابل لا شيء تقريباً قبل غزو أوكرانيا.
السعودية في معضلة تسعير النفط بالدولار
اقتربت السعودية من مجموعة بريكس عبر طلب رسمي للانضمام، وعقدت الكثير من اتفاقيات التبادل مع الصين وغيرها بعملات غير الدولار، لكن هناك الكثير من الشكوك حول إمكانية أن تمضي قدماً في وقف تسعير النفط بالدولار، لأنها ستكون القاضية.
يرى البعض أن اتخاذ المملكة لبعض الإجراءات نحو فك الارتباط بالدولار لا يتعدى كونه محاولة استفزازية من قبل المملكة تجاه الولايات المتحدة في إطار المناورات السياسية. والمثال على ذلك رفض السعودية لطلب أمريكي متكرر بزيادة الإنتاج النفطي بهدف خفض الأسعار التي أصبحت تنهك سائقي السيارات في شوارع واشنطن.
بينما يرى البعض أن السعودية تمضي صوب بداية لخلق نظام مالي موازٍ للنظام المالي العالمي الذي يقوده الدولار، والسعودية تريد أن تكون في المقدمة.
لكن يبقى تسعير النفط بغير الدولار خطوة قد تضع المملكة السعودية في مأزق كبير، نظراً لأن ذلك يعني تغيراً كبيراً في النظام المالي الذي وضعته أمريكا منذ سبعينيات القرن الماضي لتجعل عملتها هي العملة الوسيطة بين مختلف الدول.
على سبيل المثال تشتري الصين أكثر من 25% من النفط الذي تصدره السعودية، وإذا تم تسعيرها باليوان، فإن هذه المبيعات ستعزز مكانة العملة الصينية، ما يعني أن الدولار سيتأثر سلباً، وبالتالي سيتأثر الريال السعودي بالسلب نظراً لارتباطه بالدولار.
هناك محادثات جارية مع المملكة العربية السعودية بشأن تمويل بنك بريكس، المعروف باسم بنك التنمية الجديد NDB في حال انضمامها للبريكس.
تم إنشاء البنك في عام 2014 ليكون بمثابة ثقل موازن لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقالت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية إن انضمام السعودية إلى هذا البنك هو خطوة من شأنها أن تمنح البنك المزيد من القوة المالية.
وآسيا تتوحد ضد الدولار بتأسيس صندوق نقد جديد
معظم الدول الآسيوية تخشى نفوذ الدولار، ومع ارتفاع سعره تعاني هذه الدول من شراء السلع المستوردة بأسعار أكثر كلفة من العملة المحلية، ما يسبب ما يعرف بالتضخم المستورد.
وفي ربيع 2023 في زيارته الأولى إلى الصين اقترح رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إعادة إحياء فكرة صندوق للنقد الآسيوي على غرار صندوق النقد الدولي، ليفك الارتباط القوي لدول آسيا بالدولار الأمريكي ويعزز من اقتصاد القارة.
الاقتراح ليس جديداً، فقد نادت اليابان للمرة الأولى بإنشائه في أعقاب الأزمة المالية الآسيوية في التسعينيات.
إنشاء صندوق النقد الآسيوي يواجه عدة عقبات، أهمها التنافس بين الصين واليابان على زعامة الإقليم الذي يزداد تعقيداً مع السياسات اليابانية الجديدة.