في عام 2010، عندما أيدت محكمة إسرائيلية عليا الأحكام الصادرة بحق الرئيس الأسبق كاتساف، قال نتنياهو: “هذا يوم حزين لدولة إسرائيل ولمواطنيها”، لكن السياسي الأبرز في تاريخ إسرائيل والأطول بقاءً في منصب رئيس الوزراء، أشاد بالنظام القضائي قائلاً إن “المحكمة أرسلت اليوم رسالةً واضحة وضوح الشمس، وهي أن الجميع في إسرائيل متساوون أمام القانون”.
لكن عندما واجه نتنياهو الاتهامات نفسها، وصف النظام القضائي نفسه بأنه “مُسيّس وغير عادل”، وقرر ألا يخضع لأحكامه، فماذا فعل؟ قرر أن يشكل حكومة يحظى وزراؤها بحصانة خاصة مهما فعلوا، وهذه ليست مبالغة ولا رأياً من خارج إسرائيل، بل هذه نصّ كلمات نائب النائب العام الإسرائيلي نفسه.
لجنة الدستور والقانون والعدالة في الكنيست كانت تناقش، الإثنين 16 يناير/كانون الثاني 2023، مشروع قانون يعفي الوزراء من الأخذ برأي المستشارين القانونيين للوزرارت عند إصدار أي قرارات، فماذا قال نائب النائب العام، الذي كان حاضراً نيابةً عن رئيسه؟
“إذا تمت الموافقة على هذا المشروع ستصبح الحكومة ورئيسها غير خاضعين للقانون، بل سيصبحون هم القانون”. هذا نص كلمات جيل ليمون، نائب النائب العام جيلي باهاراف-مايرا، بحسب صحيفة هارتس، مضيفاً أن “هذه الخطوات ستقوض حكم القانون، وستصبح الآليات القانونية شكلية تماماً بلا أي مضمون أو معنى، ولن يخضع مجلس الوزراء ولا الوزراء للقانون”.
لكن إطلاق يد وزراء أكثر حكومات إسرائيل تطرفاً من الناحية القانونية ليس التعديل الوحيد، فحكومة نتنياهو التي قدمت وهدفها تعديل النظام القضائي، وصفتها رئيسة المحكمة العليا في إسرائيل، إستر حايوت، بأنها “ستسحق منظومة العدالة”، وتظاهر مئات المحامين الإسرائيليين أمام محكمة تل أبيب احتجاجاً على مشروع الحكومة، محذّرين من “أنه يهدد الديمقراطية”.
فالخطة سياسية بامتياز، وتهدف إلى منح الكنيست مزيداً من الصلاحيات في تعيين القضاة، وقالت كبيرة القضاة حايوت إن “المشروع الجديد الذي قدمه وزير العدل لا يهدف إلى تحسين النظام القضائي، بل إلى سحقه”. وأضافت: “هذا هجوم جامح على النظام القضائي، وكأنه عدو يجب سحقه”.
كان القانون في إسرائيل، التي ليس لها دستور من الأساس، ينص على أن اختيار القضاة يتم من خلال لجنة مشتركة من القضاة والمحامين والنواب بإشراف وزارة العدل الإسرائيلية، ومن بين مقترحات تعديل النظام القضائي التي قدمها الوزير أيضاً “بند الاستثناء”، الذي يتيح لنواب البرلمان، بأغلبية بسيطة، إلغاء قرار صادر عن المحكمة العليا.
أما لماذا هذه التعديلات التي تُسقط ورقة التوت نهائياً عن نظام يضع، منذ نشأته، قناع الديمقراطية ويتباهى به؟ فالإجابة متعددة الأوجه. الوجه الأول يتمثل بطبيعة الحال في رئيس الحكومة نفسه، أي بنيامين نتنياهو، فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية تسببت محاولات نتنياهو إنقاذ نفسه من مصير الكثيرين من كبار مسؤولي إسرائيل، وهو السجن متهماً بالفساد والرشوة وخيانة الأمانة، في عدم استقرار سياسي وانتخابات عامة تكررت 5 مرات.
ومنذ المرة الأولى عام 2019، يصر نتنياهو على استصدار قانون من الكنيست يحصنه شخصياً ضد دخول السجن، ويضع ذلك شرطاً رئيسياً أمام أي حزب أو سياسي يتحالف معه. وعندما تحالفت المعارضة ضده وشكلت الحكومة السابقة، مثل نتنياهو أمام المحكمة في ثلاث قضايا، حملت تفاصيل كثيرة مخزية لكنها كاشفة.
فنتنياهو، الرقم الأصعب في السياسة الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين من الزمان، استغل منصبه لتحقيق مكاسب شخصية، ودفع أموالاً طائلة لوسائل إعلام كي تنشر “تغطية إيجابية” لصالحه، إضافة إلى أمور أخرى كثيرة، بحسب أكثر من 300 شاهد استمعت إليهم النيابة وقدموا أطناناً من الأدلة.
وفي هذا السياق، ليس غريباً أن يتحالف نتنياهو مع الأحزاب الدينية المتطرفة وأحزاب المستوطنين غير الشرعيين وأحزاب اليمين المتطرف، لتشكيل حكومة تضم وزراء مدانين بالاحتيال والإرهاب، وذلك عبر تمرير قوانين مفصلة خصيصاً من أجله ومن أجلهم، فيا لها من ديمقراطية زائفة!
أما الوجه الآخر لتلك التشريعات التي تتبناها حكومة “السوابق” برئاسة “المتهم” نتنياهو، فهو السعي لإضفاء الشرعية على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهي أراض فلسطينية محتلة كما تنص القوانين الدولية وباعتراف رعاة إسرائيل الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة نفسها.
فأحد أهداف أغلب أحزاب هذا الائتلاف اليميني المتطرف هو إكمال عملية التهويد الكامل للقدس الشرقية المحتلة، وضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، وهو ما يعني القضاء نهائياً على حل الدولتين، الذي لا يزال يمثل الأساس الدولي في التعامل مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
ورغم سعي إسرائيل، منذ نشأتها، إلى ابتلاع كامل أراضي فلسطين التاريخية وعدم تنفيذ أي من القرارات الدولية، فإنه من الناحية الشكلية كانت تل أبيب تحاول تنفيذ ذلك المخطط بصورة تدريجية، عن طريق فرض الأمر الواقع، دون تغيير الشكل القانوني، وهو ما يعطي الداعمين الغربيين لإسرائيل الفرصة لمواصلة تقديم الدعم “لواحة الديمقراطية في الشرق الأوسط”.
وفي هذا السياق، على سبيل المثال، كان لرئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فان دير لين، تصريح خلال زيارتها لإسرائيل، في يونيو/حزيران 2022، قالت فيه: “إن أقوى رابط مشترك بيننا (الاتحاد الأوروبي وإسرائيل) هو إيماننا بالديمقراطية وبقيمها. فالديمقراطية أدت إلى تقوية هذا الرابط الخاص من الصداقة على مدى عقود. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الديمقراطيات في أوروبا وإسرائيل إلى التماسك والعمل معاً”. والسؤال الآن: ما رأي السيدة أورسولا في ديمقراطية إسرائيل بعد تولي حكومة نتنياهو المسؤولية؟
المتابع للإعلام الغربي والدوائر السياسية الغربية يمكنه أن يرصد بسهولة حجم القلق من تبعات ما يشهده الداخل الإسرائيلي حالياً، بعد أن سقطت ورقة التوت التي كانت تستر تلك الديمقراطية المزعومة، وأصبح الحديث عن احتمالات اندلاع حرب أهلية في إسرائيل وارداً ويتردد بقوة، في ظل الصراع المتصاعد بين أتباع اليمين المتطرف من جهة والمعارضين من جهة أخرى.
واستَبَقَت الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن الاجتماع الاحتفالي لحكومة نتنياهو بالإعلان عن تمسكها بحل الدولتين بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومعارضتها السياسات التي تعرّض هذا الحل للخطر، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات أمام الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، والتي تضم في عضويتها مستوطنين يدعمون ابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
كما أصدر عدد من المنظمات المدنية والشخصيات، منها الدبلوماسي الأمريكي دانيال كيرتزر، مطالبات علنية مفتوحة لواشنطن، بأن توقف مساعداتها الأمنية والعسكرية للحكومة الإسرائيلية، وبخاصة بعد أن أصبح بن غفير وزيراً للأمن الداخلي، وفي ضوء التحذيرات المتصاعدة من ارتكاب حكومة نتنياهو الجديدة جرائم حرب ضد الفلسطينيين.
كما طالبت منظمة “المحاربون من أجل السلام” السفارة الأمريكية في تل أبيب بنقل رسالة لأعضاء مجلس الشيوخ، مفادها تقليص المساعدات الأمريكية الأمنية المقدمة للحكومة الإسرائيلية الجديدة.
أما نتنياهو فلا يبدو مهتماً بهذه النقطة، إذ أعاد إحياء وزارة الشؤون الاستراتيجية، وهي وزارة موازية لوزارة الخارجية، كان قد أنشاها من قبل وأغلقتها الحكومة السابقة. ومنح نتنياهو أحد المقربين منه، وهو رون ديرمر (سفير سابق لتل أبيب في واشنطن) مسؤولية الوزارة العائدة للحياة.
أما وزارة الخارجية نفسها، فقد كلف نتنياهو إيلي كوهين بالحقيبة لمدة عام، على أن يتولاها بعده يسرائيل كاتز لمدة عامين، ثم يعود كوهين للوزارة في العام الرابع والأخير من عمر الحكومة، هذا بالطبع على افتراض أن هذه الحكومة ستكمل مدتها، على عكس حكومات إسرائيل السابقة منذ أكثر من ست سنوات.
ويرى كثير من الدبلوماسيين الإسرائيليين أن قرارات نتنياهو ستتسبب في تدمير ما تبقى من دبلوماسية إسرائيل، وتجعل من الحفاظ على ما تبقى من صورة “الدولة الديمقراطية” مهمة مستحيلة.
هذه هي الصورة العامة لما سعوا منذ نشأتها إلى تصويرها على أنها “واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط”، لكنها في حقيقة الأمر ليست أكثر من كيان غارق في الفساد والمصالح الشخصية، ولا تحكمه قوانين ولا مساواة ولا حتى حرية رأي، في ظل شراء “التغطية”، وصفقات “التلميع”، وما فعلته حكومة نتنياهو الحالية لم يكن إلا إسقاط ورقة التوت التي كانت تستر تلك الديمقراطية الزائفة.
أما الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وانتهاكات القانون الدولي التي ترتكبها دولة الاحتلال بحق الفلسطينيين، فهي ما كان يتم تبريرها دائماً على أنها “دفاع عن النفس”!
وإذا كان بإمكانك أن تخدع كل الناس بعض الوقت، أو أن تخدع بعض الناس كل الوقت، فمن المستحيل أن تخدع كل الناس كل الوقت، وهذا تحديداً ما يبدو أنه حدث ويحدث مع أسطورة “واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط”.
فمنذ البداية، تأسّس ذلك الكيان على أعمدة وهمية دعائية، عنوانها البرّاق هو “الديمقراطية”، لكن النخبة الفاسدة حتى النخاع، وغياب العدالة بين المواطنين، وعدم احترام القانون الدولي، أو القانون الأخلاقي، أو حتى القانون الإنساني لا يمكن أن تكون إلا بنية تحتية لكيان عنصري، يحمل بين جَنَباته أسبابَ انهياره على رؤوس من شيّدوه مهما طال الزمن.
وهكذا تشكّلت حكومة “السوابق” برئاسة المتهم بالفساد والرشوة وخيانة الأمانة، لتضع المسمار الأخير في نعش تلك الصورة الهزلية، التي أُشير إليها طويلاً على أنها “ديمقراطية إسرائيل”!