قوة لا أخلاقية متوحشة.. كيف أسس ترامب لقرن أميركي قادم وغير ليبرالي؟
هذه المقالة مترجمة عن Foreign Affairs
بتحليل اقتصادي اجتماعي، تستشرف المقالة التالية من مجلة “فورين أفّيرز” الأميركية مستقبلا لا ليبراليّا للولايات المتحدة. ثمة عاملان أساسيان سيرسمان معالم هذا المستقبل، وهما الأتمتة المتسارعة للوظائف والقطاعات الأمنية والعسكرية داخل الولايات المتحدة، والتشيّخ المتزايد للشرائح السكّانية خارجها في مناطق مثل الصين وأوروبا وروسيا. ستؤدي الأتمتة بالولايات المتّحدة إلى إنشاء سلاسل إمداد موازية مرنة ضمن تحالفاتٍ جديدة تنعزل عن السوق الآسيوية إلى غير رجعة، ومنها التحالف مع كندا وأميركا اللاتينية، وهي أجندة تحالفات عبَّر عنها بالفعل الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، بينما ستؤدّي الشيخوخة المتزايدة في أوروبا إلى انهيار الاتّحاد الأوروبي وحلف الناتو على المدى البعيد. أما في آسيا وروسيا، فإنّها ستؤدي إلى إضعاف القوّات العسكريّة التي تعتمد على قوّات شابّة في صفوفها.

تولّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرئاسة واعدا بإصلاحات في السياسة الخارجية الأميركية، ومنذ ذلك الحين وهو يهينُ الحلفاء، ويفضُّ التزامَ الولايات المتحدة باتفاقات دوليّة، ويفرض تعريفات جمركيّة على الأعداء والحلفاء سواء. يرثي العديد من الخبراء للضرر الذي ألحقته سياسة “أميركا أولا” بما يُسمّى النظام الليبرالي الدوليّ، آملين أن تستعيد الولايات المتّحدة دورها في ريادة العالم الحر ما إن يغادر ترامب المكتب البيضاوي. لكن علينا ألّا نُعلِّق كثيرا من الآمال على هذا الأمر، فما عصرُ الهيمنة الليبرالية للولايات المتّحدة إلا إحدى التبعات الفوريّة للحرب الباردة، وعلى العكس منه، فقد كان نهج ترامب من معاملة المثل بالمثل في السياسة الخارجيّة عُرفا سائدا على معظم فترات التاريخ الأميركي، ما يعني أن بصمة ترامب ستدوم إلى وقت طويل بعد رحيله.
يلقى نهج ترامب قبولَ كثير من الأميركيين اليوم، وسوف يتعاظم هذا القبول في السنوات التي تلوح أمامنا مع تسارع اثنين من الاتّجاهات العالميّة؛ التشيُّخ المتزايد للسكّان، وصعودُ الأتمتة، مما سيعيدُ خلق ديناميكيّات القوّة العالميّة بأساليبَ تكون في صالح الولايات المتّحدة. بحلول العام 2040، ستكونُ الولاياتُ المتّحدة هي البلد الوحيد الذي يمتلك سوقا ضخمة متنامية وقدرة ماليّة تُمكِّنها من الحفاظ على حضور عسكريّ عالميّ. خلال هذه الفترة، ستعمل التكنولوجيّات الجديدةُ على خفض اعتمادِ الولايات المتّحدة على العمالة والمواردِ الأجنبيّة وتزويدِ الجيش الأميركيّ بأدوات جديدة لاحتواءِ التوسّع المناطقيّ للقوى العظمى المنافسة. وما لم تُبدِّد الولايات المتّحدة تلك الأفضليّات فإنّها ستظل قوّة اقتصاديّة عسكريّة مُهيمنة.

منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية، كانت الولايات المتّحدة ترى نفسها المدافعَ الرئيسَ عن أسلوب الحياة الديمقراطي الرأسماليّ والمُناصِرَ لنظام دوليّ منظّم مبنيّ على القيم الليبراليّة. لقد زوّدت واشنطن عشرات من الدّول بالحماية العسكريّة، وأمَّنت معابر الشَّحن البحريّ، والعبورَ السهلَ إلى الدولارات والأسواق الأميركيّة على حدٍّ سواء. وبالمقابل، قدَّمت تلك البلدان قرابينَ الولاء ومضَت في بعضِ الحالات إلى لبرلة اقتصاداتها وحكوماتها.
لكن خلال العقود القادمة، سوفَ يؤدّي التشيّخ المتسارع للشرائح السكّانيّة وصعود الأتمتة إلى زعزعة الإيمان بالديمقراطيّة الرأسماليةّ وتصدُّع ما يُسمّى بالعالم الحرّ من نواتِه. إنَّ أعباءَ الاعتناءِ بالشرائحِ السكّانيّة المتشيّخة وفقدان الوظائفِ الناجم عن التكنولوجيّات الجديدة سيؤجّجان التنافس من أجل الموارد والأسواق، ويُعرّيانِ عيوبَ المؤسسات الدوليّة التي تعتمد عليها الحكومات من أجل التصدّي للمشكلاتِ المشتركة، مما سيدفع الأميركيّين إلى الشعورِ بحاجة أقلَّ إلى الاعتمادِ على الشركاء الخارجيين مما فعلوا طيلةَ أجيال. في استجابة لذلك، قد تصبحُ الولايات المتّحدة قوَّة عُظمى مارقة. كما حدث في القرنِ العشرين، ستُهيمنُ على القرن الحادي والعشرين الولايات المتّحدة أيضا، إنمّا إن كانَ “القرن الأميركيّ” السابق مبنيّا على رؤية ليبراليّة لدور الولايات المتّحدة في العالم، فإنَّ ما قد نشهده اليوم هو فجر أميركي لا ليبراليّ.

إن جذورَ نهجِ “أميركا أوّلا” الذي أدخله ترامب على السياسة الخارجيّة الأميركية ضاربة بعمق في التّاريخ. قبل عام 1945، كانت الولايات المتّحدة تُحدِّد مصالحها ضمن نطاق ضيّق، لا سيّما فيما يخصّ النقدَ والأمن الماديّ، وسعت إليهما بقوّة وقليلِ اعتبار لآثارِهما على بقيّة دول العالم. صحيح أنّها تبنَّت القيم الليبراليّة مثل الحريّة والتحرر، لكنّها طبّقتها انتقائيّا، في الدّاخل والخارج على حدٍّ سواء، ولم تُشكِّل تحالفات بخلاف الحلفِ الذي أقامته مع فرنسا خلال الحرب الثوريّة. لقد صُنِّفت تعريفاتها الجمركيّة من بين الأعلى في العالم، وكانت تتجنّب المؤسسات الدوليّة. لا نقول إنَّ الولايات المتّحدة كانت دولة انعزاليّة، وفي الواقع فإنَّ توسُّعها المناطقيّ المتزايدَ قد أثار حسد أدولف هتلر، لكنّها كانت متحفّظة غالبا.
بحلول ثمانينيات القرن التّاسع عشر، كانت الولايات المتّحدة أغنى دولة في العالم، ولديها أكبرُ سوق استهلاكيّ فيه، وكانت في صدارةِ الدول المصنّعة والمُنتجة للطاقة، بجانبِ شبكة واسعة من الموارد الطبيعيّة وبلا أي تهديدات كبرى تواجهها. مع استتبابِ الأمور داخل البلاد، لم تكن الولايات المتّحدة مهتمّة للغاية بتأسيس تحالفات خارجيّة.
تبدَّل الحالُ خلال الحرب الباردة، عندما احتلَّ الاتّحاد السوفيتيّ مساحات واسعة من أوراسيا وأخذت الشيوعيّة تجذب إليها مئات الملايين من الأتباع حول العالم، وكانت الولايات المتّحدة بحاجة إلى شركاء أقوياء لاحتواءِ تلك التهديدات، فمَوَّلت أحد التّحالفات، وزوَّدت عشرات من البلدان بالضمانات الأمنيّة والعبور السهل إلى الأسواق الأميركية.
لكن مع انتهاء الحرب الباردة، توقف الأميركيّون تدريجيا عن رؤية فائدة في القيادة العالميّة، وباتوا أكثرَ سأما إزاءَ التعالقاتِ الخارجيّة. في العقودِ التالية، غلبَ على رؤساء الولايات المتّحدة التعهّد بخفضِ المجهوداتِ في الخارج وزيادتها في الدّاخل. برغم هذه الوعود، شهد عصر ما بعد الحرب الباردة إقدَام واشنطن على شنّ تدخُّلات عسكريّة عديدة (في البلقان وأفغانستان ثم العراق وليبيا)، وشهدَ ذلك العصر توسُّعا أكبر في النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتّحدة، ومع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالميّة، ازداد تماسك الاتّحاد الأوروبي، وتوسَّع حلف الناتو، وأخذ الاقتصادُ العالمي يعتمد على مؤسسات الولايات المتحدة أكثر من ذي قبل.
القوات العسكرية الأميركية في أفغانستانهذا الاتّجاه هو أحد الأسباب التي جعلت العديد من النُّخَب الأميركيّة تُفجَع بانتخاب ترامب بناء على أجندة “أميركا أولا”. حينما تسأل استطلاعاتُ الرأي الأميركيين بشأن أي الأولويّات يجب أن يكونَ للسياسةِ الخارجيّة، قلّة يُشيرون إلى تعزيز الديمقراطيّة والتجارة وحقوق الإنسان، وثلاثَتُها أنشطة تقع في صلب القيادة الليبراليّة الدوليّة. وبدلا منها، فإنّهم يُشيرون إلى منع الهجمات الإرهابية، وحماية الوظائف الأميركيّة، والحدّ من الهجرة غير الشرعيّة. يقول نحو نصف أولئك المستجيبين إنّهم يعارضون إرسال القوات الأميركيّة للدفاع عن حلفاءَ يتعرّضون لهجوم، ويُفضِّلُ نحو 80% منهم استخدام التعريفات الجمركيّة لمنعِ فقدان الوظائف بسبب التّجارة. نهجُ ترامب ليس حالة شاذّة، بل إنّه يندرج تحت اتّجاه لطالمَا تغلغل في ثقافة السياسة الأميركيّة.

في السّنوات القادمة، قد يتراجع الدعم الأميركيّ للنظام الليبرالي أكثر من ذي قبل، وذلك بفضل التغييرات الديموغرافيّة والتكنولوجيّة التي ستُعاظِم من ريادةِ الولايات المتّحدة اقتصاديّا وعسكريا وتجعل البلاد أقلّ اعتمادا على غيرها.
كما أن الولايات المتّحدة أقل اعتمادا على التجارة والاستثمار الخارجيّ عن أي بلد آخر. مع انكماشِ الاقتصادات العظمى الأخرى، سوف تصبح الولايات المتّحدة أكثرَ مركزيّة في النموّ العالميّ وأقل اعتمادا على التّجارة الدوليّة وستقلّ حاجتها إلى حلفاءَ أوفياء بما أن التشيّخ المتسارع سيعرقلُ التوسّع العسكريّ لأقطابِ القوى العظمى. بحلول العام 2050، سوف يرتفع إنفاقُ روسيا على معاشات التقاعد والرعاية الطّبيّة للمُسنّين بنحو 50% كنسبة من إجمالي ناتجها القومي عمّا هو عليه الآن، وسوفَ تتضاعف نسبةُ الصّين بنحو ثلاث مرّات، أما إنفاقُ الولايات المتّحدة في هذه النّواحي فسوف يزداد بنسبة 35%. سوفَ تكونُ روسيا والصيّن أمام خيارات حادّة بينَ شراء السلاح لجيوشهِما وشراء العكاكيزِ للسكّان الآخذين بالتشيّخ على نطاق واسع، ويقول التّاريخ إنَّ الثاني سيكون أولويّة بهدف منع الاضطرابات الداخليّة. حتّى وإن لم تُخفِّض روسيا والصين إنفاقهما العسكري، فإنّهما ستواجهان صعوبات في تحديث الجيش بسبب التشيّخ المتزايدِ في أوساط القوّات العسكريّة. تستهلك القوّات العسكريّة سلفا 46% من الميزانيّة العسكريّة الروسيّة (مقارنة بـ 25% عن تلك التي نراها في ميزانيّة الجيش الأميركي)، ومن الأرجح أنّها سوفَ تُجاوز 50% خلال العقدِ الحاليّ في ظلّ موجة تقاعد للقوّات الأكبرِ سِنًّا وضخّ معاشات التّقاعد.
تقولُ الأرقام الرّسمية الصينيّة إنَّ نفقات القوّات العسكريّة تُشكِّل 31% من ميزانيتها العسكريّة، لكنّ تقديرات مستقلة تشير إلى أنّها تستهلك نحو نصف الإنفاق الدّفاعي للصّين وأن الرقمَ سيرتفعُ خلال السّنوات القادمة.

سوف يُسرِّع التشيّخ المتزايدُ حول العالم الريادة الأميركيّة اقتصاديّا وعسكريّا في صراع القوى العظمى، كما أنّه سيَحدُث بالتّرافق مع اتّجاه لا يقلّ أفضليّة وهو تنامي الأتمتة. إن الآلاتِ تزدادُ سرعة وتقلّ حجما وكلفة والأهم من هذا أنّها تُطوِّر قدرة على التكيّف مع المعلومات الجديدة؛ في عمليّة تُسمّى “تعلّم الآلة” وهو نوع من أنواع الذكاء الاصطناعيّ. نتيجة لذلك، سوفَ تجمع آلات جديدة بين قدرة الحواسيب على تحليل الأرقام والقوّة الغاشمة للآلات الصّناعية وبعض من الحدسِ والوعي الظَّرفيّ والحذاقةِ التي كانت يوما ذخيرةَ بني البشر. بفضلِ هذه الابتكارات، قد تدخُل نحو نصف الوظائف في اقتصادِ اليوم حيِّزَ الأتمتة بحلول العقدِ 2030.
كما هو حال التشيّخ العالميّ، سيُقلِّلُ انتشارُ تبنّي الآلاتِ الذكيّة اعتمادَ الولايات المتّحدة على بلدان أخرى. تتمتّع الولايات المتحدة سلفا بريادة لا يُستهان بها في الصناعات التي تتصدّر اتّجاهات الأتمتة. على سبيل المثال، لديها من شركات الذكاء الصّناعي وخبرائه ما يفوق الصين بخمس مرّات، البلد الذي يحلّ ثانيا، كما أنّ نصيبها من برمجيّات الذكاء الاصطناعيّ وأجهزته في السوق العالميّة أكبر بأضعاف من نصيب الصّين. بإمكانِ الشركات الأميركية استغلال هذه الريادة التكنولوجيّة باستخدام الأتمتة المتقدّمة لاستبدال سلاسل الإمداد العالميّة الممتدّة بمصانع مُتكاملة من القاعدةِ إلى القمّة في الولايات المتّحدة. أمّا صناعات قطاع الخدمات فسوف تحذو حذوها مع استيلاءِ الذكاء الاصطناعي على مزيد من المهامّ. وعلى سبيل المثال، بدأت مراكز الاتصالات بالعودةِ من البلدانِ الأجنبيّة إلى الولايات المتّحدة. وطيلة عقود، كانت الولايات المتّحدة تُطارد العمالة والموارد الرخيصة في الخارج، لكنّ تلك الأيام معدودة الآن، مع سماحِ الأتمتة للولايات المتّحدة بزيادةِ الاعتماد على نفسها.
ثم إن صعودَ الآلات الذكيّة سوف يساعد واشنطن في احتواءِ صعود خصومها. وبدلا من انتظار اندلاع أزمة، سوف تتمكّن الولايات المتّحدة من استباقِ نشرِ المُقاتلات الجويّة المسيّرة ومنصّات إطلاق الصواريخ في مناطق الصّراع المحتملة. سوف تعمل تلك المقاتلات والصواريخ بوصفها حقول ألغام ذكيّة، تتمكّن من إبادة القوات الغازية للعدوّ. كما أنَّ القضاء عليها أمر صعب، وتكلفتها الشرائية في المتناول. وعلى سبيل المثال، تستطيع الولايات المتحدة بسعرِ حاملة طائرات واحدة اقتناءَ 6500 من مقاتلات الشبح المسيّرة من طرازِ “XQ-58A” أو 8500 من صواريخ كروز المتريّثة. عبر نشر أسلحة من هذا النّوع، سوف تستفيدُ الولايات من تفاوتٍ جوهريّ في الأهداف الحربيّة؛ فبينما يستولي خصومُ الولايات المتّحدة من أمثال الصين وروسيا على أراضٍ مثل تايوان والبلطيق لتحقيق الهيمنة المناطقيّة، سيتعيّن على الولايات المتّحدة فقط أن تحرمهم السيطرة لتحقيق الأمر، وهي مهمّة صُمِّمت شبكة المُسيَّرات والصواريخ الذكيّة لتأديتها على أفضل وجه.

على الأغلب التشيّخ والأتمتة سيُضْفيان قوّة على الولايات المتحدة، لكن من المستبعد لهما إضفاء القوة نفسها على النظام الليبراليّ بقيادةِ الولايات المتّحدة. في الديمقراطيّات الليبراليّة حول العالم، لطالما ارتكز الدعم الجماهيريّ لذلك النظام على المداخيل المتصاعدة للطبقة العاملة، الذي كان بالمقابل نتيجة لتزايد السكّان والتكنولوجيّات المولّدة للوظائف. لقد أنتجت طفرةُ مواليدِ ما بعد الحرب معدّلات ضخمة من العمّال والمستهلكين الشباب الذين وفَّر لهم خطُّ تجميع السلع وظائف مستقرّة. لكنَّ الشرائح السكّانية في أرجاء العالم الديمقراطي آخذة بالتشيّخ والانكماش، كما أن الآلات باتت تُزيل الوظائف. لقد تفتَّتَت المقايضة الأساس القائلةُ إنّ العمل الجادّ ودعم النظام الليبراليّ والثقة سيُشكِّلون مَدًّا اقتصاديا متصاعدا يرفع كلّ القوارب، وقد بات التعصّب القوميّ ورهاب الأجانب يملآن الفراغ.
إن المشهد أشدُّ قتامة ممّا يُدرِك كثير من الناس. على مدار الـ 30 سنة القادمة، سوف تتقلّص الشرائح السكّانية في الفئات العمريّة العمّالية لدى حلفاء الولايات المتّحدة من دول ديمقراطيّة بنسبة 12% بالمعدّل، مما سيجعل النمو الاقتصادي المستدام ضربا من ضروب المستحيل. في أثناء ذلك، سوف تتسع رقعة الشرائح السكّانيّة المُسنّة في هذه البلدان بنسبة 57% بالمعدّل عمّا هي عليه الآن، في وقت سوف يتضاعف فيه إنفاق هذه الدول على معاشات التقاعد والرعاية الصحية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. لن تكون هذه الدول قادرة على شقّ طريقها في الخروج من الفوضى الماليّة الناجمة عن الأمر، لأنّها تحملُ سلفا من الديون ما يساوي 270% من ناتجها المحليّ بالمعدّل قبلَ أن تدفع الجائحة موازنتها الرسميّة إلى حافّة الهاوية. بدلا من ذلك، ستكونُ هذه الدول مضطرة لخفض امتيازات المُسنّين، وخفض الإنفاق الاجتماعيّ على فئات الشباب، ورفع الضرائب أو زيادة الهجرة، وهي جميعها إجراءات يُرجَّحُ أن تؤدي إلى صدامات سياسيّة.
إنَّ الأتمتة المتسارعة ستزيدُ من حِدَّة التأزّم الاقتصاديّ. وقد بيَّن التاريخ أن الثورات التكنولوجيّة تخلق الرخاء على المدى الطّويل، لكنّها تُحيل بعض الفئات العاملة إلى وظائف ذات مداخيلَ أقلّ أو إلى البطالة على المدى القصير، وهذا المدى القصير يمكن أن يستمرّ لأجيال. خلال السنوات الـ 70 الأولى من الثورة الصّناعية في بريطانيا العظمى، بين عامَيْ 1770-1840، ركدت معدّلات الأجور، وتراجعت معايير العيش، مع أنَّ الإنتاجَ الذي يُوفّره العامل الواحد قد تزايدَ بنسبة نحو 50%. وقد شُخِّصت مكاسب المكننة الشاملة في أماكن العمل خلال هذه الفترة بالتّجار الكبار الذين تصاعدت معدّلات أرباحهم. على امتدادِ رقعة العالم المتقدّم اليوم، تُزيلُ الآلات مجددا الوظائف بمعدّلات أسرع من معدّلات تدريب العاملينَ على الوظائف الجديدة، كما أن أجور العمالة متدنية ومتوسّطة المهارة راكدة من جديد، والملايين من النّاس -لا سيما الرّجال بدون شهادة جامعيّة- يتركون القوة العاملة. يتوقّع العديد من الاقتصاديين أن تستمر هذه الاتّجاهات لبضعة عقود مع تبنّي التكنولوجيّات الجديدة بدلا من اليدِ العاملة على نطاق واسع، مثل السيارات والمخازن والمتاجر والمطابخ الذّاتية كلّها.
من المُتوقَّع أن يؤدّي النمو البطيء والدَّيْن المتضخّم والأجور الراكدة والبطالة المزمنة واللا مساواة المفرطة إلى التعصّب القومي والتطرف. في ثلاثينيات القرن الماضي، أدّت الإحباطات الاقتصادية التي نزلت بالكثيرِ من الناس إلى رفض الديمقراطية والتعاون الدّولي واعتناق الفاشية أو الشيوعية. واليوم، يتصاعدُ القوميّون المتطرّفون في أنحاء العالم الديمقراطي، وليس فقط في الديمقراطيّات الناشئة شرق أوروبا. وعلى سبيل المثال، يمتلك حزب “البديل من أجل ألمانيا”، وهو حزب يمينيّ قوميّ، ثالث أكبرِ المقاعدِ في البرلمان الألمانيّ كما أن حالات تغلغلِ النّازيّة الجديدة في صفوف الجيش والشرطة قد تضاعفت على نحو مُقلِق. سوف تصبح مهمّة الولايات المتّحدة في قيادة العالم الليبرالي أصعب من ذي قبل مع تقلُّد القوميين للسلطة، وزيادة التعريفات الجمركية، وإغلاق الحدود، والتخلّي عن المؤسسات الدوليّة.

في مواجهة حلفاء مُتخبّطين وجماهيرَ منقسمة لا تُبالي بغيرها، قد تبدأ الولايات المتّحدة في التصرُّف بشكل أقل بوصفها رأسا لتحالف ضخم وبشكل أكثر بوصفها قوة عظمى مارقة، أي بوصفها عِملاقا اقتصاديا وعسكريّا ليست لديه التزامات أخلاقية، ليسَ انعزاليا ولا مُنفتحا على العالم، وإنما عدوانيّ مسلّح بقوّة يسعى كليّا وراء مصلحته. في الحقيقة، تحت حُكم ترامب، كان يبدو أنَّ الأمور تسلُك فعلا ذلك الاتّجاه. خلال فترة ترامب في الرئاسة، بدأتْ بعض الضمانات الأمنيّة الأميركية تبدو أشبه بإتاوات مقابل الحماية، وبدأت إدارة ترامب تفرض التعريفات الجمركيّة على الصفقات التجاريّة بدلا من العمل عبر منظمة التّجارة العالميّة. الجيش الأميركي يتغير أيضا، وعلى نحو متزايد، باتَ قوّة مُعدَّة لإنزال العقوبات بدلا من الحماية. لقد خفّضت إدارة ترامب الانتشار العسكريّ الدائم على أراضي الحلفاء واستبدلته بوحدات تدخُّل متنقّلة يمكنها التوغّل في الخارج وتدمير الأهداف لكي تتلاشى من جديد في الأُفق.

يستنكر العديد من نُقّاد ترامب هذه التغييرات بالقولِ إنها ليست طائشة فحسب ولكنّها بطريقة ما منافيّة لأميركا. لكنّ نهج ترامب يلقى استحسان العديد من الأميركيين اليوم ويتلاءم مع ميولهم فيما يخص دور الولايات المتّحدة في العالم. وإن استمرّت هذه الظروف، فإن أفضل السيناريوهات الممكنة للقيادةِ الأميركية سيتضمّن تبنّي واشنطن مزيدا من النسخة القوميّة من الليبراليّة الدوليّة، حيث يكون بوسع الولايات المتّحدة الحفاظ على حلفائها لكن مقابل دفع المزيدِ من المال لقاء الحماية. بإمكانها توقيع اتّفاقيّات تجاريّة، لكن فقط في حال تبنّت تلك الدول المعايير التنظيمية للولايات المتّحدة، بإمكانها المشاركة في المؤسسات الدوليّة لكن مع التلويح بتركها عندما تتصرّف ضد مصالح الولايات المتّحدة، وتعزيز الديمقراطيّة وحقوق الإنسان مع شلّ قدرات الخصوم على امتداد الجغرافيا السياسيّة.
بدلا من ذلك، قد تخرج الولايات المتحدة من نظام النظام العالمي تماما. بدلا من محاولة طمأنة الدول الأضعف من خلال دعم القواعد والمؤسسات الدولية، ستستخدم الولايات المتحدة كل أداة في ترسانتها الإكراهيّة -التعريفات الجمركيّة والعقوبات المالية وقيود التأشيرات والتجسس الإلكتروني وضربات الطائرات المسيَّرة- لانتزاع أفضل صفقة ممكنة من الحلفاء والخصوم بالدَّرجة نفسها. لن تكون هناك شراكات دائمة قائمة على القيم المشتركة، بل محض معاملات فحسب. سيحكم قادة الولايات المتحدة على الدول الأخرى ليس من خلال استعدادهم للمساعدة في حل المشكلات العالمية أو من منطلق ديمقراطيّتها أو استبداديتّها، ولكن فقط من خلال قدرتهم على خلق وظائف أميركية أو القضاء على التهديدات التي تحيق بالوطن الأميركي. وفقا لهذه المعايير، ستكونُ معظم البلدان غير مهمّة.
يمكن أن تتّجه التجارة الأميركية طردا إلى نصف الكرة الغربي وخاصة إلى أميركا الشمالية، التي تُمثِّل بالفعل ثلث التجارة الأميركية وثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي. في الوقت الذي تواجه فيه مناطق أخرى انتكاسات بسبب تشيّخ السكان وزيادة الأتمتة، فإن أميركا الشمالية هي المنطقة الوحيدة التي تحتوي على جميع المكونات اللازمة المستدامة للنمو الاقتصادي: سوق ضخمة ومتزايدة من المستهلكين الأثرياء، ووفرة من المواد الخام، ومزيج من المهارات العالية والعمالة منخفضة التكلفة والتكنولوجيا المتقدمة والعلاقات الدولية السلمية.
بخلافِ هذه الشراكات، ستكونُ جميع تحالفات واشنطن وعلاقاتها -بما في ذلك حلف الناتو وعلاقاته مع الحلفاء القدامى مثل كوريا الجنوبية- قابلة للتفاوض. لم تعد الولايات المتحدة تتودّد إلى الدول للمشاركة في تحالفات متعددة الأطراف. بدلا من ذلك، سيتعيّن على الدول الأخرى المساومة على ورقتين هُما حماية الولايات المتحدة والوصول إلى أسواقها. سوف يتعيّن على البلدان التي ليس لديها الكثير لتُقدِّمه أن تجد شركاء جددا أو تدافع عن نفسها بنفسها.
ماذا سيحدث للعالم إذا تبنّت الولايات المتحدة بالكامل هذا النوع من رؤية “أميركا أولا”؟ يرسم بعض المحللين صورا كارثية، فيتوقَّع روبرت كاجان عودة الاستبداد والحمائية والصراع في ثلاثينيات القرن الماضي، مع إعادةِ الصين وروسيا تأدية دور اليابان الإمبراطورية وألمانيا النازية، بينما يتوقّع بيتر زيهان صراعا عنيفا على الأمن والموارد، حيث تغزو روسيا جيرانها وينحدر شرق آسيا إلى حرب بحرية. قد تكون هذه التوقُّعات متطرفة، لكنها تعكس حقيقة أساسية: نظام ما بعد الحرب رغم أنه مَعيب وغير مكتمل من عدّة نواحٍ، فإنّه عزَّز أكثر فترات السلم والازدهار في تاريخ البشرية، وغيابه سيجعل العالم مكانا أخطر من ذي قبل.
بفضل النظام الذي ظلّت تقوده الولايات المتحدة لعقود من الزمان لم تكن معظم دول العالم مضطرة للقتال من أجل الوصول إلى الأسواق، أو حماية سلاسل الإمداد الخاصة بها، أو حتى الدفاع عن حدودها بجدية. لقد أبقت البحرية الأميركية الممرات المائية الدولية مفتوحة، وقدّمت السوقُ الأميركية عروضا قويّة للمستهلكين ورأس المال لعشرات البلدان، وغطّت الضمانات الأمنية الأميركية ما يقرب من 70 دولة. استفاد الجميع من مثل هذه التطمينات، ليس فقط حلفاء واشنطن وشركاؤها ولكن خصومها أيضا. كان للضمانات الأمنية الأميركية أن حيّدت ألمانيا واليابان، الخصمين الإقليميين الرئيسيين لروسيا والصين تواليا. في المقابل، يمكن لموسكو وبكين التركيز على إقامة علاقات مع بقية العالم بدلا من محاربة أعدائهم التاريخيين. بدون رعاية الولايات المتحدة وحمايتها، سوف يتعيّن على الدول أن تعود إلى مجال تأمين نفسها وشرايين حياتها الاقتصادية.
مع تنافس القوى العظمى على المجالات الاقتصادية، سوف تتآكل الحوكمة العالمية. من شأن الصراع الجيوسياسي أن يشلّ الأمم المتحدة كما كان الحال خلال الحرب الباردة. قد ينتهي الناتو بوصفه شريكا تُفضِّله الولايات المتحدة، وانهيار الغطاء الأمني الأميركي على أوروبا قد يعني نهاية الاتحاد الأوروبي أيضا الذي يُعاني بالفعل من انقسامات عميقة. قد تسقط معاهدات الحد من انتشار الأسلحة القليلة التي لا تزال سارية المفعول اليوم مع تسليح الدول للدفاع عن نفسها. الجهود المبذولة لمكافحة المشكلات العابرة للحدود -مثل تغير المناخ أو الأزمات المالية أو الأوبئة- قد تحاكي استجابة العالم المخزية لـ “كوفيد-19″، عندما قامت الدول بتخزين الإمدادات، ورفضت منظمة الصحة العالمية اتهامات التضليل الصيني، وانغلقت الولايات المتحدة على نفسها.
الاضطراب الناتج من شأنه أن يُعرِّض بقاء بعض الدول للخطر. منذ عام 1945، تضاعف عدد دول العالم ثلاث مرات من 46 إلى نحو 200. ومع ذلك، فإن معظم هذه الدول الجديدة ضعيفة وتفتقر إلى الطاقة أو الموارد أو الغذاء أو الأسواق المحلية أو التكنولوجيا المتقدمة أو القوة العسكرية أو حدود يمكن الدفاع عنها. وفقا لبحث أجراه العالم السياسي أرجون شودري، فإن ثلثي البلدان اليوم لا تستطيع توفير الخدمات الأساسية لشعوبها دون مساعدة دولية. باختصار، تعتمد معظم الدول اعتمادا حاسما على نظام ما بعد الحرب الذي قدَّم وصولا غير مسبوق تاريخيا إلى المساعدات الدولية والأسواق والشحن والحماية. بدون هذا الدعم، ستنهار بعض الدول وتتعرّض للاحتلال. الدول الهشّة التي تعتمد على المساعدات مثل أفغانستان وهايتي وليبيريا ليست إلا بعض الحالات الأكثر وضوحا عالية الخطورة. أما الدول الأقل وضوحا، فلديها الإمكانات، لكنها تعتمد على التجارة مثل المملكة العربية السعودية وسنغافورة وكوريا الجنوبية، التي ستُكافح أنظمتها الاقتصادية لتعمل في عالم من الأسواق المغلقة والممرات البحرية المعسكرة.

لا مفرّ من أيٍّ من هذه النتائج المُروّعة، وعلى المدى الطويل يمكن أن يجعل السكان المُسنّون والأتمتة العالمَ أكثر سلاما وازدهارا مما كان عليه في أي وقت مضى. في النهاية، تميل المجتمعات الأكبر سِنًّا إلى أن تكون أقل عدوانية من المجتمعات الأصغر سِنًّا، وعادة ما تُعزِّز الثورات التكنولوجية الإنتاجية وتُحرِّر العمال من الكدح.
لكن الطريق إلى مستقبل أقدم وأكثر آلية سيكون مضطربا. للحفاظ على النظام الليبرالي الحاليّ موحّدا، ستحتاج الولايات المتحدة إلى اعتناقِ وجهة نظر سخية فوقَ العادة إزاء مصالحها، وسوف تحتاج إلى كبح السعي وراء الثروة والسلطة القوميّة من أجل التطلع المشترك للنظام الدولي، وستحتاج أيضا إلى إعادة توزيع الثروة محليا للحفاظ على الدعم السياسي للقيادة الليبرالية في الخارج.
ومع دخول العالم فترة من الاضطراب الديموغرافي والتكنولوجي، سيصعُب أكثر فأكثر اتباع هذا المسار. نتيجة لذلك، قد يكون ثمة أمل قليل في أن تحمي الولاياتُ المتحدة شركاءها، أو أن تُرسل دوريات في الممرات البحرية، أو أن تُعزِّز الديمقراطية والتجارة الحرة وتطلبَ القليل في المقابل. لقد استأثر المزاج القومي بالولايات المتحدة، وفي المستقبل المنظور سيكونُ هو الشكل الذي ستأخذه الأمورُ القادمة. إنها ليست حالة شاذة تُنتجها إدارة ترامب، بل هو اتجاه متجذر بعمق يُهدِّد ولادة جديدة لنهج قديم في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهو النهج الذي ساد خلال أحلك العقود خلال القرن الماضي.
يَتمثَّل أفضل أمل للنظام العالمي الليبرالي في أن تجد الإدارات الأميركية المستقبلية طرقا لتوجيه الدوافع القومية المتنامية في اتجاهات دولية. قامت الولايات المتحدة من حين لآخر بحملات ليبرالية لأسباب أنانية، وعلى سبيل المثال، فقد حدث أن عارضت الاستعمار الأوروبي جزئيا لفتح أسواق للبضائع الأميركية، ورعت وحمت كتلة من الديمقراطيات الرأسمالية لسحق الشيوعية السوفيتية وإثبات هيمنتها العالمية. حصلت هذه الحملات على دعم عام لأنها ربطت المُثُل الليبرالية بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة، ويمكنُ لنهج مماثل أن يقومَ اليوم.
قد لا يرغب الأميركيون في القتال والموت للدفاع عن حلفاء بلادهم النائين، لكنهم يريدون منع القوى الاستبدادية، مثل الصين وروسيا، من اكتسابِ هيمنة إقليمية. لذلك يمكن للولايات المتحدة أن تحل محل بعض قواعدها الأكثر ضعفا على أراضي الحلفاء بشبكات منتشرة من قاذفات الصواريخ والطائرات المسيَّرة، وبالتالي احتواء التوسُّع الصيني والروسي مع تقليل عدد الأرواح الأميركية على الخط. سوف يدافع الأميركيون أيضا عن حماية العمال والشركات الأميركية. رغم أن الرأي العام الأميركي يُعارِض الصفقات التجارية التي تُحفِّز الاستعانة بمصادر خارجية، فإن هناك دعما قويا للصفقات التي تخلق مجالا متكافئا للشركات الأميركية. لذلك يمكن للولايات المتحدة استخدام نفوذها الاقتصادي الهائل لإجبار الشركاء التجاريين على تبنّي المعايير الأميركية بشأن العمل والبيئة وحماية الملكية الفكرية. الأميركيون غير مُتحمّسين لتعزيز الديمقراطية في الخارج، ولكنهم على استعداد للدخول في شراكة مع الحلفاء للدفاع عن المؤسسات الأميركية من التدخُّل الأجنبي. وبالتالي، يمكن للولايات المتحدة تشكيل تحالف من الديمقراطيات لتنسيق العقوبات الجماعية ضد القوى الأجنبية التي تتدخّل في الانتخابات الديمقراطية. في نهاية المطاف، يمكن أن يُصبح التحالف كتلة ليبرالية تستثني البلدان التي لا تحترم التجارة المفتوحة وحرية التعبير والملاحة.
بالمقارنة مع قيادة نظام ليبرالي عالمي، قد تبدو هذه النسخة الأكثر قومية من مشاركة الولايات المتحدة بخيلة وغير مُلهمة، لكنها ستكون أكثر واقعية، وفي نهاية المطاف أكثر فعالية في الحفاظ على تماسك العالم الحر خلال فترة من التغيير الديموغرافي والتكنولوجيّ غير المسبوق.
——————————————————————————————-
هذه المقالة مترجمة عن Foreign Affairs
بالصور … أثار مصر التى ابهرت العالم ولازالت – أحمد محارم



“الترمبية” من دون ترمب – د.عبد المنعم السعيد
المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
5 عيوب خطيرة للنظام الانتخابي الأمريكي …
أظهرت معركة بايدن وترامب أن عيوب النظام الانتخابي الأمريكي أصبحت تُمثل مُجتمعةً تهديداً وجودياً لسمعة الولايات المتحدة -بل بقائها- بوصفها أقدم ديمقراطية دستورية على وجه الكوكب.
كشفت الانتخاباتُ العيوبَ الراسخةَ في الطريقة التي يختار بها الأمريكيون قادتهم. حتى إن بعضاً من هذه العيوب قديمةٌ قِدم الدولة نفسها، بينما كانت عيوب أخرى مستحدثة في عهود أقرب، مما أتاح لترامب والجمهوريين التسلح بها، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.
فوز بايدن جاء رغم عيوب النظام الانتخابي الأمريكي
في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، ثبتت قدم الولايات المتحدة بعد أن كادت تزل بانتخاب رئيس ازدرى مراراً وتكراراً التقاليد والمؤسسات الديمقراطية.
ومع ذلك، احتاج الأمر عزيمة قوية لهزيمته، فقد صوت لصالح دونالد ترامب أكثر من 71 مليون مواطن أمريكي، أي أكثر من أي رئيس سابق بخلاف جو بايدن، وذلك بسبب نسبة المشاركة التاريخية وأصوات أصحاب البشرة السمراء الذين قلبوا الطاولة. لم يحدث هذا الأمر الاستثنائي بسبب السمات الفريدة للنظام الديمقراطي الأمريكي، بل رُغماً عن سمات هذا النظام.

ومثلما قال إيان باسين، المدير التنفيذي لمنظمة Protect Democracy غير الحكومية: “سمحت الولايات المتحدة لشخص استبدادي بأن يصل إلى الرئاسة، ليشغل المنصب لأربع سنوات وكانت هذه السنوات على وشك أن تمتد. السؤال الأصعب هو: كيف حدث هذا، وما الذي سار على نحو سيئ هناك؟”.
عبرت شيرليت آيفيل، رئيس الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (NAACP)، عن فكرة مشابهة في مجلة Slate الإلكترونية: “نظام التصويت الخاص بنا يعتريه خلل بصورة جوهرية. مستقبل بلادنا يعتمد قطعاً على قدرتنا على إصلاحه”.
تلقي صحيفة The Guardian الضوء في السطور القادمة على خمسة من أبرز العيوب خلال هذه الدورة الانتخابية، وتطرح سؤالاً يقول: “ما هي آمال إصلاحها؟”.
إليك هذه العيوب
1- المجمع الانتخابي: يمنح الجمهوريين وزناً أكبر من أصواتهم بنسبة 5%
تعافت الولايات المتحدة من كمّ هائل من الضغوط الناتجة عن انتظارٍ مدمرٍ للأعصاب لما تُعرف بالولايات المتأرجحة. سوف يتذكر الشعب الأمريكي انتخابات 2020 بأنها الانتخابات التي كانت شديدة التقارب.
بيد أنها لم تكن كذلك على الإطلاق.
تقدم بايدن على ترامب بعدد أصوات كبير للغاية تجاوز 5 ملايين صوت أمريكي في التصويت الشعبي، وهو نتاج فرز عدد أصوات الناخبين بكل بساطة.
إذ إن التصويت الشعبي هو ما يُعمل به في أغلب الأنظمة الديمقراطية، ولكن ليس في الولايات المتحدة. تُحدد نتيجة الانتخابات في الولايات المتحدة عن طريق المجمع الانتخابي: وهو نظام غامض ملتوٍ يجري فيه اختيار الرئيس ليس عن طريق إرادة الشعب، بل بطريقة غير مباشرة من خلال كمية أصوات تبلغ 538 صوتاً تُمنح كل ولاية نسبة منها.
وتجدر الإشارة إلى أن هيلاري كلينتون حصلت في 2016 على أصوات أكثر من دونالد ترامب بحوالي 3 ملايين صوت في التصويت الشعبي، خلال انتخابات انتهت بوصول ترامب برغم ذلك إلى رئاسة الولايات المتحدة.
يعد المجمع الانتخابي أحد العيوب الديمقراطية الممتدة منذ ولادة هذه الدولة، عندما ابتُكر بدوافع غير مجردة.

أوضح سبيل رحمن، رئيس منظمة Demos Action غير الربحية: “كان الغرض من ورائه النأي باختيار الرئيس بعيداً عن السيطرة الشعبية الديمقراطية، ويُعزى ذلك جزئياً إلى سلطة الولايات التي تسمح بامتلاك الرقيق؛ ومن ثم كان جائراً منذ بدايته”.
وفقاً لتقدير رحمن، يمنح المجمع الانتخابي اليوم المرشح الرئاسي الجمهوري تفوقاً بـ 4% إلى 5% على المنافسين الديمقراطيين.
ليس هناك فرصة للتخلص من نظام المجمع الانتخابي في أي وقت قريب، نظراً إلى أنه يتطلب تعديلاً دستورياً مستحيلاً في زمن الاستقطاب الحزبي المعاصر هذا.
يتمثل الأمل الرئيسي للتغيير في الميثاق الوطني المشترك بين الولايات للتصويت الشعبي، حيث تتفق مجموعة من الولايات على منح أصواتها المنصوصة لها وفقاً لنظام المجمع الانتخابي، إلى المرشح الذي يحصل على أعلى أصوات في التصويت الشعبي. حصلت هذه الحركة على دفعة يوم الانتخابات عندما أيدت ولاية كولورادو هذه الفكرة، لكنها لا تزال احتمالية بعيدة.
2- قمع الناخبين: لا شيء مماثل في العالم الديمقراطي
يبدو الإقبال الكبير على التصويت أكثر إثارة للإعجاب بالنظر إلى العوائق التي وُضعت أمام عملية التصويت. قال إيان باسين: “رأينا في هذه الدورة جهداً من الحزب الجمهوري لزيادة صعوبة التصويت- ولا سيما لأصحاب البشرة السمراء والأقليات”.
وأضاف: “لا أعرف نظاماً ديمقراطياً متقدماً آخر في العالم يستثمر فيه أحد الحزبين السياسيين الرئيسيين في قمع الناخبين، بوصفه استراتيجية رئيسية”.
أحد أفظع الأمثلة على قمع الناخبين برز في هذه الدورة في ولاية فلوريدا. في 2018، منحت فلوريدا حق التصويت إلى المدانين في جنايات، مما يمنح تقنياً حق التصويت إلى 1.4 شخص ليشاركوا في العملية الديمقراطية.

وعلى الفور، انطلق الجمهوريون في فلوريدا لتقويض إرادة الناخبين، ووضعوا العراقيل البيروقراطية أمام المدانين السابقين بارتكاب جرائم، فكان عليهم الدخول في مفاوضات كي يصوتوا. وقد تعقدت الأمور لدرجة أن 900 ألف شخص ظلوا محرومين من التصويت يوم الانتخابات، بما في ذلك واحد من بين كل ستة أشخاص من أصحاب البشرة السمراء من أبناء فلوريدا ممن هم في سن التصويت.
يعد التصدي لقمع الناخبين إحدى أهم المهام الرئيسية أمام قانون تمثيل الشعب لعام 2019
(HR1)، وهو إصلاح تشريعي قاده الديمقراطيون في الكونغرس. ولكن على مدى 245 يوماً مضت، وُضعت العقبات أمامه في مجلس الشيوخ عن طريق زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش ماكونيل.
وفي تلك الحالة، سوف يتحول التركيز على الأرجح خلال العامين القادمين إلى وزارة العدل الأمريكية، التي صارت خاملة فعلياً في هذا الجانب في ظل إدارة ترامب. يتوقع من وزارة العدل مع وجود بايدن أن تعود للعمل، وتتيح الحصول على حق التصويت، وتقاضي خروقات قانون الانتخابات.
3- مجلس الشيوخ: يعتمد على الولايات الريفية
من المرجح أن يبقى ماكونيل وأغلبيته مسيطرين على مجلس الشيوخ نتيجة للديمقراطية الأمريكية المعيبة. إذ إن تشكيل المجلس، الذي يمنح مقعدين إلى كل ولاية بغض النظر عن تعداد سكان الولاية، لديه هو الآخر جذوره الضاربة في الماضي المظلم للبلاد، حسب وصف الصحيفة البريطانية.
يؤدي هذا التشوه إلى محاباة أعضاء مجلس الشيوخ من الولايات الريفية ذات التعداد السكاني القليل التي لديها عدد كبير من الناخبين البيض، مثل مونتانا وولايتي داكوتا الشمالية والجنوبية، ويساعد في تفسير سطوة الجمهوريين على الكونغرس.
وضعت خطط لحل هذه المعضلة على أساس منح صفة ولاية إلى واشنطن العاصمة وبورتوريكو، مما يمنح 4 مقاعد إضافية في مجلس الشيوخ. لن تتقدم مثل هذه الخطط مع وجود ماكونيل في موقع زعيم الأغلبية، ولذا تستمر هذه الحلقة المفرغة.
4- القضاة: ترامب يعينهم
على مدى السنوات الأربع الماضية، دأب ترامب على تعيين أكثر من 200 قاض، جميعم محافظون حتى النخاع، في محاكم المقاطعات والدوائر، إضافة إلى ترشيح ثلاثة قضاة يمينيين للمحكمة الدستورية العليا.
مثل هذا النشاط القضائي يرجح أن يبدل توازن النظام القضائي الفيدرالي على مدى سنوات تالية، مع وجود آثار ظاهرة في أماكن مثل تكساس. اتضح هذا النموذج خلال الانتخابات، عندما قيد الحاكم الجمهوري جريج أبوت عدد أماكن تسليم الأصوات عبر البريد إلى موقع واحد في كل مقاطعة.
يعني هذا أن مقاطعة هاريس، التي تضم مدينة هيوستن، اضطرت لإغلاق 11 موقعاً وتركت واحداً فقط لتسلم أصوات 5 ملايين شخص.
طُعن على هذا التقييد، وظل ينتقل بين المحاكم حتى وصل إلى لجنة مكونة من ثلاثة قضاة في الدائرة الخامسة بمحكمة النقض، التي حكمت لصالح قرار أبوت. وأما عن هؤلاء القضاة الثلاثة، فتجدر الإشارة إلى أن ترامب هو من عينهم.
5- إعادة تقسيم الدوائر: الجمهوريون يحكمون تكساس للأبد
أحد الجوانب الأشد إحباطاً في ليلة الانتخابات بالنسبة للديمقراطيين تمثل في إخفاق “الموجة الزرقاء” في التحول إلى شيء واقعي على مستوى الولايات. تشبث الجمهوريون بالسلطة في المجالس التشريعية لولاية فلوريدا وأيوا ومينيسوتا وكارولينا الشمالية، وسيطروا على نيو هامبشاير.
لم تُستشعر قوة الصفعة في أي مكان أكثر من تكساس، حيث انعقدت آمال الديمقراطيين بالسيطرة على مجلس الولاية على 9 مقاعد متأرجحة. لكنهم لم يحصلوا على أي مقاعد إضافية.

سوف يكون لهذا الفشل -مثل قضاة ترامب- آثار طويلة المدى. إذ إن الفشل في السيطرة على تكساس وولايات أخرى يمنح الجمهوريين هدية السيطرة على إعادة تقسيم الدوائر التي تستغرق 10 سنوات، التي تصاغ على أساسها الحدود الانتخابية.
تقول بريانا براون، نائبة مدير منظمة Texas Organizing Project، التي تسعى لبناء صوت سياسي لمجتمعات اللاتينيين والسود، إن هذه دائرة مفرغة أخرى. إذ إن تقسيم الحدود الانتخابية، الذي يشار إليه بـ”جيري ماندر”، يسمح للجمهوريين بتعزيز سلطتهم، وهو ما يجعلهم مسؤولين عن الجولة القادمة من إعادة تقسيم الدوائر، فسوف يستخدمونها لصالحهم.
تقول بريانا: “هدفنا تحول الديمقراطية في تكساس، وإذا كنا قادرين على القيام بذلك، فنستطيع تحويلها في البلاد. ولكن قبل أن نستطيع البدء حتى في هذا الكفاح، صيغت الخطوط بالفعل، مما يقيد قدرتنا على بناء نظام ديمقراطي يشبهنا ويشارك قيمنا”.
المكوجى الذى اصبح شاعرا – أحمد محارم
سؤال الساعة حول العالم.. هل بإمكان ترمب البقاء لفترة ثانية؟
لا يزال الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب مصراً على أنه الفائز في الانتخابات، رغم أن النتائج أظهرت العكس، فهل توجد أي ثغرة دستورية تمكّنه من تنظيم انقلاب والبقاء لفترة ثانية؟
صحيفة The Guardian البريطانية نشرت تقريراً بعنوان: “هل بإمكان ترامب تنظيم انقلاب والبقاء في منصبه لولاية ثانية؟”، أجاب عن السؤال من جوانبه المتعددة.

فاز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية، وهي حقيقة يرفض ترامب وجمهوريون آخرون الاعتراف بها، ورغم جميع مكائد ترامب من المستبعد أن يجد طريقة للبقاء في السلطة أو تنظيم انقلاب، وإليكم الأسباب:
هل يوجد طريق دستوري أمامه للانقلاب؟
كلا. توجد نظرية قانونية يصعب تحقيقها، طرحها جمهوريون قبل الانتخابات، مفادها أن المجالس التشريعية الصديقة للجمهوريين في ولايات مثل ميشيغان وويسكونسن وبنسلفانيا بإمكانها تجاهل التصويت الشعبي في ولاياتها، وتعيين ممثليها في المجمع الانتخابي. ويسمح القانون الفيدرالي للمشرعين بذلك إذا “فشلت الولايات في الاختيار” قبل اليوم الذي تقرر فيه اجتماع المجمع الانتخابي. ولكن لا يوجد دليل على حدوث تزوير منهجي في أي ولاية، والتقدم الكبير الذي أحرزه بايدن في هذه الولايات يوضح بجلاء أن هذه الولايات اختارت بالفعل.
وقال ريتشارد هاسن، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا بمدينة إيرفين، المتخصص في الانتخابات، في رسالة بريد إلكتروني: “إذا استمرت البلاد في التزامها بحكم القانون فأنا لا أرى أي مسار دستوري معقول أمام ترامب يمكّنه من الاستمرار في منصبه، إلا إذا ظهرت أدلة جديدة على حدوث إخفاق كبير في منظومة الانتخابات في عدة ولايات. ومحاولة استغلال المجالس التشريعية للولايات للالتفاف على اختيار الناخبين سيكون استيلاء مفضوحاً ومجرداً من الديمقراطية على السلطة، ولا أتوقع أن يحدث”.

أما إذا اختار المشرّعون في إحدى الولايات تجاهل الإرادة الواضحة للناخبين بهذه الطريقة، فسيكون وضعاً استثنائياً وربما يتسبب في احتجاجات هائلة. وكي يفوز ترامب بأصوات المجمع الانتخابي فسيتعين على العديد من الولايات اتخاذ هذه الخطوة غير الاعتيادية، التي من شأنها أن تسبب هجوماً عنيفاً وأزمة حقيقية للديمقراطية على مستوى البلاد.
هل يوجد مؤشر على أن الجمهوريين سيوافقون على هذا؟
بعد فترة قصيرة من يوم الانتخابات، أشار جيك كورمان، الجمهوري البارز في مجلس الشيوخ بولاية بنسلفانيا، إلى أن حزبه “سيلتزم بالقانون” في ولاية بنسلفانيا، وهو ما يقتضي منح أصوات المجمع الانتخابي للفائز في التصويت الشعبي. وقال كورمان في مقال رأي نُشر في أكتوبر/تشرين الأول إن المجلس التشريعي للولاية “ليس له ولن يكون له يد في اختيار أعضاء المجمع الانتخابي عن الولاية أو في تقرير نتيجة الانتخابات الرئاسية”.

لكن جمهوريين في المجلس التشريعي لولاية بنسلفانيا قالوا يوم الثلاثاء، 10 نوفمبر/تشرين الثاني، إنهم يريدون التحقيق في مزاعم تزوير الأصوات. ولا يوجد دليل على حدوث مخالفات واسعة النطاق في الولاية، لكن هذه الخطوة مثيرة للقلق، لأنها قد تكون بداية لمحاولة تقويض نتائج التصويت الشعبي في الولاية. كما يحقق المجلس التشريعي الذي يقوده الجمهوريون في ميشيغان في نتائج الانتخابات، وكذلك الجمهوريون في ويسكونسن. ولا يوجد دليل على ارتكاب مخالفات على نطاق واسع في أي من الولايتين.
هل يرتبط هذا بالدعاوى القضائية التي يرفعها ترامب؟
يوجد لكل ولاية موعد نهائي للتصديق على نتائج الانتخابات التي تتحدد بناء عليها أصواتها في المجمع الانتخابي. وفي ولايتين على الأقل، بنسلفانيا وميشيغان، تسعى حملة ترامب إلى منع المسؤولين من التصديق على النتائج.

والجدول الزمني لهذا التصديق على النتائج مهم، لأن القانون الفيدرالي ينص على أنه ما دام تم الانتهاء من فرز نتائج الانتخابات بحلول 8 ديسمبر/كانون الأول من هذا العام، فالنتيجة تصبح “قاطعة”. وهذا يضمن ألا يتمكن الكونغرس، المسؤول عن فرز أصوات المجمع الانتخابي، من التشكيك في نتائج الانتخابات. وقد تسعى حملة ترامب، بإطالة أمد هذه العملية، إلى الالتفاف على الموعد النهائي وتوفير مساحة أكبر للتشكيك في النتائج.
يقول ريتشارد بيلديز، أستاذ القانون بجامعة نيويورك، إنه حتى لو كان هذا ما تأمله حملة ترامب، فمن غير المرجح أن تتدخل المحاكم، وأضاف: “ستبدأ الولايات في التصديق على حصيلة أصواتها في أقل من 10 أيام، والدعاوى المقدمة حتى الآن للمحاكم لوقف هذه العملية لا أساس لها”.
لنفترض أن السيناريو الأسوأ قد نجح، هل توجد أي ضمانات لوقف ترامب؟
نعم. يوجد في ولايات ميشيغان وويسكونسن وبنسلفانيا ونيفادا حكام ديمقراطيون سيرفضون الموافقة على أعضاء موالين لترامب في المجمع الانتخابي، والتصويت الشعبي يظهر فوز بايدن بوضوح في هذه الولايات. وسيوافقون بدلاً من ذلك على الناخبين الذين يحق لبايدن الحصول على أصواتهم بعد فوزه في التصويت الشعبي.

بعد ذلك، يقرر الكونغرس، المكلف بفرز أصوات المجمع الانتخابي، ما يجب فعله. والقانون الذي يحدد الإجراءات الخاصة بالطريقة التي يجب أن يتعامل بها الكونغرس مع الخلاف حول أصوات المجمع الانتخابي في إحدى الولايات محير للغاية، لكن الخبراء يعتقدون أن القائمة التي يدعمها حاكم الولاية هي القائمة الصحيحة من الناحية القانونية.
وتوجد نظرية معارضة مفادها أن رئيس مجلس الشيوخ، مايك بنس، بإمكانه تولي إدارة العملية. غير أن الخلاف على الناخبين في المجمع الانتخابي بين مجلسي النواب والشيوخ هو السيناريو الأسوأ، ومن المحتمل أن يُطلب من المحكمة العليا الأمريكية التدخل في هذه الحالة.
وبغضّ النظر عن طول النزاع، يحدد الدستور موعداً نهائياً أخيراً. وحتى في حال استمرار الفرز، تنتهي فترتا الرئيس ونائب الرئيس ظهر يوم 20 يناير/كانون الثاني. وفي هذه المرحلة إذا لم تتقرر نتيجة نهائية للانتخابات، تصبح رئيسة مجلس النواب -نانسي بيلوسي على الأرجح- رئيسة بالنيابة.
واشنطن بوست: حملة التطهير التي يقوم بها ترامب خطيرة وتتوسع
حذرت صحيفة واشنطن بوست (Washington Post) الأميركية في افتتاحيتها اليوم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكتف بقطع رأس وزارة الدفاع بإقالته الوزير مارك إسبر، بل هو الآن مصمم على قطع أطراف مختلف أجهزة المخابرات في الولايات المتحدة.
وقالت الصحيفة إن مستقبل مديرة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” (CIA) جينا هاسبل في مهب الريح، وإن مدير مكتب التحقيقات الفدرالي كريستوفر راي مهدد أيضا بالإقالة من منصبه، كما أقالت إدارة ترامب كبار المسؤولين في وزارة الأمن الداخلي من مناصبهم، ويتوقع من بقي منهم الطرد من وظيفته في أقرب وقت.
وأشارت إلى أن إقالة مسؤولي وزارة الأمن الداخلي تأتي في إطار اختبار الولاء الذي فرضه مدير مكتب شؤون الموظفين الرئاسيين في البيت الأبيض جون ماكينتي، والقاضي بفصل كل من لا يظهر الولاء المطلق لترامب.
كما أعرب رئيس وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية كريستوفر كريبس مؤخرا لمساعديه عن خشيته من الإقالة من منصبه. وكان كريبس وعدد من المسؤولين المحليين قد أصدروا بيانا مشتركا هذا الأسبوع، أعلنوا فيه أن الانتخابات الرئاسية هذا العام تعد “الأكثر أمانا في تاريخ أميركا”، وهو ما قد يعد خطيئة في نظر إدارة ترامب.
وقالت واشنطن بوست إن احتمال امتداد حملة التطهير التي يقوم بها ترامب لتشمل وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية أمر مثير للقلق، نظرا لارتباط الوكالة الوثيق بحماية الانتخابات التي ما فتئ ترامب يطعن في نزاهتها دون أدلة.
ووفقا للصحيفة، فإن موظفي وزارة الأمن الداخلي المفصولين من وظائفهم يدفعون ثمن صدقهم بشأن نتائج الانتخابات، ويعاقَبون على أدائهم المثالي خلال العملية الانتخابية.
وحذّرت واشنطن بوست من خطورة استهداف موظفي وكالة الأمن السيبراني، وقالت إن ما يجري أمر خطير للغاية خاصة في ظل التهديدات التي تتعرض لها بقية أجهزة الأمن القومي، وهو ما قد يفسّر رد فعل بعض الجمهوريين في الكونغرس ضد إقالة هاسبل المحتملة من منصبها.
إنتهى المولد … أمريكا إلى أين .. ؟! – أحمد محارم – نيويورك
من سيدي ترامب إلى سيدى بايدن فقد حدث تطور كبير فى الشأن الأمريكي حيث رسب ترامب فى انتخابات الرئاسة للعام ٢٠٢٠ وصعد جوزيف بايدن كرئيس منتخب للولايات المتحدة الأمريكية. ماذا يعني هذا التغيير الجذري بالنسبة لأمريكا، وأيضاً بالنسبة لنا فى مصر؟
بالنسبة لأمريكا، فسوف تستعيد إحترامها على المسرح العالمي وينتهى بذلك عهد الإنعزال الأمريكي الذى سماه ترامب بالخطأ “أمريكا أولاً”. بصعود بايدن، ستعود أمريكا للمجتمع الدولي باحترامها الأمم المتحدة وعضويتها فى إتفاقية باريس للمناخ وأيضاً التواجد العسكري الأمريكي فى أماكن هامة في العالم.
سوف نجد فى عهد بايدن إحتراماً للإسلام والمسلمين لإن ترامب الذي قد استفاد من منطقة الخليج العربي بمليارات من الدولارات، ورغم ذلك فانه وضع ست دول عربية وإسلامية فى قائمة حظر السفر إلى أمريكا
نضيف إلى ذلك ان الإنحياز الشديد الذى مارسه ترامب مع إسرائيل سوف يقل كثيراً وقد تعود السفارة الأمريكية من القدس إلى تل أبيب كما كانت هناك من قبل، إحتراما للشرعية الدولية. وأيضاً قد تنخفض المعونة الأمريكية لحكومة اسرائيل حيث ان بايدن يرى أهمية حياد أمريكا بالشرق الأوسط ويعتبر ذلك بمثابة مكسب كبير لأمريكا. ونتوقع أن يعمل بايدن على تقليل النفوذ والتواجد الروسى فى الشرق الأوسط؛ وكذلك أيضاً إعادة النظر فى الممارسات التى تعامل بها ترامب تجاه – أو ضد – إيران.
إن ترامب لسبب غير معروف حتى الآن كان يولى بوتين إهتماماً شديداً، بيد أن ذلك كان يتعرض للمعارضة من وكالات المخابرات الأمريكية وعددها (١٧) وكالة. ويبدو أننا سنرى عودة أمريكا إلى محاولة إعادة تفعيل حل الدولتين فى منطقة الشرق الأوسط: إحداهما عربية والأخرى إسرائيلية. هذا التوازن سيكون فى صالح أمريكا أولاً، فضلاً عن تقليص نفوذ جارى كوشنر اليهودى صهر ترامب وزوج ابنته، وكذلك من المتوقع أن تقل حميمية العلاقة بينه وبين نتانياهو.
ولكننا نقول أن نجاح بايدن وتزايد إحتمالات الحيدة الأمريكية قد لا يدوم لأكثر من أربعة سنوات مدة الرئاسة، ومن ثَمَّ، فإنه من الأهم أن نراعي مصالحنا القومية على النحو التإلي:
أولاً: إستمرار مصر فى مراعاة بنود معاهدة السلام مع إسرائيل الموقعة عام 1979 والمحافظة عليها.
ثانياً: علينا أن نضع حداً لمحاولات تدخل القيادات الفلسطينية في الشأن المصري الداخلي، وعلى الفلسطينيين ان يراعوا الحقوق السيادية المصرية. فمعروف للكافة أن مصر قد ضحت بالكثير من أجل هذه القضية.
ثالثاً: جاء الوقت الذى تستمر فيه مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي الإهتمام بالشأن الداخلي المصري، والأقربون أولى بالمعروف.
رابعاً: على القادة فى فلسطين أن يضطلعوا بمسؤولياتهم فى التعامل مع إسرائيل وكيف يستطيعوا الوصول إلى إقامة دولتهم وهم أنفسهم منقسمون بين رام الله وحماس فى غزة، وكيف انهم لا يعلنون عن الميزانية المالية للحكومة الفلسطينية وانعدام الشفافية، وأين موضوع مكافحة الفساد؟ وعليهم ان يدركوا ان قضيتهم هى قضية الفلسطينيين وليست قضية العرب أجمعين.
هناك معاهدة سلام بين مصر واسرائيل وأيضا بين الأردن وإسرائيل، وانضمت حديثاً الإمارات والبحرين والسودان إلى اتفاقيات سلام ايضاً. ليس الرئيس محمود عباس الحق فى أن يهاجم هذه الإتفاقيات ويصفها بانها طعنة فى ظهر فلسطين. فلكل دولة عربية حقوقها السيادية ونحن لسنا جالسين على اعتاب ما حدث عام 1948 حينما ألقى الفلسطينيون باللوم على ظهر العرب أجمعين بانهم كانوا سببا للنكبة.
والغريب أن القيادات الفلسطينية يودعوا ملايين الدولارات فى البنوك الاسرائيلية ولا يهتمون بشرح كيفية انفاق المعونات الدولية على الشعب الفلسطيني، وهل ياترى مات عرفات وترك وراءه خمسة مليارات من الدولارات كما يُشاع ذلك فى الغرب؟ والسؤال: من أين كان له هذا؟ كما ان رام الله هى الكيان السياسي الوحيد فى العالم الذى له وزاره اسمها “وزارة المفاوضات”، وهى وسيلة موقته وليست مهنة دائمة الا اذا كان الفلسطينيون يعتقدون ان الامة العربية كلها مسئولة عن اخطائهم فى التعامل مع العدو الصهيوني. ونحن كمصريين لا ننسى انه عندما اغتيل الرئيس انور السادات، كان رد فعل الزعامات الفلسطينية أن قالوا “بوركت اليد التي شدت الزناد”.
على إخوتنا الفلسطينيين أن يدركوا أن هذه مصر، وان آخر اغتيال لرئيس بها حدث منذ ٧٠٠ سنة، ومصر لا تعرف الاغتيالات السياسية لان مصر تحترم المعاهدات الدولية ولم يحدث ان انتهكت مصر اية معاهدة دولية ولا اي اتفاق. وكان من أخطاء الإعلام المصري قوله ان الرئيس جمال عبد الناصر أمم قناة السويس، لان الحقيقة انه أمم “شركة” قناة السويس. فالقناة جزء من أرض مصر وليس لأي رئيس أن يؤمم ما هو ملك لمصر أصلاً.
كان ذلك إستشرافنا الأول وسنرى ماذا تحمل الأيام القادمة ويتضح لنا المزيد لكي نعرف أمريكا: إلى أين؟