هل تتعافى أمريكا من العنصرية إذا فاز بايدن؟
منذ أعلن دونالد ترامب ترشيح نفسه لرئاسة أمريكا عادت العنصرية لتطل من جديد في أدبيات السياسة الأمريكية، نظراً لطبيعة الرجل العنصرية المثبتة والمعلنة، لكن وقتها كان البيت الأبيض يشغله رئيس أسود بالفعل، وبالتالي لم يكن ثمة ما يدعو للقلق، ثم جاء الوباء ومقتل جورج فلويد لينكشف الغطاء الزائف، فإلى أي مدى عمّقت رئاسة ترامب الانقسام في المجتمع الأمريكي، وهل تؤدي خسارته في نوفمبر/تشرين الثاني لتعافي ذلك المجتمع؟
رئيس أسود في البيت الأبيض
كان مشهد تأدية باراك حسين أوباما اليمين الدستورية كأول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية بمثابة دليل عملي على انتهاء قضية العنصرية في الدولة العظمى التي تقود العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى غير رجعة.
فالمشهد كان مهيباً بالفعل في ظهر ذلك اليوم، 20 يناير/كانون الثاني 2009، وجاء خطاب أوباما هادئاً ومركزاً على وحدة القيم البشرية والمساواة بين الجميع، لقد كان خطاباً للسلام وللتعاون، موجهاً للبشرية ككل، إيذاناً بعهد جديد لا توجد فيه تفرقة بين الأمريكيين بسبب لون بشرتهم أو معتقداتهم، واحتفل الكثيرون بنهاية عهد “سيطرة الرجل الأبيض” للأبد.
خطاب تنصيب أوباما 20 يناير 2009
عودوا من حيث أتيتم واتركوا بلادنا
لكن يبدو أن فترتي أوباما في البيت الأبيض كانتا استثناءً، وجاء الرد أكثر عنفاً مما تصور الجميع داخل وخارج الولايات المتحدة، حيث فاز بالرئاسة دونالد ترامب، الرجل الأبيض الذي يريد جعل “أمريكا بيضاء مرة أخرى”، بحسب وصف أغلب السياسيين، وأبرزهم نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الديمقراطية!
ونتوقف هنا عند أبرز تصريحات الرئيس ضد أعضاء في الكونغرس ينتمون للحزب الديمقراطي، عندما قال لهم، أو لهن بالأحرى “عودوا إلى بلادكم واتركوا بلادنا”!
والقصة هنا ربما تبدو مجرد مشاحنات سياسية بين الحزبين الأكبر في البلاد؛ فترامب الجمهوري حاول استغلال الخلافات بين أربع عضوات جدد في مجلس النواب (رشيدة طليب وإلهان عمر وأليكساندريا أوكاسيا كورتيز وأيانا بريسلي)، تنتمين للحزب الديمقراطي، وقيادات الحزب، بشأن قضية الهجرة واللاجئين، لكن تغريدات ترامب وتصريحاته فضحت مكنون القلوب وحقيقة الرئيس وقاعدته الانتخابية فيما يتعلق بالانقسام العميق داخل المجتمع الأمريكي، بين من يرون أنفسهم أصحاب البلاد (البيض) وبين الملونين بشكل عام والسود بشكل خاص.
فإلهان عمر ورشيدة طليب وكورتيز وبريسلي لسن فقط مواطنات أمريكيات، بل عضوات في الكونغرس، ورغم ذلك قال لهن ترامب نصاً “لماذا لا تعُدن إلى البلاد التي جئتن منها وتتركن بلدنا”، ولا يمكن بالطبع اعتبار ذلك خلافاً سياسياً بأي حال من الأحوال، وهذا بالتحديد ما عبر عنه عضو الكونغرس جيم هايمز (من أصل بيروفي) في تغريدة قال فيها: “على عكس العضوات اللائي هاجمهن ترامب اليوم، أنا عضو كونغرس مولود بالفعل في بلد أجنبي، لكنني ذكر، أبيض البشرة من أصول أوروبية، لذلك من المستحيل أن يهاجمني”.
هل جاء ترامب بالعنصرية إلى أمريكا؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المهم هنا أن نذكر أن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية مرتبط بتاريخ طويل من العبودية والتفرقة العنصرية بين المهاجرين البيض، الذين قدموا من أوروبا للعالم الجديد، بين المواطنين من القارة السمراء الذين تم جلبهم كعبيد للعمل في مزارع القطن والدخان، قبل نحو أربعة قرون أو يزيد قليلاً.
ونضال المواطنين الأمريكيين السود من أجل الحرية والمساواة طويل وممتد، وبه محطات جوهرية أسهمت في تحقيق مطالب المساواة من الناحية القانونية بصورة لافتة، وصولاً إلى أن يتولى أوباما منصب الرئيس، لكن منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض قبل أربع سنوات، عادت قضية العنصرية لتكشف عن مدى الانقسام الذي لا يزال متجذراً داخل المجتمع الأمريكي، ويرى كثيرون أن العنصرية في البلاد هي القاعدة، وما سواها ليس سوى الاستثناء الذي يثبتها ويؤكدها.
في هذا السياق يعتبر ترامب تجسيداً لواقع الانقسام المجتمعي في أمريكا، وأحد أبطاله والمنادين به، فالرجل لا يتردد في التعبير عن عنصريته بمناسبة ومن دون مناسبة، ويشير إلى “بلدنا وقيمنا وأسلوب حياتنا” تعبيراً عن “المسيحيين البيض”، رغم أنه رئيس البلاد التي تُعرف باسم “أرض الأبطال” و “أرض الأحلام”، لكن التاريخ نفسه يكشف أن ذلك الانقسام الذي تعيشه أمريكا اليوم مرت به بالفعل قبل قرن من الزمان.
ما أشبه الليلة بالبارحة
ويرى كينيث تي. وولش، كبير مراسلي البيت الأبيض أن “الانقسام العظيم” الذي تشهده الولايات المتحدة في عهد ترامب يعيد للأذهان انقساماً مشابهاً مرت به البلاد والعالم أجمع عام 1919، أي قبل قرن من الزمان، فقد بدأ وباء الإنفلونزا الإسبانية في ذلك العام، كما عصفت بالبلاد موجة من التفجيرات المحلية أدت لحملة قمع منظمة ضد “الشيوعيين” المزعومين، أثارت مخاوف بروز دولة بوليسية في البلاد، وانطلقت موجة من الاحتجاجات العرقية (ضد العنصرية)، أودت بحياة 38 أمريكياً في شيكاغو، أواخر يوليو/تموز عام 1919.
واللافت أن كراهية المهاجرين ازدادت بشكل واضح، وكانت موجهةً نحو الأقليات من السود والملونين، وشهدت البلاد وقتها إضرابات متعددة، وهجمات متكررة على أحياء المواطنين السود، وتكوَّنت عصابات من البيض تستهدف السود والملونين، وعن تلك الفترة كتب المؤرخ ويدمير أن “الغالبية العظمى من الأمريكيين أرادوا استعادة حياتهم القديمة، لكن لم يكن هناك طريق واضح لتحقيق ذلك”.
في تلك الفترة ظهر عضو مجلس شيوخ من أوهايو اسمه ممرين هاردينغ، ركب موجة العنصرية ورفع شعار “دعونا نجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، ليصل إلى البيت الأبيض ويصبح رئيساً بالفعل، بطريقة تكاد تكون متطابقة مع الطريقة التي وصل بها ترامب للبيت الأبيض.
ويضيف ويدمير أن ذلك لم ينجح في انتشال البلاد من عنصريتها وانقسامها قبل 100 عام، لأنه ببساطة عمّق ذلك الانقسام المجتمعي وفشل في التعامل مع التغييرات العميقة التي كانت تمر بها البلاد وقتها، والأمر نفسه يتكرر مع ترامب الآن.
كيف فجّر مقتل جورج فلويد القصة من جديد؟
كان مقتل مارتن لوثر كينج أحد أبرز قادة السود الأمريكيين المنادين بالمساواة بمثابة محطة رئيسية في نضال الأمريكيين من أصل إفريقي من أجل حقوق متساوية مع المواطنين البيض، فقد أدى مقتله على يد أمريكي أبيض، يوم 4 أبريل/نيسان 1968، إلى موجة كبيرة من الاحتجاجات امتد تأثيرها خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، فكينج كان رمزاً للنضال السلمي، ويحمل رسالة محبة وتسامح موجهة للجميع.
ورأى كثير من المؤرخين أن اغتيال مارتن لوثر كينج قد أحدث هزة عنيفة في المجتمع الأمريكي، وأحدث تغييراً حقيقياً في قضية العنصرية في البلاد، حيث سعت الولايات كل على حدة، والحكومة الفيدرالية في واشنطن، إلى تعديل القوانين التي تكرس للعنصرية أو تفرق بين المواطنين على أساس اللون أو العرق أو الديانة، وبدا أن قضية العنصرية في البلد الأقوى عالمياً، والذي يعطي زعماؤه السياسيون دروساً لنظرائهم حول العالم في الحرية والمساوة وحقوق الإنسان قد انتهت أخيراً، وأصبح المواطنون الأمريكيون جميعاً متساوين في الفرص والحقوق والواجبات.
لكن بعد مقتل كينج بأكثر من ستة عقود، وبالتحديد يوم 25 مايو/أيار الماضي، تعرّض مواطن أمريكي أسود للقتل خنقاً على أيدي رجال شرطة بيض في ولاية مينيسوتا، لتنفجر احتجاجات أكبر وأضخم مما شهدته أمريكا بسبب اغتيال كينج، وتخطّت حدود البلاد ممتدة إلى أوروبا وكندا، تحت شعار “حياة السود مهمة”، ليصبح المواطن جورج فلويد، الذي تعرّض للخنق بعد أن جثم الشرطي بساقيه على رقبته لمدة 9 دقائق تقريباً وسط حشرجة الرجل “لا أستطيع التنفس” دون أن يبالي الشرطي الذي بدا كمن يؤدي عملاً روتينيا يقوم به كل يوم، وهي الحقيقة بالفعل.
وهناك عدة حقائق تتعلق بالزخم الكبير الذي حققه مقتل فلويد، على عكس عشرات الحوادث المشابهة على مدار التاريخ الأمريكي، وأبرز تلك الحقائق هو مدى الانقسام المجتمعي الذي صاحب وصول دونالد ترامب للرئاسة، على خلفية مواقف عنصرية واضحة تجاه جميع المختلفين عنه كرجل أبيض مسيحي يؤمن بتفوق الرجل الأبيض على مَن سواه، وهي سمة شخصية موجودة منذ البداية، لكنه تعلّم كيف يوظفها لصالحه سياسياً، بصورة استدعت إجراء أبحاث ودراسات عن تلك السمة الترامبية.
وقد نشرت مجلة The Atlantic الأمريكية تقريراً مطولاً بعنوان “تاريخ ترامب في التعصب الأعمى: كانت هناك أدلة طوال الوقت على عنصريته وعدم تسامحه، وتعلم ببطء كيف يوظفها لمصلحته”، رصد تاريخ الرجل الممتد في التعبير عن مواقفه العنصرية، وترامب ليس نكرة أو سياسي لم ينتبه له المواطنون إلا مع ترشحه للرئاسة، بل هو من أكثر الشخصيات شهرة في المجتمع الأمريكي بحكم عائلته فاحشة الثراء، وبحكم برنامجه الشهير “The Apprentice”.
وبالتالي فإن عنصرية ترامب وعدم تسامحه تجاه المختلفين عنه مادة إعلامية يرجع تاريخها لعام 1973، عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز وقتها تحقيقاً عن عنصريته تجاه العاملين في شركات عائلته، وللرجل تاريخ ممتد من التعليقات العنصرية الفجة في قضايا تخص الأقليات كالأمريكيين الأفارقة والمكسيكيين واللاتينيين والأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) والمسلمين واليهود والمهاجرين والنساء وحتى أصحاب القدرات الخاصة.
ولا يتوقف الأمر هنا عند تصريحات ترامب، بل إن تصرفاته أيضاً تعكس قناعاته العنصرية؛ فقد نشر إعلانات تطالب بإعدام 5 شباب سود ولاتينيين كانوا متهمين بجريمة الاغتصاب، وثبتت براءتهم لاحقاً، كما نشرت شهادات متعددة لعاملين في فنادقه الفارهة، تزعم أنه اعتاد عندما يدخل أحد الكازينوهات أن يقوم المديرون على الفور بإبعاد الزبائن السود الموجودين في الصالة، لكن اللافت هنا أن ترامب وصف نفسه في مقابلة مع Washington Post عام 2016 أثناء حملته الانتخابية بأنه “أقل شخص عنصري يمكن أن تقابله في حياتك”.
ما أبرز الأقليات في أمريكا؟
يبلغ تعداد الولايات المتحدة الأمريكية 331 مليون نسمة هذا العام، ورغم التعدد العرقي في البلاد التي ظلت على مدى عقود طويلة حلماً للهجرة وأرضاً للفرص وتحقيق الأحلام والثراء السريع، فإن غالبية السكان ينتمون للبيض المهاجرين من دول أوروبية، وهؤلاء يمثلون نحو 68% من مواطني أمريكا حالياً، ويأتي الأمريكيون من أصل لاتيني في المركز الثاني كأكبر أقلية في البلاد، ويمثلون 16.3%، ثم الأمريكيون الأفارقة أو السود، ويمثلون أكثر من 13% من السكان، وهناك أيضاً أقليات عرقية أخرى تنتمي للمنطقة العربية وإيران وآسيا وغيرها من مناطق العالم.
وبشكل عام يمكن القول إن تصنيف الأمريكيين من حيث العرق أو من يمثل أغلبية ومن يمثل أقلية مسألة معقدة للغاية، وتختلف من النظام الفيدرالي القومي إلى النظام المطبق في الولايات، لكن بشكل عام يعتبر المواطن أمريكياً ما دام حاصلاً على الجنسية ويحمل جواز السفر الأمريكي، وينص الدستور على المساواة المطلقة بين جميع المواطنين بغض النظر عن العرق أو اللون أو الديانة، لكن الواقع بالطبع مختلف بشكل تام عن النص الدستوري، وهو ما عاد مرة أخرى للواجهة مع وجود ترامب في البيت الأبيض، بعد الهدوء النسبي الذي شهدته مساحة الانقسام المجتمعي منذ ستينات القرن الماضي.
لماذا الانقسام المجتمعي أخطر في عهد ترامب؟
إذا كانت العنصرية والانقسام المجتمعي سمة جوهرية في الولايات المتحدة منذ بروزها على الساحة الدولية كقوة عظمى ناشئة قبل أكثر من قرن من الزمان، ثم هيمنتها على مقدرات العالم تقريباً وتشكيله سياسياً واقتصادياً وثقافياً منذ نهاية الحرب العالمية، فلماذا القلق إذن من بروز ذلك الانقسام على السطح مرة أخرى بوصول ترامب للرئاسة، وتفاقم ذلك الانقسام منذ مقتل فلويد في أواخر مايو/أيار؟
تعيدنا محاولة الإجابة عن هذا السؤال إلى المشهد الذي بدأنا به القصة، وهو تأدية أوباما لليمين الدستورية قبل 12 عاماً تقريباً، فوصول رئيس أسود إلى البيت الأبيض كان يفترض به أن يمثل المحطة الأخيرة في رحلة قطار العنصرية في أمريكا، فالرجل فاز بالرئاسة بأغلبية أصوات الأمريكيين من مختلف الأعراق والألوان، وليس فقط بأصوات السود الذين لا يمثلون أكثر من 13% كما ذكرنا، وهو مؤشر على تراجع العنصرية على المستوى المجتمعي وتجاوزها أخيراً.
لكن الواقع كشف عن وجهه القبيح مرة أخرى بعد أن غادر أوباما البيت الأبيض، لأن ترامب أيضاً جاء للبيت الأبيض في انتخابات حصل من خلالها على المنصب، وترامب رجل عنصري كما ذكرنا وبالأدلة المعروفة للجميع، وبالتالي فإن فوزه في حد ذاته -بغض النظر عن التشكيك من جانب منتقديه في ذلك الفوز- مؤشر واضح على أن غالبية الأمريكيين لا يزالون يريدون العودة “لأسلوب حياتهم المعتاد”، حيث السيطرة المطلقة للرجل الأبيض، بحسب باحثين أمريكيين.
وجه الخطورة الآخر في تفجر قضية الانقسام المجتمعي على خلفية العنصرية من خلال مقتل فلويد واتساع رقعة الاحتجاجات واستمرارها هو قرارات الرئيس ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض على مستوى السياسة الخارجية تحقيقاً لشعاره “أمريكا أولاً”؛ ترامب سحب بلاده في يناير/كانون الثاني 2017 (بمجرد تسلمه الرئاسة رسمياً) من اتفاق الشراكة بين الأطلسي والهادي (أمريكا وأوروبا) وهي اتفاقية وقعها سلفه أوباما بهدف زيادة التعاون بين الشركات الأمريكية والأوروبية، وتلا ذلك انسحابات أخرى من اتفاقيات دولية سياسية واقتصادية ومناخية لتعزيز التعاون الدولي، في إشارة واضحة على أن الرجل يريد فرض إرادة أمريكا البيضاء على العالم.
وقياساً على نتائج تلك القرارات التي اتخذها ترامب على وضع بلاده على المسرح الدولي، نجد أن الولايات المتحدة قد خسرت كثيراً من مكانتها في زمن قياسي، وأصبحت الصين في وضع أقوى بشكل واضح، ولم تعد أمريكا صاحبة الريادة سياسياً واقتصادياً على الأقل، وهو ما انعكس على الأوضاع الداخلية أيضاً بصورة لم تعد خافية، ويمكن القول نها غير مسبوقة أيضاً.
كيف فضح الوباء عنصرية أمريكا المتجذرة؟
لا يمكن أن نحاول فهم طبيعة الانقسام المجتمعي الأمريكي في ظل إدارة ترامب دون التوقف عند تأثير وباء فيروس كورونا أو كوفيد-19 على الولايات المتحدة، بعد أن أصاب أكثر من 7 ملايين و400 ألف مواطن، وقتل أكثر من 209 آلاف، وأصاب اقتصاد البلاد في مقتل بعد أن فقد أكثر من 50 مليون أمريكي وظائفهم، وأوشك الاحتياطي الفيدرالي للبلاد على الإفلاس التام.
كورونا وباء عالمي أصاب أكثر من 33 مليوناً و580 ألفاً وأودى بحياة نحو مليون و7 آلاف (حتى ظُهر الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول 2020)، وعلى الرغم من ظهوره أولاً في مدينة ووهان الصينية العام الماضي، فإن الولايات المتحدة هي أكثر دولة تأثرت، ولا تزال في جميع المجالات، وذلك لأسباب كثيرة ومتنوعة، ليس هنا مجالها، حيث إن مساهمة الوباء في إظهار مدى عمق الانقسام المجتمعي مثلت مادة دسمة للتحليل والدراسة في الولايات المتحدة في عهد ترامب.
فقد أظهرت البيانات الصحية أن الأقليات دفعت ولا تزال ثمناً باهظاً مقارنة بالأغلبية البيضاء بين مواطني الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الوباء القاتل؛ وكان الأمريكيون من أصل آسيوي هم أول ضحايا العنصرية والكراهية، بعد أن أطلق ترامب على كورونا “الفيروس الصيني”، وتم رصد عشرات حالات الاعتداء الجسدي والتنمر اللفظي بحق مواطنين أمريكيين من أصل آسيوي بالفعل كاد بعضهم أن يفقد حياته بسبب الاعتداء.
وكان ذلك في بداية تفشي الوباء على الأراضي الأمريكية، في مارس/آذار الماضي، لدرجة أن وكالة بلومبيرغ نشرت يوم 21 من ذلك الشهر تقريراً بعنوان “كوفيد-19: الوباء الذي يقسمنا عرقياً وطبقياً” تناولت فيه عدداً من تلك الاعتداءات، واستطلعت آراء خبراء علم اجتماع ومحللين سياسيين وغيرهم أجمعوا على أن ترامب يتحمل وزر ذلك التقسيم وليس فيروس كورونا.
لكن مع مرور الأيام والأسابيع وارتفاع حالات العدوى والوفيات بصورة رهيبة، واضطرار إدارة ترامب للرضوخ أخيراً واتخاذ قرار إغلاق البلاد في محاولة للسيطرة على الوباء، بدأت الحقيقة القبيحة المتعلقة بطبقية وعنصرية المجتمع الأمريكي تظهر شيئاً فشيئاً وتهدد السلم الاجتماعي ذاته؛ فقد اتضح أن الأقليات من السود واللاتينيين هم الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس الفتاك، لأسباب تتعلق بظروفهم المعيشية والوظيفية، كدليل صارخ على أن العنصرية تجاه الملونين لا تزال سائدة في الولايات المتحدة بصورة لم يعد ممكناً السكوت عنها.
ففي ظل الإغلاق وتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي أصبح واضحاً أن تلك الأمور رفاهية لا يمتلكها الجميع؛ فالمصانع لا بد أن تظل تعمل، وكذلك الصيدليات والمطاعم ومحلات البقالة وغيرها، وإذا كان المديرون وأصحاب تلك الأعمال يمكنهم إدارة العمل عن بعد، فالعاملون والموظفون مضطرون للذهاب للعمل، حتى لا تتوقف تلك الأعمال الحيوية، وبما أن أغلب تلك الفئة من الأقليات فإن فرص تعرضهم للعدوى تتضاعف.
كما أن الخدمات الصحية أيضاً تتسم بالطبقية واختلاف الدرجات ومدى توفرها بين الأغنياء وأصحاب الدخول المحدودة، وهذا عنصر آخر أسهم في ارتفاع نسبة الوفيات بين الأقلية السوداء مقابل أصحاب التأمين الصحي المتميز من الأغلبية البيضاء، وإذا أضفنا لذلك أماكن سكن هؤلاء سيئة التهوية والمزدحمة نجد أن “الوباء سلّط الضوء بالفعل على التمييز العنصري والتقسيم الطبقي والثقافي الذي لا يزال يحكم المجتمع الأمريكي”، وهو ما سلطت كثير من وسائل الإعلام الضوء عليه في تغطيتها للوباء القاتل.
هل تتعافى أمريكا إذا خسر ترامب؟
في هذا السياق من الظلم الاجتماعي الكامن، جاء مقتل جورج فلويد بمثابة شرارة سقطت على حقل فسيح عائم على بحيرة من الوقود، فاشتعلت النيران بسرعة قياسية، وتمددت من مينيسوتا إلى باقي الولايات في لمح البصر، ومنها انتقلت عبر الحدود إلى كندا وأوروبا وصولاً إلى أستراليا، فالعنصرية والظلم تجاه أصحاب البشرة السمراء لها تاريخ ضارب في الجذور، ومن الواضح أن تلك العنصرية البغيضة لا تزال كامنة في تلك المجتمعات.
ففي تحقيق استقصائي شارح، ألقت صحيفة واشنطن بوست، الشهر الماضي، الضوء على تداعيات مقتل فلويد وتكوين حركة “حياة السود مهمة”، في إطار الصورة الأوسع للتاريخ الأمريكي الطويل من الظلم وعدم المساواة، والواضح أن انتخاب ترامب رئيساً قبل أربع سنوات قد مثل شرخاً أكثر عمقاً في الانقسام المجتمعي الذي كان موجوداً بالفعل، لكنه لم يكن بمثل هذا الوضوح والخطورة كما هو الآن.
صحيح كما أوضحنا أن العنصرية والظلم وعدم المساواة كلها أمور لم يأت بها ترامب إلى أمريكا، لكن المؤكد أنه وظّف تلك العنصرية وامتطاها كحصان طروادة ليصل إلى البيت الأبيض، والمؤكد أيضاً أنه سعى وما زال لتعميق ذلك الانقسام من خلال إصراره على أن أمريكا دولة بيضاء، وأن من لا يعجبه ذلك عليه العودة إلى “بلاده” وتركها، ويبدو أن البعض يئس بالفعل وقرر العمل بنصيحة ترامب.
فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية وغيرها من الصحف الأمريكية تقريراً عن الارتفاع القياسي في أعداد الأمريكيين الذين تخلوا بالفعل عن جنسيتهم منذ أصبح ترامب رئيساً، وخلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري 2020 تخلّى أكثر من 5800 أمريكي عن جنسيتهم، بزيادة قدرها 1200% مقارنة بعدد من فعلوا ذلك في الأشهر الستة من عام 2019.لكن الانقسام المجتمعي بسبب التمييز العنصري وعدم المساواة لن يختفي حال خسارة ترامب وفوز منافسه جو بايدن ونائبته السمراء كاملا هاريس، في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وستظل أمريكا تواجه تلك الأزمات ما لم تواجه التقسيم العرقي العميق بين مواطنيها، كما قال هاوارد فرينش في مقال له بنفس العنوان، منشور في يونيو/حزيران الماضي، تعليقاً على الاحتجاجات العرقية التي فجّرها مقتل فلويد.
“مانفيستو” العمل الإعلامي.. أي دور تلعب الصحافة في زمن ترمب؟
في المقالة التَّالية، من مجلَّة الأتلانتيك الأميركيَّة، يحاول الصحفيّ المخضرم جيمس فالو معالجة العمل الصّحفي في إعلام الديمقراطيين والتطرُّق إلى العيوب العديدة التي لعبت دورا في صعود نجم الرئيس دونالد ترامب. بالتحديد، يعالج الكاتب بدعة الحياد الصحفي في أزمنة الاستقطاب بوصفها وضعية سلبيّة تتناقض مع دوره كونه سُلطة تُراقب وتحاسب باسم النَّاس، فانحيازُ الصحفيّ ضروري وحاسم حينما تمتهن السلطة الكذب والخداع وتزييف الحقيقة.
إنَّنا نرى خطأ فادحا، ومأساة ممكنة تتكشَّف الآن. قد تسري هذه الجملة على نواحٍ لا تُحصى في الحياة الاقتصادية والطبيّة والحكومية والبيئية حاليا، لكن ما يجول بذهني هو ما يكاد يكون فشلا أسطوريا في استجابة الصّحافة لحقائق عصر ترامب.
يتصرف العديد من أكبرِ محرّرينا ومراسلينا تأثيرا كما لو أنَّ القواعد التي سادت تحت الرؤساء الأميركيين السابقين لا تزال سارية. لكن هذا الرئيسَ مختلف، والقواعد مختلفة، وما لم تتأقلَم بسرعة، فستكون الصحافة شاهدا على مؤسسة أخرى أخفقت في لحظة من الضّغط الخانق.
بعدد من الطُّرق المهمّة، تُكرِّر المنافذُ الإعلاميّة الخطأ الذي ارتكبه المستشار الخاصّ السابق روبرت مولر. في كتابه حول تحقيق مولر، بعنوان “جرائم وجنح حقيقيّة” (وفي مقالة عبر صحيفة النيويوركر)، يجادل جيفري توبين أن خطأ مولر الفادح كان نوعا من مثالية مكانُها زمن آخر، وحملت ما تحملُ السَّذاجةُ من عواقب. كان مولر على علم بالمعايير الأخلاقية التي سيودّ الحفاظ عليها لنفسه ويصرّ على فريقه الالتزام بها، لكنّه لم يستوعب أنَّ الناس الذين يتعامل معهم يعتقدون أنَّ تلك المعايير للحمقى، لم يتصوَّر مولر أن مدّعيا عاما في منصبه يُمكن أن يُحرِّف فحوى تقريره عن قصد، وهو بالطبع ما قام به بيل بار. أراد مولر أن يتجنَّب مواجهة غيرَ لائقة، أو أن يظهر تحقيقه بمظهر “متصيّد المعلومات”، التي قد يأتي بها السعي وراء استدعاء هيئة محلَّفين من عِلية القوم إلى شهادة ترامب، فلم يتكلَّم مع ترامب تحت القسم، أو على الإطلاق. نظر ترامب وبار وفريقهما إلى هذه اللَّياقة على أنَّها علامة ضعف من الممكن استغلالها.
كتاب جيفري توبين بعنوان “جرائم وجنح حقيقيّة”يجري أمر مماثل حاليا مع العديد من العاملين في الصّحافة. إنَّهم يتصرَّفون مثل مولر، يريدون التأكُّد من أنَّهم يتَّبعون خصائص كانت لتبدو منطقيَّة عند التعامل مع شخصيَّات أُخرى في عصور أخرى، لكنهم الآن يتعاملون مع دونالد ترامب، وهو يرى سلوكَهُم نقطةَ ضعف يُمكن أن يستغلَّها بلا هوادة.
بقدر ما لم يتفطَّن مولر إلى هذه الحقائق حينها، فعل إعلامنا المطبوع والمسموع والمرئي قبل أربع سنوات. تسابقت الشبكات لبثّ خطاباته الحاشدة بلا نهاية بدءا من منتصف العام 2015 صعودا، مانحة إيَّاه من الزَّمن المجَّاني على الهواء ما يُقدَّر بقيمة مليارَيْ دولار أميركي. لماذا خطاباتهُ هو، لا خطابات هيلاري كلينتون أو خطابات بيرني ساندرز؟ لأنَّها عُدَّت بثا تلفزيونيّا رائعا، ولأنَّ التقييمات أخذَت ترتفع في أثناء بثِّ تلك الخطابات. مع مُضيّ السباق، برهنت قنوات الكابل على توازنها المفترَض عبر رصدِ حلقات النقاش السياسية لا مع مَن يُمثِّلون نقاط الآراء المحافِظة ولكن مع المنتمين إلى القبليّة السياسيّة والمتحمّسين حتّى الموت، أشخاص سَيدافعون عن ترامب مهما فعل أو قال. (إحدى هؤلاء هي اليومَ السكرتير الصّحفي للبيت الأبيض، وملخّصاتها الصحفيّة لا تختلف عن تصريحاتها الصادمة سابقا عبر قنوات الكابل). كما أنَّ اختيار المشاركين في حلقات النقاش لم يعكس باقة من وجهات النظر حول السياسات؛ لقد كان بثّا لكوميديا الحياة اليوميّة، مع أشخاص يلعبون أدوارهَم المتوقَّعة الواضحة.
في خضمّ سعيها وراء طقس التوازن، أخذت الشبكات توازِنُ تغطيتَها لمغارِم ترامب الأخلاقيَّة وعيوبه الشخصيّة، التي كانت لتُبرهِنَ على افتقاد للأهلية لدى أي مرشّح آخر لأيّ وظيفة أخرى، بالتحقيق المكثَّف لما أُصِّرَ على كونه مشكلات خطيرة تتعلق برسائل البريد الإلكترونيّ الخاصّ بهيلاري كلينتون. قبل ستة أسابيع على إعلان النتائج، نشر غالوب تحليلا تنبؤيًّا يُظهِرُ أكثرَ ما سمعه الأميركيُّون بشأن كل مرشّح من المرشّحين. فيما يخصُّ ترامب، كانت أكثر الكلمات التي سمعها النَّاس من تغطياته الإعلاميّة كافَّة هي: “خطاب/هجرة/المكسيك”. فيما يخصُّ كلينتون، غطَّت كلمة واحدة على أُخرياتها: “رسائل البريد الإلكتروني”. التَّاليتان على القائمة، أقلُّ تمييزا، وهُما “كذب، ومؤسسة”. (مؤسّسة كلينتون، التي أسّسها بيل كلينتون، كانت محلَّ تدقيق مستمرّ ومتواصل لما يُقال إنّه تعاملات مشبوهة، وكان يقابل هذا التدقيق كشف جديد كلَّ أسبوعين حول إمبراطوريّة ترامب). قبل أسبوع على إعلان النتائج، كرَّست صحيفة نيويورك تايمز كامل النصف العلويّ من صفحتها الأولى لمقالات حول قيام مدير الإف بي آي جيمس كومي بإعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكترونيّ، وكان عنوان المقال الرئيسي على الصفحة الأولى للصحيفة: “رسائل جديدة من البريد الإلكترونيّ تدُكُّ حملة كلينتون في الأيَّام الأخيرة للسباق”، ويقول عنوان آخر على الصفحة الرئيسيَّة: “مع تبقّي 11 يوما، ترامب يقول إنَّ الكشفَ عن الرَّسائل يغيّر كل شيء”.

في الأسبوع الماضي فحسب خرج تلويح جديد بتلكَ التغطية، التي تُجمَلُ عادة بعبارة “لكنْ رسائل بريدها الإلكتروني!”. في الأربعاء، الموافق 9 سبتمبر/أيلول، خرجَ إلى الإعلام تسجيل بوب وودوارد لترامب قوله إنَّه فيما تعلَّق بفيروس كورونا، فقد “أرادَ باستمرار التقليل من أهميتّه”، هذا إلى جانب مزاعِم فاضحة من بطانتهِ بأنَّ وزارة الأمن الدَّاخلي كانت تزيِّف معلومات استخباريّة للتقليل من خطر التدخل الرُّوسي في الانتخابات وعُنف جماعات الفوقيّة البيضاء. موضوعيّا، لم يكن أيٌّ من هذه القصص أكثر أهميّة من تحقيق كومي القصير بشأن فضيحة لطالما أخذت أكبر من حجمها. لكن في موسم الانتخابات هذا، حصل كل واحد منها على عنوان عمود صحفيّ خجول في الصفحة الأولى لمجلة التَّايمز. بينما منحت الواشنطن بوست، على العكس منها، اكتشافات وودوارد شريطا على امتداد صفحتها الأولى.
مَن يعرف أي نهاية كانت تنتظر السباق الانتخابي في 2016، وما إذا كان رجل مثل ترامب لينتهي بالمنصب الذي انتهى إليه، لو أنَّ أي عامل من مئة عامل آخر قد سلك طريقا مختلفا. لكنّ العاملَ الأهمَّ كان إحجامَ الصحافة عن الإقرار بما تتعامل معه حقّا: شخص يستخدم الحقد العِرقي أداة صريحة، كذبه وفساده جاوزا كل ما لدى آل كلينتون معا، وما كان لدى معظم الرؤساء السابقين، ومعرفته بالمؤسسة الشاسعة التي هو على وشكِ تسلُّمها أقلّ من تلك التي لدى أي موظّف آخر في الكابيتول هيل بل ومعظَم المهاجرين الذين تمكّنوا من اجتياز امتحان المواطنة الأميركيّة (شديد التطلُّب).
ها قد مرَّت أربع سنوات، ونحنُ نستفيقُ في فيلم “Groundhog Day” (فيلم تتكرر فيه أيام البطل دون أي تغيير يذكر) إنَّما أبعد ما نكونُ عن الفهمِ الحتميّ المكتسب بشقّ الأنفُس لبيل موراي أنَّ بإمكانه أن يتعلَّم مهارات جديدة بمرور الوقت. بالنسبة إلى موراي، كانت تلك الأشياء هي تعلُّم العزف على البيانو والحديث بالفرنسيَّة. بالنسبة إلى الصَّحافة، في الأيامِ الـ 49 القادمة، فإنَّ هذه قد تتعلّق (من بين أشياء أُخرى) بثلاث من أكثر العادات تدميريَّة عند التعامل مع ترامب. بالمختصر، إنها اعتناقُ المكافئ الخاطئ، أو المساواة بينَ الطرفين، وعقليّة مدير الحملة، أو عقليَّة سباق الخيول، ثمَّ حبُّ المشاهدة، أو السَّعي وراء تقييمات المشاهدات والنقرات.

هل هذه مشكلات مألوفة؟ أجل بالطَّبع! بقدرِ ما كانت مألوفة أغنية “I Got You Babe” وهي تدور كل صباح على ساعة المنبّه في فيلم “Groundhog Day”. وعلى مدارِ السَّنوات القليلة الماضية، كانت موضوع تحليل حريص، مستمرّ على يد أمثال مارغريت سوليفان، المحررة في الواشنطن بوست وآخر محرر عام مؤثّر بحقّ في صحيفة نيويورك تايمز (قبلَ أن تُزيل الصحيفةُ مخطِئة ذلك المنصب)، ودان فرومكن، الذي عمل سابقا في “الواشنطن بوست” ويعمل حاليا في “برس ووتش”، وجاي روزن الذي عمل سابقا في جامعة نيويورك ويعمل حاليا في “برس ثينك”، وإريك بوليرت، الذي يعمل في “برس رَن ميديا”، وغريغ سارجنت، الكاتب في “ذا بلام لاين” بصحيفة الواشنطن بوست، وبريان باتلر، المحرر في “كروكد ميديا”، وإريك ألترمان من كليَّة بروكلين بجامعة مدينة نيويورك، ومؤلّف الكتاب الجديد “كذب في الدَّولة”، واللغويّ جورج لاكوف، الذي قدَّم مفهوم مواجهة الأكاذيب بما سمّاه “شطيرة الحقيقة”، وآخرين غيرهم. عن نفسي، ألَّفت كتابا بعنوان “تفتيت الأخبار” قبل نحو 25 عاما، واستُخرِجَت منه مقالة غلاف للأتلانتك، حول اتجاهات كتلك التي كانت مُلاحظَة آنذاك ثمَّ ما فتئت تنتشر بمرور السنوات.
إنمَّا لأنَّ هذه الاتجاهات مألوفة بالتحديد فهي مهمة. كما أثبَت إد يونغ في آخِر مقالة له حول الجائحة في الأتلانتيك، ومثلَما جادل آدم سيروير، وإبرام إكس. كيندي، وآخرون حول نضالات العدالة العِرقيَّة، فإنَّ من النادر أن تكون المشكلات الجديدة هي ما يعوق طريقنا، بل إنَّها المشكلات القديمة والإخفاقات والنقاط المبهمة والتحيُّزات ذاتها، مرارا وتكرارا.
كيف يُعقل أننا نرى هذه الأنماط من جديد، وكيف نتصرَّف حيالها؟ “تكافؤيَّة الطَّرفين” هذا هو المصطلح الذي يلخِّصُ خوف معظم الصحفييّن مما يبدو أنَّه “الانحياز لطرف” في النزاعات السياسيَّة، والتشوّهات الناجمة عنها.
بالتأكيد، فإن الانحياز لطرف هو سلوك جوهري في الصحافة. كل شيء نكتبه أو نبثّه هو شيء نقول إنَّه يستحق مزيدا من الاهتمام عن الأشياء التي لا نناقشها. قالب الصفحة الأولى، ورقيّا أو عبر الإنترنت، وقت الهواء الذي نعطيه للتقارير التلفزيونيَّة أو الإذاعية، نبرة العناوين وزاوية التركيز فيها، وكلُّ شيء على قائمة أدوات الاتِّصال هو انعكاس خيارات. عندما نحقق ونعرضُ القصص الفاضحة، فإننا ننحاز لصالح أهميَّة تلك المواضيع، وصحّة روايتنا. محرر صحيفة من القرن التَّاسع عشر كانت تسمَّى “المانشستر غارديان” آنذاك جادل أنَّ وظيفة الصحيفة هي “رؤية الحياة بوصفها دفقا مستمرّا ورؤية الحياة بوصفها كلًّا واحِدا” في تنويع على البيت الشِّعري للشاعر الإنجليزي ماثيو أرنولد. كلَّ خيار يتمحور حول الاستمرارية والكلّية يُمثِّل انحيازا لطرف دون آخر.
لكن في المسألة الضيِّقة، المحدَّدة والمتعلِّقة بالخلافات الجمهوريّة الديمقراطيَّة، فإنَّ مراسلي الصُّحف والبَثّ منزعجون بعمق من الظهور بمظهر المنحاز. لقد نوقشت هذه المسألة بشكل جيّد جدا على مدى سنوات، على سبيل المثال في رسالة بعنوان “المنظر من اللا مكان”، بقلم جاي روزن في عام 2010، وفي مقالة من دان فرومكين قبل عدَّة أسابيع. أبسط نسخة من هذا الرأي تتمثّل في ارتياح المُراسلين بالاقتباس أوّلا عن طرف ومن ثمَّ الطرف الآخر، فيما يبدو حيادا بين الطَّرفين عندَ عرض اتِّهام من الاتهامات، ومن ثمَّ تكوين استجابة. إنَّه دور مَثَّله جون روبرتس، خلال جلسات الاستماع لتعيينه لمنصب رئيس قضاة المحكمة العليا، بأنَّ دوره قاضيا إنما كان فقط “إحصاء الكُرات والضَّربات” [I]، أو كما تقول العبارة الترويجيّة المضحكة لشبكة فوكس نيوز “نحنُ ننقل، أنتَ قرِّر” (ما على الرّسول إلا البلاغ).

خاض كلُّ واحد في الصَّحافة نقاشات لا تُحصى بشأن حدود الموضوعيَّة، لكنَّ قوَّة الدَّافع الذاتي لا تزال تظهر حتَّى يومنا، في 2020، وبعدد من الطُّرق المختلفة.
بعضُ التغطيات عرض اعتياديّ، واستجابيّ حتى لبيانات يعرفُ المراسل يقينا أنهَّا ليست قرينة الصدق، كما لو أنَّها صادقة. (بالتَّالي، “مكافئ زائف”). أحدثُ الأمثلة الصَّاعقة كان قصَّة للأسوشيتدبرس في 4 سبتمبر/أيلول، بعنوان “نسخ متنافسة من الحقيقة تحدِّد الأسبوع الأوَّل من حملة الخريف الانتخابيَّة”، واستهلَّت:
“نيويورك (أسوشيتدبرس) – على متن قاطرة الحملة الانتخابية مع الرئيس دونالد ترامب، الجائحة انتهت بنسبة كبيرة، الاقتصاد يستعيد عافيته، والقتلة من الغوغاء يتسللون إلى الضَّواحي الأميركية.
مع الديمقراطيّ جو بايدن، الجائحة تتفشى، الاقتصاد لا يُساعد الطبقة العاملة، والعنصريَّة المنظَّمة تهدد حيوات السود في أرجاء أميركا.
سباقُ الأسبوع الأوَّل إلى الانتخابات قدَّم نسخا مختلفة على نحو مُربك من الحقيقة مع ارتحال الرئيس الجمهوريّ ومنافسه الديمقراطيّ من واشنطن وديلوير إلى ويسكونسن وبنسلفانيا، كل واحد من الرجلين في مهمَّة طارئة لبيع رسالة محددة للناخب القلق.
كلُّ هذه الرَّسائل المتضاربة تحملُ في أقلّ الأحوّال نزرا يسيرا من الحقيقة، بعضُها أصدق بكثير من غيره…”.
جُملة “بعضها أصدق بدرجة أكبر من غيره” هي طريقة للتأشير إلى ما يعرفه الصحفيّ يقينا: إنَّ ادعاءات بايدن تقع ضمن مدار وتركيز سياسي طبيعي، أمَّا تلك الخاصّة بترامب فعارية عن الحقيقة. الولايات المتَّحدة ليست على مشارف انتهاء كابوس الجائحة بأي شكل، ولم يكد الاقتصاد يستعيد نصف الوظائف منذ فبراير/شباط، ولا تزال أصعب الفترات تلوح في الأفق، ولا تزال معدَّلات الجرائم في المناطق المدنيَّة قرب معدّلاتها المتدنيَّة في العقود الأخيرة، والجريمة لا تتسرَّب للضَّواحي. لكن القصَّة تُقدِّمهما كونها منظورات محضة “متباينة إلى حدٍّ كبير” مع غمزة وإيماءة مبطَّنة بأنه ليست كل هذه الادّعاءات على القدر نفسه من الحقيقة: “بعضها أصدق كثيرا من غيره”. ماذا يمكن للمُراسل أن يكتب بدلا من ذلك؟ شيء من قبيل: “ترامب يُجري حملته بناء على رؤية مضللة للولايات المتحدة، ويأمل أن يكون بإمكانه دفع ما يكفي من الناس لتصديقها لكي يفوز”. في عصر آخر، كان جهابذة “الموضوعيّة” في وكالات الأنباء ليعتبروا بيانا من هذا النّوع أكثرَ “تدخليّة”، لكنّه أصدق بكثير بالنسبة لحقائق هذه اللحظة، وكان سيبدو بمظهر أفضل من منظور التَّاريخ.
كما برهَن دانيال ديل مرارا وتكرارا، فإنَّ ترامب يكذب في تصريحاته العامَّة عشرات المرَّات يوميا. كذلك يفعل ممثلّوه: الأربعاء المنصرم، زعمت كايلي ميكاني، السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، بأريحية في غرفة المؤتمرات الصحفية في البيت الأبيض أنَّ ترامب “لم يُقلِّل أبدا” من تهديد الفيروس، بعد دقائق على إذاعة مراسل السي إن إن بوب وودوارد شريطا مسجَّلا للرئيس يقول فيه إنّه “دائما ما أراد التقليل من أهمية الفيروس”. لقد كان السكرتاريون الصحفيّون والرؤساء السابقون يكذبون حينما كانت الحقيقة غير ملائمة أو محرجة. ترامب يكذب فحسب. كما يُقتبَس عن دان كوتس، مدير الاستخبارات القوميّة السابق في إدارة ترامب، يقول بوب وودوارد: “بالنسبة له، الكذبة ليست كذبة. إنها ما يعتقده وحسب، إنه لا يعرف الفارق بين الكذبة والحقيقة”.

قد لا يُدرك الناس خارج المجال الصّحفي كم من المهمّ، ثقافيّا ومهنيّا، للمراسلين والمحررّين أن يتصرَّفوا بناء على تأثيرات هذا الواقع، أي معرِفَة أنَّ ما يقولُه رئيس أو كبار ممثّليه يحمل صفرا من القيمة الفعليَّة. إن كنتَ تُحاول أن تُخطِرَ الجُمهور، فمن الأفضل ألَّا تنقل ما يقولُه أو يعارضه أو يفعله هذا الرئيس، ما لم تكُن هناك مؤشِّرات خارجيَّة على صحّة أقواله. وما من داعٍ بالتأكيد لتقديم ادعاءات ترامب على أرضية مكافئِة لمعلومات أخرى. مرة أخرى، ذلك لأنَّ السجلَّ يقول إنّه إذا ما تفوَّه ترامب أو ممثّلوه بأمر، فعلى الأرجح أقوالهم عارية عن الحقيقة. لكنَّ الطّبع يغلب التطبُّع، ويظلُّ الحافزُ لإضافة عبارة “يقول بعض النقَّاد إنَّ…” قويا جدا.
خُذْ مثالا آخر كان ينبغي أن يُستفاد منه: في مارس/آذار من العام الماضي، نشر ويليام بار ملخّصا مضللا إلى حدٍّ كبير لتقرير مولر، زاعما أنّه قدَّم شهادة براءة لترامب. وقد صدَّقتهُ كلٌّ من النيويورك تايمز والواشنطن بوست، وعنونت صحيفة النيويورك تايمز “مولر يتوصَّل إلى عدم وجود مؤامرة روسيَّة ضد الولايات المتحدة”، بينما أعلنت الواشنطن بوست “مولر يقول بعدم وجود مؤامرة”. بعدها بعدَّة أسابيع، بعد أن تشكَّى مولر (بكياسة) ضد سلوك بار وصدر التقرير الكامل، أخذَت الصحف والمنافذ الإعلاميَّة تنشر الأخبار حول تحريفات بار المقصودة. بالنِّسبة إلى الواشنطن بوست، كانت واقعة بار حالة شاذّة من نشر خبر يتبنى مزاعِمَ ترامب ظاهريّا. بالنسبة لنيويورك تايمز، فمن سوء الحظَّ أن الأمر كان أكثرَ تمثيلا لآرائه.
في الأسبوع الماضي، بعدما كتبَ جيفري غولدبرغ في الأتلانتيك حول نعت ترامب للمحاربين القدامى في الجيش “بالحمقى” و”الفشلة”، نشرت الواشنطن بوست مقالة حول الادّعاءات تحت عنوان “ترامب يقول إن جرحى وقتلى الحرب في الجيش الأميركي فاشلون. بحسب تقارير”. بينما قدَّمت التايمز القصَّة كما لو أن الخبر يدور حول اعتراضات ترامب:
“ترامب يُنكِر بشدّة قوله إنَّه نعت الجنود الموتَى “بالفشلة” و”الحمقى””.
العنوان الفرعيّ كان لافتًا أيضا:
“التقرير، في الأتلانتيك، قد يكون إشكاليا للرئيس لأنَّه يعتمد على دعم معتبر من الجيش في أوراق إعادة انتخابه”.
هذا يعني أن الخبر كان يتعلَّق بما قد تعنيه اعتراضات ترامب سياسيّا. لقد قُدِّمت الحكاية كونها طريقةً لتفادي الظهور بمظهر المنحاز، مع أنَّها منحازة عمليّا. وإليكُم ما ظهَرَ لي عند العودة إلى الخبر للتأكّد منه:
“ترامب يواجه استياء شعبيا عقب ما يُقال إنه ملاحظات ساخرة أبداها من الجنود الموتى. تقرير في الأتلانتيك قال إن الرئيس نعت الجنود المقتولين في المعارك بالحمقى والفاشلين. وقد أنكرَ المزاعِمَ بحزم، لكن بعض المقرّبين منه قالوا إنَّ تعليقاته تتسق مع تعليقات سرّية أخرى ألقاها كانت تزدري الجنود”.
قبل عقود من الزمن في كتاب “تفتيت الأخبار”، كتبت حول النزوع الذي يكاد يكون غير قابل للمقاومة لتحويل جوهر أي شيء إلى الطريقة التي سوف يبدو فيها من وجهة نظر سياسية ذات تأثير. مثلما يتمكّن المعلِّق الرياضيّ الحفاظ على حياده بين الفِرَق، مع التعبير عن آراء قاطعة حول طريقة الدِّفاع أو إذا ما كان تكتيك الهجوم الخاطف فعّالا، يتمكّن الكُتَّاب السياسيون من أن يتجنّبوا الانحياز بالتعبير عن أحكامهم بالتعليق التكتيكي.
كتاب “تفتيت الأخبار.. Breaking the News”هذا يثيرُ حكاية أُخرى بشأن أشخاص يُعانون الأَمَرَّين في الرغبة المُلِحّة لمساواة الطرفين، مثل العبارة الأسلوبيّة “قد يُثير تساؤلات”، فلنأخذ قصَّة نُشرت الأسبوع الماضي في النيويورك تايمز حول دوغلاس إيموف، زوج كامالا هاريس، وإليكُم العنوان الرئيسي والعنوان الفرعيّ في القصَّة:
هل تقف السيرة المهنيّة لدوغ إيمهوف عائقا أمام حلف بايدن/هاريس؟
يمتلك السيد إيمهوف، زوج السيناتور كامالا هاريس، سجلا طويلا مُحرِّكا قضايا لاثنتين من كبريات شركات البلاد، مما يفرض صراعات محتمَلة قد تتطلّب التدقيق.
لاحظ اللَّمسات الواردة في التقديم التي تبدو بأنَّها لا تنحاز لطرف على حساب آخر، لكنَّها تنحاز في الواقع:
السؤال المطروح في العنوان بذاته يُقرِّر أنَّ القضيَّة المحتمَلة جديرة بالملاحظة.
“يفرض صراعات محتملة”، مجددا عدم الانحياز لطرف بالتزامن مع الإعلان عن وجود خطب ما.
“قد يتطلب التدقيق”. كان هذا أيضا هو التقديم الذي انتهجته كل التقارير تقريبا فيما يخص بريد هيلاري كلينتون. إحقاقا للحق، لعلّها موجودة، لكنني لم أجد مقالات تُقدَّم على شكل استكشافات فيما إذا كان حصول العلامة التجاريَّة لإيفانكا ترامب على الموافقة في الصين أو ترويج أقارب جاريد كوشنر لأعمالهم التجارية في الصين، يمكن أن يفرض “صراعات محتملة”.
ومن الخبر نفسه، في الجزء المتعلّق بارتباط إيمهوف بشركة قانونيّة، هي “DLA Piper”، التي تمتلك ذراعا من جماعات الضغط أيضا:
يظل من غير الواضح ما إذا كان السيد إيمهوف سوف يستمرّ بممارسة القانون بأي صفة، لكن الحفاظ على رابط بشركة لديها ممارسات تحشيد وضغط مزدهرة في واشنطن ومكاتب في أماكن مثل موسكو والرياض قد يكون إشكاليا. ويبحَثُ النقّاد حاليا في قوائم وكيله لدى (DLA) وشركة سابقة، إذ تضمَّنت ممثّلين ينظر إليهم بعين الشكّ المصوّتون التقدّميّون الذين يعتمد عليهم الديمقراطيّون للمساعدة في الإطاحة بالرئيس ترامب.
“يظلَّ من المبهم/ قد يكون إشكاليا/ النقّاد يعملون حاليا على تلميع/ ينظر إليه بعين الشكّ المصوّت التقدّمي”؛ هكذا ينحاز المرء ويُعبِّر عن أحكامه الخاصّة مع الظهور بمظهر مَن لا يفعل ذلك. وثمَّة جُمل أخرى تحمل التأثير ذاته: “من المقابلات، تتشكّل صورة بأن”؛ عندما ترى تلك الجملة أو شيئا ما يُشابهها، تُدرك أنك تُصادف شخصا كان يجب أن يكتب التَّالي: “بدأت أعتقد” أو “من الأخبار المنقولة التي وردتني”، لكنه يعملُ ضمن قيود تجعل جملة مثل “تتشكّل صورة بأنَّ” تبدو جملة “موضوعيّة” أو “مما وردني” تبدو حُكما، كما أنَّها طريقة تجعلك تبدو كما لو أنك لن ترحَم أيًّا من الطرفين.

إليكم إيضاحا حديثا لمدى القوّة التي بلغها الميل نحو سباق الخيول الآخذ بالتزايد: في الأحد الماضي، 12 سبتمبر/أيلول، أجرَت صحيفة نيويورك تايمز استطلاعا للآراء يُظهر تقدُّم بايدن بتسع نقاط في ولاية مينيسوتا، وكان العنوان على مقالتها حول الولاية كالتالي: “مينيسوتا: البعض يرى هامشا لترامب”. أو كما حدث البارحة، مثلما لاحظ مات فايسر من الواشنطن بوست ضمن تغريدة، عندما ألقى جو بايدن خطابه حول التغير المناخي، ثمَّ تلقّى من الصحافة ثلاثة أسئلة: عمَّ سيكون خطابه في فلوريدا في اليوم التَّالي؟ لماذا تتدنَّى أرقامه في أوساط الناخبين ذوي الأصول الإسبانية؟ وهل ستُحارب بضراوة أكبر؟ كما جادلت في مواضع كثيرة من كتاب “تفتيت الأخبار”، فإنَّ أسئلة من هذا النّوع كثيرة في غمرةِ هوس المراسلين السياسيين بأسئلة مُرتجَلة.
وأقترح التَّالي: اتباع نصيحة وردت في مقالة لدان فرومكين، أو أخرى كتبها جاي روزن، بشأن كيفيَّة التخلّي عن حجّة تكافؤيّة الطرفين وتوجيه القدرات التحليلية التي تنزع باتّجاه التعليق التكتيكي بهدف القول بوضوح إنّ شخصا ما يُمارس الكذب وشخصا آخر لا يفعل ذلك، والإفصاح عمّا هو على المحكّ. يجادل روزن أيضا أن الإعلام مطالب بتشكيل “فريق محاكاة تهديد” بهدف التنبؤ بالجهود المبذولة لتقويض الانتخابات القادمة، فما هو على المحكّ أكثر من مجرّد سباق آخر.
تسلية المشاهدة دائما ما ستجلب جمهورا أكبر من جمهور الأخبار. خلال عامَيْ 2015 و2016، ثبتَ أنَّ مُعدِّي البرامج التلفزيونية يعجزون عن مقاومة الجماهير التي تجلبها عروض ترامب. أمَّا الآن فقد اختفى عنصر الجِدَّة من تلك العروض، وبات جمهورها مقتصرا على المخلصين. لكنْ لم يزل بوسعك أن ترى الاستهواء لتغطية كل ما يفعله، مباشرة، والأهمَّ من ذلك، التسلّي بآخر مُزحة أو فورة غضب له. إن أعظم ميزة إستراتيجية يمتلكها ترامب هي التضليل: إجبار أو إغواء العقل الجماعيّ لنسيان ما حدث بالأمس، إذ تُطلَق ألعاب ناريَّة جديدة اليوم. بينما ظلّت مأساة القنصليّة الأميركية في بنغازي، ليبيا، عندما كانت هيلاري كلينتون تعمل وزيرة للخارجيّة تظهر في الأخبار لسنوات، وخضعت على الأقلّ لعشر جلسات استماع في الكونغرس. مرَّت أقل من ثلاثة أشهر منذ آخر مرة ظهرت فيها الرشوة الروسيّة لقتلة الجنود الأميركيين في أفغانستان، بجانب شح التغطية الإعلاميَّة للخبر.
دونالد ترامب ضعيف في استقاء المعرفة من الكتب، لكنّه حاذق جدا في إدارة الانتباه. والتحدّي الذي يواجهه المراسلون والمحررون إنَّما يكمن في إبقاء الانتباه مُسلَّطا على موادّ “أخبار الأمس” التي ستكون مهمّة غدا، فيما يخصّ حالة الاقتصاد وموضع أميركا من العالم وبُنَى الحُكم الديمقراطيّ. إن الأمر يتعلق برؤية الأشياء بوصفها دفقا مستمرّا ورؤيتها بوصفها كلًّا واحِدا، أي أن نكون أكثرَ شبها بماثيو أرنولد، وأقلَّ شبها بقط يُطارد نقطة من ضوء الليزر”.

عندما يُنادي مستشار رئاسي أُدين بعدد من الجنح ثمَّ أفلَت من العقاب بفضل تدخّل مباشر من ترامب بتطبيق “القانون العرفي” في حال جاءت نتائج الانتخابات ضدَّ ترامب، فإنَّ ذلك لا ينبغي أن يكون خبرا ليوم واحد فقط. وروجر ستون الذي أطلَق ذلك النداء الأسبوع الماضي معروف بتمثيليّاته الانفعاليّة. لكننا إن كنّا قد تعلّمنا شيئا حول ترامب ورفاقه، فهو التشكيك في حقائقهم مع الإيمان التامّ بنيّاتهم. كذلك الأمر مع جهود ترامب نزع الشرعيّة سلفا عن أي صوت لا يصبّ في صالحه. إنَّ عزفه اللا منتهي على نغمة “النظام مهترئ، أيَّها الرفاق، النظام مهترئ” يبلغ من التدميرية أنْ تكون له سابقة واحدة فقط في التَّاريخ الأميركي الحديث كلّه. كانت هذه النقطة محل إصرار من الرئيس الأميركيّ قبل أربع سنوات، حتى مالت كفّة أصوات المجمع الانتخابي لصالحه. لا يمكننا أن نتأكد مما هو أكثر تدميرية حاليا: رئيس يحثّ طيفا واسعا من الجمهور جهرا على التشكيك بالعمليّة الانتخابية، أو أن يرحّب ذلك الرئيس نفسه بالتدخّل الأجنبي بتلك العمليّة. وكلاهما خطوات باتّجاه السلطويّة والخطر، والوعي بهما يُمكن أن يُشكِّل عمليّة التغطية الصحفية يوميا. حول ضعف التغطيّة الإعلامية كتبت مارغريت سوليفان مؤخرا: “إنَّ التاريخ لن يرأف بنا”. لكن لا يزال هناك وقت للتكيُّف.
كل مؤسسة أميركية تخضع للاختبار حاليا، من الشرطة إلى خدمات البريد، من القضاء إلى أنظمة التصويت، من الصحة العامّة إلى التعليم، ومن مجالس بلديات المدن إلى مجلس الشيوخ الأميركي، جميعُهم يرزحون تحت الضغوط التي لم نكن نتوقّعها، يتحمّلون الضربات من كل مكان دفعة واحدة. وقد يعتمدُ مستقبل البلاد على استجابتنا نحن لهذه الضغوط.
إنَّ المؤسسة التي أنا جزء منها، ألا وهي الإعلام، تخضع للاختبار الآن. إنَّ الصحافة ليست الجزء الوحيد من الأزمة المؤسساتيّة في أميركا، لكنّها جزء مهمّ من المأزق الذي نحن فيه، ومن الأمل بالخروج منه.
فمنذ ميلادِ الصَّحافة وهي متثاقلة الخُطى ومضطربة وارتجاليّة. نحن في أحسن أحوالنا نلتقطُ الأمور على حقيقتها بوتيرة عاديّة، وبشكل تزايدي، لكننا نلتقط كثيرا من الأشياء على عكس ما هي عليه. معظمنا في هذه المهنة يبذل أقصى ما لديه من قدرات متواضعة، لكنَّ أي أمل بالقيام بشيء أفضل يعتمد على القدرة على التعلُّم. سرعان ما ستظهر السَّاعة 6 صباحا، ثمَّ سيبدأ المنبّه بغناء “I Got You Babe” مرة أخرى، لكن اليوم يمكننا القيام بالأمور على نحو أفضل.
____________________________________________________________________
هذا المقال مترجم عن The Atlantic
تمويل الحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية – د. محمد شادي
الانتخابات الأمريكية حدود التأثير: هل تؤثر تحيّزات الإعلام الأمريكي في مسار الانتخابات الرئاسية؟ – بلال منظور
هل هي فعلاً الانتخابات الأهم في التاريخ الحديث؟ نعم وهذه هي الأسباب
بالنسبة للسياسيين، أي انتخابات هي الأهم، وتمثل عنق الزجاجة، لكن ربما تكون الانتخابات الأمريكية هذه المرة الأهم بالفعل في التاريخ الحديث، ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة بل للعالم ككل، فسواء فاز بايدن أو ترامب فستطال التداعيات الجميع لأجيال كثيرة قادمة.
انقسام غير مسبوق بشأن كل شيء
يتوجه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني القادم، أي بعد أسبوعين بالتمام والكمال، لاختيار رئيسهم القادم لمدة أربع سنوات، بين الحالي دونالد ترامب ومنافسه جو بايدن، في ظل انقسام مجتمعي غير مسبوق منذ الحرب الأهلية في البلاد، لكن هذه المرة لا تمثل العبودية القضية الرئيسية وراء الانقسام.

إذ يمكن القول إن البلاد منقسمة بين معسكرين أساسيين، هما المعسكر اليميني المحافظ أو الحزب الجمهوري من ناحية، والمعسكر اليساري التقدمي أو الحزب الديمقراطي من جهة أخرى، واختلاف موقف المعسكرين يشمل جميع الملفات والقضايا من السياسة الخارجية إلى حقوق الإنسان إلى القضايا الاجتماعية إلى الاقتصاد والقائمة طويلة وتضم كل شيء.
وقد تناول تقرير لمجلة The National Interest الأمريكية مؤخراً أهمية تلك الانتخابات، ألقى كاتبُه الضوءَ على التغييرات الجذرية التي سيسعى الحزب الديمقراطي لتنفيذها حال فوز مرشحهم بايدن بالرئاسة، وفوز حزبهم بالأغلبية في مجلس الشيوخ، حيث إن ذلك يعني سيطرة الحزب على الحكومة بشقيها التنفيذي والتشريعي.
فالحزب الديمقراطي يقع تحت سيطرة التقدميين الذين صدمهم بشدة وصول رؤساء مثل رونالد ريجان وجورج دبليو بوش ودونالد ترامب للبيت الأبيض، ويبدون مصممين على تغيير قواعد الانتخابات بصورة تمنع تكرار وصول مثل تلك الشخصيات “الردايكالية العنصرية التي لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان” -حسب رؤية الليبراليين أو التقدميين- وتبدو الفرصة سانحة أمامهم في حالة الفوز بالرئاسة وأغلبية مجلس الشيوخ، لتمرير تشريعات تضمن تغيير نظام الانتخابات نفسه.

يرى التقدميون الذين يمثلون القوة المهيمنة في الحزب الديمقراطي حالياً أن وصول دونالد ترامب للرئاسة “غير قانوني”، لأنه نتج عن نظام انتخابات يقمع تصويت الأقليات، ومجمع انتخابي غير ديمقراطي في تركيبته، ولا يقيم وزناً للتصويت الشعبي الذي فازت به هيلاري كلينتون في الانتخابات الماضية، ومن ثم فهم مصممون على هدم ذلك النظام من الأساس، عن طريق إقرار تشريعات تضع قيوداً على صلاحيات الولايات فيما يتعلق بتنقية الكشوف الانتخابية، ومنح الفرصة لكل من هو أمريكي للتصويت دون الحاجة للتسجيل من الأصل.
الأمر يبدو شأناً داخلياً إذن
ربما يرى البعض أن الأمر شأن داخلي أمريكي، ومن ثَمَّ فحتى إذا كانت تلك الانتخابات تمثل أهمية كبرى للداخل الأمريكي، فلماذا يجب أن تنشغل بها باقي دول العالم؟ وأصحاب هذا الرأي قد يجادلون بأن ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية لا تتغير بتغير الإدارة من جمهورية لديمقراطية أو العكس، لكن من يتوقف عند أبرز محطات السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات الأربع الماضية يكتشف بسهولة أن ذلك لم يعد دقيقاً على أقل تقدير.
فالولايات المتحدة هي الداعم الرئيسي لإسرائيل منذ نشأة الدولة العبرية عام 1948، وأحد ثوابت تلك السياسة الخارجية هو الوقوف بجانب إسرائيل، مع الحفاظ على الحد الأدنى من احترام القانون الدولي وثوابت النظام العالمي السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مثل رفض ضمّ أراضٍ محتلة بالقوة العسكرية وعدم الاعتراف بذلك الضم.
العودة لممارسة الدور الأمريكي على المسرح الدولي
النقطة الأخرى هنا تتعلق بالدور الأمريكي على المسرح الدولي بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط وقضاياها الملتهبة بشكل خاص؛ فقد انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما مع إيران، وأدى ذلك لتوترات وتداعيات خطيرة على الاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، كما انسحب ترامب من عديد من المعاهدات الدولية، وهاجم حلف الناتو، وبشكل عام كانت رسالته للحلفاء مفادها “أمريكا لم تعد تضمن أمنكم وعليكم أن تدفعوا مقابل ذلك الأمن”.
وبالتالي فإن فوز بايدن والديمقراطيين على الأرجح سيعني عودة أمريكا لسياستها الخارجية قبل ترامب، والتي كانت أكثر تورطاً في بؤر التوتر، وأكثر حماية لحلفائها، لكن مع سيطرة الليبراليين والتقدميين المدافعين عن حقوق الإنسان يبرز التساؤل بشأن وضع بعض الحلفاء في المنطقة مثل السعودية في ظل سجل حقوق الإنسان السيئ في تلك البلدان؛ هل ستمارس الإدارة الجديدة ضغوطاً على أنظمة تلك الدول في ملف حقوق الإنسان، وكيف سيكون رد فعل تلك الأنظمة، وما انعكاسات ذلك على الاستقرار الداخلي في تلك الدول؟

والتساؤلات نفسها مطروحة بشأن إيران، وكيف سيكون التعامل الأمريكي معها في ظل إدارة بايدن، الذي كان نائباً لأوباما عندما تم توقيع الاتفاق النووي، وهل ستعود الولايات المتحدة لذلك الاتفاق رغم معارضة حلفائها في المنطقة، خصوصاً إسرائيل والسعودية والإمارات؟
كل هذه التساؤلات تمثل العناوين العامة لتداعيات الانتخابات الأمريكية المقبلة في حالة فوز بايدن والحزب الديمقراطي، الذي يسيطر عليه التقدميون وأقصى اليسار، حيث إن ذلك الفوز وسيطرتهم على البيت الأبيض والكونغرس يعني تفويضا شعبياً لأجندتهم، وبالتالي سيبدأون فوراً في تنفيذها، ما يعني مقاومة مؤكدة من جانب الأنظمة المذكورة في ظل مسرح عالمي لم تعد واشنطن فيه اللاعب الوحيد، أو على أقل تقدير اللاعب الوحيد صاحب التأثير والهيمنة المطلقة، فماذا عن الصين وروسيا؟ وهل نشهد عالماً ثنائي أو حتى ثلاثي القطبية، في ظل توتر واستقطاب ووباء عالمي سيزيد الأمور خطورة؟
ماذا لو فاز ترامب؟
صحيح أن كل المؤشرات الآن لا تصب في صالح دونالد ترامب من حيث استطلاعات الرأي التي تظهره بحاجة لمعجزة حقيقية للفوز بفترة رئاسية ثانية، لكن لا شيء محسوماً في وجود ترامب الذي واجه نفس الموقف أمام هيلاري كلينتون قبل أربع سنوات، لدرجة أن صحيفة نيويورك تايمز وضعت صورة كلينتون على صفحتها الرئيسية بعد انتهاء التصويت وتحتها عنوان “المدام الرئيس”، وبالتالي تظل النتيجة مفتوحة على كل الاحتمالات، فماذا لو فاز ترامب؟
قياساً على سياسات ترامب الخارجية في سنواته الأربع الماضية في البيت الأبيض، ليس من الصعب توقع أنه في حالة فوزه ستتواصل نفس السياسات وبوتيرة أسرع وأكثر راديكالية؛ فالدعم لصفقة القرن التي تعني عملياً تصفية القضية الفلسطينية والقضاء على فرصة الفلسطينيين في إقامة دولتهم على أراضيهم المحتلة منذ عام 1967 سيكون على أشده، وخصوصاً مع انطلاق موسم التطبيع الخليجي الذي سينضم له مزيد من الدول، ولن يتوقف عند الإمارات والبحرين.

وربما يشهد العالم تفككاً لحلف الناتو، وانسحاب الولايات المتحدة منه بشكل فعلي، بل إن البعض يرى أن الشكوك تتجه نحو بقاء الحلف من الأساس، وهنا يأتي التساؤل بشأن أوروبا وكيف يمكن أن تتصرف إزاء التهديدات الأمنية الفعلية من جانب روسيا، خصوصاً بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
والأمر نفسه ينطبق على قارة آسيا وأمن اليابان في مواجهة التهديدات الصينية المتزايدة، إضافة إلى إقليم هونغ كونغ وتايوان، حيث على الأرجح ستكون بكين أكثر عدوانية في محاولاتها لضم الإقليمين اللذين تعتبرهما جزءا منها، والواضح أن ترامب لا يعتبر ذلك أمراً أمريكياً من الأساس.
كل هذه المؤشرات تؤكد بالفعل أن الانتخابات الأمريكية المقبلة هي الأهم على الإطلاق منذ أكثر من 7 عقود، ليس فقط بالنسبة للأمريكيين، بل لشعوب العالم ودوله والنظام العالمي ككل.
هل الصراع الأمريكي – الصيني إعادة للحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي؟ كلا وهذه هي الأسباب
رويترز:
وَصْف الصراع بين الولايات المتحدة والصين على أنه حرب باردة جديدة هو من قبيل الكسل أو التضليل، فلا يوجد وجه للشبه بين الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي بزعامة واشنطن وموسكو، وهذا التقرير يفسر ذلك.
موقع Responsible Statecraft الأمريكي نشر تقريراً بعنوان: “هل الصراع مع الصين إعادة للحرب الباردة؟”، رصد طبيعة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة من جهة والاتحاد السوفييتي المنهار من ناحية أخرى وكيف أن الصراع الحالي مع الصين مختلف تماماً في جميع جوانبه ومسبباته.
كيف ولماذا بدأت الحرب الباردة؟
أعلنت واشنطن الحرب على الصين. إذ تأمل الإدارة الأمريكية وحلفاؤها بأن الحرب ستكون “باردة”، لكن لا توجد استراتيجية لإبقائها باردة. نلاحظ أن الأعضاء الأشد عداوةً للصين بمجلس الشيوخ هم أصغر أعضائه. فقد بلغوا الرشد بعد انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ولم يجربوا القلق والمخاوف المصاحبة لتلك الفترة، ويعتبرون الانتهاء المفاجئ للحرب على أنه قدرٌ مكتوب منذ البداية. وخبرتهم العسكرية، إن وُجدت، هي المعادل المعاصر للحروب الهندية في القرن التاسع عشر، أي الحرب ضد مزارعين يحملون البنادق، وليس لديهم قوات جوية أو بحرية أو صواريخ موجهة أو أسلحة نووية.

الحرب الباردة كانت مختلفة جذرياً عن هذا التصور. لقد كانت صراعاً عالمياً بين تكتلين أيديولوجيين متنافسين، بين مركزي قوة مسلحين بالأسلحة النووية، قادرين على تدمير ليس بعضهما البعض فقط، بل الحياة على كوكب الأرض بالكامل.
وقد بدأ الأمر بمجموعة من النزاعات على غنائم الحرب العالمية. وسعى كل جانب إلى ترسيخ مناطق النفوذ السياسي العسكري والاقتصادي وطرد الجانب الآخر. لكن كل جانبٍ تعلم كيف يتجنب المواجهات التي قد تؤدي إلى قتالٍ مسلح، وكل جانب اقتصرت تحركاته على حروبٍ بالوكالة تستهدف الحفاظ على أو فرض أيديولوجيا في مكانٍ لا يُسيطر عليه الجانب الآخر، وكلاهما سعى إلى تقليل أو احتواء التعامل مع الجانب الآخر.
الصراع مع الصين قومي وليس أيديولوجياً
الصراع الذي بدأته الولايات المتحدة الآن مع الصين لا يحمل أياً من هذه الصفات. ومقارنته بالحرب الباردة ليس فقط من باب الكسل، بل هو تضليلٌ عميق. إن الشقاق بين الصين والولايات المتحدة ليس الجزء الثاني من حربٍ عالمية دموية، بل هو سباق بين تصورات ذاتية وطموحات قومية، وليس بين أيديولوجيتين متناحرتين. الصراع مع الصين تنافس بين طرفين قد تختار فيه أطراف ثالثة الانحياز إلى أيهما من عدمه، وليس صراعاً بين تكتلين من الدول الملتزمة بالدفاع عن بعضها البعض. والصين أقل عدوانية وأكثر قوة بكثير من الاتحاد السوفييتي المنهار.

إن محاكاة ديكتاتورية الصين عبر إغلاق الولايات المتحدة في وجه السلع والخدمات والأشخاص والأفكار القادمة من الخارج، كما تفعل الولايات المتحدة الآن، يضر بالولايات المتحدة أكثر. فالنزاع مع الصين الصاعدة لا يمكن إدارته بطريقة الحرب الباردة. فهو لن ينتهي، كما انتهت الحرب الباردة، باستسلام طوعي من الخصم الساخط والمنهك أيديولوجياً.
في الأدب الصيني، هناك وحش يُدعى “ليس”. رأسه ووجه نحيفان مثل الحصان، لكنه ليس بحصان. قرونه أشبه بقرون الغزال، لكن القرن ليس قرن غزال. له رقبة جمل، لكنه ليس بجمل. وذيله ذيل حمار، لكنه ليس بحمار. إن وصف “ليس” بأنه ليس كالحيوانات التي رأيناها سابقاً لا يُساعدنا في فهم ماهيته.
ماذا تريد الصين اليوم؟
الصين هي “ليس” في المشهد الجيوسياسي اليوم. يحكمها حزب شيوعي، لكنها تُشارك بنشاطٍ في النظام الرأسمالي العالمي، وتلتزم بمبادئ التجارة الحرة، والتوسع في الاستثمارات الأجنبية، واقتصاد السوق الذي يتبع سياسات التصنيع وليس التخطيط المركزي. والصين مسلحة بالأسلحة النووية، لكنها خفضت حجم ترسانتها وجهزتها لضربة انتقامية استجابةً لهجومٍ من قوة نووية أخرى، لا لإطلاق الضربة الأولى، وهي إمكانية تخلت الصين عن جاهزيتها لها. والصين تهديد للأفضلية الأمريكية على الساحة العالمية، لكن في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، وليس من الناحية السياسية أو العسكرية، حيث هي بلا شك أدنى من الولايات المتحدة. والصين عادت المركز الاقتصادي والثقافي لمنطقتها، في حين أن الولايات المتحدة منذ 75 عاماً هي السيد المقيم لهذه المنطقة، لكن الصين لا تسعى إلى كسب أي “حلفاء” وليس لها دول خاضعة سياسياً أو تابعة عسكرياً.

كيف اختلفت الولايات المتحدة؟
ومن المهم بالقدر نفسه ملاحظة أن الولايات المتحدة في 2020 غير الولايات المتحدة في أوائل الحرب الباردة. فمع بداية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تنتج نصف السلطة المصنعة في العالم، مقارنة بالسدس الآن. وأثناء الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة هي زعيمة تكتل من الدول التابعة يُسمى “العالم الحر”، ولا يُنازعها في زعامتها دولة أخرى. أما الآن، فهذا التكتل يتفكك يوماً بعد يوم. والتحالفات القديمة التي كونتها الولايات المتحدة من أجل احتواء الاتحاد السوفييتي لا أهمية لها في الصراع الأمريكي مع الصين، والتحالفات بين الولايات المتحدة وأوروبا مثل حلف الناتو تتراجع، ولا يوجد شريك من الشركاء الأمنيين للولايات المتحدة في آسيا على استعداد للاختيار بين أمريكا والصين.
إن الولايات المتحدة معزولة في قائمة واسعة من المشاكل. وقد انسحبت أو أقصت نفسها من عددٍ متزايد من أدوات الحوكمة العالمية والإقليمية متعددة الأطراف، ولا يمكنها بعد الآن قيادة المجتمع الدولي. وقد رفض الأمريكيون مرارًا إعادة تمويل أو التعاون في إصلاح المؤسسات المالية العالمية من أجل تلبية متطلبات الاستثمار الإقليمي والعالمي الجديدة. وأدى هذا بالصين والهند وعددٍ آخر من القوى الصاعدة إلى تأسيس جهات قراضٍ مثل البنك الآسيوي لاستثمارات البنية التحتية وبنك التنمية الجديد.

قبل أربعة أعوام، قررت الولايات المتحدة من طرفٍ واحد أن الوضع الجيوسياسي تحركه الخصومة العسكرية بين القوى العظمى، وأنه لا مكان للتعاون. هذا الموقف المشاكس الجديد من الولايات المتحدة يشرعن الخوف من الآخر ويبرر المقاربات الثنائية للعلاقات الأجنبية، التي تتجاهل قضايا مثل الإرهاب العالمي والجوائح والتغير المناخي والهجرة والانتشار النووي والتوترات الإقليمية، بما يضعف الحكومة العالمية والتنسيق الدولي المطلوب لحل هذه المشاكل. وتحرص الولايات المتحدة على إظهار أنها لا تكترث لمصالح وحساسيات شركائها السابقين والمحتملين. فهي تنسحب من المنظمات الدولية التي لا يمكنها الهيمنة عليها، وهذه التحركات تؤدي إلى نزع الأدوات الدبلوماسية من طرفها وخلق فراغات سياسية اقتصادية تملأها أطراف أخرى، فضلاً عن الصين نفسها.
وسيتحير المؤرخون في المستقبل عن سبب اختيار الأمريكيين تفكيك الروابط والإمكانات التي مكنت الولايات المتحدة من توجيه مسار الأحداث في أغلب الساحات العالمية والإقليمية. وحين يحلون ذلك اللغز، سيتعين عليهم تفسير الانهيار الذي تزامن مع ذلك في هيكل الفصل بين السلطات الذي تأسست عليه الجمهورية الأمريكية وقامت عليه الحريات. لكن لحسن الحظ لأمريكا ما بعد الدستورية، فإن النظام السياسي الصيني، رغم الاستقرار والرخاء الذي تحقق في عهده، يلقى قبولاً أقل خارج حدود الصين من النظام السياسي الأمريكي. كلا البلدين ينفر الدول الأخرى الآن.
والجانب العسكري ستتفوق فيه الولايات المتحدة، لكنه ليس العنصر المركزي في المواجهة المحتملة مع الصين. إن انسحاب الولايات المتحدة من دورها التقليدي في وضع القواعد وفرضها على مستوى عالمي يحرمها من النفوذ المهيمن الذي مارسته عبر المؤسسات التي صنعتها بعد الحرب العالمية الثانية. تظل هناك قوى عظمى أخرى ملتزمة بالنظام الذي تقوده الولايات المتحدة ويعبر عنه ميثاق الأمم المتحدة، لكن إعفاء أمريكا نفسها من التزاماتها نحو جمعية الأمم وتحولها التلقائي من قائدة للعالم إلى منسحبة من الاتفاقيات تركها عاجزة من مراكمة قوتها مع قوة الأمم الأخرى.
إن لجوء واشنطن إلى اللهجة العنيفة والتهديدات والإجراءات الجبرية زاد بالقدر نفسه الذي تراجعت به قدرتها على استعمال قوتها الناعمة، ما يقلل من حلفائها وشركائها وأصدقائها المحتملين، الذين قد يعبرون عن استعدادهم للانضمام إلى جانب الولايات المتحدة في أي مواجهة قادمة.
ورحل أحد فرسان النضال العربي الاصيل – بقلم الداعية الاسلامي الشيخ/طارق يوسف
بعد عمر مديد من العطاء القومي العربي رحل الاستاذ عبد الرحمن البصير في مدينة نيويورك الأسبوع الماضي والذي كان علما من أعلام الكفاح والنضال ضد المستعمر الفرنسي وأحد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي بسوريا وأحد مناضلي الدفاع عن حقوق العمال والكادحين في منطقة الجزيرة ومدينة الرقة التي ولد فيها من فخذ عساف الذين ينتسبون الى جدهم الصحابي الجليل عدي بن حاتم الطائي الذي تزعم قبيلة طي بعد والده حاتم الطائي حيث تنتشر قبيلة طي بمكانتها وعراقتها في سوريا والعراق حيث خلد التاريخ العربي اسم القبيلة من خلال ابنها الأكرم حاتم لكرمه حيث صار يقال مثلا في الكرم فلان أكرم من حاتم، وخلد التاريخ الاسلامي ابنه عدي بن حاتم الطائي الذي أسلم في العام السابع من الهجرة بعد أخته سفانة بنت حاتم والتي وقعت اسيرة ففك النبي أسارها بعد ان علم انها ابنة حاتم الطائي، وكان الأستاذ عبد الرحمن البصير رحمه الله يفخر بجدته سفانة وموقف النبي منها، و يفخر بجده عدي و بقبيلته طي التي هي عنوان الكرم، مهما كانت ظروفهم المادية، حيث كان رحمه الله معروفا بنزاهته ونظافة يده، فلم يخرج من الدنيا بمال ولا أرض ولا عقار الا الشقة التي أسسها كجزء من مبنى في مدينة القامشلي، حيث كان مسؤولا كبيرا بحزب البعث في منطقة الجزيرة بسوريا ومع هذا لم يستخدم نفوذه ليفيد نفسه او اهله او عشيرته على حساب الناس، ولم يكن له إلا مرتبه ومعاشه حيث كان يقطن مدينة القامشلي التي أسس فيها فرع حزب البعث العربي الاشتراكي بتكليف من الحزب، وكان ممن أعان واشرف على تأمين هروب صدام حسين من العراق الى مصر عبر القامشلي لما فر من العراق . بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس العراق عبد الكريم قاسم عام ١٩٥٩. ومما عرف به الأستاذ عبد الرحمن البصير أنه لما توفي أحد إخوته في مدينة الرقة، وذهب أهل مدينة القامشلي للعزاء بحافلة كبيرة، والعزاء قائم في مدينة الرقة أمر بذبح كل الاغنام الموجودة حتى يقدم الطعام الى القادمين للعزاء من مسافات بعيدة حيث كان يتراس نقابة العمال ومن الطبيعي أن يسافروا اكثر من ٢٦٠ كيلو متر لتقديم واجب العزاء لدرجة ان علق أحد أقاربه البعداء ان عبد الرحمن البصير سوف يخرب بيوتكم بكرمه!!! حقا انه ابن حاتم كما كان يحب أن ينادى حيث يتصدر المجالس بحكم كونه احد عمداء قبيلة طي وشيوخها. ومن شجاعته في لقاء حزبي مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، أنه خاطبه ناقلا له معاناة الناس أمام أعضاء حزب البعث المجتمعين حيث قال للأسد: في الحقيقة إنني اصفق لك (مجاملة) لان الناس في الواقع تعاني وغير راضية. ولم يغضب حافظ الأسد من كلماته الصادقة المعبرة الناصحة الامينة، وهو بهذا يبين المعدن الأصيل لأبناء الصحابي الجليل عدي بن حاتم والذي كان من خلص رجال الامام علي وشيعته حيث حشد للامام علي كل قبيلة طي للقتال معه ضد خصومه وحضر مع الإمام علي أميرا في جيشه في موقعة الجمل وصفين والنهروان، وقد فقئت عين عدي حتى صار يعرف بالأعور، وقتل ولده طريف مع الإمام علي. وكان الأستاذ عبد الرحمن البصير محافظا على صحته نشيطا لهذا صار من المعمرين، حتى أنه كان لا يتناول طعام العشاء إلا طبق سلطة مقطع بطريقة خاصة مجهدة للسيدة أم فارس والتي كانت ترأس فرع الحزب النسوي بالقامشلي حيث كان يدقق في طبق السلطة جدا، وربما ذهبت صبرها الله وعادت من المطبخ عدة مرات لتضبط له طبق السلطة على ذوقه!!!. وكان يحب أن يراقب عماله ومطحنة الحبوب التي كان يرأسها لسنين طويلة ويذهب للتفتيش في غير أوقات العمل ويطلب من سائقه ألا يأتي ويفضل الذهاب سيرا على الأقدام لعمله حفاظا على صحته حيث كان يأخذ نفسه بالشدة فيما يتعلق بصحته حيث توقف عن التدخين في الخمسينات من عمره رغم أنه كان مدخنا شرها، ولكن القراءة التي ما كان يستطيع أن يتركها، حطمت عينه السليمة حيث كان قد فقد احد عينيه في حادث سيارة على طريق دمشق، وفقد الاخرى بسبب القراءة والمياه الزرقاء وهي التي قضت عليه نفسيا بعد أن فقد كل النور فقرر أن ينزوي حتى يوافيه أجله، وكأنه مثل جده عدي الذي فقد عينيه أيضا ولكن في ميدان القتال مع الإمام علي والأخرى ذهبت الثانية لاحقا مع بصيص نور حتى ان عدي كان يعرف بالاعور سبحان ربي فمن شابه أباه فما ظلم. حيث عمر عدي ١٢٠ سنة، وابنه الاستاذ عبد الرحمن مات في التسعين وهكذا معظم اسرة عدي من المعمرين، وكان الأستاذ عبد الرحمن ابو فارس رحمه الله عربي الطباع في جلده وحزمه الذي يصل لدرجة تصل أحيانا كثيرة الى القسوة البدوية مع أهله وأولاده، حيث كان في دورة تثقيفية في الجزائر ومرض ابنه الكبير فارس وأبلغ بالهاتف أن ابنه مريض، ويشرف على الوفاة، فلم يقطع الدورة وقال لو مات ادفنوه!!! وكان يحرض أساتذة المدارس على أولاده أن يعاملوهم بشدة ودون مجاملة حتى لا يكونوا مستغلين لنفوذ ابيهم. وكان في عروبته متشددا الى حد عدم قبول أن يقود أو يشمم برأسه فارسي أو كردي على العرب، معتبرا العرب لكون رسول الله منهم ومن خلال طباعهم و أنفتهم وكرمهم لهم الأولوية على الاجناس الاخرى، وكان بيني وبينه مساجلات و مجالسات حول هذا ،حيث كان دائم ترديد الأبيات الشعرية لعمرو بن كلثوم في معلقته: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا، ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطيناً، إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا
ومن عروبته القح المتمسك بها النادرة في هذا الزمان إلا من العرب الأقحاح، أنه كان يرفض قطعيا ان يزوج بناته من بعض الكرد وان كانوا من علية القوم، ورفض منهم الكثير للزواج بابنتيه المهندسة الزراعية ندا البصير وطبيبة الأسنان هدى البصير، وكان يأبى إلا أن يكون الأزواج من بطون قبيلة طي الاصلاء وليسوا دون فخذ عساف أمراء طي مما سبب مشكلات عائلية لاحقا حيث أتت بعض الرياح بما لا تشتهي السفن!، وكان حريصا حازما في الآداب العامة والبروتوكول لدرجة أن رجلا ذا شأن من عائلة كبيرة خطب ابنته الكبيرة غير أنه قد جلس أمامه الشاب دون قصد واضعا قدما على أخرى مما تسبب في إلغاء الخطوبة في نفس الليلة. وكان الأستاذ عبد الرحمن البصير رحمه الله يقول عن الامام علي بن أبي طالب (عليٌ عليٌنا ) حتى لا يساومه أحد على حبه لعلي ومكانته عنده، برغم حبه ودفاعه المستميت عن عمر بن الخطاب باعتباره قائد للنهضة العربية والدولة العربية الكبرى إلى الحد أنه حاول إيقافي شخصيا مرة، وانا القي خطبة الجمعة في مسجد اولي الالباب ببروكلين نيويورك لما سمع بعض نقدي لمواقف عمر بن الخطاب، ولم يزل صوته الجهوري وهو يقاطعني مناديا علي مسموعا في تسجيل احد الخطب على اليوتيوب، غير أن ولده الكبير المهندس فارس البصير رئيس مجلس إدارة مسجد أولي الألباب ومؤسسة المهديين، نجح في احتواء الموقف وخرج به لدقائق خارج المسجد، وعاد رحمه الله وأكمل سماع خطبة الجمعة وصلى الجمعة خلفي، وهذا يبين شجاعته وقوته، ولما لا فهو ابن عدي ابن حاتم الطائي الشجاع الذي واجه معاوية، حيث كان رئيس وفد مفاوضات الإمام علي مع معاوية لمحاولة اجتناب الصدام في صفين التي موقعها مدينة الرقة التي فيها قبر عمار بن ياسر الذي قتلته الفئة الباغية معاوية ومن معه يوم صفين إلا أن المفاوضات فشلت مع معاوية، ولما أراد يوما معاوية بعد مقتل الامام علي ان يسئ الحديث عن الإمام علي في حضرة جد الاستاذ عبد الرحمن البصير عدي بن حاتم الطائي قال له حسبما روى المسعودي أن معاوية قال ذات يوم لعدي «ما أنصفك عليٌ، قُتل أولادك وبقي أولاده»، فقال عدي: «ما أنصفتُ علياً، إذ قُتل وبقيتُ بعده»، ثم حذّره عدي من الإساءة لعلي (ع) قائلا: والله، إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وان أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فترا لندنينَّ إليك من الشرّ شبراً، وإنّ حَزَّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي).
ومن عجائب القدر في جنازة الأستاذ أبو فارس أن مكتب الدفن الذي تولى نقل جثمانه سني سلفي لباكستانيين وتمت تغسيله و صلاة الجنازة الأولى عليه مع صلاة العشاء في أكبر مسجد للشيعة مسجد الإمام الخوئي في نيويورك حيث كان هناك تجمع كبير للشيعة بسبب أربعينية الأمام الحسين ع ثم تمت الصلاة عليه مرة أخرى في المقبرة في نيوجرسي حيث قمت بإمامة بالصلاة عليه ممثلا لآهل السنة أتباع أهل البيت ليصلي عليه من لم يسعه الوقت للصلاة الأولى، وبهذا رحمه الله قد نال بركات وأدعية أهل السنة الأقحاح والشيعة الأقحاح وأهل الوسط من أهل السنة أتباع ومحبي أهل البيت. فرحم الله الاستاذ عبد الرحمن البصير وعامله بفضله ولطفه بقدر ما كان نزيها نظيف اليد والجيب وغفر الله تقصيره وقصوره وألهم زوجته السيدة/ ام فارس وولديه المهندس فارس البصير والاستاذ حازم وابنتيه وجميع ال البصير وعساف وقبيلة طي أجمعين الصبر والسلوان
الشيخ طارق يوسف
داعية إسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية
لقطات صادمة للمتهمين بالتخطيط لاختطاف حاكمة ولاية ميشيغان.. ظهروا وهم يتدربون على إطلاق النار
كشف المدعي العام الأمريكي عن المنطقة الغربية لميشيغان، أندرو بيرجي، يوم الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول 2020، عن مجموعة من الأدلة التي تضمنت رسائل نصية ولقطات مسجلة قُدمت في جلسة الاستماع تخص المشتبه تورطهم في مؤامرة لاختطاف حاكمة ميشيغان، الديمقراطية غريتشن ويتمر، وهم آدم فوكس، وباري كروفت، وتاي غاربين، وكيلب فرانكس، ودانيال هاريس، وبراندون كاسيرتا.
هذه اللقطات اعتبرتها المحكمة صادمة بحق المشتبه بهم والذين يواجهون الآن اتهامات بتورطهم في المؤامرة الخطيرة حسب تقرير نشره موقع The Raw Story الأمريكي الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول 2020.
لقطات صادمة: تظهر اللقطات في الفيديو أدناه عدداً من الرجال يشاركون في تدريبات شبه عسكرية، ويطلقون الرصاص باستخدام أسلحة هجومية. ثم تتحول عدسة الفيديو بعد ذلك إلى كاسيرتا، الذي يعبر عن رفضه الشديد لحكومة الولايات المتحدة.
حيث ظهر كاسيرتا في الفيديو وهو يقول: “إذا فشل هذا الهراء… حسناً… إذا بدأت كل هذه الأمور تحدث.. وإذا كنتم يا أصدقاء سوف تعطون هؤلاء فرصةً، هؤلاء الموجودين في الحكومة الملعونة التي تسرق الناس يومياً، وإذا كنتم سوف تمنحونهم ثانيةً من الوقت لمحاولة التكلم أو إخباركم بقصتهم، فلا تفكروا في أن تعبثوا معي”.
كذلك تابع: “ليس لدي ذرة صبر على المجرمين الجبناء عديمي الأخلاق. لقد سئمت التعرض للسرقة والاستعباد من جانب الدولة. انتهى… وهؤلاء هم الأشخاص الذين يفعلون ذلك في الحقيقة”.
في حين نُشرت تفاصيل أخرى صادمة عن المؤامرة عبر موقع تويتر عن طريق مراسل قناة Fox 17 في مدينة ديترويت بالولاية، دوغ ريردون حيث تضمنت الأدلة محادثات عبر الرسائل النصية، ويبدو أن رسالة محددة اقترحت قتل ويتمر.
جاء في الرسالة: “أن يذهب شخص ما إلى منزلها ويطرق الباب، وعندما تفتح يقتلها وحسب”.
هجوم من ترامب على ويتمر: تأتي التطورات الأخيرة في وقت يواصل خلاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه على ويتمر. حتى إنه حاول في الواقع إلقاء اللوم عليها في المؤامرة المدبرة ضدها بسبب أوامر الإغلاق الصارمة التي أمرت بفرضها بسبب فيروس كورونا، حيث خرج الرئيس على موقع تويتر يوم الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2020 وهاجم ويتمر لفظياً وزعم خطأً أنها وصفته بأنه “متعصب أبيض”، وذلك بحسب شبكة CNN.
في حين كتب ترامب في تغريدة أخرى قال فيها إن ويتمر حاكمة ميشيغان فعلت شيئاً فظيعاً، فقد أغلقت ولايتها أمام الجميع، ما عدا أنشطة زوجها المتعلقة بركوب القوارب! مطالباً إياها بفتح الولاية والمدارس والكنائس.
One of the knights of the original Arab struggle passed away – Sheikh Tariq Youssef
After a long life of Arab nationalism, Mr. Abdul Rahman Al-Basir passed away in New York City
last week, who was one of the flags of the struggle and struggle against the French colonialist and one of
the founders of the Arab Socialist Baath Party in Syria and one of the activists to defend the rights of
workers in the Jazira region and the city of Raqqa in which he was born from offsprings of Assaf those
who belong to their grandfather, the great companion Uday bin Hatim al-Taie, who led the Tay tribe after
his father, Hatim al-Ta’i, where the Tay tribe is spread with its prestige and heritage in Syria and Iraq,
where Arab history immortalized the tribe’s name through its noble son Hatem for his generosity. Hatim,
and Islamic history immortalized his son Uday bin Hatim al-Taie, who converted to Islam in the seventh
year of the Hijra after his sister Safana bint Hatim, who fell captive, and the Prophet loosened her after
learning that she was the daughter of Hatim al-Ta’i, and Mr. Abdul Rahman al-Basir, may God have
mercy on him, was proud of his grandmother Safana and the position of the Prophet towards her, and he
was proud of his grandfather Uday and his tribe, Tiy, which is the title of generosity, whatever theirfinancial circumstances.
As he, may God have mercy on him, was known for his integrity and clean hand, so he did not leave
the world with money, land or property except for the apartment that he established as part of a building
in the city of Qamishli, as he was a high-ranking Baath party official in the Al-Jazira region in Syria, yet
he did not use his influence to benefit himself, his family or his clan At the expense of the people, and he
only had his salary and pension, as he lived in the city of Qamishli, in which he established the branch of
the Arab Socialist Ba’ath Party, on the authority of the party,
He was among those who assisted and supervised securing the escape of Saddam Hussein from Iraq to
Egypt via Qamishli when he fled Iraq. After the failed attempt to assassinate the President of Iraq, Abdul
Karim Qasim, in 1959. And what Mr. Abdul Rahman Al-Basir knew was that when one of his brothers
died in the city of Raqqa, and the people of the city of Qamishli went to mourning with a large bus, and
the condolence was in the city of Raqqa, he ordered the slaughter of all the sheep in order to provide food
to those coming for consolation from long distances, where the workers union was headed and it is natural
to travel more than 260 kilometers to pay their respects, to the point where one of his distressed relatives
commented that Abd al-Rahman Al-Basir would destroy your homes with his generosity !!! Really, he is
the son of Hatem, Indeed, he is Ibn Hatim as he liked to be called, as he leads the councils by virtue of
being one of the deans and sheikhs of the Tayy tribe.
And from his courage in a party meeting with the former Syrian President Hafez al-Assad, that he
addressed him, conveying to him the suffering of the people in front of the assembled Baath Party
members, where he told Al-Assad: In fact, I applaud you (courtesy) because people are in fact suffering
and dissatisfied. Hafez al-Assad did not get angry at his sincere, expressive and sincere advice, and by
this he shows the authentic metal to the sons of the great companion Uday bin Hatim, who was the one
who saved the men of Imam Ali and his Shiites, where he mobilized for the Imam Ali every tribe to fight
with him against his opponents and attended with Imam Ali, as a leader in his army in his battle. The
camel, Seffeen and the Nahrawan, Uday’s eye was vomited until he became known as the one-eyed, and
his son Tarif was killed with Imam Ali.
Mr. Abdul Rahman Al-Basir was maintaining his health and active, so he became one of the
centenarians, so that he did not eat dinner except for a plate of salad in a special, stressful way for the lady
Umm Faris, who was heading the women’s party branch in Qamishli, where he was scrutinizing the
authority plate very much, and perhaps God’s patience was gone. She came back from the kitchen several
times to adjust the salad to his taste !!!
And he liked to watch his workers and the grain mill that he had headed for many years and went to
inspect during non-working hours and ask his driver not to come and prefer to go on foot to work in order
to preserve his health as he used to take himself seriously with regard to his health as he stopped smoking
in his fifties despite that He was a heavy smoker, but the reading that he could not leave, destroyed his
second eye, as he had lost one of his eyes in a car accident on the road to Damascus, and he lost the other
because of reading and the Golokoma which destroyed him psychologically after he lost all the light, so
he decided to withdraw until he met him his Lord, as if he was like his grandfather Uday, who also lost
his eyes, but on the battlefield with Imam Ali and the other, the second went later with a glimmer of light,
so that Uday was known as the eye, Glory be to my Lord. Uday was 120 years old, and his son Mr. Abd
al-Rahman died in the ninetieth, and this is how most of Uday’s family were from the old.
Mr. Abd al-Rahman Abu Faris, may God have mercy on him, was Arabic for his skin and strap which
reaches a point that often amounts to Bedouin cruelty with his family and children, As he was in an
educational course in Algeria and his eldest son Fares got sick and told by phone that his son is sick, and
he is about to die, so he did not interrupt the course and said if he died, bury him !!! And he has incited
school teachers of his children to treat them severely and without courtesy, so that they would not be
exploiting the influence of their father.
And he was in his Arabism strict to the point of not accepting that he would lead or sniff with his head
a Persian or a Kurd over the Arabs, considering the Arabs as the Messenger of God among them and
through their character, reverence and generosity, they had priority over other races. and there were
debates between me and him about this. Where he used to repeat the poetic verses of Amr bin Kulthum in
his long poetry : no one should be ignorant with us, so we ignore above the ignorance of the ignorant
And we drink if we return the water with pure water, and others drink as mud
and if the weaning reaches us, a boy comes to him, the mighty men will prostrate to us.
Among his Arabism is the rare adherence to the Authentics at this time except from the Authentics
Arabs, that he was categorically refusing to marry his daughters to some of the Kurds even if they were of
the upper class, and many of them, he refused to marry his two daughters, an agricultural engineer, Nada
Al-Basir and the dentist, Hoda Al-Basir, and he refused to be married except From the bellies of the Tayy
Authentics tribe and not without the offsprings of Assaf, the princes of Tay, which caused family
problems later, as some winds came in something that the ships did not desire !.
and he was careful and firm in public morals and protocol to the extent that a significant man from a
large family sermonized his older daughter, but he sat in front of him the young man Unintentionally
putting ahead of the other causing the engagement to be canceled the same night.
And Mr. Abdul Rahman Al-Baseer, may God have mercy on him, used to say on the authority of
Imam Ali bin Abi Talib (Ali is our Ali) so that no one would bargain with him for his love for Ali and his
position with him, despite his love and staunch defense of Omar bin Al-Khattab as the leader of the Arab
Renaissance and the Greater Arab State to the point that he tried to stop me personally once while I was
giving the Friday sermon at the Oulel Al-Bab Mosque in Brooklyn, New York, when he heard some
criticism of Omar bin Al-Khattab’s positions, and his bass voice continued to interrupt me, calling me
heard in a recording of one of the sermons on YouTube, but his great son, Engineer Faris Al-Basir,
Chairman of the Board of Directors of the Oulel Al-Bab Mosque and Almahdyyeen Foundation, he
succeeded in containing the situation and went out for a few minutes outside the mosque, and they
returned, may God have mercy on him, and finished listening to the Friday sermon and prayed Friday
prayers behind me, and this shows his courage and strength.
Of course, He is the son of Uday ibn Hatim, the brave , who faced Muawiya, as he was the head of
Imam Ali’s negotiation delegation with Mu’awiyah to try to avoid a clash in Siffin, whose location is the
city of Raqqa in which the grave of Ammar bin Yasser was killed by the aggressor Mu’awiyah and those
with him on the day of Siffin, but negotiations failed with Mu’awiyah. And when one day Muawiyah,
after the killing of Imam Ali, wanted to misrepresent the talk about Imam Ali in the presence of the
grandfather of Mr. Abd al-Rahman al-Basir Uday bin Hatim al-Ta’i, he told him, according to al-Masoudi,
that Mu’awiyah said one day to Uday, “Ali did not do justice to you, your children were killed, and his
children remained.” So Uday said : “I did not do justice to Ali, since he was killed and I stayed after him.”
Then Uday warned him not to offend Ali (PBUH), saying: By God, our hearts with which we hated you
are in our hearts, and that our swords with which we fought you are on our shoulders. And if you have
come to us from treachery a little, let us condemn you from evil an inch, and if the sore throat and the
rattle of the sizzle it is easier for us than hearing the abuse in Ali.)
One of the miracles of fate in the funeral of Mr. Abu Faris is that the burial office that took over the
transfer of his body is a Sunni Salafi for Pakistanis and was washed and the first funeral prayer for him
along with the evening prayer in the largest Shiite mosque, Imam Al-Khoei Mosque in New York, where
there was a large gathering of Shiites due to Imam Hussein’s forty days, then it was completed Praying
him again in a cemetery in New Jersey, where I performed an imamate to pray over him, representing the
Sunnis, the followers of the Ahl al-Bayt, so that those who could not afford the time prayed for the first
prayer, by this, may God have mercy on him, he has attained the blessings and supplications of Ahl
al-Sunnah radicals, Shi’ites radicals, and the middle-group, followers and lovers of the Ahl al-Bayt.
May God give mercy to Mr. Abdul Rahman Al-Basir and treat him with his kindness as much as he
was honest, clean hand and pocket and may forgive his shortcomings and his sins.
And I pray to Allah to inspire his wife, Mrs. Umm Faris, and his two sons, engineer, Faris Al-Basir,Mr. Hazem, his two daughters, and Al-Basir family, Assaf and the Tayy tribe, all of patience and solace.
Sheikh Tariq Youssef
Islamic preacher in the United States of America

