داعمة لإسرائيل ومنتقدة صريحة للسعودية.. من هي كامالا هاريس المرشحة لمنصب نائب الرئيس الأمريكي؟

يعتقد المرشح الديمقراطي جو بايدن أنه سيفوز بالبيت الأبيض بعد 84 يوماً، حيث موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، هذه هي الرسالة الواضحة التي أرسلها مساء الثلاثاء 11 أغسطس/آب 2020، عندما أعلنت حملته أنه اختار السيناتور كامالا هاريس من كاليفورنيا، كمرشح لمنصب نائب الرئيس، فمن هي هذه السيدة التي قد تصبح يوماً ما أول رئيسة لأمريكا، ولماذا اختارها بايدن تحديداً؟

من هي كامالا هاريس؟

هاريس، البالغة من العمر 55 عاماً، هي ابنة مهاجرين من جامايكا والهند، وهي مدعية عامة سابقة لولاية كاليفورنيا، وقد اشتهرت مع النشطاء الليبراليين لاستجوابها الصعب للمعيّنين والمسؤولين من إدارة الرئيس دونالد ترامب خلال جلسات مجلس الشيوخ.

كامالا هاريس، الصف الخلفي إلى اليسار ، في صورة عائلية إلى جانب والدتها وجدها وجدتها من أمها الهندية/ latimes

واعتبرت هاريس كواحدة من أوائل منتقدي سياسات تقييد الهجرة التي انتهجها ترامب في الكونغرس، كما ضغطت هاريس بشدة من أجل حماية المهاجرين الذين أتوا إلى البلاد دون وثائق وهم أطفال.

وصنعت هاريس التاريخ في عام 2016، عندما أصبحت أول امرأة سوداء تُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية كاليفورنيا، وقد عارضت منتقدي “سياسات الهوية” الذين تقول إنهم “يستخدمون هذا المصطلح باعتباره ازدراء لتهميش قضايا العرق والجنس”.

لماذا اختارها جو بايدن؟

كان نجم السناتور الأمريكي كامالا هاريس للولاية الأولى يرتفع بسرعة بالفعل عندما قفزت إلى السباق للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة في أوائل عام 2019. أحبها الليبراليون في الحزب لكونها وجهاً لمستقبل الحزب، باعتبارها امرأة شابة سوداء.

على الرغم من دخولها السباق كمرشحة أولية كانت هاريس المرأة السوداء الوحيدة المرشحة، قد خرجت من السباق بحلول نهاية العام، حتى قبل المؤتمرات الحزبية في ولاية أيوا. كان كفاحها من أجل الحفاظ على الدعم مدفوعاً بعدم القدرة على التعبير عن مواقف سياسية واضحة ورد الفعل العكسي من محاولة لمهاجمة سجل منافسها جو بايدن في السباق، خلال مناظرة في يونيو/حزيران 2019.

اعتقد الكثيرون أن هذا التدمير أنهى فرصها في النظر في منصب نائب الرئيس، لكنهم كانوا مخطئين. هاريس، التي ترشحت دون جدوى في الحزب الديمقراطي للرئاسة في وقت سابق من هذا العام، كانت المرشح الأول لاختيار بايدن لعدة أسباب، لأنها:

  • لديها خبرة في الحكومة بصفتها مدعية عامة في كاليفورنيا، ونائبة في مجلس الشيوخ الأمريكي منذ عام 2017.
  • امرأة شابة في سن 55 عاماً، تمثل جيلاً أصغر من القادة السياسيين الأمريكيين، وهو الأمر الذي قال بايدن، الذي سيبلغ من العمر 78 عاماً في يوم التنصيب في 2021، إنه كان عاملاً رئيسياً في اختياره لها.
  • يعد اختياراً تاريخياً كأول امرأة أمريكية من أصل أسود وجنوب آسيوي  تترشح لهذا المنصب.
  • هي من ولاية كاليفورنيا، وهي كنز هائل من أصوات الديمقراطيين والمانحين الديمقراطيين.
  • برزت كصوت صريح حول مجابهة العنصرية، والحاجة إلى إصلاح الشرطة بعد وفاة جورج فلويد، في مايو/أيار، والاحتجاجات اللاحقة التي أشعلتها في جميع أنحاء البلاد.
  • كان يعلم بايدن وفريقه أن اختيار هاريس سيثير اهتماماً كبيراً حول حملته، كما أن هاريس لم يكن لديها نقطة ضعف واضحة قد تستغلها حملة ترامب.

ما هو موقفها من قضايا الشرق الأوسط؟

لا يمنح الدستور الأمريكي نائب الرئيس سلطة كبيرة، بخلاف القدرة على الإدلاء بصوت معادل في مجلس الشيوخ والتأثير على قرار الرئيس، فإن المسؤولية الرئيسية لنائب الرئيس هي تولي الرئاسة في حالة وجود منصب شاغر مفاجئ في المكتب البيضاوي.

لكن كونهم قريبين جداً من مركز صنع القرار، يمكن لنواب الرئيس تشكيل أدوار جوهرية لأنفسهم. فمايك بنس يقود فريق العمل المعني بفيروس كورونا في إدارة ترامب، كما أشرف جو بايدن نفسه على خطة باراك أوباما لسحب آلاف القوات الأمريكية من العراق.

كامالا هاريس، أرشيفية/ رويترز

وسيصبح بايدن في السابعة والسبعين من عمره، كأكبر رئيس أمريكي سناً في يوم تنصيبه إذا تم انتخابه في نوفمبر/تشرين الثاني، لذلك من المرجح أن تلعب نائبه كامالا هاريس دوراً نشطاً في الحكومة. علاوة على ذلك، فإن منصب نائب الرئيس سيضعها في وضع متميز للحصول على منصب الرئاسة بنفسها في المستقبل.

ومن المتوقع أن تعكس إدارة بايدن بعض تحركات دونالد ترامب في الشرق الأوسط، وقد تقع بعض مسؤوليات السياسة الخارجية على عاتق هاريس كنائب للرئيس. وتصنف هاريس نفسها على أنها تقدمية، لكنها تعرّضت لبعض الانتقادات من اليسار، بسبب سجلها كمدعية عامة، ودعمها القوي لإسرائيل، وهذا هو موقفها من قضايا الشرق الأوسط.

  • إيران والاتفاق النووي

وبّخت هاريس ترامب في عام 2018، لانسحابه من الاتفاق النووي متعدد الأطراف مع إيران، والذي أدى إلى تقليص طهران لبرنامجها الاقتصادي مقابل رفع العقوبات المفروضة على اقتصادها. وقالت في بيان بعد انسحاب ترامب من الاتفاق “قرار اليوم بانتهاك الاتفاق النووي الإيراني يهدد أمننا القومي ويعزلنا عن أقرب حلفائنا”.

وفي أوائل عام 2020، بعد غارة أمريكية قتلت الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني، شاركت هاريس في رعاية تشريع يهدف إلى منع استخدام أموال البنتاغون في عمل عسكري ضد إيران، في محاولة لتجنب الحرب مع الجمهورية الإسلامية.

  • إسرائيل والقضية الفلسطينية

كانت هاريس من أشد المؤيدين لإسرائيل، وبعد أشهر من أدائها اليمين الدستورية في مجلس الشيوخ في عام 2017، ألقت خطاباً في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، وصفت العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة بأنها “غير قابلة للكسر”. وقالت: “لا ينبغي أن تكون إسرائيل قضية حزبية على الإطلاق. وما دمت عضواً في مجلس الشيوخ عن الولايات المتحدة، فسأفعل كل ما في وسعي لضمان الدعم الواسع والحزبي لأمن إسرائيل وحقها في الدفاع عن النفس”.

السناتور كامالا هاريس إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في مكتبه في القدس المحتلة، نوفمبر 2017 (GPO)

وكان أحد الإجراءات التشريعية الأولى التي اتخذتها كعضو في مجلس الشيوخ هو المشاركة في رعاية مشروع قانون يعترض على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يدين المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وعندما سألتها صحيفة نيويورك تايمز، العام الماضي، عما إذا كانت تعتقد أن إسرائيل تفي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، قالت هاريس: “بشكل عام، نعم”.

في أوائل عام 2019، كانت واحدة من 23 ديمقراطياً صوتوا ضد مشروع قانون شجع الدول على تقييد الحق في مقاطعة إسرائيل. ومثل معظم الديمقراطيين، أعربت عن معارضتها لخطط الحكومة الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية، واصفةً الخطوة بأنها عمل “أحادي” يضر بإسرائيل.

  • العلاقات الأمريكية السعودية

منذ أن احتضن ترامب أفراد العائلة المالكة السعودية بعد دخوله البيت الأبيض، انتقد معظم الديمقراطيين علاقات واشنطن مع الرياض، وهاريس ليس استثناء. بعد مقتل جمال خاشقجي على يد عملاء الحكومة السعودية في 2018، انضمت إلى زملائها الديمقراطيين في إدانة الرياض والمطالبة بإجابات من إدارة ترامب. وقالت هاريس، العام الماضي، بعد مشاركتها في رعاية تشريع يطالب بتقرير عن النتائج التي توصل إليها مجتمع المخابرات بشأن الجريمة: “قتل جمال خاشقجي كان مأساة، ويمثل هجوماً على الصحفيين في كل مكان”.

وفي عام 2019، صوّتت هاريس أيضاً لصالح قرارات لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية والإمارات في اليمن، ومنع مبيعات الأسلحة للمملكة، تم تمرير كلا الإجراءين في الكونغرس لكن ترامب رفضهما.

وقالت في ذلك الوقت: “ما يحدث في اليمن مدمر. في العام الماضي، قتلت الحرب ما معدله 100 مدني أسبوعياً، وآلاف الأطفال ماتوا جوعاً، يجب على الكونغرس اتخاذ موقف”.

أثناء ترشحها للرئاسة، أخبرت هاريس مجلس العلاقات الخارجية أن على واشنطن إنهاء مشاركتها في الصراع اليمني. وأضافت أن “الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لا تزال لديهما مجالات ذات اهتمام مشترك، مثل مكافحة الإرهاب، حيث كان السعوديون دوماً شركاء أقوياء. وعلينا أن نستمر في التنسيق على هذا الصعيد، لكننا بحاجة إلى إعادة تقييم علاقتنا بشكل أساسي مع المملكة العربية السعودية، باستخدام نفوذنا للدفاع عن القيم والمصالح الأمريكية”.

لماذا قرّر الكونغرس الأميركي استجواب أمازون وفيسبوك وغوغل وأبل؟

لا بد أن الاستنتاج الرئيسي الذي خرجنا به من جلسة الاستماع في الكونغرس، والتي كانت معدة لاستجواب مارك زوكربيرغ في إبريل/نيسان من العام 2018، كان أن هؤلاء الذين قرّروا استجواب زوكربيرغ بدوا كأنهم يجهلون الكثير عن طبيعة عمل فيسبوك، والتواصل عبر الإنترنت في العموم، في الواقع فإن ذلك أظهر الأمر وكأنه أشبه ما يكون بصراع أجيال، هؤلاء القادمون من عالم أشرطة الفيديو والرسائل الورقية، ضد أجيال الشباب في العالم المعاصر، مستخدمي فيسبوك وتويتر وسناب شات.

لكن هذا، في الحقيقة، كان صورة خاطئة عن الأمر، لقد حمل رجال الكونغرس الأميركي أسئلة مهمة جدا عن طبيعة الخصوصية في العالم الرقمي، وكيفية التجارة بها، وكيفية استخدام البيانات كسلاح في العموم، لكنهم فقط لم يعرفوا كيف يمكن أن تُصاغ تلك الأسئلة بلغة رقمية. هذا أمر يهمك بقدر اهتمامك نفسه بالحصول على لقمة عيشك، سواء إذا كنت بالفعل مسؤولا عن الإنفاق على نفسك أو عائلتك، أو مستقبلا إذا كنت طالبا الآن، لأن كلا الأمرين -لو تأملت قليلا- واحد.

هذه المرة كانت مختلفة، جاء رجال الكونغرس وهم مستعدّون للمعركة الجديدة، كانوا مُحمّلين بأطنان من البيانات التي نتجت عن عام كامل من البحث والتقصي ومئات الساعات من المقابلات مع أكثر من مليون وثيقة، نتحدث هنا عن جلسة استماع الكونغرس الأخيرة لرؤساء أربعة من أهم شركات العالم الرقمي المعاصر، أمازون (جيف بيزوس) وغوغل (ساندر باتشاي) وفيسبوك (مارك زوكربيرغ) وأبل (تيم كوك)، والتي عُقدت في التاسع والعشرين من يوليو/تموز الماضي على مدى نحو ست ساعات كاملة.

رئيس شركة أمازون (جيف بيزوس) ورئيس شركة غوغل (ساندر باتشاي) ورئيس شركة فيسبوك (مارك زوكربيرغ) ورئيس شركة أبل (تيم كوك) يستمعون خلال جلسة اللجنة القضائية الفرعية التابعة لمجلس النواب الأمريكي بشأن مكافحة الاحتكار والقانون التجاري والإداري على “المنصات عبر الإنترنت” (رويترز)

هذه المرة ركّزت جلسة الاستماع على الزيادات في ثروات هؤلاء الأربعة خلال أزمة كورونا المستجد، على سبيل المثال كانت ثروة جيف بيزوس، مؤسس أمازون، قد زادت خلال الشهور الماضية بمقدار 64 مليار دولار تقريبا، أما ثروة زوكربيرغ فقد ارتفعت بمقدار 9 مليارات دولار تقريبا، وكان قد صدر تقرير مثير للجدل من مؤسسة الدراسات السياسية أشار إلى أن ثروة مليارديرات الولايات المتحدة الأميركية قد زادت، في المجمل، قرابة 300 مليار دولار، في حين يهدد الفقر عشرات الملايين خلال الأزمة نفسها.

وعلى الرغم من اختلاف الشركات الأربعة في طبيعة ما تُقدِّمه من خدمات، فإنها تمتلك صفات مشتركة معا، فالاتهامات التي تواجه هذه الشركات الأربعة تتعلّق بقدرتها على ممارسة ضغوط قوية على منافسيهم للتخلي عن شركاتهم قسرا، من جانب آخر فإن قدرة هذه الشركات على جمع قدر هائل من البيانات عن التجار الصغار في منصاتهم تسمح بمنافسة غير عادلة مع هؤلاء التجار.

 

 

لفهم تلك الفكرة دعنا نبدأ من شركة أمازون، حيث كان تحقيق قد صدر من “ذا وول ستريت جورنال” إبريل/نيسان الماضي قد أشار إلى أن بعض مديري البيع في الشركة يستخدمون بيانات العملاء، من التجار الصغار وليس من المواطنين، لدعم المنتجات التي تنتجها أمازون وتنافسهم بها، لفهم تلك الفكرة دعنا نفترض أن هناك -في بلدة ما- تاجرا كبيرا وآخر صغيرا، يتنافسان معا في بيع المستلزمات المنزلية، لكن التاجر الكبير يمتلك طريقة ما يعرف من خلالها كل المعلومات عن التاجر الصغير، ما الذي يبيعه، وطبيعة الجمهور الذي يشتري، ومحل سكنه أو عمله، وحجم مبيعاته السنوية، كيف يمكن أن يؤثر ذلك على التنافس بينهما؟

 

اعلان

أمازون تمتلك القدرة على فعل ذلك، فهي ليست مجرد وسيط بين مئات الآلاف من البائعين وملايين الزبائن، بل هي أيضا بائع مثل هؤلاء البائعين، إذا قام أحد مديري البيع برصد التفات الزبائن إلى منتج ما تُقدِّمه إحدى الشركات الصغيرة، فإنه يتمكن بسهولة من تقديم منتجات شبيهة في السوق نفسه، ومع الوقت يفقد التجار أسرارهم التسويقية وتسيطر أمازون على كل شيء فتصبح -حرفيا- هي السوق، وليس الوسيط فقط.

 

بشكل رئيسي، ركزت هجمات رجال الكونغرس على تلك النقطة، والتي بدأ بيزوس مترددا في الرد عليها، وتعمق بعد السائلين في الحفر خلف الأمر بعد استدعاء شهادات من بائعين قالوا إن أمازون تتعمد منعهم من بيع فئات كاملة من الكتب لأنها تسيطر على تلك الفئات كتاجر، من جهة أخرى فإن أمازون -الشركة التي تسيطر على ثلاثة أرباع سوق التجارة الإلكترونية- لا تترك للبائعين فرصة سوى البيع من خلالها، بالتالي فإنك -كبائع صغير- ستقع حتما في “كمّاشة” أمازون بشكل أو بآخر.

 

شركة غوغل، على الجانب الآخر لم تسلم من الاتهام نفسه، إذا أردت أن تبحث عن شيء ما على الإنترنت يجب أن تعلم أن غوغل تدير ثلاث عمليات هنا وليس عملية واحدة، فهي تدير السوق الخاص بالبحث عبر الإنترنت، كذلك فإن نتائج البحث المقدمة إليك تكون مختلطة بالإعلانات الدعائية، على سبيل المثال إذا قررت البحث عن “خدمة عملاء شركة زانوسي”، وهي مشكلة في مصر لأن هناك الكثير من الشركات التي تدّعي أنها “زانوسي الأصلية”، فإن غوغل سيُقدِّم لك أقرب الإجابات ليس فقط بناء على الأصالة ولكن الإعلانات، ولذلك قد يكون اتصالك الأول مع شركة غير أصلية.

 

أما على الجانب الثالث فإن غوغل، مثل أمازون، تدخل منافسا للشركات الصغيرة في بعض النطاقات، الأمر الذي يعطيها القدرة على السيطرة على هذا السوق لأنها -ببساطة- محرك البحث الذي يذهب إليه 90% من الجمهور، أثار السائلون في جلسة الاستماع تلك النقطة أكثر من مرة: ما الذي يمنع غوغل من الحد من وصول موقع ما إلى الجمهور؟ هل تستخدم غوغل بياناتها الهائلة لتحديد تهديدات المنافسين ثم تعمل على إقصائهم؟

 

وكانت غوغل بالفعل قد واجهت، قبل عدة أعوام، اتهامات بأنها تُوجِّه جمهور البحث لخدماتها، وتسبّبت، في أثناء ذلك، بأضرار جسيمة لمنصات مثل “ييلب” (Yelp) و”مايكروسوفت” (Microsoft) ومحرك البحث الخاص بها “بينج” (Bing)، ومواقع السفر مثل “تريب أدفايزور” (TripAdvisor) و”إكسبيديا” (Expedia)، بل وتطوّر الأمر إلى اتهامات للشركة أنها تنسخ، دون حق قانوني، محتوى من “يلب” و”تريب أدفايزور” و”أمازون” لتحسين خدماتها، حضرت هذه الاتهامات بوضوح في جلسة الكونغرس، بل واتُّهِمت الشركة مباشرة بأنها هدّدت “ييلب” بطريقة: إما أن تتركنا ننسخ محتواك أو نزيلك من قائمة البحث، أو ربما نضعك في غياهب الصفحة الثالثة أو الرابعة للبحث، تلك التي لا يراها سوى الكائنات الفضائية!

 

أبل أيضا واجهت اتهامات شبيهة، فرغم أنها لا تمتلك قيمة سوقية هائلة مثل سابقتيها فإن استقصاء الكونغرس كان مرتبطا -على الوتيرة نفسها- بمدى قوة الشركة، وإمكانية أن تستخدم تلك القوة لفرض السيطرة على مطوري التطبيقات الذين يعرضون تطبيقاتهم في سوق أبل، خاصة أنها تُجبرهم على استقبال اشتراكات تطبيقاتهم من خلال سوق أبل ولا يمكن لهم استقبال نقودهم عبر أية وسيلة أخرى، الأمر الذي يعطي أبل القوة لفرض أي نسبة قد تحتاج إليها من هذا البائع، وإلا قد تطرده خارجها.

 

في الواقع فإن أبل، على مدى السنوات العشر الماضية، كانت تواجه قضايا مقدمة من زبائنها يتهمونها بالاحتكار لأنه لا يمكن لك، عبر أي وسيلة، أن تُحمِّل تطبيقات إلى هاتفك إلا عبر سوق أبل الذي يطالب المطورين بنسبة من الأرباح، تُضاف هذه النسبة إلى سعر التطبيق فتجعله أغلى مما يناسبه من قيمة.

 

من جانب آخر فإن أبل تقع في المشكلة نفسها، حيث تطور تطبيقات خاصة بها تنافس تطبيقات صغار المطورين، وبالتالي يمكن لها بسهولة أن تمنعهم من الظهور أمام الجمهور، أو على الأقل يمكن أن تعمل على تخفيض معدلات ظهورهم، بل ويمكن لها -مثل غوغل- أن تنسخ أفكارا ناجحة من مطورين صغار وتُقدِّمها في تطبيقات خاصة بها، اعتمادا على قدر كبير من البيانات تجمعه حول هؤلاء المطورين الصغار، ما يضعها أيضا في موقف شبيه بأمازون.

 

وعلى الخط نفسه، واجهت شركة فيسبوك اتهامات بالاحتكار لأنها، مثل المجموعة السابقة، تضغط على منافسيها لأجل أن يتنازلوا عن شركاتهم ويقومون ببيعها إلى فيسبوك، أحد أشهر الأمثلة هنا هو مشكلة فيسبوك وإنستغرام (مشكلة سناب شات كذلك)، حيث فعّلت فيسبوك خاصية “كاميرا فيسبوك” للضغط على إنستغرام للقبول بالصفقة، والفكرة ببساطة تكون في تهديد غير مباشر، إذا كنت شركة صغيرة تُقدِّم خدمة ما وتبدو واعدة، فإن حيلة شركة كبيرة لشرائك تبدأ بتقديم خدمة شبيهة لكي تعرف أنه لو رفضت الصفقة فسوف تزيحك الشركة الكبيرة على أي حال وتُروِّج للخدمات الخاصة بها. من جديد، لا يترك ذلك اختيارا لصغار التجار أو المطورين أو رواد الأعمال.

 

من جانب آخر، فإن الاتهامات التي تربط بين بيانات فيسبوك وفضيحة كامبريدج أناليتكا أطلّت برأسها بالطبع في هذا الاستجواب، حيث كانت بيانات المستخدمين في فيسبوك قد استُخدمت من قِبل كامبريدج أناليتكا لعمل تحليل شخصيات هائل استُخدم بدوره لاستكشاف الشخصيات التي تحمل ميلا يمينيا قوميا أو عنصريا ثم أُثيرت الحسابات التي تمتلك تلك الصفات الشخصية، عبر حسابات مزيفة مسيئة، للمزيد من السلوكيات العنصرية واليمينية، الأمر الذي دفع بنجاح دونالد ترامب في الانتخابات لأن إحدى أهم أدواته كانت تلك التوجهات.

 

لكن رغم تطرق الاستجواب لمناطق أخرى تتعلق بروسيا والصين وترامب، يظل الهدف الرئيس له هو التساؤل عن مصالح ملايين من التجار والمطورين ورواد الأعمال الصغار الواقعين تحت سيطرة هذه الشركات العملاقة، ليست الفكرة فقط فيما تفعله هذه الشركات حاليا، وهو أمر ما زال محل جدل من وجهة نظر سياسية وقضائية، بل عن قدراتهم، حيث لا يوجد شيء يمنعهم من ممارسة السلطة على الآخرين في هذا السوق، يلخص ديفيد سيسيلين، رئيس اللجنة الفرعية لمكافحة الاحتكار التابعة للجنة القضائية بمجلس النواب الأميركي، هذه الفكرة في مفتتح كلمته حينما قال: “باختصار، لديهم الكثير من القوة، هذه القوة تقوّض المنافسين الجدد، وتمنع الإبداع والابتكار”.

 

الملاحظ في ردود هذا الرباعي من أباطرة أسواق العمل الإلكتروني في العالم كله هو نقطتين، الأولى هي أنه لا يمكن لك أن تستخلص من ردودهم معلومات محددة، وذلك بالطبع متوقّع، فقد تجهز كلٌّ منهم بعدد هائل من النصائح القانونية السابقة حول ما يمكن أن يُحسب ضدهم من كلمات يقولونها في هذه الجلسة، وبالتالي فإن نمط الحديث سيكون دائما عاما ويقبل التأويل بأكثر من طريقة، وإذا ضُيِّق الخناق فسيُجيب بأنه “لا يعرف” أو أنه “سيعود إليك بعد التأكد حول هذا الأمر”. أما النقطة الثانية فهي إصرار كلٍّ منهم على الإشارة المستمرة إلى طبيعة السوق التنافسية للغاية، الأمر الذي يُعَدُّ حقيقيا بالفعل، لكنه أيضا يمكن أن يُبرِّر كل الأفعال الاحتكارية تجاه المنافسين الصغار.

 

في كل الأحوال، فإن ما حدث ليس أول خطوة ولا هو آخر خطوة في عملية تتبع كبيرة حقا حول هذه الشركات، نحن أمام واحد من أكبر التحقيقات في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية والعالم كله، والتي بالطبع ستؤثر في كل دول العالم وصولا إلى عتبة منزلك، ذلك لأنك -بشكل أو بآخر- مرتبط في لقمة عيشك بواحدة من تلك الشركات، أو واحد من هؤلاء المليارديرات.

 

من جهة أخرى فإن الأمر يمتد إلى ما هو أعمق من ذلك، فنحن نعرف أن الدولة كانت دائما وكيل المعلومات الرئيسي، هي الجامع والمتحكم والمنتج الرئيسي لها عبر شبكاتها الخاصة الداخلية والخارجية، وبسبب ذلك فإنها كانت دائما الكيان الوحيد القادر على اتخاذ القرارات التي تصحبها تغيرات سياسية واجتماعية، أما الآن فهناك وكلاء آخرون للمعلومات غير الدولة، ونتحدث عن تلك الشركات التي تجمع بيانات هائلة عن الناس.

 

بالتالي، يمكن لهذه الكيانات الضخمة أن تتدخل أيضا في عملية صناعة القرار السياسي والاجتماعي بشكل ربما أكثر قوة من الدولة ذاتها، وبذلك تتأثر مركزية الدولة، لك أن تعرف أنه من بين أكبر 100 اقتصاد في العالم توجد فقط 49 دولة، البقية شركات!

________________________________________________

المصادر

  1. WATCH: Biggest Tech Billionaires testify before Congress (Full Hearing)

تفكيك الخطاب الإعلامي الإثيوبي حول سد النهضة: وهم “المشروع القومي” صلاح خليل إبراهيم

تركز وسائل الإعلام الإثيوبية، عند تناول أزمة سد النهضة مع كل من مصر والسودان، على إبراز وحدة موقف جميع القوميات الإثيوبية ودعمها لفكرة إنشاء السد، مع أن ذلك يعد مغالطة للواقع، في ظل وجود العديد من الأطراف الرافضة لبناء السد.

وتبدو هناك صعوبة منهاجية كبيرة في تتبع هذه الأصوات المنتشرة منذ عام 2011 نتيجة ثلاثة عوامل؛ أولها: أن العديد من هذه الأصوات، خاصة من المقيمين داخل إثيوبيا لا المهجر، تعبر عن موقفها بالأمهرية أو غيرها من اللغات الإثيوبية المتعددة. وثانيها: أن الحكومات الإثيوبية المتعاقبة دأبت على السيطرة المطلقة على وسائل الإعلام عبر أدوات متنوعة. وثالثها: أن نسبة الإثيوبيين المتصلين بشبكة الإنترنت تبلغ 18% وفق بيانات البنك الدولي، فضلًا عن انتهاج حكومة “آبي أحمد” ومن قبله “ديسالين” سياسة قطع الإنترنت المتكرر عن عموم البلاد في أوقات اشتداد الاضطرابات السياسية.

أمام هذه الصعوبات المتعددة، تجدر الإشارة إلى أن الذي يعنينا هنا بالأساس هو تتبع مضمون الانتقادات الإثيوبية لسد النهضة، وليس البت في نسبة المؤيدين للمشروع أو المعارضين له، وهي مهمة تبدو شديدة الصعوبة في دولة لم تتمكن من إجراء التعداد السكاني لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، ناهيك عن إجراء استطلاعات رأي يمكن الاعتماد عليها، في ظل الانقسامات اللغوية والثقافية العميقة، التي تعزز الانقسامات السياسية الحادة القائمة بالفعل.

هذه الانتقادات الإثيوبية المهمة، وبغض النظر عن حجم تأييدها شعبيًّا، تمثل دليلًا كافيًا على المغالطات الكبرى التي يتضمنها الخطاب الإعلامي الإثيوبي بشأن سد النهضة باعتباره “مشروعًا قوميًّا” يحظى بإجماع كافة الإثيوبيين على جدواه، وعلى طريقة تنفيذه، وعلى تكلفته المالية المباشرة، فضلًا عن تكلفته غير المباشرة بما قد يتسبب فيه من إدخال إثيوبيا في عداء مع مصر والسودان.

أولًا- انتقادات المجتمع المحلي بالمنطقة التي يقع فيها السد:

يقع السد في منطقة بني شنقول. وقد أُنشئت هذه المنطقة بعد وضع دستور سنة 1995. وكانت بالماضي تسمى المنطقة السادسة، وعاصمتها أسوسا. وتفتقر هذه المنطقة إلى وسائل النقل والبنية التحتية للاتصالات، وتواجه تحديات كبيرة على رأسها الافتقار إلى التنمية الاقتصادية. وتشمل الجماعات العرقية في بني شنقول “برتا” بنسبة 25.9%، و”جوموز” بنسبة 21.11%”، و”أمهرا بنسبة 21.25%”، وأورومو بنسبة “13.32%”، و”شيناشا” بنسبة 7.59%”، و”ماو” بنسبة 1.9%. وتتوزع المجموعات العرقية دينيًّا بواقع 45.4% مسلمين، 33% مسيحيين أرثوذكس، 13.5% مسيحيين بروتستانت، و7.1% يدينون بالديانات الإفريقية المحلية. وترفض هذه المجموعات إقامة سد النهضة في منطقتهم لأن عملية الإنشاء تسببت في مصادرة أراضيهم الزراعية، وتهجيرهم قسريًّا، من دون تعويضات، وتسببت لهم هذه الهجرة في فقدان مهنة الزراعة التي تعتبر مصدرهم الوحيد.

وفي نوفمبر 2012، أعلنت حركة تحرير بني شنقول رفضها مساعي الحكومة الإثيوبية لإقامة سد النهضة في إقليمها، ووصفت المشروع بأنه استنزاف لثروات الإقليم المختلفة التي لا يستفيد منها شعوب الإقليم، مشيرة إلى أن إقامة المشروع سوف تؤدي إلى تهجير ما يقرب من 50 ألفًا من السكان المحليين في المنطقة المحيطة بموقع الإنشاءات. وفي 9 مايو 2014، شنت الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول هجومًا مسلحًا أسفر عن مقتل تسعة جنود إثيوبيين. وقد أعلنت الجبهة مسئوليتها عن الهجوم، وقالت إنها تقاوم ما وصفته بالاحتلال الإثيوبي للإقليم. وأعلنت الحركة معارضتها لسد النهضة، الذي قالت عنه إنه سوف يدمر مقدرات الإقليم.

هذه الانتقادات المتصاعدة إلى الآن تجد شواهد مؤكدة لها في العديد من المصادر. على سبيل المثال، نشر حساب Free Benishangul على موقع تويتر عددًا من التغريدات المهاجمة للسد، من بينها ما كان نصه:

– “ما يتناقض مع المنطق الأساسي هو كيف يتم بناء السد على أرض محتلة”.

– “دعونا نطلب من شعب بني شنقول أن يقرروا ما إذا كانوا إثيوبيين أو سودانيين، وسنرى بعد ذلك”.

– “تطالب قومية بني شنقول بالتوقف عن إنشاء الهياكل المبنية في أرض لا تملكونها، أوقفوا التطهير العرقي لبني شنقول”.

– “حركة تحرير بني شنقول تستنكر استهداف الحكومة الإثيوبية لمواطنيها في بني شنقول، في القرن الماضي استعبدت إثيوبيا شعب بني شنقول، الآن تقتل وتشردهم وتعذبهم للبناء على عظامهم سد النهضة، ونطالب بحق تقرير المصير”.

– “أدت الانتقادات الموجهة للسد إلى اعتقال “عبدالسلام شنجلنا” رئيس حركة بني شنقول الشعبية، ورئيس حركة جوموز الشعبية الديمقراطية، “جرانج جوديتا”، في منزليهما في في مدينة أسوسا عاصمة الإقليم”.

وبعد بدء عملية ملء السد في 22 من يوليو 2020، وأثناء سير المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر، السودان، وإثيوبيا)، قال الحساب نفسه إنه “لا يحق لإثيوبيا أن تفعل أي شيء في الأراضي المحتلة في بني شنقول، ولا يحق لآبي أحمد، أن يبني أي شيء حتى يحصل شعب بني شنقول على حق تقرير المصير، أوقفوا التطهير العرقي باسم سدكم”.

كما نشر حساب al khanaqy المؤيد لمطالب الاستقلال في بني شنقول تغريدة تنص على أنه “إذا كانت إثيوبيا ترفض اتفاقية الحدود الاستعمارية، واتفاقات المياه الاستعمارية التي اتفقت عليها جميع اتفاقيات 1902، فقد حان الوقت لمغادرة أراضي بني شنقول”. كما أضاف الحساب نفسه أنه “يتم طردنا من أرضنا دون تعويض، أُلقي القبض على رئيس حركة. وتم قتل 80 شخصًا في احتجاجات ضد مصادرة الأراضي في بني شنقول”.

فيما نشر حساب ثالث تابع لإحدى الناشطات من قومية بني شنقول: “عذرًا لعدم الاحتفال بالسد، لأننا لسنا متميزين نعيش في المناطق الحضرية، نحن منشغلون بالقلق بشأن طمس هوياتنا، ومعتقداتنا وطريقة تواجدنا بأكملها في عمليات القتل الجماعي لحكومتك”.

ثانيًا- انتقادات الفساد وسوء إدارة ملف سد النهضة:

بصورة عامة، تعددت الانتقادات التي وجهها الإثيوبيون لحكوماتهم المتعاقبة عمومًا ولحكومة “آبي أحمد” خصوصًا، بشأن سوء إدارة ملف سد النهضة على المستويين الإنشائي والتفاوضي، فضلًا عن الفساد الكبير الذي اعترى عملية إدارة هذا الملف منذ عام 2011.

فقد نشر حساب Ethiopia2day باللغة الإنجليزية، مستندًا يتهم فيه رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” بتعيين شقيق زوجته الدكتور” اليماييهو جبريماريام” Alemayehu G. Mariam لرئاسة صندوق الائتمان الإثيوبي لدعم السد. واعتبرت الصفحة هذا القرار يحمل مفارقة كبيرة، حيث كان “جبريماريام” من أشد معارضي مشروع سد النهضة الإثيوبي منذ البداية، كجزء من معارضته الشرسة لجبهة تحرير تيجراي وقت سيطرتها على مقاليد الحكم في البلاد، إلا أنه تحول لأكبر داعمي السد، قبل أن يكلفه “آبي أحمد” بحشد الدعم المالي له.

وقد عارضت العديد من الأصوات الإثيوبية النهج الذي تنتهجه الحكومة في مفاوضات التسوية مع مصر والسودان، حيث اعتبر “البعض أن الحل الخاص بالنزاع حول مياه النيل الأزرق بين مصر وإثيوبيا لن يكون إلا من خلال تشجيع وتسهيل الاستثمارات الخاصة بين الدولتين، والمساهمة في توليد الطاقة في إثيوبيا للقضاء على النقص الحالي، مما يسمح بملء سد النهضة ببطء شديد.

وأوضح الناشط السياسي “جبرهويت” Gebrehiwot Belay أن “آبي أحمد” رئيس الوزراء الإثيوبي يستخدم الحملة الدعائية التي حملت شعار It’s My Dam للتغطية على فشله، ولتحقيق تطلعاته لأن يصبح الملك السابع لإثيوبيا. متسائلًا عما يجب أن يهتم به “آبي أحمد” في المقام الأول: نهر النيل، أم إنقاذ البلاد من التفكك؟

كما اعتبر حساب أبراهام أسفا Abraham Asefa أن “المشكلة الأساسية هي أن رئيس الوزراء هو طفل ونبي في آن واحد، فبعد 27 سنة مظلمة، من نهب وفساد في عملية بناء السد يأتي العبث بقضية السد والذهاب إلى مفاوضات برعاية الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي لإنتاج ضجيج للتستر على فوضى قادمة، تسمح بتمديد الانتخابات إلى أجل غير مسمى، لتنتهي في نهاية المطاف بالفوضى وللاستيلاء على السلطة.

وفي تغريدة له كتب البروفسير موسيه تيجيني Prof. Muse Tegegne على حسابه أن “مشروع سد النهضة الإثيوبي يشوبه الفساد والعجز في الكارثة الإجمالية”. كما اعتبر حساب Ztseat Save Adna, MD، أن معظم الإثيوبيين الذين يتنازلون يشاركون على الهاشتاج It’s my dam وFILLTHE DAM هم نفس الأشخاص الذين كانوا ضد السد منذ عامين، وزعم بعضهم آنذاك أن السد كان يهدف إلى إيذاء مصر، وليس فيه امتيازات لإثيوبيا. في إشارة للتسييس المفرط لقضية السد من جانب الحكومات الإثيوبية المتعاقبة.

كما أشار الناشط في المجتمع المدني “أفريم ماديبو” Ephrem Madebo في حسابه إلى اعتقاده بأن المشروع المخطط لانتهائه منذ خمس سنوات، لم يكتمل حتى بنسبة 80٪، وهو لا شيء سوى لأنه تم استخدام مشروع سد النهضة كبقرة حلوب لجبهة تحرير تيجراي.

وأوضح الباحث السياسي “رشيد عبدي” Rashid Abdi، أن اجتماع القادة الأفارقة بشأن سد النهضة، لم يغير أي شيء لأن “الاختراق الذى تم” مضلل تمامًا، مشيرًا لاستخدام المشروع في الوقت الحالي من قبل جماعة الأمهرا لاستعادة السيطرة على مقاليد الثروة والسلطة في البلاد على حساب الجماعات الأخرى وفي مقدمتها جماعة أورومو.

كما أشار الناشط السياسي “زيجا راس-ورك” Zega Ras-Work إلى أنه “يمكن أن يكون للسد ذي البناء السيئ بهذا الحجم عواقب اقتصادية وبيئية وإنسانية كارثية، أعتقد أنه إذا وافقت مصر واثيوبيا للعمل معًا، في بناء السد، بمساعدة المجتمع الدولي، فإن المشروع سوف يحقق عوائد إيجابية”.

وفي النهاية، تظهر هذه الآراء الإثيوبية لتؤكد حقيقتين أساسيتين يتعين الانتباه لهما جيدًا في الوضع الراهن بتعقيداته الكبيرة.

أولهما، أن زعم الحكومة الإثيوبية بأن مشروع السد هو مشروع قومي يحظى بدعم كل الإثيوبيين ولا يمكن المساس به، هو مجرد جزء من خطاب إعلامي مضلل تتبناه حكومة “آبي أحمد” منذ خطاب تنصيبه في أبريل 2018، وهو الخطاب الذي يجافي الواقع بصورة تامة.

الحقيقة الثانية، تتمثل في وجود العديد من الأصوات الإثيوبية المنصفة والعاقلة التي يمكن التوصل معها لاتفاق بناء ومستدام بشأن الإدارة المشتركة لمياه النيل الأزرق بما يحقق نفع مصر والسودان وإثيوبيا، ويجنب شعوب الدول الثلاث والإقليم بأسره صراعًا محتملًا قد يفجره النهج غير المسئول للحكومة الإثيوبية.

كيف أقنع ترامب “المتباهي سليط اللسان” الإنجيليين بأنه محرر المسيحية “المضطهدة” ليحظى بدعمهم؟

قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعداً غريباً بأن “المسيحية ستحظى بالسلطة أخيراً” وكان ذلك قبل فوزه في الانتخابات عام 2016، وأصبحت قاعدته الانتخابية الرئيسية هم الإنجيليين البيض، والآن بعد أربع سنوات، تبدو تلك العلاقة بين الطرفين محيرة للمراقبين، فما سر الحيرة؟ وهل تنجح تلك العلاقة مرة أخرى؟

صحيفة The New York Times الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “المسيحية ستحظى بالسلطة”، رصد طبيعة العلاقة بين الرئيس دونالد ترامب وقاعدته الانتخابية من المسيحيين الإنجيليين والتناقضات التي تتسم بها تلك العلاقة.

وعد ترامب بتحرير المسيحية

سار الناس إلى الكنيسة في السكون المتجمد قبل طلوع الشمس، وخطوات أقدامهم تسحق الثلج. بعدها بدأ المئات ينضمون لهم. كان ذلك في يناير/كانون الثاني 2016، وكان دونالد ترامب، المرشح الجهوري غير المرجح للصدارة، قد قدم إلى البلدة.

كان هو نجم برنامج تلفزيون الواقع “The Apprentice” المتباهي سليط اللسان والمتزوج ثلاث مرات. وكانوا هم من أكثر المجتمعات المسيحية المحافظة في البلاد، في بلدة تحتوي على 19 كنيسة ويبلغ تعدادها حوالي 7,500 شخص.

كان الكثير منهم متشككين، وأتوا ليشهدوا الحدث بأنفسهم، بينما وقف البعض في احتجاج صامت. لكن عندما فُتحت الأبواب وامتلأت المقاعد، رحب جماهير ترامب به هاتفين باسمه. ولوح رجل بلافتة عليها “الغالبية الصامتة تدعم ترامب”، ورفعت امرأة إصبعها المطلي بالأصباغ إلى السماء.

شكلت أمريكا الإنجيلية البيضاء واحدة من أهم الكتل الانتخابية وراء ترامب في عام 2016. الصورة: إيفان فوتشي/ AP

وقف ترامب أمام آلة الأرغن ذو الأنابيب الثلاثية، مرتدياً بذلة داكنة ورابطة عنق حمراء، ولوح بذراعيه بالتزامن مع صياح الجمهور: ترامب، ترامب، ترامب، وصار الخطاب الذي ألقاه ترامب ذلك اليوم في جامعة دوردت المسيحية، والذي استمر 67 دقيقة، مشيناً، وغطته قنوات الأخبار على الفور ولا يزال نقاده يستشهدون به إلى يومنا هذا. لكن المقولة التي اكتسبت سمعة سيئة -وعده بأن بإمكانه أن يقف في وسط فيفث أفنيو ويُطلق النار على شخصٍ ما دون أن يخسر صوت ناخب واحد- غطت على رسالة أخرى قالها ذلك الصباح.

“سأخبركم بشيء، المسيحية واقعة تحت حصار هائل، سواء أردنا التحدث عن الأمر أم لم نرد”، وأضاف أن المسيحيين يمثلون الغالبية العظمى في البلاد، ثم تمهل قليلاً ليشدد على الكلمات التالية: “ونحن لا نتمتع بالنفوذ الذي نستحقه”.

وعد ترامب بأن يتغير ذلك إذا انتُخب رئيساً، ورفع إصبعه محذراً: “ستكون السلطة للمسيحية. إذا صرتُ رئيساً، فستتمتعون بقدر كبير من النفوذ، لا تحتاجون لأي شخص آخر. سيكون لديكم من يمثلكم تماماً. تذكروا ذلك”.

لماذا تبدو العلاقة محيرة؟

بالنسبة للمراقب الخارجي، تبدو العلاقة بين المسيحيين الإنجيليين ودونالد ترامب محيرة، وبدت هذه العلاقة منذ البداية تناقضاً مستحيلاً، إذ لسنواتٍ اعتبر الإنجيليون أنفسهم ناخبين للقيم، أشخاص يقدرون الإنجيل والأخلاق الجنسية -وحب جيرانهم بقدر حبهم لأنفسهم- فوق كل شيء.

بينما كان ترامب نقيض ذلك؛ إذ تباهى بالاعتداء على النساء، وبالطلاق مرتين، وبنى حياته المهنية من القمار، وتملق المتعصبين وتودد لهم. ونادراً ما ذهب إلى الكنيسة، ورفض أن يطلب المغفرة.

ودام هذا التناقض 4 سنوات، وقد دعموه عندما أغلق الباب أمام اللاجئين المسلمين، وعندما فرق بين الأطفال وآبائهم على الحدود، وعندما أطلق الشتائم المخجلة على وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما تلفظ بالمغالطات وكأنها حقائق، وعندما عزل من منصبه.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/رويترز

لم يدعم الإنجيليون ترامب على الرغم مما هو عليه، بل دعموه بسبب ذلك، وبسبب ما هم عليه؛ إنه حاميهم؛ المتنمر الذي يقف في صفهم، الرجل الذي عرض عليهم الأمان في خضم خوفهم من تغير بلادهم كما يعرفونها سريعاً وعلى وضعهم فيها. إذ لم يعد الأزواج البيض ذوي الأطفال، والذين يترددون على الكنيسة بانتظام، هم النمط السائد في أمريكا. كان أسلوب عيشهم هذا، والذي سادت فيه قيمهم، مهدداً بالانقراض، وقد عرض ترامب أن يعيدهم إلى السلطة، وكأنها لم تكن لهم طوال الوقت.

“لقد بدأنا كبلد مسيحي”

يعمل دريسن في شركة مرافق، وتعمل زوجته ممرضة، وقد ربيا معاً 5 أطفال في المنطقة التي ترعرعا فيها. وكان أجداد جدة دريسن من بين أوائل المهاجرين البروتستانت الذين جاؤوا من هولندا إلى ولاية آيوا في أواخر القرن التاسع عشر. وقد كانوا من بين مئات العائلات التي بحثت عن فرص اقتصادية، ومكان للعبادة دون تدخل الحكومة الهولندية. وأطلق المهاجرون على مستوطنتهم الأولى اسم بيلا Pella، تيمناً بالمكان الذي لجأ إليه مسيحيو القرن الأول هرباً من الاضطهاد. ثم بُنيت مستوطنتهم الثانية، والتي شملت مدينة سيوكس سنتر، على أرضٍ كانت موطناً لقبيلة وينكتون سيوكس، قبل أن تجبرهم حكومة الولايات المتحدة على الانتقال غرباً.

لا تزال الكنيسة هي ما يربط هذا المجتمع ببعضه. وكان دريسن قبل الخطاب بيوم، قد ذهب إلى قداس يوم الأحد صباحاً ومساءً. وكانوا قد فصلوا جهاز توجيه الإنترنت وأغلقوا هواتفهم، وجلسوا يقرأون الإنجيل. تتسم سيوكس سنتر بالهدوء أيام الأحد، حيث فيها عدّ الأماكن المفتوحة -بيتزا هت وكولفير ووالمرت- عن الأماكن المغلقة.

ترامب يحمل نسخة من الإنجيل أمام كنيسة سانت جون القريبة من البيت الأبيض/ رويترز

وتحدث دريسن عن السياسات التي تهمه، وعن كل القضايا المحافظة المعتادة؛ الحكومة الصغيرة، ووضع حد للإجهاض، والقضاة الذين يشاركونه آراءه السياسية، و”العائلات التقليدية” كما دعاها، وقال: “لسوء الحظ زادت حالات الطلاق عما كان من قبل. وزادت العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. أعتقد أن الأمر له أثر سلبي وخيم على العائلة. ما أراه هو أن الأطفال أفضل حالاً في بيت به أبوين؛ أب وأم”.

وجلست زوجته صامتة، تاركة له الحديث. كما أنها لم تذهب لحضور خطاب ترامب، إذ لم تكن شغوفة بالسياسة؛ الرجال هنا أجهر صوتاً من زوجاتهم في دعم الرئيس. لكنها بدأت تتكلم الآن.

قالت: “الجانب الديني شديد الأهمية بالنسبة لنا، بينما نرى حرياتنا الدينية تُسلب منا. يمكن أن تفقد عملك إذا كنت لا تؤمن بالمثلية الجنسية أو شيء من هذا القبيل، وهو جزء جوهري من إيماننا. لكنني أرى ترامب يدافع عن ذلك. وقد أصدر في الحقيقة قراراً تنفيذياً بإعادة وضع الإنجيل في المدارس العامة. حريتنا الدينية شيء عزيز علينا ويثير قلقنا كثيراً”.

وأوضحت: “حتى هذه اللحظة فهذا ما يجعلنا نرى ترامب شخصاً مهماً للحفاظ على تلك الحرية”، وتابعت: “الأمر أشبه بالتعصب العكسي. يقول الأشخاص المتحررون إننا متعصبون ضدهم، بينما تنعكس هذه العصبية إذا كنا عاجزين عن العيش في إطار إيماننا”.

“سيقهر جميع خصومنا”

في مساء يوم الخطاب، فتح سكوتن موقع يوتيوب -بعد أن أدخل أطفاله الثلاثة إلى أسرتهم- ليسمع الخطاب بنفسه، وبعد قليل بدأ ترامب يثير ضحكه؛ لقد هشم المرشح الإعلام تماماً. قال شيئاً عن إطلاق النار على رجل في فيث أفنيو. لكن أهم ما يتذكره سكوتن هو أنه دافع عن المسيحية.

دونالد ترامب في مؤتمر تحالف الإيمان والحرية الإنجيلي في واشنطن/ رويترز

قال: “هل هو رجل نزيه؟ بالطبع لا. لكن هل يدافع عن بعض قيمنا المسيحية؟ نعم”، ووافقه بعض رفاقه، حيث قال أحدهم: “لن أقول إنه مسيحي، لكنه على الأقل لا يهاجمنا”.

وسارت زوجة سكوتن مع عددٍ من الزوجات الأخريات. بدا لها أن البلاد بعد انتخاب براك أوباما تعرضت لتحول ثقافي. قالت: “كان التصريح بمسيحيتك أمر خطير. لأننا اعتُبرنا متعصبين وعنصريين؛ وُصمنا بالكراهية وبأننا السبب وراء كل الاستهزاء والمشكلات في أمريكا. ألق اللوم على المؤمنين البيض”.

وكانت سنوات حكم أوباما محيرة لها. قالت إنها سمعت شائعات عن إعطاء الحريات للمثليين الجنسيين والأقليات. لكنها شعرت أن حرياتها الخاصة تُسلب منها، وأنها هي من كان يتحول إلى أقليات.

قالت: “لا أحب ترامب. أعتقد أنه شخص مناسب لأمريكا كبلد، وأنه سيُعيد لنا حرياتنا بعد أن قضينا 8 أعوام، ما لم يكن أكثر، نراها تُسلب ببطء تحت ستار منح الحريات للجميع. صار الأمريكيون القوقازيون يتحولون إلى أقلية بسرعة”.

وأوضحت قائلة: “إذا كنت أمريكياً قوقازياً كادحاً، فحقوقك تكون محدودة لأنك تُعتبر مناهضاً للأعراق الأخرى أو للمرأة. ثمة أشخاص يرون أننا بسبب تمسكنا بالقيم المحافظة وتقديرنا للعائلة، أو لأني أقدر الخضوع لزوجي، فلا بد أنني أناهض حقوق المرأة”.

وعلا صوتها أكثر وهي تقول: “أرى أن الأمر يتطلب امرأة أقوى للخضوع للرجل من محاولة السيطرة عليه. وسأجادل في هذه النقطة حتى الموت”، وتابعت بحرية أكبر: “مايك بينس رجل رائع. وربما القياس شديد السوء، لكنني أقول إنه مثل زوجة داعمة خاضعة لترامب. إنه هو من يؤدي العمل الصعب، والزوج ينال المجد”.

كشفت حقبة ترامب الاندماج التام بين المسيحية الإنجيلية والسياسات المحافظة، حتى مع استمرار تراجع المسيحية الإنجيلية البيضاء كجزء من التعداد السكان الوطني. وهناك علامات دالة على قرب انهيار هذا التحالف بين بعض النساء والشباب الأصغر سناً. لكن حتى لو تحولت نسبة صغيرة بعيداً عن ترامب، فقد يصنعون فارقاً في إعادة انتخابه.

لكن حتى إذا خسر ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني، فقد أوضحت المسيحية الإنجيلية السائدة أعمق دوافعها وكشفت لمن يتعهد غالبية المؤمنين بها بالولاء.

نعم، لبنان دولة ديمقراطية ولكن قادته يشبهون المستبدين العرب، ولهذه الأسباب لن يكون لهم بديل

لبنان دولة ديمقراطية، ومع ذلك فإن الشخصيات السياسية المكروهة التي علّق المحتجون رقابها في مشانق رمزية خلال الاحتجاجات التي اشتعلت نهاية الأسبوع، تأتي لتتناسب إلى حد كبير مع نماذج نمطية شائعة عن حكام أكثر ديكتاتورية في دول مجاورة لها.

شملت تلك الشخصيات، الجنرال السابق والرئيس الحالي ميشال عون، وهناك الشخصية الدينية المثيرة للجدل، حسن نصر الله، زعيم حزب الله، وهناك أيضاً الأكاديمي غير المعروف، حسان دياب، الذي برز فجأة بعدما كان غير معروف، ليصبح رئيساً للوزراء، وتنتشر على نطاق واسع السخرية من تخبط سياساته لأنه عالق بين مستشاريه التكنوقراط ورموز السلطة الحقيقية المتحكمين في البلاد، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Times البريطانية.

وحالياً على الهامش، النموذج النمطي الرابع، الابن المُتمتع بالامتيازات. وهنا يبرز رئيس الوزراء السابق، سعد الحريري، الذي يأتي بين سيف الإسلام القذافي وبشار الأسد في السن، ومثلهم يرجع بروزه في المقام الأول إلى الدور الذي اضطلع به والده رفيق الحريري في زمن الحرب والاضطراب السياسي.

نعم لبنان دولة ديمقراطية، ولكن لماذا لا يختلف كثيراً عن جيرانه العرب

ديمقراطية لبنان تعني أنه أكثر حرية من جيرانه. غير أن الجانب السلبي البارز هو أن جميع السلوكيات والنماذج المعتادة في جيرانه الأكثر ديكتاتورية تزدهر فيه أيضاً، وليس واحداً منها فقط.

الرئيس عون هو الشخصية التي تجمع أشتات الحكومة معاً. وكانت هزيمته المخزية عندما كان قائد الجيش على يد القوات السورية، في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، قد أنهت مسيرته العسكرية، كما أدت إلى تقليص السلطات الممنوحة لكل من المسيحيين وللمنصب الذي يشغله الآن.

عاد ميشال عون في وقت لاحق من المنفى، وسرعان ما انقلب على موقعه السابق، ليصنع سلاماً مع دمشق ويدخل في تحالف مع حزب الله.

المسيحيون المؤيدون للغرب لم يغفروا له ذلك أبداً، لكن كثيرين كانوا سعداء لأن التسوية السياسية التي شارك فيها تجاوزت مخاطر الصراع الطائفي (عبر تحالفه مع حزب الله الذي كان غريباً آنذاك).

بالخرائط.. إلى أين وصل وقع التدمير الضخم في بيروت؟

باسيل.. أكثر شخصية مكروهة في لبنان

ومع ذلك، فإنه الآن وهو في الخامسة والثمانين من عمره نادراً ما يبدو حازماً، كما بات في ظل صهره، جبران باسيل، الذي أصبح بدوره أكثر الشخصيات تعرضاً للشتم والانتقادات في لبنان.

والانتقادات التي يتعرض لها باسيل ليست من فراغ، إذ على الرغم من امتصاصه جزءاً كبيراً من ميزانية الحكومة عندما كان وزيراً للطاقة، لم ينجح في ضمان توفير الكهرباء على مدار 24 ساعة، وهو أمر تمكنت منه دول مجاورة فقيرة مثل مصر.

كما جاء تعامله مع أحداث هذا الأسبوع ليُؤجج التوترات على نحو خاص، إذ لم يزر المنطقة المتضررة، وعندما أجرى مقابلة عبر التلفزيون، تعمّد التشويش على مسؤولية الحكومة عن نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة في المرفأ وتسببت في الانفجار بحسب التقارير.

دياب واجهة لنصر الله وبري اللذين يديران البلد لصالح إيران

أما السيد دياب، الأستاذ الجامعي الذي تحول إلى رئيس للوزراء، فقد أفلت إلى حد كبير من المشانق الرمزية التي عقدها المتظاهرون للرموز السياسية، وإن كان ذلك لأنه يبدو عاجزاً أو قليل الحظ أكثر منه متحكماً أو مسيطراً على فساد المؤسسة.

فشل دياب حتى الآن في دعم تنفيذ مقترحات صندوق النقد الدولي للإصلاح الاقتصادي، أو حتى في إعلان خطة خاصة به.

وبلغ الأمر أنه عندما جاء وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، للزيارة، كتب على تويتر أن مضيفه “يفتقر إلى المعلومات”، ما دفع وزير خارجية حكومة دياب إلى الاستقالة.

سعد الحريري زغيم تيار المستقبل/رويترز

وعلى أي حال، يقول معارضون إن دياب ما هو إلا واجهة لقادة أقوى فصيلين شيعيين: حزب الله بقيادة أمينه العام حسن نصر الله، وحركة أمل بزعامة نبيه بري رئيس البرلمان.

ويقول منتقدون أيضاً إن الرجلين المتحالفين مع سوريا منذ فترة طويلة ضحيا بازدهار لبنان من أجل تحالفات إقليمية مدمرة. كما يتحدث بعض الناس في انتقادٍ عن أن بري ملياردير، رغم أنه قضى حياته بأكملها في السياسة.

الرجل الوحيد من خارج النظام الحالي الذي نال القدر ذاته تقريباً من الذم والانتقادات هو سعد الحريري، السياسي السني ذو النفوذ. وذلك بعد أن تبددت إلى حد كبير مشاعر الاستبشار وافتراض النيات الحسنة التي صعد من خلالها إلى السلطة في أعقاب اغتيال والده الملياردير رئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري، في عام 2005.

وعلى مدار السنوات التي تولى فيها رئاسة الوزراء، كشف الحريري عن عجزه البيّن في مواجهة منافسيه الفاسدين، حزب الله، أو حتى راعيه، السعودية. فقد احتجزه ولي العهد، محمد بن سلمان، لفترة وجيزة وأهانه في عام 2017.

الشعب يتمنى رحيلهم ولكن لا بديل لهم

البدائل الموجودة حالياً قليلة. إذ لم يتمكن أي من المرشحين الأصغر سناً أو الأفضل كفاءة من الخروج من أسر السياسة الطائفية التي يمثلونها.

تقول نجوى، إحدى المتظاهرات، إنها تتمنى لو ترى رحيلهم جميعاً عن الساحة السياسية دون عودة.

وتضيف: “يبدو الأمر كما لو أن لديهم كرسياً واحداً، ولذلك يتشبثون به إلى تلك الدرجة. إنهم لا يريدون ترك هذا الكرسي [كرسي السلطة]. لماذا؟ لأنه يجلب كثيراً من الأموال إلى جيوبهم”.

استدعاء بن سلمان في قضية الجبري.. معركة القضاء وحسابات السياسة

جاء قرار محكمة فدرالية بالعاصمة الأميركية واشنطن استدعاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وعدد من كبار مساعديه في قضية محاولة اغتيال رجل الاستخبارات السعودي السابق سعد الجبري، لتلقي بالضوء على أبعاد القضية المتداخلة قانونيا وسياسيا.

وطالبت مذكرات الاستدعاء التي اطلعت عليها الجزيرة نت من المدعى عليهم بالرد كتابة على الشكاوى ضدهم، سواء شخصيا أو عن طريق ممثليهم القانونيين، وفي حالة تجاهل الرد، فإنه يحق للمحكمة أن تصدر عليهم حكما غيابيا.

وضاعف وجود اثنين ممن شملهم طلبات الاستدعاء بالولايات المتحدة، من تعقيد النظر للقضية من جانبها القانوني، وطبقا لأوراق القضية يقيم بولاية فيرجينيا المدعى عليه يوسف الراجحي، وتقيم بولاية ماساشوستس المدعى عليها ليلى أبو الجدايل.

ودفع وجود اسم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أوراق استدعاء رسمية صادرة عن محكمة فدرالية، إضافة لتشابه تفاصيل الادعاءات ضده وضد مساعديه بما جرى في حالة قتل الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي، لمضاعفة الاهتمام الإعلامي بالقضية.

القضية في بعدها السياسي

تربط علاقات خاصة بين الرئيس دونالد ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وربطت بعض التقارير بين أهمية خروج هذه الدعوى للعلن وما صاحبها من تغطية إعلامية وقرار المحكمة توجيه استدعاءات للمدعى عليهم، وبين عبء هذه العلاقات على ترامب قبل أقل من ٣ أشهر من الانتخابات الرئاسية.

وطبقا لدانا سترول، المسؤولة السابقة بالكونغرس والباحثة حاليا بمركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فهناك سؤال يطرح باستمرار في واشنطن ويتعلق بالسعودية، ولم تتطرق إليه دوائر واشنطن على مر تاريخ العلاقات الممتدة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو هل السعودية عنصر استقرار للشرق الأوسط أم أنها عنصر توتر؟

وجاء في دراسة لسترول أن دوائر واشنطن تعرف حاليا لغة غير مسبوقة تجاه السعودية لا تستخدم مع الأصدقاء أو الحلفاء.

ويظهر ذلك بوضوح في تناول أعضاء الكونغرس والإعلام الأميركي لقضايا تتعلق بالانتهاكات الحقوقية ضد النشطاء السياسيين السعوديين، وسجل جرائم الحرب في اليمن، ورفض الكونغرس تصدير السلاح للرياض، وتبعات قضية قتل خاشقجي، والنظرة السلبية لطموحات السعودية النووية.

اعلان

ومع قرب موعد الانتخابات الرئاسية، يتناول البعض تأثير وصول المرشح الديمقراطي جو بايدن على مستقبل علاقة محمد بن سلمان بالبيت الأبيض.

وهاجم جو بايدن في مناسبات عدة سجل الرئيس ترامب الودي والداعم لحكام مستبدين حول العالم.

كما انتقد المرشح الديمقراطي للرئاسة في حوار له مع شبكة سي بي إس CBS بشدة الدعم غير المحدود الذي يقدمه ترامب لولي العهد السعودي، وأشار بايدن إلى أن ترامب يجد مبررات لولي العهد السعودي بعيدا عن الحقائق، وهذا يضر الولايات المتحدة وسمعتها الدولية.

الحجج القانونية

أما عن القضية في إطارها القضائي والقانوني، فيري بروس فاين، المساعد السابق لنائب وزير العدل الأميركي والخبير القانوني، في حوار له مع الجزيرة نت أنه إذا ما تقدمت القضية، سيُسمح للجبري بطلب شهادة تحت القسم للمدعى عليهما المقيمين في الولايات المتحدة، ودعوتهما كشاهدين للمحاكمة.

وأكد فاين أن القضية مبررة قانونيا بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب، الذي يخلق سببا للنظر في الدعوى أمام محاكم الولايات المتحدة ضد أي شخص يتعرض لخطر القتل خارج نطاق القانون في أي مكان في العالم، بما في ذلك كندا.

من جهتها، أشارت أستاذة القانون بكلية هاستينغ بجامعة كاليفورنيا شامين كيتنر إلى أهداف السيد سعد الجبري من المضي في القضية أمام محاكم أميركية، أنه يمكن أن يخدم تقديم شكوى قانونية بطريقة جادة بهدف لفت الانتباه إلى المخالفات المزعومة للمدعي من جانب المدعى عليهم بما يضع قلقه ومخاوفه أمام الرأي العام والسجلات القانونية الرسمية.

وتعتقد كيتنر أنه نظرا لتجربة الولايات المتحدة ورد فعلها السلبي على مقتل الصحفي جمال خاشقجي، فإنه ليس من المستغرب أن نرى أفرادا يشعرون بأنهم مستهدفون من قبل النظام السعودي يحاولون التماس الإنصاف في المحاكم الأميركية.

وقالت في حديثها مع الجزيرة نت إنه إذا تم تقديم أوراق القضية بشكل قوي وصحيح، “أتوقع من المدعى عليهم أن يثيروا عددا من الاعتراضات على هذه الدعوى التي سيتعين على المحكمة حلها والبت فيها قبل المضي قدما”.

قضية شائكة

وأشارت كيتنر إلى أن أحكام المحكمة ستخضع لهذه الاعتراضات، التي ستُطرح في طلب رفض النظر في القضية للاستئناف من جانب صاحب الدعوى، وبالتالي يمكن أن تكون هناك دعوى قضائية واسعة النطاق زمنيا حتى لو لم تصل المحكمة أبداً إلى الأسس الموضوعية للنظر في القضية، وانتهت في رأيها إلى إمكانية عدم الاستمرار في نظر القضية في مرحلة لاحقة.

وفي السياق، تحدثت خبيرة قانونية مع الجزيرة نت حول حجج القضية القانونية، وقالت الخبيرة -التي طلبت عدم ذكر اسمها نظرا لطبيعة عملها- إن القضية شائكة في طبيعتها، فالمدعي ليس أميركيا، والمدعى عليهم عدد كبير وهم ليسوا أميركيين، ولا يقيم منهم في الولايات المتحدة سوى شخصين.

وأضافت الخبيرة أنها لا تستطيع استدعاء سوابق قانونية يمكن أن تدفع المحكمة للاستمرار في النظر في هذه القضية.

توماس فريدمان: انفجار لبنان تحذير لأميركا

قال الكاتب الأميركي توماس فريدمان إن الوضع في الولايات المتحدة أصبح شبيها بلبنان وباقي دول الشرق الأوسط، فيما يتعلق بإدارة الخلافات السياسية وتسييس الأحداث، وإن محاربة تلك النزعة تعدّ المشروع الأهم للجيل الحالي.

وأشار فريدمان -في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز (New York Times) الأميركية- إلى أنه عندما سمع أخبار الانفجار الرهيب الذي هزّ العاصمة اللبنانية بيروت في 4 أغسطس/آب الجاري، والتكهنات المتعلقة بمن يقف وراءه، عادت به الذاكرة إلى حوار دار في حفل عشاء قبل 40 سنة في منزل مالكولم كير، الذي كان حينها رئيسا للجامعة الأميركية في بيروت، حيث علق أحد الضيوف على عواصف رعدية غير عادية مصحوبة بالبرد كانت قد ضربت بيروت خلال الليلتين السابقتين.

وأدلى الحضور بآرائهم بشأن الطقس القاسي، قبل أن يسأل مالكولم ضيوفه -على سبيل السخرية- “هل تعتقدون أن السوريين مسؤولون عن ذلك؟”.

وعلّق فريدمان بأن سؤال مالكوم كان يسخر من ميل اللبنانيين إلى تفسير كل شيء على أنه مؤامرة، كما أنه أيضا كان يشير إلى أمر أعمق يتعلق بالمجتمع اللبناني، وينطبق أيضا على أميركا اليوم للأسف، وهو حقيقة أنه في لبنان -في ذلك الوقت وحتى يومنا هذا- أصبح كل شيء مسيسا، وحتى يومنا هذا- أصبح كل شيء مسيسا، حتى الطقس.

أميركا الطائفية

وقال فريدمان إن أميركا أصبحت أشبه بدولة شرق أوسطية، لدرجة أن اللبنانيين بينما كانوا يستنتجون أن انفجار بيروت كان بسبب حادث حقيقي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث كما لو كان قائد مليشيا في بيروت، معلنا أن الانفجار لا بد أنه نجم عن مؤامرة، مصرحا بأن جنرالات جيشه أخبروه أن ما حدث  “كان هجوما، لقد كانت قنبلة من نوع ما”.

اعلان

وأشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة باتت تشبه لبنان وغيره من دول الشرق الأوسط من ناحيتين: أولاهما، أن الخلافات السياسية أصبحت عميقة لدرجة أن الحزبين اللذين يتصدران المشهد السياسي الأميركي، أصبحا شبيهين الآن بالطوائف الدينية في صراعهما العبثي على السلطة.

ففي حين تنقسم الطوائف اللبنانية إلى “شيعة وسنة وموارنة”، فإن الطوائف الأميركية تنقسم إلى “ديمقراطيين وجمهوريين”، بيد أن الطوائف الأميركية الآن تتصرف تماما مثل القبائل المتنافسة التي ترى أنها يجب أن تحكم أو تموت.

أما وجه الشبه الثاني -بحسب فريدمان- فهو أن كل شيء في الولايات المتحدة أصبح مسيسا، تماما كما هو الحال في الشرق الأوسط، من المناخ إلى الطاقة، وحتى أقنعة الوجه التي يرتديها الناس احترازا من وباء كورونا.

الطريق نحو الانهيار

وحذّر فريدمان من أن المجتمع والديمقراطية كذلك يموتان في نهاية المطاف، عندما يصبح كل شيء مسيسا، إذ يؤدي ذلك إلى خنق نظام الحكم. أو بعبارة أخرى: عندما يكون كل شيء مسيسا، فإن ذلك يعني أن كل شيء يصبح متعلقا بالسلطة فقط، لا يوجد وسط، هناك فقط أطراف، وليست هناك حقائق، هناك فقط روايات مختلفة، أي لا يبقى سوى صراع الإرادات.

وأشار إلى أن هذه النزعة نحو تسييس كل شيء لا تؤذي أميركا فقط، بل تقتلها، وأن السبب في فشل ترامب الذريع في إدارة جائحة كورونا هو أنه التقى أخيرا بقوة لا يمكنه تشويه سمعتها وإبعادها من خلال تحويلها إلى شأن سياسي، ألا وهي الطبيعة.

وأعرب عن يقينه بأن ترامب إذا خسر في الانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الجاري، فإنه لن يغلّب الصالح العام على مصالحه الخاصة ويغادر بهدوء.

وختم فريدمان مقاله باقتباس للفيلسوف الديني بالجامعة العبرية موشيه هالبرتال، الذي قال إن “السياسة السليمة تحتاج إلى نقاط مرجعية خارج ذاتها لكي تزدهر، تحتاج نقاطا مرجعية للحقيقة ومفهوما للصالح العام. وعندما يغيب مجال الصالح العام عن السياسة، فعند ذلك تنهار المجتمعات، هذا ما حدث في لبنان وسوريا واليمن وليبيا والعراق، وهو ما يحدث ببطء في إسرائيل وأميركا”.

المصدر : نيويورك تايمز

استراتيجية ترامب للفوز مجدداً: الاشتراكية هادمة الأمم وبايدن “حصان طروادة” فلا تنتخبوه!

يعتقد خصوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن استبداله مدير حملته الانتخابية قبل أسابيع من موعد الانتخابات دليل دامغ على سوء موقف الرئيس الجمهوري الباحث بأي ثمن عن الفوز بفترة ثانية، وقد يكونون محقين، لكن كشف مدير الحملة الجديد عن الاستراتيجية التي تستهدف المنافس الديمقراطي جو بايدن على أنه حصان طروادة بيد الاشتراكية أربك المشهد إلى حد ما، فما القصة؟

صحيفة The Guardian البريطانية نشرت تقريراً بعنوان: “استراتيجية ترامب لعام 2020: تصوير جو بايدن كدميةٍ لـ”اليسار المتطرف”، ألقى الضوء على محاولة حملة الرئيس الجمهوري التركيز على رسالة مختصرة تستهدف “بايدن الاشتراكي”.

أخيراً ظهرت ملامح استراتيجية انتخابية

بدأ مدير حملة دونالد ترامب الجديد عمله هذا الأسبوع بإعلانٍ نواياه واتجاهاته. قال بيل ستيبين في خطابه العام الأول: “إذا كسبنا أياماً أكثر من جو بايدن، سيُنتَخَب الرئيس ترامب مرةً أخرى”، وأضاف: “سوف نفضح جو بايدن باعتباره أداةً تعيسة في يد اليسار المُتطرِّف، وسوف نقارن إخفاقاته بنجاحات الرئيس ترامب التي لا تُنكَر”.

توقَّعوا أن تسمعوا الكثير من هذا خلال المئة يوم المقبلة أو نحو ذلك عن بايدن، نائب الرئيس السابق، كونه “أداةً تعيسة في يد اليسار المُتطرِّف”. إنها حجةٌ جمهوريةٌ كلاسيكية تسعى لضرب مصداقية المُعتدِلين والمستقلين من خلال ربط الديمقراطيين بالضرائب المرتفعة واشتراكية الحكومة. ومع فشل الهجمات الأخرى على بايدن، يبدو أن حملة ترامب استنتجت أن هذه هي فرصتهم الأفضل.

ترامب يتهم بايدن بأنه يريد القضاء على الشرطة

ويأتي ذلك بينما يبني بايدن تحالفاً يشمل جنرالاتٍ عسكريين ونشطاءً من حملة “حياة السود مهمة – Black Lives Matter”، وجمهوريين مُحبَطين، واشتراكيين ديمقراطيين. ووُصِفَت منصته بأنها الأكثر تقدُّمية من أيِّ مُرشَّحٍ رئاسيٍّ آخر في التاريخ، وتظهر في عامٍ شهدنا فيه جائحة فيروس كورونا المُستجَد واحتجاجاتٍ جماهيريةٍ ضد الظلم العنصري، وإذا سيطَرَ الديمقراطيون على البيت الأبيض وكلٍّ من مجلسي الكونغرس، سوف تشهد الولايات المتحدة تحوُّلاً كاملاً في تعريفات اليسار واليمين والوسط.

“الاشتراكية مدمرة المجتمعات”

كان مؤتمر العمل السياسي المُحافِظ، في الميناء الوطني في واشنطن في فبراير/شباط، آخر صيحات عصر ما قبل الجائحة، وكان موضوعه الرسمي هو “أمريكا ضد الاشتراكية”، وتضمَّنَ جدول أعماله جلساتٍ حملت عناوين مثل “الاشتراكية: هادمة الأمم ومُدمِّرة المجتمعات”، و”وصفةٌ للفشل”، وحذَّرَ ترامب، المُتحدِّث الرئيسي، بشدة من الديمقراطيين باعتبارهم “اشتراكيين يساريين متطرفين”.

الرئيس الأمريكي ترامب بمضرب بيسبول
الرئيس الأمريكي ترامب بمضرب بيسبول

جرت في النهر مياهٌ كثيرة مذاك الحين، وكافَحَ ترامب من أجل التفاعل باستراتيجيةٍ للانتخابات، وفي أواخر أبريل/نيسان، توجَّهَ إلى كراهية الأجانب بحظر الهجرة، وفي مايو/أيَّار تجاهَلَ جائحة فيروس كورونا المُستجَد من أجل التركيز على إعادة بناء الاقتصاد، ودَفَعَ بنظريةِ مؤامرةٍ حول دور بايدن في التحقيق بشأن روسيا، وفي يونيو/حزيران ردَّ على حركة “حياة السود مهمة” بوعدٍ بإنفاذ القانون والنظام بالقمع، وفي يوليو/تموز تبنَّى حرباً ثقافيةً حول الرموز الكونفيدرالية من زمن الحرب الأهلية.

خطة قابلة للتطبيق

في كلِّ مرةٍ، يردُّ ترامب على الأحداث ويحاول اللحاق بركبها، وتطرح استطلاعاتٌ للرأي أن أياً من ذلك لا يفلح، الأمر الذي تصاعَدَ إلى استبدال مدير حملته الانتخابية براد بارسكيل، الأربعاء الماضي، ويُعَدُّ خليفته، ستيبين، مستشاراً جمهورياً أكثر تقليدية يبدو أن يتَّجِه نحو خطةٍ أكثر محافظةً، وفي عام 2008، سَخَرَ الحزب من باراك أوباما لطرحه أنه من الجيد “توزيع الثروة”، والآن يحاول الحزب توجيه السخرية ذاتها لبايدن.

قال لانهي تشن، مدير السياسات السابق في حملة الجمهوري ميت رومني الرئاسية عام 2012: “إنها الاستراتيجية الممكِنة والأفضل التي بإمكانهم تطبيقها، نظراً إلى حقيقة أن اليسار المُتطرِّف كان بمثابة القطاع الصاعد في التحالف التقدُّمي، وباعتبار أنهم كان لهم صوتٌ عالٍ في عددٍ من المقترحات السياسية، التي أعتقد أن معظم الأمريكيين يبغضونها بالكامل”.

ساندرز وبايدن
ساندرز وبايدن

وأضافت تشن، الزميل بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا: “إن فكرة محاولة تصوير بايدن كشخصٍ لا يُعَد سوى ناقلٍ فارغ لليسار، أو في تعاونٍ وثيقٍ مع اليسار المُتطرِّف، تبدو فكرةً منطقيةً بالنسبة لي، سيكون علينا أن نرى مدى فاعلية هذا الهجوم، لكنني أعتقد أن هذه هي الخطوة الأفضل في الوصفة”.

الهجرة والاقتصاد

وعقد ترامب، يوم الثلاثاء الماضي، مؤتمراً صحفياً من 63 دقيقة، كان بمثابة حشدٍ انتخابي غامض في حديقة البيت الأبيض، وفي خطابه المتذبذب، الذي دار ظاهرياً حول الصين وهونغ كونغ، ذَكَرَ الرئيس بايدن حوالي 30 مرة.

وتضمَّنَت هذه المرات: “إن حياة جو بايدن المهنية بأكملها كانت هديةً للحزب الشيوعي الصيني”، و”اليوم، ألقى جو بايدن خطاباً قال فيه إن أساس أجندته الاقتصادية هو حرب يسارية مُتطرِّفة ضد الطاقة الأمريكية”، و”بايدن يتَّجِه نحو اليسار المُتطرِّف”، و”إن أجندة بايدن وساندرز هي أكثر المنصات تطرُّفاً لأي مُرشِّحٍ من حزبٍ كبير في التاريخ الأمريكي حتى الآن”، في إشارةٍ إلى السيناتور بيرني ساندرز، الاشتراكي الديمقراطي الذي انتهى في المركز الثاني بعد بايدن في الانتخابات التمهيدية بالحزب الديمقراطي.

جو بايدن وقضايا الهجرة والاقتصاد تمثل هدفا لمعسكر ترامب

ووَرَدَ في إعلانٍ تلفزيوني: “ما هي الأجندة اليسارية المتطرفة؟ أن يستولوا على مدننا، ويسحبوا تمويل الشرطة، ويمارسوا الضغط على المزيد من البلدات من أجل تتبعهم، وجو بايدن ينحاز إليهم”، فيما وَصَفَ مايك بينس، نائب الرئيس، في حديثه بولاية ويسكونسن يوم الجمعة، بايدن بأنه “حصان طروادة يحمل أجندة مُتطرِّفة”، مضيفاً: “أعتقد أن بايدن فاز بالانتخابات التمهيدية بالحزب الديمقراطي، لكن بالنظر إلى أجندتهم، يبدو لي أن بيرني هو من فاز”.

تؤكِّد مثل هذه الهجمات أن بايدن سيكون ضعيفاً في ما يتعلَّق بالهجرة، والتضحية بمئات الآلاف من وظائف ذوي الياقات الزرقاء في مجال الطاقة، وزيادة الضرائب على عائلات الطبقة الوسطى، وإغلاق المدارس المُستأجرة، وخفض تمويل الشرطة، وترفض حملة بايدن مثل هذه الانتقادات مُعتبِرةً إياها خداعاً يائساً وكاذباً.

وفي الواقع، يُعَدُّ بايدن هدفاً بعيد الاحتمال للذُعر الأحمر، إذ قضى النائب السابق لأوباما أغلب الانتخابات التمهيدية بالحزب الديمقراطي في التصدي للتحديات من اليسار في كلِّ شيء، من صلاته بقطاع الخدمات المالية، إلى خطته للرعاية الصحية الإضافية، إلى عيوبه السابقة في المساواة العرقية، وحظى في النهاية بانتصارٍ شامل على ساندرز وإليزابيث وارن، الرمزين اليساريَّين المعروفين.

ومع ذلك، بدا بايدن حتى الآن قادراً على جلب اليسار معه، وأظهرت قوة العمل الخاصة ببايدن حول ستة مواضيع -المناخ والرعاية الصحية والهجرة والتعليم والاقتصاد وإصلاح العدالة الجنائية- تواضعاً يقول النقَّاد إن هيلاري كلينتون افتقرت إليه في عام 2016، وقد مَنَحَ ذلك ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز وغيرها من التقدُّميين خطوةً إلى الأمام.

وفي الأسبوع الماضي، أطلَقَ بايدن خطةً تُقدَّر بـ700 مليار دولار لإنعاش الصناعة الأمريكية والقضاء على اللامساواة، وهي جزءٌ من خطةٍ طموحة لإعادة هيكلة الاقتصاد قارنها البعض بـ”الصفقة الجديدة” لفرانكلين روزفلت في الثلاثينيات، وأضاف هذا الأسبوع طلباً باستثمار تريليوني دولار في البنية التحتية للطاقة وحلول التغيُّر المناخي.

5 رؤساء أمريكيين خسروا التصويت لكنهم فازوا بالانتخابات ضد إرادة الشعب

من بين 58 انتخابات رئاسية أمريكية، حظي 53 من الفائزين بكلٍّ من الأصوات الشعبية والأصوات الانتخابية، إلا أن هناك 5 رؤساء أمريكيين شهدوا فارق ضئيلاً للغاية في الأصوات، من ضمنها آخر 3 سباقات رئاسية، فخسر فيها الفائزون الأصوات الانتخابية، أي التصويت الشعبي.

كيف نجحوا إذاً؟

لا يُنتخب الرئيس أو نائب الرئيس في أمريكا عن طريق التصويت الشعبي المباشر، إنما ينص القسم الأول من المادة الثانية من الدستور على أن مجموعة من “الناخبين” الذين تعيّنهم الدولة، يحق لهم الانتخاب غير المباشر لأعلى المناصب في البلاد، وتُعرف هذه المجموعة بالمجمع الانتخابي.

للفوز في الانتخابات الرئاسية الحديثة، يحتاج المرشح إلى الحصول على 270 من إجمالي 538 صوتاً انتخابياً.

وتُخصَّص الأصوات الانتخابية للولايات بناءً على عدد الممثلين الذين ينوبون عن الولاية في مجلس النواب، بالإضافة إلى العضوين اللذين يمثلانها بمجلس الشيوخ.

ويُقسم الناخبون وفقاً لتعداد كل ولاية، لكنَّ الدستور يكفل للولايات الأقل تعداداً ثلاثة ناخبين بحد أدنى (ممثل وعضوان في مجلس الشيوخ).

ويعني هذا الحد الأدنى المكفول أن الولايات ذات التعداد الأصغر تتمتع في نهاية المطاف بتمثيل أكبر في المجمع الانتخابي، للفرد الواحد.

ونظراً إلى أن معظم الولايات (48 بالإضافة إلى واشنطن العاصمة) تمنح جميع أصواتها الانتخابية للشخص الذي يفوز بالتصويت الشعبي على مستوى الولاية، فمن الممكن حسابياً الفوز بالأصوات الانتخابية، مع فقدان الأصوات الشعبية.

على سبيل المثال، إذا فاز مرشح بنسب كبيرة في عدد قليل من الولايات ذات الكثافة السكانية العالية، فإنه سيفوز على الأرجح في التصويت الشعبي.

لكن إذا فاز خصمه في الولايات الصغيرة بفارق ضئيل، فما يزال بإمكانه الفوز إذا حاز الأصوات الانتخابية؛ وهذا ما حدث في عام 2016.

وإليك المرات الخمس التي فاز فيها رؤساء أمريكيين بالبيت الأبيض بسبب أصوات المجمع الانتخابي، رغم خسارته للتصويت الشعبي، بحسب ما عددها موقع History الأمريكي.

فوز رؤساء أمريكيين بأصوات المجمع الانتخابي

رؤساء أمريكيين
جون كوينسي آدامز

جون كوينسي آدامز (1824)

كانت تلك هي المرة الأولى، ضمن مرتين، التي يخسر فيها الرجل المنتخب في النهاية كلاً من الأصوات الشعبية، والانتخابية.

في عام 1824، كان هناك أربعة متنافسين على الرئاسة، وجميعهم أعضاء في الحزبين الديمقراطي والجمهوري نفسه: أندرو جاكسون، وجون كوينسي آدامز، وويليام كروفورد، وهنري كلاي.

عند فرز الأصوات، فاز أندرو جاكسون بأكثرية الأصوات الشعبية والانتخابية. لكن للفوز بالرئاسة، يحتاج المترشح أكثر من مجرد تعددية (أكبر عدد من أصوات المجمع الانتخابي)، إذ يحتاج إلى الفوز بالأغلبية (أكثر من النصف)، وكان جاكسون متراجعاً بـ32 صوتاً انتخابياً عن خصمه.

في الحالات التي لا يفوز فيها أي مرشح رئاسي بأغلبية بالأصوات الانتخابية، يكفل الدستور التصويت لمجلس النواب.

ووفقاً للتعديل الثاني عشر، لا يمكن لمجلس النواب التصويت إلا على أكثر ثلاثة أعضاء حاصدين للأصوات، مما أدى إلى استبعاد كلاي من الترشح، لكن هذا لم يمنع كلاي من ممارسة بعض نفوذه بصفته متحدثاً باسم مجلس النواب.

صوَّت مجلس النواب على جعل آدمز رئيساً، مع أن جاكسون كان متقدماً على آدمز بـ99 صوتاً انتخابياً مقابل 84. ثم عُين آدمز كلاي وزيراً للخارجية، مما أثار حنق جاكسون، الذي اتهم خصمَيه بسرقة الانتخابات في صفقةٍ فاسدة.

قال جاكسون: “لقد أنهى يهوذا الغرب العقد، وسيحصل على ثلاثين قطعة من الفضة. هل شهدتم فساداً بهذه الوقاحة في أي بلد من قبل؟”.

رذرفورد هايز
رذرفورد هايز

رذرفورد هايز (1876)

على غرار انتخابات عام 1824، لم يقرر الناخبون الفائز في انتخابات عام 1876، إنما مجلس النواب. إلا أن هذه المرة، لم يكن لدى الدستور حل للنزاع الانتخابي.

كانت المنافسة شرسة بين الجمهوري رذرفورد هايز والديمقراطي صمويل تيلدن، وبعد فرز الأصوات، حصل تيلدن على 184 صوتاً انتخابياً، وهو أقل من الأغلبية المطلوبة حينئذٍ للفوز بالرئاسة، بصوت واحد.

فاز هايز بـ165 صوتاً فقط، لكن كان هناك 20 صوتاً انتخابياً متنازعاً عليها.

اعترض الجمهوريون على نتائج فلوريدا ولويزيانا وكارولينا الجنوبية، إذ ادعى كلا الحزبين أن مرشحهم هو الفائز بتلك الولايات.

كانت للدستور خطة احتياطية إذا لم يفز أي مرشح بأغلبية أصوات المجمع الانتخابي، لكن لم تكن لديه وسيلة أو عملية ما لحل نزاع قائم بين الحزبين.

لذلك أنشأ مجلس النواب لجنة انتخابية اتحادية من الحزبين تتألف من ممثلين عن مجلس النواب، وأعضاء مجلس الشيوخ، وقضاة المحكمة العليا.

وصوتت اللجنة لمصلحة منح هايز اﻷصوات العشرين المُتنازع عليها، ثم فاز بالانتخابات بفارق بالغ ضئيل جداً: 185 إلى 184.

لماذا قررت اللجنة منح المنصب إلى هايز الذي خسر كلاً من التصويت الشعبي والانتخابي؟

يعتقد معظم المؤرخين أن هناك صفقة توسطت بين الطرفين. وافق الديمقراطيون، الذين كان معقلهم الجنوب، على تنصيب هايز رئيساً مقابل أن يعِد الجمهوريون بسحب جميع القوات الفيدرالية من الولايات الكونفدرالية السابقة.

بنيامين هاريسون
بنيامين هاريسون

بنيامين هاريسون (1888)

كانت المنافسة في عام 1888 بين غروفر كليفلاند، الذي كان رئيس الولايات المتحدة وقتها، ومنافسه الجمهوري بنيامين هاريسون، مشبعة بالفساد.

إذ اتهم كلا الطرفين الطرف الآخر بمنح أموال للمواطنين مقابل التصويت لمرشحه. انتشرت وقتها فئة من الناخبين الذين لقبوا بـ”العوائم”، لم يكن لدى تلك الفئة أي ولاء لأي من الحزبين، وكانوا على استعداد لبيع أصواتهم لأعلى مزايد.

في إنديانا، ظهرت رسالة تزعم أن الجمهوريين يتآمرون على شراء أصوات الناخبين، وتعطيل الجهود الارتشائية التي يمارسها الحزب المنافس.

في هذه الأثناء، بذل الديمقراطيون الجنوبيون كل ما في وسعهم لقمع تصويت السود، الذين اصطف معظمهم مع الجمهوريين، “حزب لينكولن”.

وبانتهاء هذا السباق المرير أخيراً، سيطر كليفلاند والديمقراطيون على الجنوب بأكمله، بينما فاز الجمهوري هاريسون بالشمال والغرب، وضمن ذلك ولاية إنديانا، مسقط رأس كليفلاند، بفارق ضئيل.

باكتساح الجنوب، فاز كليفلاند في التصويت الشعبي بأكثر من 90 ألف صوت، لكنه مع ذلك خسر أصوات المجمع الانتخابي، بـ168 صوتاً فقط مقابل 220.

بعد أربع سنوات، عاد كليفلاند وتغلَّب على هاريسون، ليصبح الرئيس الأمريكي الأول والوحيد الذي يخدم فترتين غير متتاليتين.

جورج دبليو بوش
جورج دبليو بوش

جورج دبليو بوش (2000)

على مدار الأعوام الـ112 التالية، عادت نتائج الانتخابات إلى طبيعتها، بحصول الفائز بالأصوات الانتخابية على التصويت الشعبي أيضاً. ثم جاءت الانتخابات الرئاسية لعام 2000، التي احتدمت فيها المنافسة، إلى حد وصولها إلى المحكمة العليا.

كان المرشحان هما الجمهوري جورج دبليو بوش، نجل الرئيس السابق، والديمقراطي آل غور، الذي شغل منصب نائب الرئيس في عهد بيل كلينتون.

في ليلة الانتخابات، كانت النتائج متقاربة للغاية: أوريغون ونيو مكسيكو وفلوريدا. انتهى غور بالفوز بأوريغون ونيو مكسيكو بفارق ضئيل، مما ترك القرار بيد ولاية فلوريدا.

احتدمت المنافسة في فلوريدا لدرجة أن قانون الولاية تطلّب إعادة فرز الأصوات.

فعندما صدّقت المسؤولة عن أمانة شؤون ولاية فلوريدا، كاثرين هاريس، على بوش باعتباره الفائز بـ537 صوتاً، رفع غور دعوى قضائية، بحجة أنه لم تُحسب جميع بطاقات الاقتراع.

كانت هناك أكوام من البطاقات المثقبة التي جُنِّبت، بسبب أخطاء الناخبين التي أدت إلى عدم احتسابها.

انحازت المحكمة العليا في فلوريدا إلى غور، لكن بوش استأنف أمام المحكمة العليا الأمريكية، التي صوتت في النهاية، 5 مقابل 4، لمصلحة إلغاء حكم محكمة فلوريدا ووقف إعادة الفرز.

باحتساب أصوات فلوريدا، فاز بوش بـ271 صوتاً مقابل 266 من الأصوات الانتخابية، في حين تفوق غور على خصمه بـ500 ألف صوت إضافي من الأصوات الشعبية.

رؤساء أمريكيين
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – رويترز

دونالد ترامب (2016)

في انتصار مفاجئ تحدى معظم استطلاعات الرأي قبل الانتخابات، فاز المرشح الجمهوري الدخيل دونالد ترامب على الديمقراطية هيلاري كلينتون، زوجة الرئيس السابق بيل كلينتون، على الرغم من حقيقة أن هيلاري كلينتون تفوقت على ترامب بـ2.8 مليون صوت شعبي، لتحرز أكبر تفاوت في الأصوات تشهده الولايات المتحدة على الإطلاق.

حققت كلينتون أداءً جيداً في المدن الكبرى والولايات المكتظة بالسكان مثل كاليفورنيا ونيويورك، حيث تغلبت على ترامب بنسبة 30 نقطة مئوية و22.5 نقطة مئوية على التوالي.

لكن ترامب فاز بفروق بسيطة في ولايات حاسمة مثل ويسكونسن (0.8%) وبنسلفانيا (0.7%) وميشيغان (0.2%).

في النهاية، ربما خسر ترامب أصوات الملايين، لكنه فاز في المجمع الانتخابي بحصوله على 304 أصوات انتخابية مقابل 227 لكلينتون.

يطعن في شرعيتها حتى قبل إجرائها.. لماذا لا يمكن لترامب تأجيل الانتخابات الرئاسية كما ألمح بذلك؟

ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس 30 يوليو/تموز، إلى وجوب تأجيل انتخابات الرئاسة المقررة في نوفمبر/تشرين المقبل. فهل يمكنه فعل ذلك؟    

تقول صحيفة The Guardian البريطانية: الإجابة لا، فلا يمكن للرئيس التصرف من تلقاء نفسه وتغيير موعد الانتخابات. إذ يضع الدستور الأمريكي سلطة تحديد مواعيد الانتخابات بيد المجالس التشريعية في الولايات والكونغرس. لكنه لا يمنح الرئيس أية سلطة لفعل ذلك.

وتنص المادة الثانية من الدستور الأمريكي، التي تحدد صلاحيات السلطة التنفيذية في الدولة، على أنَّ للكونغرس صلاحية تحديد “موعد” اختيار الولايات لمرشحيها للرئاسة. ويمكن أن يغير الكونغرس الموعد من خلال تعديل القانون، لكن لا يمكن للرئيس فعل ذلك من جانب أحادي.

وفي هذا السياق، قال نيد فولي، الأستاذ بجامعة أوهايو، عبر رسالة إلكترونية: “إذا لم يُنتخَب رئيس جديد (ولا نائب رئيس)، ينص التعديل العشرين من الدستور الأمريكي على اختيار قائم بأعمال الرئيس بحلول ظهر يوم 20 يناير/كانون الثاني، وسيوقع الكونغرس على تشريع يجعل رئيس مجلس النواب التالي في تولي المهام الرئاسية”.

إذا لم يكن باستطاعة ترامب تأجيل الانتخابات، فلماذا ينشر تغريدات عن هذا؟

يعمل ترامب منذ عدة أشهر على وضع الأساس للطعن في شرعية انتخابات 2020. إذ ادعى كذباً أنَّ بطاقات الاقتراع بالبريد، والمتوقع أن تُرسَل بأرقام قياسية هذا العام بسبب جائحة “كوفيد-19″، ستؤدي إلى سرقة الأصوات و”تزوير” الانتخابات.

ولا يوجد دليل يدعم ادعاءات ترامب. لكن من المرجح أنَّ الرئيس يسعى لخلق رواية تشير إلى أنه قد يكون هناك شيء مريب في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني؛ وذلك حتى يكتسب حجة بأنَّ الانتخابات غير مشروعة إذا خسر. وهناك قلق عميق بشأن كيفية استغلال ترامب هذا الخطاب في نوفمبر/تشرين الثاني؛ خاصة لأنه من المحتمل أن تكون فترة الانتظار للحصول على نتائج الانتخابات طويلة. ويشعر العديد من الخبراء بالقلق من أن يستغل ترامب هذا التأخير ويعلن فوزه قبل فرز الأصوات.

إلى جانب ذلك، يُنظَر لتغريدات ترامب منذ فترة طويلة على أنها حيلة لصرف الانتباه عن الأنباء الوطنية الأخرى، أحدثها التراجع الاقتصادي.

هل ترامب محق في القول إنَّ التصويت عبر البريد قد يؤدي إلى التزوير؟

يجادل ترامب والجمهوريون الآخرون بأنَّ التصويت عن طريق البريد أمر خطير لأنَّ حق الاقتراع يُمنَح لشخص آخر غير الناخب، على عكس التصويت شخصياً. لكن العديد من الدراسات أظهرت أنَّ التصويت عبر البريد لا يؤدي إلى المزيد من الاحتيال.

إذ كشف تحليل أجرته صحيفة Washington Post أنه من بين 14.6 مليون صوت يُدلَى بها في 3 ولايات ترسل الاقتراع بالبريد تلقائياً إلى جميع الناخبين، لم تحدث سوى 372 حالة تصويت مزدوج أو التصويت نيابة عن شخص ميت. ووجدت دراسة مختلفة تتعلق بقضايا تزوير الناخبين، التي تحتفظ بها مؤسسة Heritage Foundation، أنَّ 143 حالة فقط من الإدانات الجنائية المتعلقة بالتصويت الغيابي حدثت خلال السنوات الـ20 الماضية. ويمثل ذلك 0.00006% من إجمالي الأصوات المُدلَى بها خلال تلك الفترة.

وتطبق الولايات عدداً من التدابير لمنع الغش. إذ تسمح العديد من الولايات للناخبين بتتبع بطاقات الاقتراع عبر البريد؛ حتى يكونوا واثقين من أنها وصلت لوجهتها. إلى جانب ذلك، تقارن العديد من الولايات التوقيع على بطاقة الاقتراع بالتوقيع المُسجَّل لدى مسؤولي الانتخابات، وهي ممارسة تمنع التزوير إذا طُبِقَت بحرص. وتفرض بعض الولايات قيود على من يمكنه جمع بطاقات الاقتراع بالبريد وتشترط حتى توقيع بطاقات الاقتراع من قِبَل شاهد أو كاتب عدل (لكن الديمقراطيين ومجموعات حقوق التصويت تعارض هذه الأنواع من القيود في العديد من الولايات، قائلين إنها مقيدة دون داعٍ خلال “كوفيد-19”).

ومع ذلك، يحتج ترامب والجماعات المحافظة بأنه حتى العدد القليل من وقائع الاحتيال يمكن أن يغير مجرى الانتخابات، واستدلوا بحالة حديثة من الاحتيال المشتبه به تتضمن بطاقات الاقتراع بالبريد في مدينة باترسون بولاية نيو جيرسي، لدعم حجتهم. لكن المسؤولين المحليين قالوا لصحيفة Washington Post إنهم لا يعتقدون أنَّ المدينة تواجه مشكلة تزوير واسعة النطاق وأنَّ مسؤولي الانتخابات تمكنوا من كشف الاحتيال.

هل سيضر التصويت عبر البريد ترامب والجمهوريين الآخرين؟

لا يوجد دليل على أنَّ التصويت عبر البريد سيضر بفرص ترامب. وأظهرت دراسة أجراها باحثون في ستانفورد في وقت سابق من هذا العام أنَّ التصويت بالبريد عامةً لا يفيد الديمقراطيين أو الجمهوريين. وفي بعض الولايات، مثل فلوريدا، اعتمد الجمهوريون لفترة طويلة على التصويت عبر البريد بوصفه وسيلة موثوقة للحصول على أصوات المؤيدين.

بيد أنَّ هناك بعض القلق من أنَّ خطاب ترامب حول التصويت عبر البريد يمكن أن يضع الجمهوريين في وضع غير مؤاتٍ هذا الخريف. وحتى بالرغم من اعتراض ترامب على التصويت بالبريد، حث الجمهوريون مؤيديهم على طلب بطاقات الاقتراع بالبريد. ووفقاً لوكالة The Associated Press، أرسلت الأحزاب الجمهورية المحلية في فلوريدا ونورث كارولاينا مندوبين إلى أنصارها يحملون صوراً لبعض تغريدات ترامب مُختَارة بانتقائية ومُعدلة وشجعوهم فيها على طلب بطاقات الاقتراع بالبريد.

“مخاوف مشروعة”

لكن تجدر الإشارة إلى أنَّ هناك مخاوف مشروعة بشأن قدرة الولايات وخدمة البريد الأمريكية على إدارة الانتخابات في خريف هذا العام. إذ لم تعتد الكثير من الولايات على تلقي عدد كبير من الأصوات عبر البريد، وقد شعر مسؤولو الانتخابات المحليون بالارتباك تحت طائل تدفق طلبات الاقتراع الغيابي وبطاقات الاقتراع نفسها. وهناك أيضاً قلق من أنَّ خدمة البريد الأمريكية، التي يُقال إنها تفكر في إبطاء وتيرة تسليم البريد بسبب نقص الميزانية، لن تتمكن من تسليم بطاقات الاقتراع في الوقت المناسب.

ويمكن للولايات أيضاً رفض بطاقات الاقتراع الغيابية لعدد من الأسباب؛ فقد تصل في وقت متأخر، أو قد لا يتطابق التوقيع على بطاقة الاقتراع مع التوقيع المُسجَّل، أو لأنها غير مُغلَقة بإحكام. وهناك قلق أيضاً من أنه في ظل زيادة عدد المصوتين عبر البريد هذا العام، سيزداد عدد بطاقات الاقتراع المرفوضة.

وهذه كلها مخاوف مشروعة، لكن لم يفعل ترامب ولا الجمهوريون في الكونغرس الكثير للتغلب عليها. وتحتاج الولايات إلى ما يُقدَّر بـ4 مليارات دولار حتى تستعد استعداداً كافياً للتصويت عبر البريد، لكن الكونغرس لم يخصص سوى 400 مليون دولار حتى الآن. وأحدث مشروع قانون طرحه الجمهوريون للتخفيف من آثار “كوفيد-19” أمام مجلس الشيوخ لا يحتوي على تمويل إضافي للولايات لمساعدتها في إدارة الانتخابات. ويقول مناصرو طريقة التصويت هذه إنَّ خدمة البريد الأمريكية بحاجة ماسة إلى دفعة من التمويل الفيدرالي، لكن ذلك توقف أيضاً في الكونغرس.

وأخيراً، يمكن للولايات أن تُقلِل من عدد حالات رفض الأصوات من خلال مطالبة مسؤولي الانتخابات بإخطار الناخبين قبل رفض البطاقات، وهو شرط معمول به في أقل من 20 ولاية. علاوة على ذلك، تشترط العديد من الولايات على مسؤولي الانتخابات رفض بطاقات الاقتراع التي تصل بعد يوم الانتخابات، بغض النظر عن موعد إيداعها في البريد. وقد سبق ورفع الديمقراطيون عدداً كبيراً من الدعاوى القضائية في جميع أنحاء البلاد سعياً لمطالبة الولايات بفرز الأصوات طالما أنها تحمل ختم البريد بحلول يوم الانتخابات وتصل في الأيام التالية. لكن لم تدعم حملة ترامب تلك الجهود.

Exit mobile version